بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين.
اما بعد، فقد جعل عمر بن الخطاب الشورى بين ستّة عيّنهم هو، لا يزيدون ولا ينقصون، على أن يكون الخليفة المنتخب واحداً من هؤلاء فقط، ولو اتّفق أكثرهم على واحد منهم وعارضت الاقليّة ضربت أعناقهم، ولو اتّفق ثلاثة منهم على رجل وثلاثة على آخر كانت الكلمة لعبد الرحمن بن عوف، ومن خالف قتل، ومدّة المشاورة ثلاثة أيّام، فإن مضت ولم يعيّنوا أحداً قتلوهم عن آخرهم، وصهيب الرومي هو الرقيب عليهم، وهناك خمسون رجل واقفون بأسيافهم، ينتظرون أن يخالف أحدهم فيضربوا عنقه بأمر من عبد الرحمن بن عوف وهدّدهم بالقتل لو بايعوا من يريدونه ولا يريدة هو وقد بنى على أن يكون من بعده عثمان ومن أجل نيل مقصدة.
إذن لا بدّ من أن يطبّق ما يسمى بالشورى، بحيث تنتهي إلى مقصده، جعل الامر بيد عبد الرحمن بن عوف، ولابدّ أن يدبّر الامر(وهيه تنصيب عثمان بن عفان )بحيث تطبّق كما يريد ، وإنّ عبد الحمن بن عوف يعلم رأي علي (عليه السلام )في خلافة الشيخين، ويعلم مخالفة علي(عليه السلام) لسيرة الشيخين، فجاء مع علمه بهذا، واقترح على علي(عليه السلام) أن يكون خليفة على أن يسير بالناس على الكتاب والسنّة وسيرة الشيخين، يعلم بأنّ عليّاً(عليه السلام) سوف لا يوافق، أمّا عثمان فسيوافق في أوّل لحظة، فطرح هذا الامر على علي(عليه السلام)، فأجاب علي (عليه السلام) بما كان يتوقّعه عبد الرحمن، من رفض الالتزام بسيرة الشيخين، وطرح الامر على عثمان فقبل عثمان، أعادها مرّةً، مرّتين، فأجابا بما أجابا أوّلاًفقال علي(عليه السلام) لعبد الرحمن: (أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عنّي، فبايع عبد الرحمن عثمان ،فقال علي(عليه السلام) لعبد الرحمن: والله ما ولّيت عثمان إلاّ ليردّ الامر إليك أو عليك)فقال له: بايع وإلاّ ضربت عنقك، فخرج علي(عليه السلام) من الدار ،فلحقه القوم وأرجعوه حتّى ألجأوه على البيعة.
وهكذا تمّت البيعة لعثمان. ولكن هل بقي عثمان على قراره مع عبد الرحمن ؟ إنّه أرادها لبني أُميّة، يتلقّفوها تلاقّف الكرة، فثار ضدّ عثمان كلّ أُولئك الّذين كانوا في منى وعلى رأسهم طلحة والزبير، اللذان كانت لهما اليد الواسعة الكبيرة العالية في مقتل عثمان، لانّهما أيضاً كانا يريدان الامر، ,وأنّ بعض القائلين قالوا لو مات عمر لبايعنا طلحة، وطلحة يريدها وعائشة أيضاً تريدها لطلحة، ولذا ساهمت في الثورة ضدّ عثمان.أمّا عبد الرحمن بن عوف، فهجر عثمان وماتا متهاجرين، (أي لا يكلّم أحدهما الاخر حتّى الموت)، لانّ عثمان خالف القرار، وقد تعب له عبد الرحمن بأكثر ما أمكنه من التعب. ومات عبد الرحمن بن عوف وهو مهاجر لعثمان ،وهكذا كانت الشورى، فكرة لحذف علي(عليه السلام)كما أنّ معاوية طالب بالشورى عند خلافة علي(عليه السلام) ومبايعة المهاجرين والانصار معه، طالب بالشورى، لحذف علي(عليه السلام)، أراد أن يدخل من نفس الباب الذي دخل منه عمر، ولكنّ عليّاً (عليه السلام) كتب إليه: إنّما الشورى للمهاجرين والانصار، وأنت لست من الانصار وهذا واضح، ولست من المهاجرين، لانّ الهجرة لمن هاجر قبل الفتح، ومعاوية من الطلقاء ولا هجرة بعد الفتح، فأراد معاوية أن يستفيد من نفس الاُسلوب لحذف علي(عليه السلام) ، ولكنّه ما أفلح، وكلّ من يطرح فكرة الشورى، يريد حذف النص وكلّ من يطرح الشورى في كتاب، في بحث، في مقالة، في خطابة، يريد حذف علي(عليه السلام) ، لا أكثر ولا أقل، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.