آيات وأحاديث النهي عن كتمان العلم
قال الله تعالى: أم تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أعلم أم اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . (سورة البقرة:140)
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . (سورة البقرة:159 ـ 160)
وروى البخاري:1/38 ونحوه في:3/74 (عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبوهريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..الى قوله الرحيم . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله(ص)بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لايحفظون ) .
وروى في:1/48: (قال ابن شهاب: كان عروة يحدث عن حمران ، فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثاً، لولا آية ما حدثتكموه: سمعت النبي (ص) يقول: لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها . قال عروة الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا...). (ونحوه في مسلم:1/142 و:7/167 وابن ماجه:1/97 وأحمد:2/240 و247 والحاكم:2/271 والسيوطي في الدر المنثور:1/163)
وقال السيوطي في:2/162: (وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: الذين يبخلون.. الآية.. قال: هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشئ !
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم ، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً ، فعيَّرهم الله بذلك ، فأنزل الله: الذين يبخلون .. الآية !!
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل قال: هذا في العلم ، ليس للدنيا منه شئ) !
وعقد الترمذي:4/138، باباً باسم (باب ما جاء في كتمان العلم) وروى فيه (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار . ثم قال: وفي الباب عن جابر، وعبد الله بن عمر . قال أبو عيسى (أي الترمذي) :هذا حديث حسن ) .
وفي سنن ابن ماجة:1/97:(عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(ص): من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس وأمر الدين ، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار ) .انتهى .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:20/267، عن علي×: ليس كل ذي عين يبصر ، ولا كل ذي أذن يسمع ، فتصدقوا على أولي العقول الزَّمِنَة والألباب الحائرة ، بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم . ثم تلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ.
~ ~
الأسئلة
1 ـ إذا لم يكن نهي عمرأمراً بالكتمان، فهل هو أمر ببذل العلم والحديث ؟!
وإذا لم يكن امتناع قرظة وأمثاله عن التحديث كتماناً ، فما هو الكتمان الذي تنهى عنه الآيات والأحاديث؟!
أليس من الكتمان امتناع أكثر الصحابة من التحديث عن النبي’رغم إلحاح المسلمين عليهم ، خاصة المسلمين الجدد الذين لم يروا نبيهم’، وكانوا في شغف لأن يسمعوا أحاديثه ، ويتعرفوا على أخباره؟!
قال الحاكم في المستدرك:1/102: (فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ، قال: نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها ) . انتهى.
وفي مصنف عبد الرزاق:3/584: (أتى رجل أبا الدرداء فسأله عن آية فلم يخبره فولى الرجل وهو يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..!!).
2 ـ هل تقدمون نهي أبي بكر وعمر عن التحديث وأمرهما بالكتمان ، على نهي الله تعالى ورسوله’عن الكتمان ، وأمرهما ببذل العلم ؟!
وماذا تقولون في فتاوي أئمتكم كالجصاص والآمدي والمناوي وغيرهم: ففي الأحكام للآمدي:2/59:(ومنها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.. الآية. ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي(ص) فهو من الهدى فيجب عليه إظهاره ) .
وفي أحكام القرآن للجصاص:1/122: (ولذلك قال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم ، ثم تلا: الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، فأخبر أن الحديث عن رسول الله(ص)من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى ... وقد روى حجاج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي(ص) قال: من كتم علماً يعلمه ، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار .
فإن قيل: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في كتبهم من صفة رسول الله(ص)؟
قيل له: نزول الآية على سبب غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته ، لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ، إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الإقتصار به على سببه ) .
وفي فيض القدير للمناوي:4/707:(وقد تظافرت النصوص القرآنية على ذم كاتم العلم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وإذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ! فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم ، تارةً بخلاً به ، وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا ، وتارة خوفاً أن يُحتجَّ عليهم بما أظهروه منه ! وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين للعلم ، فإنهم تارةً يكتمونه بخلاً به ، وتارة كراهة أن ينال غيرهم من الفضل والتقدم والوجاهة ما نالوه ، وتارة اعتياضاً برئاسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رتبته ، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم مافيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل! وذلك كله مذمومٌ ، وفاعله مطرودٌ من منازل الأبرار ومقامات الأخيار، مستوجب للَّعنة في هذه الدار ودار القرار).انتهى.
فهل ينطبق ذلك على أبي بكر وعمر ومن أطاعهما في كتمان السنة ؟!
3 ـ احتج علينا المخالفون بأنا نقول بإمامة علي والأئمة من ذريته^استناداً الى نص النبي’فقالوا أين النص؟ وأجبناهم بالأحاديث الصحيحة المتواترة التي رواها رواتهم ودونتها صحاحهم رغم تغييب السنة ، كحديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وحديث المنزلة ، وعشرات غيرها !
ولنا أن نجيبهم أيضاً ، بأن سياسة أبي بكر وعمر في تغييب السنة وتعطيلها، تُسقط حجتكم علينا ومطالبتكم بالأحاديث من مصادركم ، لأن أئمتكم تعمدوا تغييبها ، وعاقبوا رواتها بالضرب والسجن !
وبهذا يظهر بطلان قول ابن تيمية في منهاج سنته:7/48: (لكن أهل العلم يعلمون بالإضطرار أن النبي(ص)لم يبلغ شيئاً من إمامة علي ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم، منها: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه ، لاسيما مع كثرة ما ينقل من فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له ، فكيف لاينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس؟! ولأن النبي(ص)أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه ، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه ). انتهى.
لأنا نقول له: نعم إن النبي’بلَّغ الأمة ولاية علي×في عشرات الأحاديث والخطب في مناسبات عديدة ، وأمر الحاضرين بتبليغ ما سمعوا منه ، لكن مخالفي علي×ألزموا المسلمين بعدم كتابة الحديث ، وحرموا عليهم حتى قول (قال رسول الله’) ! فالكتمان وقع منهما لامن النبي’!
ولذا ورد عن الإمام العسكري×في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزل اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قليلاً أُولَئِكَ مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. (البقرة:174) قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَاأَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ ، المشتمل على ذكر فضل محمد’على جميع النبيين ، وفضل علي×على جميع الوصيين، وَيَشْتَرُونَ بِهِـ بالكتمان ـ ثَمَناً قليلاً، يكتمونه ليأخذوا عليه عرضاً من الدنيا يسيراً ، وينالوا به في الدنيا عند جهال عباد الله رياسة . قال الله تعالى:أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ـ يوم القيامة ـ إِلا النَّارَ ، بدلاً من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق . وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بكلام خير ، بل يكلمهم بأن يلعنهم ويخزيهم ويقول بئس العباد أنتم! غيَّرتم ترتيبي وأخرتم من قدمته ، وقدمتم من أخرته ، وواليتم من عاديته ، وعاديتم من واليته ). انتهى.
ويظهر منه أن الكتمان المذموم في الآية شامل لكتمان اليهود ، ولكتمان قريش لصفات النبي وآله ، وكتمان فضائلهم صلوات الله عليهم . فما رأيكم؟!
4 ـ نعيد آية الكتمان لنعرف حكم اللعن فيها ، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون )َ. فمن هم الذين يشملهم هذا اللعن ، وهل لعنهم واجبٌ، أو مستحب ؟!
قال الله تعالى: أم تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أعلم أم اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . (سورة البقرة:140)
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . (سورة البقرة:159 ـ 160)
وروى البخاري:1/38 ونحوه في:3/74 (عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبوهريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ، ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..الى قوله الرحيم . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله(ص)بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لايحفظون ) .
وروى في:1/48: (قال ابن شهاب: كان عروة يحدث عن حمران ، فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثاً، لولا آية ما حدثتكموه: سمعت النبي (ص) يقول: لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها . قال عروة الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا...). (ونحوه في مسلم:1/142 و:7/167 وابن ماجه:1/97 وأحمد:2/240 و247 والحاكم:2/271 والسيوطي في الدر المنثور:1/163)
وقال السيوطي في:2/162: (وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: الذين يبخلون.. الآية.. قال: هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق ، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشئ !
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم ، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئاً ، فعيَّرهم الله بذلك ، فأنزل الله: الذين يبخلون .. الآية !!
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل قال: هذا في العلم ، ليس للدنيا منه شئ) !
وعقد الترمذي:4/138، باباً باسم (باب ما جاء في كتمان العلم) وروى فيه (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار . ثم قال: وفي الباب عن جابر، وعبد الله بن عمر . قال أبو عيسى (أي الترمذي) :هذا حديث حسن ) .
وفي سنن ابن ماجة:1/97:(عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(ص): من كتم علماً مما ينفع الله به في أمر الناس وأمر الدين ، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار ) .انتهى .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:20/267، عن علي×: ليس كل ذي عين يبصر ، ولا كل ذي أذن يسمع ، فتصدقوا على أولي العقول الزَّمِنَة والألباب الحائرة ، بالعلوم التي هي أفضل صدقاتكم . ثم تلا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ.
~ ~
الأسئلة
1 ـ إذا لم يكن نهي عمرأمراً بالكتمان، فهل هو أمر ببذل العلم والحديث ؟!
وإذا لم يكن امتناع قرظة وأمثاله عن التحديث كتماناً ، فما هو الكتمان الذي تنهى عنه الآيات والأحاديث؟!
أليس من الكتمان امتناع أكثر الصحابة من التحديث عن النبي’رغم إلحاح المسلمين عليهم ، خاصة المسلمين الجدد الذين لم يروا نبيهم’، وكانوا في شغف لأن يسمعوا أحاديثه ، ويتعرفوا على أخباره؟!
قال الحاكم في المستدرك:1/102: (فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ، قال: نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها ) . انتهى.
وفي مصنف عبد الرزاق:3/584: (أتى رجل أبا الدرداء فسأله عن آية فلم يخبره فولى الرجل وهو يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..!!).
2 ـ هل تقدمون نهي أبي بكر وعمر عن التحديث وأمرهما بالكتمان ، على نهي الله تعالى ورسوله’عن الكتمان ، وأمرهما ببذل العلم ؟!
وماذا تقولون في فتاوي أئمتكم كالجصاص والآمدي والمناوي وغيرهم: ففي الأحكام للآمدي:2/59:(ومنها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.. الآية. ووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي(ص) فهو من الهدى فيجب عليه إظهاره ) .
وفي أحكام القرآن للجصاص:1/122: (ولذلك قال أبو هريرة: لولا آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم ، ثم تلا: الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، فأخبر أن الحديث عن رسول الله(ص)من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى ... وقد روى حجاج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي(ص) قال: من كتم علماً يعلمه ، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار .
فإن قيل: روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في كتبهم من صفة رسول الله(ص)؟
قيل له: نزول الآية على سبب غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته ، لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ، إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الإقتصار به على سببه ) .
وفي فيض القدير للمناوي:4/707:(وقد تظافرت النصوص القرآنية على ذم كاتم العلم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وإذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ! فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم ، تارةً بخلاً به ، وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا ، وتارة خوفاً أن يُحتجَّ عليهم بما أظهروه منه ! وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين للعلم ، فإنهم تارةً يكتمونه بخلاً به ، وتارة كراهة أن ينال غيرهم من الفضل والتقدم والوجاهة ما نالوه ، وتارة اعتياضاً برئاسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رتبته ، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة ، فيكتم من العلم مافيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل! وذلك كله مذمومٌ ، وفاعله مطرودٌ من منازل الأبرار ومقامات الأخيار، مستوجب للَّعنة في هذه الدار ودار القرار).انتهى.
فهل ينطبق ذلك على أبي بكر وعمر ومن أطاعهما في كتمان السنة ؟!
3 ـ احتج علينا المخالفون بأنا نقول بإمامة علي والأئمة من ذريته^استناداً الى نص النبي’فقالوا أين النص؟ وأجبناهم بالأحاديث الصحيحة المتواترة التي رواها رواتهم ودونتها صحاحهم رغم تغييب السنة ، كحديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وحديث المنزلة ، وعشرات غيرها !
ولنا أن نجيبهم أيضاً ، بأن سياسة أبي بكر وعمر في تغييب السنة وتعطيلها، تُسقط حجتكم علينا ومطالبتكم بالأحاديث من مصادركم ، لأن أئمتكم تعمدوا تغييبها ، وعاقبوا رواتها بالضرب والسجن !
وبهذا يظهر بطلان قول ابن تيمية في منهاج سنته:7/48: (لكن أهل العلم يعلمون بالإضطرار أن النبي(ص)لم يبلغ شيئاً من إمامة علي ، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم، منها: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه ، لاسيما مع كثرة ما ينقل من فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له ، فكيف لاينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس؟! ولأن النبي(ص)أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه ، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه ). انتهى.
لأنا نقول له: نعم إن النبي’بلَّغ الأمة ولاية علي×في عشرات الأحاديث والخطب في مناسبات عديدة ، وأمر الحاضرين بتبليغ ما سمعوا منه ، لكن مخالفي علي×ألزموا المسلمين بعدم كتابة الحديث ، وحرموا عليهم حتى قول (قال رسول الله’) ! فالكتمان وقع منهما لامن النبي’!
ولذا ورد عن الإمام العسكري×في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أنزل اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قليلاً أُولَئِكَ مَايَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. (البقرة:174) قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَاأَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ ، المشتمل على ذكر فضل محمد’على جميع النبيين ، وفضل علي×على جميع الوصيين، وَيَشْتَرُونَ بِهِـ بالكتمان ـ ثَمَناً قليلاً، يكتمونه ليأخذوا عليه عرضاً من الدنيا يسيراً ، وينالوا به في الدنيا عند جهال عباد الله رياسة . قال الله تعالى:أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ـ يوم القيامة ـ إِلا النَّارَ ، بدلاً من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق . وَلايُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بكلام خير ، بل يكلمهم بأن يلعنهم ويخزيهم ويقول بئس العباد أنتم! غيَّرتم ترتيبي وأخرتم من قدمته ، وقدمتم من أخرته ، وواليتم من عاديته ، وعاديتم من واليته ). انتهى.
ويظهر منه أن الكتمان المذموم في الآية شامل لكتمان اليهود ، ولكتمان قريش لصفات النبي وآله ، وكتمان فضائلهم صلوات الله عليهم . فما رأيكم؟!
4 ـ نعيد آية الكتمان لنعرف حكم اللعن فيها ، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُون )َ. فمن هم الذين يشملهم هذا اللعن ، وهل لعنهم واجبٌ، أو مستحب ؟!
تعليق