الحمد لله الأول فلا شيء قبله , والآخر فلا شيء بعده , والظاهر فلا شيء فوقه , والباطن فلا شيء دونه .
والصلاة والسلام على صفوة العابدين , حبيب الرحمن , الممدوح المؤيد بالنصر والفتوح محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين .
مرة أُخرى تفوح أعفان النواصب كما هو ديدنهم دوما في بغضهم للمعصومين الطاهرين بنص القرآن الكريم , لذا اعرض ما ورد من شبهات حول آية التطهير و الردود عليها :
أولا : إنها في أزواج النبي خاصة .
ما ينقل عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، فهذا كان يصرّ على أنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى أنّه كان يمشي في الأسواق ويعلن عن هذا الرأي ، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، ممّا يدلّ على أنّ الرأي السائد عند المسلمين كان غير رأيه قطعا ، حتّى أنّه كان يقول : من شاء باهلته في أنّ الآية نازلة في أزواج النبي خاصّة وذلك لإنكارهم ما كان يقول .
ورد في تفسير الطبري : إنّه كان ينادي في الأسواق بذلك 22/ 7 .
وفي تفسير ابن كثير : انه كان يقول : من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة 3 / 415 .
وفي الدر المنثور : كان يقول : ليس بالذي تذهبون إليه , إنما هو نساء النبي 5/ 198 .
لكنّ هذا القول يبطله الآتي :
1 / إنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) .
2 / قول تردّه الأحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين .
3 / هذا الرجل كان منحرفاً فكراً وعملاً ، وكان معادياً لأهل بيت النبوة ومن دعاة الخوارج , والدليل هو ما جاء بترجمة هذا الرجل :
كان خارجيّاً بل من دعاتهم ، وإنّما أخذ أهل أفريقيّة هذا الرأي ـ أي رأي الخوارج ـ من عكرمة ، ولكونه من الخوارج تركه مالك بن أنس ولم يرو عنه .
قال الذهبي : قد تكلّم الناس في عكرمة لأنه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الإسلام ، فقد نقلوا عنه قوله: إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس (!) ، وقال في وقت الموسم أي موسم الحج : وددت أنّي بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلاّ كافر ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر .
كما نص الكثير على كذب عكرمة منهم :
القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة : إنّ عكرمة كذّاب .
وعن ابن سيرين : كذّاب .
وعن مالك بن أنس : كذّاب .
وعن يحيى بن معين : كذّاب .
وعن ابن ذويب : كان غير ثقة .
وحرّم مالك الرواية عن عكرمة .
وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات : ليس يحتج بحديثه .
هذه الكلمات بترجمة عكرمة منقولة من : كتاب الطبقات لابن سعد ، من كلمات الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي ، من تهذيب الكمال للحافظ المزّي ، من وفيّات الأعيان ، من ميزان الاعتدال للذهبي ، المغني في الضعفاء للذهبي ، سير أعلام النبلاء للذهبي .
ثانيا : أنها في أهل البيت و زوجات الرسول .
القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة : أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والأزواج أيضاً .
هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة ، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير 6 / 381 الذي هو من التفاسير المشهورة ، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط ، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك .
أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، وعن زيد بن أرقم ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن أُمّ سلمه رضي الله عنها ، وعن عائشة ؟
وعجيب ، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة و منزلة ، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول ، فأُمّ سلمه رضي الله عنها وعائشة من جملة القائلين باختصاص الآية المباركة بأهل البيت , العجيب هنا هو الدفاع المستميت عن الصحابة من قبل المخالفين والحال أن الصحابة أنفسهم لا يرون مثل هذا المقام لهم ، المخالفين يقولون بِعدالتِهم جميعاً , والصحابة أنفسهم لا يعلمون بعدالتهم ؟
فأُمّ سلمه رضي الله عنها وعائشة تنفيان أن تكون الآية نازلة في حقّ أزواج النبي ، ويأتي الضحّاك ويضيف إلى أهل البيت أزواج النبي .
وأيضاً : الضحّاك الذي نسب إليه ابن الجوزي هذا القول في تفسيره ، هذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه في كتاب الضعفاء ! ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، وأورده الذهبي في المغني في الضعفاء ، وعن يحيى بن سعيد القطّان الذي هو من كبار أئمّتهم في الجرح والتعديل أنّه كان يجرح هذا الرجل ، وذكروا بترجمته أنّه بقي في بطن أُمّه مدّة سنتين !!! .
قال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين وولدتني وقد نبتت ثنيتي ( تفسير ابن كثير - تفسير سورة الرعد الجزء : ( 3 ) - رقم الصفحة : ( 436 ) .
ثالثا : أن سياق الآية يدل على أن المراد بأهل البيت زوجات النبي .
نقول ومن الله التوفيق إن هناك اصطلاح يقول بأن : السياق قرينة في الكلام ، أي أنّه متى ما أردنا أن نفهم معنى كلام أو معنى كلمة ، نراها محفوفةً بأيّ كلام ، وفي أيّ سياق ، فالألفاظ التي تحفّ بهذه الكلمة ، والسياق الذي جاءت الجملة في ذلك السياق ، يكون معيناً لنا أو معيّنا لنا على فهم المراد من تلك الكلمة أو الجملة ، هذا شيء يذكرونه في علم الأصول ، وهذا أيضاً أمر صحيح في مورده ولا نقاش فيه ,إلاّ أنّ الذين يقرّرون هذه القاعدة ، ينصّون على أنّ السياق إنّما يكون قرينة حيث لا يكون في مقابله نصّ يعارضه ، وهل من الصحيح أن نرفع اليد عمّا رواه أهل السنّة في صحاحهم وفي مسانيدهم وفي سننهم وفي تفاسيرهم ، عن أم سلمه رضي الله عنها وعن عائشة وعن غيرهما من كبار الصحابة : أنّ الآية مختصّة بالنبيّ و بالأربعة الأطهار من أهل البيت ، نرفع اليد عن جميع تلك الأحاديث المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين ، لأجل السياق وحده ، حتّى ندّعي شيئاً لاُمّ سلمه أو لعائشة ، وهنّ ينفين هذا الشيء الذي نريد أن ندّعيه لهنّ ؟!
ليس هناك دليل أو وجه لهذا المدّعى ، إلاّ إخراج الآية المباركة عن مدلولها ، عن معناها ، عن المراد الذي هو بحسب الأحاديث الواردة هو مراد الله سبحانه وتعالى . ولولا أنّ الآية المباركة تدلّ على معنى ، تدلّ على مقام ، تدلّ على مرتبة ، تدلّ على شأن ، لما كانت هذه المحاولات ، لا من مثل عكرمة الخارجي ، ولا من مثل ابن كثير الدمشقي ، الذي هو تلميذ ابن تيميّة ، فالآية المباركة لا يراد من أهل البيت فيها إلاّ من دلّت عليه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها ، المقبولة بين الطرفين المتنازعين في هذه المسئله .
رابعا : المراد من أهل البيت هم الساكنون في بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسكان البيت هم نساؤه .
نقول لو كان المقصود من الأهل نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) يكون ظاهر اللفظ ( مفرد مذكر) ومعناه ( جمع مؤنث ) , بينما جاء في الآية بصيغة ( الجمع المذكر ) . كما إن التعبير بالبيت جاء بصيغة المفرد خلافا لمطلع الآية الذي جاء بصيغة الجمع , فمن المتعذر أن تكون عبارة ( وقرن في بيوتكن ) من أجل شخص النبي
( صلى الله عليه وآله ) لأن النبي لم يكن يمتلك بيتا مستقلاً , بل كان بيته هي البيوت التي كانت تعيش فيها زوجاته وابنته الزهراء (عليها السلام ) .
وهذه نماذج من أقوال العلماء السنة في اختصاص آية التطهير بأصحاب الكساء :
قال الطحاوي في (تحفة الأخبار بترتيب شرح مشكل الآثار 8 /470 – 8 / 471 ) المراد بقول الله إنما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً) من هم؟) قال: حدثنا الربيع المرادي، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي
ثم قال: ((ففي هذا الحديث أن المرادين بما في هذه الآية هم رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة وحسن وحسين )) .
ثم قال: ((حدثنا فهد، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي عن حكيم بن سعد، عن أم سلمه قالت: نزلت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]
وقال العلامة الشيخ حسن بن علي السقاف:
وأهل البيت هم سيدنا علي والسيدة فاطمة وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين (عليهم السلام) وذريتهم من بعدهم ومن تناسل منهم للحديث الصحيح الذي نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على ذلك ؛ ففي الحديث الصحيح:
نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً في بيت أم سلمه فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهــم الرجس وطهــرهم تطهيرا قالت أم سلمه: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال : أنت على مكانك، وأنت إلى خير . ( صحيح شرح العقيدة الطحاويه 655 ) .
وقال في هامش صفحة 657 من نفس المصدر، وهو يرد على الشيخ الألباني في قوله :
( وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) دون نسائه (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارا لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه) فقال ردّا عليه: ( وهذا من تلبيساته وتمحله في رد السنة الثابتة في تفسيره لأهل البيت، وهو بهذا أراد أن يلبس على القارئ بأن من قال إن أهل البيت هم أهل الكساء أنهم الشيعة!! والحق أن من قال ذلك جميع أهل السنة والجماعة وقبلهم الذي لا ينطق عن الهوى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن هذا هو النصب الذي يفضي بصاحبه إلى ما ترى كما شرحنا في موضعه ) .
وقال العلامة أبو بكر الحضرمي في (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ) الباب الأول 13 – 14 ( والذي قال بهِ الجماهير من العلماء وقطع به أكابر الأئمة وقامت به البراهين وتظافرت به الأدلة أن أهل البيت المرادين في الآية هم سيدنا علي وفاطمة وابناهما، وما تخصيصهم بذلك منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا عن أمر إلهي ووحي سماوي ) .
وقال أيضا:
( والأحاديث في هذا الباب كثيرة وبما أوردته منها يعلم قطعا أن المراد بأهل البيت هم علي وفاطمة وابناهما رضوان الله تعالى عليهم ولا التفات إلى ما ذكره صاحب روح البيان من أن تخصيص الخمسة المذكورين
(عليهم السلام) بكونهم من أهل البيت من أقوال الشيعة، لأن ذلك محض تهوّر يقتضي بالعجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب أهل السنة السنية يسفر الصبح لذي عينين ) .
وقال العلامة الشوكاني في : ( إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول ) [ 83 البحث الثامن من المقصد الثالث ] وهو يرد على من قال بأن الآية في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) .
( ويجاب عن هذا بأنه ورد بالدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين ) .
وقال السمهودي في (جواهر العقدين ) [ 204 الباب الأول ]
( وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد من الآيتين ) (( آية المباهلة وآية التطهير )) .
وقال أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله المعروف بابن عساكر في كتابه ( الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين) بعد أن ذكر رواية عن أم سلمه قالت فيها : (وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ) .
خلاصة القول :
1 / آية التطهير خاصة بأزواج النبي اجتهاد في مقابل النص والأجتهاد في مقابل النص حرام ولا يجوز شرعآ .
2 / آية التطهير نزلت مستقلة لا يوجد دليل واحد يثبت أن قوله تعالى: ( إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهير) اًنزل بمعية تلك الآيات التي يخاطب الله سبحانه وتعالى بها زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فلا يكون السياق دليلا يمكن الركون إليه لإثبات دعوى نزول هذه الآية في الزوجات ولا يصح التمسك لذلك بوحدة السياق ويكون قرينة على نزولها فيهن إلا بعد ثبوت نزول هذه الآيات دفعة واحدة وفي مناسبة واحدة، بل إن بعض روايات حديث الكساء صريحة في نزول آية التطهير لوحدها مستقلة، ففي بعضها تقول أم سلمه: نزلت هذه الآية في بيتي، وهذا يفيد أمرين؛ الأول: نزول هذه الآية مستقلة لوحدها، والثاني كونها آية كاملة.
3 / القرآن الكريم لم يرتب حسب النزول
إن المسلمين متفقون على أن القرآن الكريم لم يجمع حسب النزول ، فليس نظم آيات القرآن الكريم كلها على أساس التسلسل الزمني فكم من آية مدنية وقعت بين آيات مكية والعكس ، وهذا مسلم لا يحتاج منا لإثبات ، فيبطل بذلك أيضا دليل السياق .
4 / لم تدعي واحدة من زوجات النبي اختصاص آية التطهير بهن أو شمولها لهن، فلم يؤثر شيء من ذلك عن واحدة منهن مع ما هو معلوم عن السيدة عائشة من حرصها على بيان وذكر ما لها من فضائل ومناقب، بل أنها والسيدة أم سلمه ممن روى اختصاص الآية بأصحاب الكساء.
5 / النبي يمنع أم سلمه من الدخول تحت الكساء عندما أرادت ذلك ، فلو كانت الآية تعنيهن أو تشملهن لما كان لهذا المنع وجه ، أو لقال لها عبارة أخرى غير قوله : (إنك إلى خير ) فعلمنا أنهن غير معنيات بالآية ولا بمفهوم أهل البيت فيها .
6 / النبي يحصر مفهوم أهل البيت في الآية بأصحاب الكساء لما جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقصر مفهوم أهل البيت فيهم، ولو كان المراد بهذا المفهوم فيها هم وغيرهم لكان الأنسب أن يقول: (اللهم هؤلاء من أهل بيتي ) .
وقد هلك من إدعّى وخاب من افترى .
والحمد لله رب العالمين .
والصلاة والسلام على صفوة العابدين , حبيب الرحمن , الممدوح المؤيد بالنصر والفتوح محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين .
مرة أُخرى تفوح أعفان النواصب كما هو ديدنهم دوما في بغضهم للمعصومين الطاهرين بنص القرآن الكريم , لذا اعرض ما ورد من شبهات حول آية التطهير و الردود عليها :
أولا : إنها في أزواج النبي خاصة .
ما ينقل عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس ، فهذا كان يصرّ على أنّ الآية نازلة في خصوص أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى أنّه كان يمشي في الأسواق ويعلن عن هذا الرأي ، ويخطّئ الناس باعتقادهم باختصاص الآية المباركة بأهل البيت ، ممّا يدلّ على أنّ الرأي السائد عند المسلمين كان غير رأيه قطعا ، حتّى أنّه كان يقول : من شاء باهلته في أنّ الآية نازلة في أزواج النبي خاصّة وذلك لإنكارهم ما كان يقول .
ورد في تفسير الطبري : إنّه كان ينادي في الأسواق بذلك 22/ 7 .
وفي تفسير ابن كثير : انه كان يقول : من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة 3 / 415 .
وفي الدر المنثور : كان يقول : ليس بالذي تذهبون إليه , إنما هو نساء النبي 5/ 198 .
لكنّ هذا القول يبطله الآتي :
1 / إنّه قول غير منقول عن أحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) .
2 / قول تردّه الأحاديث الصحيحة المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين .
3 / هذا الرجل كان منحرفاً فكراً وعملاً ، وكان معادياً لأهل بيت النبوة ومن دعاة الخوارج , والدليل هو ما جاء بترجمة هذا الرجل :
كان خارجيّاً بل من دعاتهم ، وإنّما أخذ أهل أفريقيّة هذا الرأي ـ أي رأي الخوارج ـ من عكرمة ، ولكونه من الخوارج تركه مالك بن أنس ولم يرو عنه .
قال الذهبي : قد تكلّم الناس في عكرمة لأنه كان يرى رأي الخوارج ، بل كان هذا الرجل مستهتراً بالدين ، طاعناً في الإسلام ، فقد نقلوا عنه قوله: إنّما أنزل الله متشابه القرآن ليضلّ به الناس (!) ، وقال في وقت الموسم أي موسم الحج : وددت أنّي بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً ، وإنّه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلاّ كافر ، وذكر أنّه كان لا يصلّي ، وأنّه كان يرتكب جملة من الكبائر .
كما نص الكثير على كذب عكرمة منهم :
القاسم بن محمّد بن أبي بكر الذي هو من فقهاء المدينة المنوّرة : إنّ عكرمة كذّاب .
وعن ابن سيرين : كذّاب .
وعن مالك بن أنس : كذّاب .
وعن يحيى بن معين : كذّاب .
وعن ابن ذويب : كان غير ثقة .
وحرّم مالك الرواية عن عكرمة .
وقال محمّد بن سعد صاحب الطبقات : ليس يحتج بحديثه .
هذه الكلمات بترجمة عكرمة منقولة من : كتاب الطبقات لابن سعد ، من كلمات الضعفاء الكبير لأبي جعفر العقيلي ، من تهذيب الكمال للحافظ المزّي ، من وفيّات الأعيان ، من ميزان الاعتدال للذهبي ، المغني في الضعفاء للذهبي ، سير أعلام النبلاء للذهبي .
ثانيا : أنها في أهل البيت و زوجات الرسول .
القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة : أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والأزواج أيضاً .
هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة ، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير 6 / 381 الذي هو من التفاسير المشهورة ، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط ، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك .
أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، وعن زيد بن أرقم ، وعن سعد بن أبي وقّاص ، وعن أُمّ سلمه رضي الله عنها ، وعن عائشة ؟
وعجيب ، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة و منزلة ، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول ، فأُمّ سلمه رضي الله عنها وعائشة من جملة القائلين باختصاص الآية المباركة بأهل البيت , العجيب هنا هو الدفاع المستميت عن الصحابة من قبل المخالفين والحال أن الصحابة أنفسهم لا يرون مثل هذا المقام لهم ، المخالفين يقولون بِعدالتِهم جميعاً , والصحابة أنفسهم لا يعلمون بعدالتهم ؟
فأُمّ سلمه رضي الله عنها وعائشة تنفيان أن تكون الآية نازلة في حقّ أزواج النبي ، ويأتي الضحّاك ويضيف إلى أهل البيت أزواج النبي .
وأيضاً : الضحّاك الذي نسب إليه ابن الجوزي هذا القول في تفسيره ، هذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه في كتاب الضعفاء ! ، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء ، وأورده الذهبي في المغني في الضعفاء ، وعن يحيى بن سعيد القطّان الذي هو من كبار أئمّتهم في الجرح والتعديل أنّه كان يجرح هذا الرجل ، وذكروا بترجمته أنّه بقي في بطن أُمّه مدّة سنتين !!! .
قال الضحاك : وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين وولدتني وقد نبتت ثنيتي ( تفسير ابن كثير - تفسير سورة الرعد الجزء : ( 3 ) - رقم الصفحة : ( 436 ) .
ثالثا : أن سياق الآية يدل على أن المراد بأهل البيت زوجات النبي .
نقول ومن الله التوفيق إن هناك اصطلاح يقول بأن : السياق قرينة في الكلام ، أي أنّه متى ما أردنا أن نفهم معنى كلام أو معنى كلمة ، نراها محفوفةً بأيّ كلام ، وفي أيّ سياق ، فالألفاظ التي تحفّ بهذه الكلمة ، والسياق الذي جاءت الجملة في ذلك السياق ، يكون معيناً لنا أو معيّنا لنا على فهم المراد من تلك الكلمة أو الجملة ، هذا شيء يذكرونه في علم الأصول ، وهذا أيضاً أمر صحيح في مورده ولا نقاش فيه ,إلاّ أنّ الذين يقرّرون هذه القاعدة ، ينصّون على أنّ السياق إنّما يكون قرينة حيث لا يكون في مقابله نصّ يعارضه ، وهل من الصحيح أن نرفع اليد عمّا رواه أهل السنّة في صحاحهم وفي مسانيدهم وفي سننهم وفي تفاسيرهم ، عن أم سلمه رضي الله عنها وعن عائشة وعن غيرهما من كبار الصحابة : أنّ الآية مختصّة بالنبيّ و بالأربعة الأطهار من أهل البيت ، نرفع اليد عن جميع تلك الأحاديث المعتبرة المعتمدة المتفق عليها بين المسلمين ، لأجل السياق وحده ، حتّى ندّعي شيئاً لاُمّ سلمه أو لعائشة ، وهنّ ينفين هذا الشيء الذي نريد أن ندّعيه لهنّ ؟!
ليس هناك دليل أو وجه لهذا المدّعى ، إلاّ إخراج الآية المباركة عن مدلولها ، عن معناها ، عن المراد الذي هو بحسب الأحاديث الواردة هو مراد الله سبحانه وتعالى . ولولا أنّ الآية المباركة تدلّ على معنى ، تدلّ على مقام ، تدلّ على مرتبة ، تدلّ على شأن ، لما كانت هذه المحاولات ، لا من مثل عكرمة الخارجي ، ولا من مثل ابن كثير الدمشقي ، الذي هو تلميذ ابن تيميّة ، فالآية المباركة لا يراد من أهل البيت فيها إلاّ من دلّت عليه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها ، المقبولة بين الطرفين المتنازعين في هذه المسئله .
رابعا : المراد من أهل البيت هم الساكنون في بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسكان البيت هم نساؤه .
نقول لو كان المقصود من الأهل نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) يكون ظاهر اللفظ ( مفرد مذكر) ومعناه ( جمع مؤنث ) , بينما جاء في الآية بصيغة ( الجمع المذكر ) . كما إن التعبير بالبيت جاء بصيغة المفرد خلافا لمطلع الآية الذي جاء بصيغة الجمع , فمن المتعذر أن تكون عبارة ( وقرن في بيوتكن ) من أجل شخص النبي
( صلى الله عليه وآله ) لأن النبي لم يكن يمتلك بيتا مستقلاً , بل كان بيته هي البيوت التي كانت تعيش فيها زوجاته وابنته الزهراء (عليها السلام ) .
وهذه نماذج من أقوال العلماء السنة في اختصاص آية التطهير بأصحاب الكساء :
قال الطحاوي في (تحفة الأخبار بترتيب شرح مشكل الآثار 8 /470 – 8 / 471 ) المراد بقول الله إنما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً) من هم؟) قال: حدثنا الربيع المرادي، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي
ثم قال: ((ففي هذا الحديث أن المرادين بما في هذه الآية هم رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة وحسن وحسين )) .
ثم قال: ((حدثنا فهد، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن عبد الرحمن البجلي عن حكيم بن سعد، عن أم سلمه قالت: نزلت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]
وقال العلامة الشيخ حسن بن علي السقاف:
وأهل البيت هم سيدنا علي والسيدة فاطمة وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين (عليهم السلام) وذريتهم من بعدهم ومن تناسل منهم للحديث الصحيح الذي نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه على ذلك ؛ ففي الحديث الصحيح:
نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً في بيت أم سلمه فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهــم الرجس وطهــرهم تطهيرا قالت أم سلمه: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال : أنت على مكانك، وأنت إلى خير . ( صحيح شرح العقيدة الطحاويه 655 ) .
وقال في هامش صفحة 657 من نفس المصدر، وهو يرد على الشيخ الألباني في قوله :
( وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين (رضي الله عنهم) دون نسائه (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصارا لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه) فقال ردّا عليه: ( وهذا من تلبيساته وتمحله في رد السنة الثابتة في تفسيره لأهل البيت، وهو بهذا أراد أن يلبس على القارئ بأن من قال إن أهل البيت هم أهل الكساء أنهم الشيعة!! والحق أن من قال ذلك جميع أهل السنة والجماعة وقبلهم الذي لا ينطق عن الهوى (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن هذا هو النصب الذي يفضي بصاحبه إلى ما ترى كما شرحنا في موضعه ) .
وقال العلامة أبو بكر الحضرمي في (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ) الباب الأول 13 – 14 ( والذي قال بهِ الجماهير من العلماء وقطع به أكابر الأئمة وقامت به البراهين وتظافرت به الأدلة أن أهل البيت المرادين في الآية هم سيدنا علي وفاطمة وابناهما، وما تخصيصهم بذلك منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلا عن أمر إلهي ووحي سماوي ) .
وقال أيضا:
( والأحاديث في هذا الباب كثيرة وبما أوردته منها يعلم قطعا أن المراد بأهل البيت هم علي وفاطمة وابناهما رضوان الله تعالى عليهم ولا التفات إلى ما ذكره صاحب روح البيان من أن تخصيص الخمسة المذكورين
(عليهم السلام) بكونهم من أهل البيت من أقوال الشيعة، لأن ذلك محض تهوّر يقتضي بالعجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب أهل السنة السنية يسفر الصبح لذي عينين ) .
وقال العلامة الشوكاني في : ( إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول ) [ 83 البحث الثامن من المقصد الثالث ] وهو يرد على من قال بأن الآية في نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) .
( ويجاب عن هذا بأنه ورد بالدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين ) .
وقال السمهودي في (جواهر العقدين ) [ 204 الباب الأول ]
( وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد من الآيتين ) (( آية المباهلة وآية التطهير )) .
وقال أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله المعروف بابن عساكر في كتابه ( الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين) بعد أن ذكر رواية عن أم سلمه قالت فيها : (وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ) .
خلاصة القول :
1 / آية التطهير خاصة بأزواج النبي اجتهاد في مقابل النص والأجتهاد في مقابل النص حرام ولا يجوز شرعآ .
2 / آية التطهير نزلت مستقلة لا يوجد دليل واحد يثبت أن قوله تعالى: ( إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهير) اًنزل بمعية تلك الآيات التي يخاطب الله سبحانه وتعالى بها زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فلا يكون السياق دليلا يمكن الركون إليه لإثبات دعوى نزول هذه الآية في الزوجات ولا يصح التمسك لذلك بوحدة السياق ويكون قرينة على نزولها فيهن إلا بعد ثبوت نزول هذه الآيات دفعة واحدة وفي مناسبة واحدة، بل إن بعض روايات حديث الكساء صريحة في نزول آية التطهير لوحدها مستقلة، ففي بعضها تقول أم سلمه: نزلت هذه الآية في بيتي، وهذا يفيد أمرين؛ الأول: نزول هذه الآية مستقلة لوحدها، والثاني كونها آية كاملة.
3 / القرآن الكريم لم يرتب حسب النزول
إن المسلمين متفقون على أن القرآن الكريم لم يجمع حسب النزول ، فليس نظم آيات القرآن الكريم كلها على أساس التسلسل الزمني فكم من آية مدنية وقعت بين آيات مكية والعكس ، وهذا مسلم لا يحتاج منا لإثبات ، فيبطل بذلك أيضا دليل السياق .
4 / لم تدعي واحدة من زوجات النبي اختصاص آية التطهير بهن أو شمولها لهن، فلم يؤثر شيء من ذلك عن واحدة منهن مع ما هو معلوم عن السيدة عائشة من حرصها على بيان وذكر ما لها من فضائل ومناقب، بل أنها والسيدة أم سلمه ممن روى اختصاص الآية بأصحاب الكساء.
5 / النبي يمنع أم سلمه من الدخول تحت الكساء عندما أرادت ذلك ، فلو كانت الآية تعنيهن أو تشملهن لما كان لهذا المنع وجه ، أو لقال لها عبارة أخرى غير قوله : (إنك إلى خير ) فعلمنا أنهن غير معنيات بالآية ولا بمفهوم أهل البيت فيها .
6 / النبي يحصر مفهوم أهل البيت في الآية بأصحاب الكساء لما جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقصر مفهوم أهل البيت فيهم، ولو كان المراد بهذا المفهوم فيها هم وغيرهم لكان الأنسب أن يقول: (اللهم هؤلاء من أهل بيتي ) .
وقد هلك من إدعّى وخاب من افترى .
والحمد لله رب العالمين .
