بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
معنى: الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة
الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس نفسه ومنعها عن وإن كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبراً كما يدل عليه هذا البناء لغة فإنه موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها .
وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ومن يتصبر يصبره الله ) . وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية كذلك سائر الأخلاق .
وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو التخلق لا يصير خلقاً أبداً كما قال الشاعر :
يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطباع على الناقل
وقال آخر .
يا أيها المتحلي غير شيمته * إن التخلق يأتي دونه الخلق
فقبح التطبع شيمة المطبوع
قالوا : وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل .
وقالت طائفة أخرى : بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة والوجود شاهد بذلك قالوا : والمزاولات تعطي الملكات ومعنى هذا : أن من زاول شيئاً واعتاده وتمرن عليه صار ملكة له وسجيةً وطبيعةً قالوا : والعوائد تنقل الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقاً بمنزلة الطبائع قالوا : وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفاً فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قوياً ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعاً ثانياً فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه .
وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب فالتصبر مبدأ الاصطبار كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً .
وأما المصابرة : فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ( آل عمران : 2 ) فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهي حالة في الصبر مع خصمه ، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة ، فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر ففي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته .
(ثم ينقسم باعتبار محله)
الصبر ضربان : ضرب بدني وضرب نفساني وكل منهما نوعين : اختياري واضطراري فهذه أربعة أقسام :
الأول : البدني الاختياري كتعاطي الأعمال الشاقة على البدن اختياراً وإرادةً .
الثاني : البدني الاضطراري كالصبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد والحر وغير ذلك .
الثالث : النفساني الاختياري كصبر النفس على فعل مالا يحسن فعله شرعاً ولا عقلاً .
الرابع : النفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهراً إذا حيل بينها وبينه .
فإِذا عرفت هذه الاقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البهائم ومشاركة للبهائم في نوعين منها وهما صبر البدن والنفس الاضطراريين وقد يكون بعضها أقوى صبراً من الانسان وإنما يتميز الإنسان عنها بالنوعين الاختياريين وكثير من الناس تكون قوة صبره في النوع الذي يشارك فيه البهائم لا في النوع الذي يخص الانسان فيعد صابراً وليس من الصابرين .
فإن قيل : هل يشارك الإنس والجن في هذا الصبر ؟ .
قيل : نعم هذا من لوازم التكليف وهو مظنة الأمر والنهي والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهي كما كلفنا نحن بذلك .
فإن قيل : فهل هم مكلفون على الوجه الذي كلفنا نحن به أم على وجه آخر ؟ .
قيل : ما كان من لوازم النفوس كالحب والبغض والإيمان والتصديق والموالاة والمعاداة فنحن وهم مستوون فيه . وما كان من لوازم الأبدان كغسل الجنابة والأعضاء في الوضوء والاستنجاء والختان وغسل الحيض ونحو ذلك فلا تجب مساواتهم لنا في تكلفة وأن تعلق ذلك بهم على وجه يناسب خلقتهم وحياتهم .
فإن قيل : فهل تشاركنا الملائكة في شيء من أقسام الصبر ؟ .
قيل : الملائكة لم يبتلوا بهوى يحارب عقولهم ومعارفهم بل العبادة والطاعة لهم كالنفس لنا فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى وإن كان لهم صبر يليق بهم وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خلقوا له من غير منازعة هوى أو شهوة أو طبع .
فالانسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين وإن غلب باعث طبعه من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم .
قال قتادة : خلق الله سبحانه الملائكة عقولاً بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الانسان وجعل له عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم ولما خلق الانسان في ابتداء أمره ناقصاً لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه فصبره في هذه الحالة بمنزلة صبر البهائم وليس له قبل تمييزه قوة صبر الاختيار فإذا ظهرت شهوة اللعب استعد لقوة الصبر الاختياري على ضعفها فيه فإذا تعلقت به شهوة النكاح ظهرت فيه قوة الصبر ولكن هذا السلطان وجنده لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده فإن اشراق نور الهداية يلوح عليه عند أول سن التمييز وينموا على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهوره وكلها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارها بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدها فتلمح العواقب ولبس لامة الحرب وأخذ أنواع الأسلحة ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى والمنصور من نصره الله والمخذول من خذله ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين .
