أهلا وسهلا بكم في منتدى مدرسة الامام الحسن عليه السلام الدينية إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى
فنرجو التكرم بزيارة صفحة التعليمات بالضغط هنا
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل في المنتدى
إذا رغبت بالمشاركة، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
المدارس الفقهيـّة الشيعيـّة (1) المدينة المنوّرة- الكوفة
أهداف الدرس
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة المدينة المنوّرة.
2. أن يتعرّف إلى مدرسة الكوفة.
55
تمهيد
عندما نتحدّث عن مدرسة فقهيّة في بلدٍ خاصٍ كالمدينة، أو الكوفة أو بغداد أو النجف، فنحن لا نعني أنّ الفقه وكلّ المدارس الفقهيّة قد تمركزت في هذا البلد، وأنّ روّاد هذه المدرسة لم يتجاوزوا هذه النواحي قطّ، ولم يكن لهم أيّ دورٍ في تكوين مدرستهم في بلدانٍ أخرى. وإنّما نعني أن هذه المدرسة بلغت نضجها وكمالها الخاصّ في هذا البلد بالخصوص، وكان لها الأثر الكبير في تكوينها وبلورتها، وإن كان للبلدانِ الأخرى دورٌ وتأثيرٌ في تكوينها وبلورتها، وتركت آثاراً في تكامل هذه المدرسة.
فقد مرّ على الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مراحل مختلفة، من الصعب تحديدها تحديداً دقيقاً، ولكن يمكن حصرها على وجه التقريب في بعض المدارس الكبرى بحسب العصور.
1- مدرسة المدينة المنوّرة
وعصرها هو عصر الصحابة والتابعين لهم. فقد ظهر الفقه من حين ظهور المجتمع الإسلاميّ في المدينة المنوّرة، واستمرّت الحركة العلميّة والفقهيّة إلى حياة الإمام الصادق عليه السلام، فكانت المدينة المنوّرة هي المنطلق الأوّل للرسالة الإسلاميّة، والمدرسة الأولى للفقه الإسلاميّ، وكانت الوطن الأوّل لفقهاء الشيعة، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فكان من فقهاء الصحابة- بعد
57
الإمام أمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم السلام وهم الذين تولّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تربيتهم وتعليمهم:
ابنُ عباس، وسلمان الفارسيّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو رافع إبراهيم مولى رسول الله، قال النجاشيّ:"أسلم أبو رافع قديماً بمكّة، وهاجر إلى المدينة، وشهد مع النبيّ مشاهده، ولزم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده، وكان من خيار الشيعة، وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة"1"ولأبي رافع كتاب السنن والأحكام والقضاء"2.
وكان من التابعين جمع كثير من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام حفظوا السنّة النبويّة، وتداولوها فيما بينهم، ونقلوها إلى الأجيال التي تليهم بأمانةٍ، حتّى قال الذهبيّ: "فهذا (أي التشيّع) كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين، والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء (أي الشيعة) لذهبت جملة الآثار النبويّة"3.
في عهد الخليفة الثاني
منع عُمر بن الخطاب من تدوين السنّة النبويّة لعوامل عدّة، فبقيت في صدور الصحابة والتابعين يتناقلونها حتّى خلافة عُمر بن عبد العزيز، حيث أمر محمّدَ بن مسلم بن شهاب الزهريّ بتدوينه، فلم يتّفق لمحدّثي غير الشيعة من الصحابة والتابعين تدوين السنّة النبويّة قبل هذا الوقت، ولكن فقهاء الشيعة دوّنوا عدّة مدوّنات حديثيّة مهمّة، فكان أمير المؤمنين عليه السلام أوّل من صنّف في الفقه، ودوّن الحديث النبويّ، ولم يوافق عمر بن الخطاب على رأيه. قال السيوطيّ في تدريب الراوي: "كان بين السلف من الصحابة والتابعين
58
اختلافٌ كثيرٌ في كتابة العلم، فكرهها كثيرٌ منهم، وأباحتها طائفة وفعلوها: منهم: عليّ وابنه الحسن"4.
وفي كتاب الكافي عن يحيى بن جرير قال: قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "كان سعيد بن المسيّب والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأبو خالد الكابليّ، من ثقات عليّ بن الحسين عليهما السلام"5.
والخلاصة أنّه كان فقهاء الشيعة وعلى رأسهم أئمّة المسلمين من أهل البيت عليهم السلام، يقودون الحركة الفكريّة في العالم الإسلاميّ، وانطلقت هذه الحركة من المدينة المنوّرة بشكلٍ خاصّ، وبلغ هذا الازدهار الفكريّ غايته في عهد الإمام الصادق عليه السلام فازدهرت المدينة في عصره، وزخرت بطلاب العلوم ووفود الأقطار الإسلاميّة، وانتظمت فيها حلقات الدرس، وكان بيته جامعةً إسلاميّةً يزدحم فيه رجال العلم، وحملة الحديث، من مختلف الطبقات ينتهلون من موارد علمه.
قال الشيخ المفيد عن الإمام الصادق عليه السلام: "ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان. ولم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقيَ أحدٌ منهم من أهل الآثار ونقَلَةِ الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجلٍ"6.
59
ملامح المدرسة
كانت ملامح المدرسة الفقهيّة في المدينة المنوّرة بدائية إلى حدٍّ ما، ولم تتبلور المسائل الخلافيّة في الفقه بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الخلفاء، كما تبلورت بعد في مدرسة الكوفة على يد تلامذة الإمام الصادق عليه السلام واستمرّت إلى أيّام الإمام الرضا عليه السلام. فالاختلاف في القياس والاستحسان والرأي والاجتهاد، ومسائل الصلاة والوضوء والحجّ الخلافيّة، لم تظهر واضحةً في هذه الفترة بالذات.
"ولم تكن هناك كتبٌ فقهيّة تعنى بالفتاوى خارج نطاق المدوّنات الحديثيّة. كما لم تتبلور بعد لدى فقهاء الشيعة صياغةُ المقاييس الخاصّة للاجتهاد والفتيا بصورةٍ كاملةٍ، والمقاييس الخاصّة لمعالجة الأخبار المتعارضة، فلم يكثر الحديث بعد عن أهل آل البيت عليهم السلام، ولم يدرس في حديثهم بعد الشيء الكثير من الحديث المدسوس، ولم يشقّ على الفقهاء الرجوع إلى الأئمّة عليهم السلام للسؤال فيما يعرضهم من حاجةٍ، أو ما يعرض الناس، فلم تظهر حاجةٌ ملحّةٌ إلى اتخاذ مقاييس للرأي والاجتهاد، ومقاييس لمعالجة الأحاديث المتعارضة، ومعرفة السقيم منها من الصحيح، ولم يراجعوا الأئمّة في شيءٍ من ذلك، ولذلك كان البحث الفقهيّ في هذا الدور يقطع مراحل حياته الأولى"7.
ويمكن تحديد ملامح هذا العصر في الخطوط الثلاثة التالية:
1- قلّة المدوّنات الحديثيّة واضطرابها في الجمع والتبويب.
2- عدم تبلور المسائل الخلافيّة بين المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة بصورةٍ واضحةٍ.
60
3- عدم اتخاذ مقاييس للاجتهاد والفتيا فيما لا نصّ في مورده، ومعالجة الأحاديث الفقهيّة المتعارضة.
2- مدرسة الكوفة
في أخريات حياة الإمام الصادق عليه السلام، انتقلت مدرسة الفقه الشيعيّ من المدينة إلى الكوفة. وبذلك بدأت حياةٌ فقهيّةٌ جديدةٌ في الكوفة، حيث كانت آنذاك مركزاً صناعيّاً، وفكريّاً كبيراً، تقصده البعثات العلميّة والتجاريّة، فذكر البلاذريّ أنّ أربعة آلاف من رعايا الفرس وفدوا إلى الكوفة8، وقد أثّر وفود العناصر المختلفة إلى الكوفة طلباً للعلم، أو التجارة في التلاقح العقليّ والذهنيّ في هذه المدرسة. وقد هاجر إليها فوق ذلك وفود من الصحابة والتابعين، والفقهاء وأعيان المسلمين، من مختلف الأمصار، وبذلك كانت الكوفة، حين انتقل إليها الإمام الصادق عليه السلام وانتقلت إليها مدرسة الفقه الشيعيّ، من أكبر العواصم الإسلاميّة.
"وقد عدّ البراقي في تاريخ الكوفة 148 صحابيّاً من الذين هاجروا إلى الكوفة واستقرّوا فيها، ما عدا التابعين والفقهاء الذين انتقلوا إلى هذه المدينة، والذين كان يبلغ عددهم الآلاف، وما عدا الأسر العلمية التي كانت تسكن هذا القطر. وقد أورد ابن سعد في الطبقات ترجمة ل850 تابعيّا ممن سكن الكوفة"9. في مثل هذا الوقت انتقل الإمام الصادق عليه السلام إلى الكوفة أيّام أبي العباس السفاح، واستمرّ بقاؤه عليه السلام فيها مدّة سنتين.
61
وقد اشتغل الإمام الصادق عليه السلام هذه الفترة بالخصوص في نشر المذهب الشيعيّ، لعدم وجود معارضة سياسيّة قويّة، حيث سقطت في هذه الفترة الحكومة الأمويّة، وظهرت الحكومة العباسيّة، واغتنم الإمام الصادق عليه السلام فرصة الصراع على الحكم للدعوة إلى المذهب، ونشر أصول مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فازدلفت إليه الشيعة من كلّ فجٍّ زرافاتٍ ووحداناً تستقي منه العلم، وترتوي من منهله العذب، وتروي عنه الأحاديث في مختلف العلوم. قال الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القميّ: "إنّي أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخٍ كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد عليه السلام "10.
فازدهرت مدرسة الكوفة على يد الإمام الصادق عليه السلام وتلاميذه، فكانت الكوفة هي منطلق الحركة العقليّة في العصر الثاني من عصور تأريخ الفقه الشيعيّ، ومبعث هذه الحركة، ومركز الإشعاع، وظلّت تعدّ من أهمّ مراكز الفقه الشيعيّ، تقصدها البعثات الفقهيّة الشيعيّة. ويتعاقب فيها فقهاء الشيعة، مركز الصدارة في التدريس، والفتيا، والبحث الفقهيّ.
أبرز أصحاب الإمام الصادق عليه السلام
وكان من بين أصحاب الإمام الصادق عليه السلام من فقهاء الكوفة:
1- أبان بن تغلب بن رباح الكوفيّ الذي روى عنه عليه السلام (30000) حديثاً.
2- محمّد بن مسلم الكوفيّ. روى عن الباقرين عليهما السلام (40000) حديثاً. وقد صنّف الحافظ أبو العبّاس بن عقدة الهمدانيّ الكوفيّ المتوفّى سنة 333 هـ كتاباً في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام فذكر ترجمة (4000) رجلٍ.
62
كلّ ذلك بالإضافة إلى البيوتات العلميّة الكوفيّة التي عرفت بانتسابها إلى الإمام الصادق عليه السلام، واشتهرت بالفقه والحديث كبيت آل أعين، وبيت آل حيّان التغلبيّ، وبيت بني عطيّة، وبيت بني دراج، وغيرهم من البيوتات العلمية الكوفية الشيعيّة، التي اشتهرت بالفقه والحديث.
خوف العباسيّين
أدّى التجمّع والالتقاء بالإمام الصادق عليه السلام في الكوفة، والاحتفاء به إلى أن يأخذ الجهاز العباسيّ الحاكم حذره منه، فخاف المنصور الدوانيقيّ أن يفتتن الناس بالإمام عليه السلام لما رأى من إقبال الفقهاء والناس عامّة عليه، ممّا حداه على أن يطلبه إلى قربه في بغداد.
ورغم العقبات الكبرى التي اصطدم بها أئمّة الشيعة من أهل البيت عليهم السلام، وفقهاء الشيعة ورواة الحديث، من ضغط الجهاز الحاكم والمعارضات، والتهم والافتراءات، والتهريج الذي كان يقوم به الجهاز، تقدّمت الدراسة الفقهيّة الشيعيّة، وتدوين الحديث شوطاً كبيراً في هذه الفترة، وتركت لنا هذا التراث التشريعي الضخم الذي تمتلئ به المكتبات، وتحتفل به المجموعات الضخمة.
ملامح المدرسة
1- ظهرت ظاهرة التدوين من أيّام الإمام الباقر عليه السلام ونمت أيّام الإمام الصادق عليه السلام، حيث أخذ الإمام الصادق عليه السلام - لما رأى من ضياع الأحاديث والسنن- يحثّ الرواة والعلماء على تدوين السنّة وكتابتها.
عن أبي بصير قال: "دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: ما يمنعكم من الكتاب؟! إنّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا، إنّه خرج من عندي رهطٌ من أهل
2- توسّعت حاجات المسلمين في هذا الوقت، وازدحم الناس على أبواب الفقهاء يطلبون منهم الرأي فيما استجدّ عليهم، ولم يكن ما بيد فقهاء السنّة ومحدّثيها من الحديث ما يكفي لسدّ هذه الحاجة، كما ولم يجدوا في الكتاب الكريم جواباً عنها، ولم يكن الجهاز القائم بالحكم يسمح لهم بمراجعة أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذين اعتبرهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم عدلاً للكتاب في حديث الثقلين المعروف، فاضطروا إلى اتخاذ القياس والاستحسان، والأخذ بالظنّ والرأي.
3- حدوث الاختلاف في نقل الروايات، فقد شاع نقل الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في هذه الفترة، وكثر الدسّ وظهر الاختلاف في متون الروايات، فكان يبلغ البعض من الشيعة حديثان مختلفان في مسألةٍ واحدةٍ، فكان الرواة يطلبون من أئمّة أهل البيت عليهم السلام أن يدلّوهم على مقياسٍ لاختيار الحديث الصحيح. فوردت عنهم عليهم السلام الأحاديث المعالجة للأخبار المتعارضة والتي عُرفت بالأخبار العلاجيّة في الأصول، قال زرارة: "سألت أبا جعفرٍ عليه السلام فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ؟ فقال عليه السلام: يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذّ النادر. فقلت: يا سيّدي إنّهما معاً مشهوران مأثوران عنكم. فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك. فقلت: إنّهما معاً عدلان مرضيّان موثّقان. فقال: أنظر ما وافق منهما العامّة فاتركه، وخذ بما خالف، فإنّ الحقّ فيما خالفهم. قلت: ربما كانوا موافقين لهم، أو مخالفين فكيف أصنع؟ قال: إذاً
64
فخذ بما فيه الحائطة لدينك، واترك الآخر. قلت: إنّهما معاً موافقان للاحتياط، أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: إذاً فتخيّر أحدهما فتأخذ به، ودع الآخر"12.
وظهور الأخبار العلاجيّة الكثيرة في هذا الفترة دليلٌ على توسّع مدرسة أهل البيت عليهم السلام في الفقه، وكثرة النقل، وشياع الحديث عنهم، وانتشار فقه أهل البيت عليهم السلام في الأقطار، كالعراق وخراسان والريّ والحجاز واليمن. وهذه هي الظروف الطبيعية لظهور الدسّ والاختلاق والتزييف في الحديث.
4- اتسعت شقّة الخلاف بين المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة في كثيرٍ من المسائل الخلافيّة، بهدف تعكير الجوّ الفكريّ بين المسلمين، فيتاح للجهاز الحاكم أن يصيد في الماء العكر. وكان موقف أئمّة أهل البيت عليهم السلام حازماً وحكيماً، إذغضّوا الطرف كثيراً عن الخلاف في المسألة الفقهيّة، مجاراةً لفقه العامّة الرائج، وإذا خلوا بأصحابهم ذكروا لهم الوجه الحقّ، وأمروهم بالكتمان والسرّ ما وسعهم ذلك، وحتّى يقضي الله بما هو قاضٍ، وينقذ الأمّة من هؤلاء الغاصبين، وهذه هي التقيّة في الفقه الإسلاميّ.
5- تعيين موازين خاصّة للاجتهاد والاستنباط من قبل أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فقد كان الرواة ينتقلون إلى مناطق بعيدةٍ، وتمسّ بهم الحاجة إلى معرفة حكمٍ من الأحكام الشرعيّة، ولا يجدون وسيلةً لسؤال الإمام عليه السلام، كما لا يجدون نصّاً في المورد، فوضع لهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام قواعد خاصّة للاستنباط والاجتهاد: كالاستصحاب والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وغيرها من القواعد الأصوليّة والفقهيّة، كقاعدة الطهارة، واليد، والإباحة،
65
والحليّة، وغيرها ممّا يعين الفقيه على الاجتهاد والاستنباط.
وإذا صحّ أنّ المدرسة انتقلت من الكوفة إلى المدينة، أو إلى بغداد أو إلى طوس في هذا الفترة فقد كان لفترةٍ قصيرةٍ، وبصورةٍ غير كاملةٍ، وبقيت الكوفة محتفظةً بمكانتها حيناً طويلاً من هذا العصر.
66
خلاصة الدرس
لقد مرّ على الفقه في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مراحل مختلفة، من الصعب تحديدها تحديداً دقيقاً، ولكن يمكن حصرها على وجه التقريب في بعض المدارس الكبرى بحسب العصور.
1- مدرسة المدينة المنوّرة
وعصرها هو عصر الصحابة والتابعين لهم. فقد ظهر الفقه من حين ظهور المجتمع الإسلاميّ في المدينة المنوّرة، واستمرّت الحركة العلميّة والفقهيّة إلى حياة الإمام الصادق عليه السلام، فكانت المدينة المنوّرة هي المنطلق الأوّل للرسالة الإسلاميّة، والمدرسة الأولى للفقه الإسلاميّ، وكانت الوطن الأوّل لفقهاء الشيعة، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
لكن ملامح المدرسة الفقهيّة في المدينة المنوّرة كانت بدائيّة إلى حدٍّ ما، ولم تتبلور فيها المسائل الخلافيّة في الفقه بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الخلفاء.
2- مدرسة الكوفة
في أخريات حياة الإمام الصادق عليه السلام، انتقلت مدرسة الفقه الشيعيّ من المدينة إلى الكوفة، وبذلك بدأت حياةٌ فقهيّةٌ جديدةٌ في الكوفة اشتغل فيها الإمام في نشر المذهب الشيعيّ. وقد أدّى التجمّع والالتقاء بالإمام في الكوفة إلى أن يأخذ الجهاز العباسيّ الحاكم حذره منه، فخاف المنصور الدوانيقيّ أن يفتتن الناس بالإمام عليه السلام فطلبه إلى قربه في بغداد.
ملامح المدرسة
1- ظهرت ظاهرة التدوين من أيّام الإمام الباقر عليه السلام ونمت أيّام الإمام الصادق عليه السلام.
2- توسّعت حاجات المسلمين في هذا الوقت، وازدحم الناس على أبواب الفقهاء يطلبون منهم الرأي فيما استجدّ عليهم.
3- حدوث الاختلاف في نقل الروايات، فقد شاع نقل الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في هذه الفترة، وكثر الدسّ وظهر الاختلاف في متون الروايات.
4- اتسعت شقّة الخلاف بين المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة في كثيرٍ من المسائل الخلافيّة، بهدف تعكير الجوّ الفكريّ بين المسلمين، فيتاح للجهاز الحاكم أن يصيد في الماء العكر.
5- تعيين موازين خاصّة للاجتهاد والاستنباط من قبل أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
أسئلة الدرس
1- كيف يمكن تقسيم الفقه إلى مدارس بحسب العصور؟
2- ما هي ملامح مدرسة الكوفة؟
3- ما هي الأسباب التي ساعدت الإمام الصادق عليه السلام في نشر أصول المذهب؟
أهداف الدرس
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة قمّ والريّ.
2. أن يتبيّن ملامح هذه المدرسة.
69
نشأة مدرسة قمّ
يبتدئ هذا العصر من الغيبة الكبرى، والربع الأوّل من القرن الرابع إلى النصف الأوّل من القرن الخامس.
في هذه الفترة انتقلت حركة التدريس والكتابة والبحث إلى مدينتيّ قمّ والريّ1، وظهر فيهما شيوخٌ كبارٌ من أساتذة الفقه الشيعيّ،كان لهم الأثر الأكبر في تطويره. فقد كانت (قمّ) منذ أيّام الأئمّة عليهم السلام من أمّهات المدن الشيعيّة، وحصناً من حصون التشيّع، وعشّاً لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وموضع عناية خاصّة من أهل البيت عليهم السلام.
وكانت (الريّ)- وهي قريبةٌ من (قمّ)- في هذا التاريخ بلدةً عامرةً بالمدارس والمكاتب، وحافلةً بالعلماء والفقهاء والمحدّثين.
أسباب الانتقال
من أبرز أسباب انتقال مدرسة أهل البيت عليهم السلام من الكوفة إلى إيران، هو الضغط الشديد الذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من العباسيّين، فقد كانوا يطاردون كلَّ من يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الأذى والتهمة، ممّا جعل فقهاء الشيعة وعلماؤها ينتقلون إلى قم والريّ، ووجدوا في هاتين البلدتين
71
ملجأً آمناً يطمئنّون فيه لنشر فقه وحديث أهل البيت عليهم السلام، وكانتا تحت حكومة سلاطين آل بويه، الذين عُرفوا في التاريخ بنزعتهم وولائهم للتشيّع.
ازدهار المدرسة
ويظهر أنّ (قم) في عصر الغيبة، وعهد نيابة النواب الأربعة، كانت حافلةً بعلماء الشيعة وفقهائها، ومركزاً فقهيّاً كبيراً من مراكز البحث الفقهيّ، يعتمد على فقهائها حتّى أمثال الحسين بن روح. ويدلّل على ذلك روايةٌ تاريخيّة ذكرها الشيخ في كتاب الغيبة وهي: "أنفذ الشيخ حسين بن روح (رضي الله تعالى عنه) كتابَ التأديب إلى (قم)، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم: انظروا ما في هذا الكتاب، وانظروا هل فيه شيءٌ يخالفكم، فكتبوا إليه: إنّه كلّه صحيحٌ، وما فيه شيءٌ يخالف إلا قوله: (في) الصاع في الفطرة نصف صاعٍ من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كلّ واحدٍ صاع"2.
ويكفي للدلالة على ضخامة مدرسة قم في هذا العصر ما ذكره العلامة المجلسيّ الأوّل محمّد تقيّ رضوان الله عليهفي شرحه لمن لا يحضره الفقيه بالفارسيّة ما تعريبه: "إنّ في زمان عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفّى سنة 329 هـ كان في قم من المحدّثين مائتا ألف رجل"3.
ووصف الحسن بن محمّد بن الحسن القميّ المتوفّى سنة 378 هـ الفترةَ التي نتحدث عنها قائلاً:"الباب السادس عشر: في ذكر بعض علماء قم، وعدد خواصّهم مائتان وستّة وستّون، وذكر مصنفاتهم ورواياتهم وبعض أخبارهم"4.
72
وهذه الكلمات تدلّ على أنّ مدرسة قم كانت في هذه الفترة من أوسع المدارس الشيعيّة في الفقه والحديث وأضخمها، وكانت تضمّ مئات المدارس والمساجد والمكاتب، وندوات البحث والمناقشة، ومجالس الدرس والمذاكرة.
أبرز علماء هذه المدرسة ومصنّفاتهم
لقد حفلت مدرسة قم والريّ في القرن الرابع الهجريّ بشيوخٍ كبارٍ في الفقه والحديث. ونشطت حركة التأليف والبحث الفقهيّ، وتدوين المجاميع الحديثيّة الموسّعة.
نذكر من علماء هذه المدرسة ومصنّفاتهم
1- عليّ بن إبراهيم القميّ شيخ الكلينيّ في الحديث، يقول عنه النجاشيّ: "ثقة في الحديث ثبتٌ معتمدٌ، صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنّف كتباً،... منها: قرب الإسناد، وكتاب الشرائع، وكتاب الحيض"5.
2- الشيخ محمّد بن يعقوب الكلينيّ المتوفّى سنة 329 هـ. كان معاصراً لعلي بن الحسين بن بابويه، والد الشيخ الصدوق، وتوفيا في سنةٍ واحدةٍ، وهي المعروفة عند الفقهاء تناثر النجوم بسنة (موت الفقهاء).
له كتاب الكافي في الأصول- والفروع. ويعدّ تأليفه أوّل محاولةٍ من نوعها لجمع الحديث وتبويبه، وتنظيم أبواب الفقه والأصول.
يقول رضوان الله عليهفي مطلع كتابه: "كتابٌ كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المستر شد، ويأخذ منه من يريد علم الدين، والعمل بالآثار الصحيحة عن (الصادقين) عليهم السلام "6.
73
يقول عنه الشيخ المفيد: من أجلّ كتب الشيعة، وأكثرها فائدة7.
3- أبو القاسم جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه، كان من تلامذة الكلينيّ والراوين عنه، وأستاذ الشيخ المفيد.
قال عنه النجاشيّ: "كان من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه،... وكلّ ما يوصف به الناس من جميلٍ وفقهٍ وثقةٍ فهو فوقه، له كتبٌ حسانٌ (عدّ منها جملةً كبيرةً)"8.
4- آل ابن بابويه: من بيوتات الفقه والحديث في (قم)، وموضع عناية خاصّة من الحجّة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف ونوّابه، ومن فقهاء الشيعة ومحدّثيهم، وكان أبرزهم الصدوق الأوّل علي بن بابويه القميّ الذي كان من رؤساء المذهب وفقهائهم الكبار. يقول عنه العلامة في الخلاصة:"شيخ القمّيين ومتقدّمهم وفقيههم وثقتهم"9. والابن وهو الشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو جعفر، قال عنه النجاشيّ: " نزيل الريّ، شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان... وله كتبٌ كثيرةٌ (عدّدها)"10.
دوّن الشيخ الصدوق الابن مجموعته الحديثيّة الكبيرة من لا يحضره الفقيه وهو الموسوعة الحديثيّة الجامعة الثانية التي ألّفت في الفقه في هذه الفترة بمدرسة قم والريّ. وقد حاول الصدوق في موسوعته هذه أن يجمع أبعاد الفقه وينظمّه في كتابٍ، ويجمع ما صحّ لديه من أحاديث فيه، ويجعله في متناول
74
الفقيه، أو في متناول من لا يحضره الفقيه من العامّة حينما تعرضه مسألةٌ من المسائل، وأحصيت أحاديث الكتاب، فكانت خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستين حديثاً(5963)، وكان الكتاب فتحاً ثانياً في تدوين الحديث وجمعه بعد تأليف الكافي.
ملامح المدرسة
بلغ النشاط الفكريّ في التأليف والبحث الفقهيّ، وتدوين الأحاديث وجمعها وتنسيقها غايته في هذه الفترة، وترك لنا ثروةً ضخمةً من أهمّ ما أنتجته مدارس الفقه والحديث الشيعيّ، ونحن ذاكرون أهمّ ميّزات هذه المرحلة:
1- التوسعة في تدوين الحديث وجمعه: فقد كان تدوين الحديث قبل هذه الفترة- كما أشرنا إليه في الحديث عن العصر الثاني- لا يتجاوز التدوين الشخصيّ لما سمعه الراوي من أحاديث من الإمام مباشرةً أو بصورةٍ غير مباشرةٍ، مبعثرةً حيناً، ومنتظمةً حيناً آخر. ولم يتّفق لأحدٍ من المحدّثين والفقهاء في العصر الثاني أن يجمع ما صحّ في الأحكام من الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام وينظّم ذلك، كما لوحظ في (الكافي)، (ومن لا يحضره الفقيه).
وخطوة جمع الأحاديث هذه وتنظيمها تعدّ من ميّزات هذه المدرسة. فقد كثرت حاجة الفقهاء إلى مراجعة الروايات والأحاديث حين الحاجة، وكانت الأحاديث منتشرةً بصورةٍ غير منظمةٍ، من حيث التبويب والجمع، في آلاف الكتب والأصول والرسائل التي خلفها أصحاب الأئمّة ومحدّثو الشيعة. ولم يكن من اليسير بالطبع الإلمام بما ورد من أحاديث في مسألةٍ لكلّ أحدٍ، فكانت محاولة الجمع والتبويب في هذه الفترة لسدّ هذه الحاجة.
2- ظهور الرسائل الفقهيّة: ففي هذه الفترة ظهر لونٌ جديدٌ من الكتابة الفقهيّة، وهي الرسائل الجوابيّة. فقد كانت الشيعة تسأل الفقهاء من أطراف
75
العالم الإسلاميّ ما يعرضها من المسائل بشكل استفسارٍ، فكان الفقهاء يجيبون على هذه الأسئلة، وقد يطول الجواب، ويستعرض المجيب الأحاديث الواردة في الباب، فيكون من ذلك رسالةٌ جوابيّةٌ صغيرةٌ في مسألةٍ فقهيّةٍ.
3- تطوّر البحث الفقهيّ: وقد كان لشيوع هذا النحو من الرسائل الفقهيّة دورٌ بارزٌ في تطوير البحث الفقهيّ في هذه الفترة. فكان الفقيه يدرس المسألة، وقد يلقيها على طلابه في مجلس الدرس، ويستعرض ما ورد فيها من أحاديث، فكانت نقطة انطلاقٍ للرأي والنظر.
لكن مع ذلك كان البحث الفقهيّ يقضي مراحل نموّه الأوليّة في هذه الفترة، لأنّ الرسائل الفقهيّة لم تتجاوز عرض الأحاديث من غير تعرّض للمناقشة والاحتجاج ونقد الآراء وبحثها، وتفريع فروعٍ جديدةٍ عليها. ولم يتجاوز البحث الفقهيّ في الغالب حدود الفروع الفقهيّة المذكورة في حديث أهل البيت عليهم السلام، ولم يفرغ الفقهاء بصورةٍ كاملةٍ لتفريع فروعٍ جديدةٍ للمناقشة والرأي.
4- تطوّر عبارة الفتوى الشرعيّة نسبيّاً: حيث كانت الفتاوى في الغالب عبارةً عن نصوص الأحاديث مع إسقاط الإسناد وبعض الألفاظ في بعض الحالات.
فلاحظ رسالة علي بن بابويه القميّ إلى ولده الصدوق يذكر فيها فتاواه. وما كتبه الصدوق كالمقنع والهداية. وما كتبه جعفر بن محمد بن قولويه وغيرهم من هذه الطبقة.
76
خلاصة الدرس
مدرسة قم والريّ:
يبتدئ هذا العصر من الغيبة الكبرى، والربع الأوّل من القرن الرابع إلى النصف الأوّل من القرن الخامس.
في هذه الفترة انتقلت حركة التدريس والكتابة والبحث إلى مدينتيّ قم والريّ، وظهر فيها شيوخٌ كبارٌ من أساتذة الفقه الشيعيّ، كان لهم الأثر الأكبر في تطويره.
أهمّ ميّزات هذه المرحلة:
1- التوسعة في تدوين الحديث وجمعه.
2- ظهور الرسائل الفقهيّة.
3- تطوّر البحث الفقهيّ.
4- تطوّر عبارة الفتوى الشرعيّة نسبيّاً.
أسئلة الدرس
1- لماذا انتقلت مدرسة أهل البيت عليهم السلام من الكوفة إلى قمّ؟
2- ما هي أهمّ ميّزات مدرسة قم والريّ؟
3- عدد أبرز فقهاء هذه المدرسة؟
أهداف الدرس
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرستي بغداد والنجف.
2. أن يعدِّد ملامح المدرسة.
79
أسباب الانتقال إلى بغداد
انتقلت المدرسة من قم والريّ إلى بغداد في القرن الخامس الهجريّ، وذلك لأسبابٍ نذكر منها:
1- ضعف جهاز الحكم العباسيّ: حيث ضعفت سيطرتهم في هذه الفترة، ولم يجد الجهاز الحاكم القوة الكافية لملاحقة الشيعة والضغط عليهم، كما كان في زمن المنصور والرشيد والمتوكّل والمعتصم، فوجد فقهاء الشيعة سعةً للظهور ونشر الفقه الشيعيّ، وممارسة البحث الفقهيّ علانيةً.
2- ظهور شخصيّاتٍ فقهيةٍ كبيرةٍ: كالشيخ المفيد والسيّد المرتضى، حيث كانوا يستغلّون مكانة بيوتهم الاجتماعية، ومكاناتهم السياسية في نشر الفقه الشيعيّ وتطوير دراسته.
3- توسّع المدرسة: ممّا أدّى إلى سيطرة البويهيّين الشيعة في ذلك الوقت، وكانت البيئة الجديدة صالحةً لتقبّل هذه المدرسة، وتطويرها وخدمتها.
فبغداد تعتبر مركزاً ثقافيّاً كبيراً من مراكز الحركة العقليّة في العالم الإسلاميّ، يقطنها الآلاف من الفقهاء والمحدّثين، وينتشر في أرجائها آلاف المدارس والمكاتب والمساجد التي كان يحتشد فيها جماهير الطلاب والمدرّسين والعلماء كلّ يوم للدرس والمطالعة، والبحث والمناقشة، فكان لانتقال المدرسة إلى هذا الجوّ الفكريّ على يد علماء كبار أمثال المفيد والمرتضى والطوسيّ
81
الأثر الكبير في الحركة الفكريّة القائمة في حينه. فبعد أن تكاملت مدرسة الفقه الشيعيّ في قم والريّ وتأصّلت، وظهرت ملامح الاستقلال عليها وتبلورت أصولها وقواعدها في بغداد، ورغم كثرة مدارس البحث الفقهيّ في بغداد في ذلك الحين، كانت مدرسة أهل البيت عليهم السلام فيها أوسعها وأضخمها وأعمقها جذوراً وأصولاً وأكثرها تأصّلا واستعداداً، وأقومها في الاستدلال والاحتجاج، وكلّ ذلك كان يبعث طلّاب الفقه على الالتفاف حول هذه المدرسة أكثر من غيرها.
أبرز علماء الشيعة في مدرسة بغداد والنجف
1- المفيد: أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد البغداديّ (336- 413 هـ)، ولد في عكبرا، وانتقل منها في أيّام صباه إلى بغداد بصحبة والده، ونشأ فيها، وتفرغ لطلب العلم، فعرف وهو صغيرٌ بالفضل والنبوغ. استقلّ بالتدريس في بغداد وهو بعد لم يتجاوز سنّ الشباب، وتفرّغ للفقه والكلام، وكان يحضر مجلس درسه آلاف الطلاب من الشيعة والسنّة، وبرز من تلاميذه رجالٌ كبارٌ أمثال السيّد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، ساهموا في توسعة المدرسة وتطويرها.
يقول العلامة الحلّيّ: "من أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وكلّ من تأخّر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رئاسة الإماميّة في وقته إليه، وكان حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، له قريب من مائتي مصنّف"1.
2- المرتضى علم الهدى( 355- 436 هـ) وأخوه الرضيّ: وهما من أبرز تلامذة الشيخ المفيد الذي عنيَ بهما عنايةً فائقة. تفرّغ المرتضى إلى الفقه بجانب تخصّصه في الأدب، وإلى جانب مؤهّلاته الفكريّة، وجهده الكبير في
82
طلب العلم وعناية أستاذه به، ومكانة أسرته الاجتماعية والثقافيّة، لم يتوقّف عن البحث والتحقيق حتّى خلف أستاذه المفيد بعد موته، وتولّى بنفسه مهمّة التدريس، وزعامة الطائفة، واحتشد حوله الطلاب.
طوّر كثيراً من مناهج الفقه، وكتب الأصول ودرسها. وربما يصحّ اعتباره من أسبق من ارتاد هذا الحقل من حقول الفكر الإسلاميّ. وقد عدّ له السيّد الأمين في الأعيان ما يقرب من تسعين مؤلّفاً من مؤلفاته ممّا عثر على اسمه2.
3- الشيخ الطوسيّ: رئيس الطائفة وهو محمّد بن الحسن الطوسيّ (385- 460 هـ): ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385 هـ بعد أربع سنوات من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408 هـ وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت زعامة المذهب الجعفريّ يومذاك لشيخ الأمّة المفيد، فلازمه وعكف على الاستفادة منه، حتّى اختار الله لأستاذه دار البقاء، فانتقلت زعامة الدين، ورئاسة المذهب إلى أبرز تلاميذه السيّد المرتضى، فانحاز شيخ الطائفة إليه، ولازم الحضور تحت منبره، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، واهتمّ به أكثر من سائر تلاميذه، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة حتّى توفي السيد المرتضى سنة 436 هـ، فاستقلّ الشيخ الطوسيّ بالإمامة، وأصبح علماً للشيعة وناشراً للشريعة، وقد تقاطر عليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه، والحضور تحت منبره، وقصدوه من كلّ بلد ومكان وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة.
عايش تجربة تطوير البحث الفقهيّ والأصوليّ في ظلّ أستاذيه الكبيرين( المفيد والمرتضى)، وكانت فترة مخاض، تمخّضت عنها المدرسة الفقهيّة الجديدة، وعانى ما تتطلّب هذه الفترة من جهدٍ وتعبٍ. واستمرّ بعد
83
أستاذيه في تطوير المدرسة فكانت حياة الشيخ الطوسيّ في مرحلتي التلمذة والتدريس سلسلةً طويلةً من المحاولات التجديديّة، لتطوير الفقه وصياغته من جديدٍ، وتجديد أصول الصناعة والصياغة والاستدلال فيه.
انتقل الشيخ الطوسيّ إلى النجف الأشرف سنة 448 هـ حينما هجموا على داره واحرقوا مكتبته ومنبره. وظلّ ماسكاً بزمام زعامة الشيعة وهو في النجف، والتحق به عددٌ من الطلّاب والعلماء، والتفوا حوله لتتشكّل من ذلك مدرسةٌ جديدة قي النجف الأشرف، ما زالت قائمة إلى يومنا الحاضر، وظلّ يمارس التدريس والتأليف وتطوير مناهج الدراسة الفقهيّة اثنتي عشرة سنةً حتّى آثره الله لدار لقائه في المحرّم سنة 460 هـ.
ذكر العلامة الجليل الشيخ آغا بزرك اسماء 47 مؤلِّفاً للشيخ ممّا وصل إليه من أسماء مصنفاته.
ملامح المدرسة
لقد كان البحث الفقهيّ في مدارس المدينة والكوفة وقم، لا يخرج عن حدود استعراض السنّة، ونقل الحديث، ولم يبلغ رغم تطور المدرسة في عهودها الثلاثة مرحلة الرأي والاجتهاد. ويلمس الباحث لأوّل مرّةٍ آثار الصناعة والصياغة الفنيّة، والاجتهاد والرأي، في هاتين المدرستين، لا سيما في كتابات السيّد المرتضى الأصوليّة، وكتب الشيخ الطوسيّ الفقهيّة والأصوليّة، ولعلّ من أبرز ملامح هاتين المدرستين:
1- خروج الفقه عن الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب: وما صحّ من السنّة إلى معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد: فقد انقلبت في هذه المدرسة عمليّة الاستنباط إلى صناعةٍ علميّة3 لها أصولها وقواعدها.
84
2- فصل البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ، وإفراده بدراساتٍ ومطالعاتٍ خاصّةٍ: فقد قام السيّد المرتضى لأوّل مرّةٍ بمحاولةٍ جديدةٍ تهدف لدراسة المسائل الأصوليّة منفصلةً عن الفقه بصورةٍ موضوعيةٍ، ونقّح المسائل الأصوليّة في كتبٍ ودراساتٍ مستقلّةٍ، إلا أنّها كانت مع ذلك بدائيّةً ولم تتجاوز في غالب الأحوال مباحث الألفاظ، من الأوامر والنواهي ودلالات هيئات الألفاظ وموادها.
3- تفريع المسائل الفقهيّة واستحداث فروعٍ جديدةٍ: لم تتعرّض لها نصوص الروايات. فبعد أن كان البحث الفقهيّ لا يتجاوز حدود بيان الحكم الشرعيّ باستعراض الروايات الواردة في الباب، أخذت تُطرح وتُعالج فروع جديدةٌ لم تتعرّض لها الروايات، وربما يصحّ القول: إنّ الشيخ الطوسيّ كان أوّل من قام بهذه التجربة في كتابه المبسوط 4.
4- ظهور الفقه المقارن أو الفقه الخلافيّ: وذلك بعد أن تمركزت المدرسة الشيعيّة في الفقه في بغداد، وفرضت وجودها العلميّ على سائر المدارس العلميّة، ممّا أثار حفيظة أصحاب المذاهب الفقهيّة الأخرى، وأعلنوا المعارضة بوجه المدرسة، وأثاروا المسائل الخلافيّة بصورةٍ حادّةٍ، ممّا أدّى إلى اصطدام فقهاء الشيعة بفقهاء المذاهب الأخرى، في الندوات والمجالس العامّة حول المسائل الفقهيّة الخلافيّة. ومهما كانت الدوافع لإثارة هذه المسائل، فقدت أدّت إلى خصوبة البحث الفقهيّ، واتساع رقعة الخلاف بين المذاهب الإسلاميّة، وتفرّغ بالتالي فقهاء الشيعة لبحث المسائل الخلافيّة بصورةٍ موضوعيّةٍ.
ظهر هذا النوع من البحث الفقهيّ لأوّل مرّةٍ على يد المفيد والمرتضى والطوسيّ، وتوسّع الشيخ الطوسيّ بشكل خاصّ في دراسة هذا الجانب من
85
البحث الفقهيّ في كتابه الكبير الخلاف، الذي تناول فيه المسائل الفقهيّة الشيعيّة والسنّيّة، في مختلف أبواب الفقه، وتعرّض لأدلّة كلا الطرفين، وناقش آراء المذاهب الأخرى في كثير من المسائل5.
5- ظهور الإجماعات6 والاستدلال بها: فإنّ توسّع البحث الفقهيّ وتكامله دفع الفقهاء إلى استكشاف أدلّة جديدةً للاستنباط، في الأمور التي لم يجدوا في موردها نصّاً، أو لم يقتنعوا بسلامة النصّ من حيث السند، أو الدلالة، فوجدوا في إجماع فقهاء المذاهب عامّة، أو فقهاء الطائفة في عصر واحدٍ دليلاً على وجود نصٍّ شرعيٍّ يجوز الاعتماد عليه، إذ من غير الممكن أن يجمع فقهاء المذاهب على حكمٍ دون وجود نصٍّ عليه أو دليلٍ على سلامة الحكم. وقد ظهر الاحتجاج بالإجماع بصورةٍ واضحةٍٍ في كلمات السيّد المرتضى والشيخ الطوسيّ بصورةٍ خاصّةٍ. وهناك تبريرات أخرى لوجود هذه الإجماعات نوكل دراستها لمراحل أعلى إن شاء الله لمن أراد التوسّع.
86
خلاصة الدرس
مدرسة بغداد والنجف: انتقلت المدرسة الفقهيّة من قمّ إلى بغداد، بسبب ضعف جهاز الحكم العبّاسيّ وظهور شخصيّات فقهيّة كبيرة هناك، وتقبّل البيئة المحيطة لهذه المدرسة، ثمّ بعد ذلك إنتقلت إلى النجف الأشرف من خلال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه. ملامح مدرسة بغداد والنجف
1- معالجة النصوص، واستخدام الأصول والقواعد.
2- انفصال البحث الأصوليّ عن البحث الفقهيّ.
3- تفريع المسائل الفقهيّة واستحداث فروعٍ.
4- ظهور الفقه المقارن أو الفقه الخلافيّ.
5- ظهور الإجماعات والاستدلال بها.
أسئلة الدرس
1- ما هو السبب في ظهور واشتداد مدرسة بغداد ؟
2- ما هي أهم ملامح مدرسة بغداد والنجف؟
3- عدِّد أبرز فقهاء هذه المدرسة؟
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة الحلّة.
2. أن يتبيّن أهم ملامح هذه المدرسة.
89
نشأة المدرسة
برزت مدرسة الحلّة الفقهيّة بعد احتلال بغداد على يد هولاكو التتار، عندها أوفد أهل الحلّة وفداً إلى قيادة الجيش المغوليّ يلتمسون الأمان لبلدهم، فاستجاب لهم هولاكو، وآمنهم على بلدهم بعد أن اختبر صدقهم. وبذلك ظلّت الحلّة مأمونةً من النكبة التي حلّت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي، وأخذت تستقطب الشاردين من بغداد من الطلاب والأساتذة والفقهاء، فاجتمع فيها عددٌ كبيرٌ من الطلاب والعلماء، وانتقل معهم النشاط العلميّ، واحتفلت بما كانت تحتفل به بغداد من وجوه النشاط الفكريّ، من ندوات البحث والجدل، وحلقات الدراسة والمكتبات والمدارس، وغيرها، وظهر في هذه المدرسة فقهاءٌ كبارٌ كان لهم الأثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والأصول الإماميّة، وتجديد صياغة عمليّة الاجتهاد، وتنظيم أبواب الفقه، نذكر منهم:
أبرز علماء مدرسة الحلّة
1- المحقّق الحلّي: نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد الحلّيّ (ت: 678هـ)، رائد مدرسة الحلّة الفقهيّة، ومن كبار فقهاء الشيعة قال عنه تلميذه ابن داود: "الإمام العلامة واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، وأقومهم بالحجّة وأسرعهم استحضاراً،... كان مجلسه يزدحم بالعلماء والفضلاء ممن كانوا يقصدونه للاستفادة من حديثه، والاستزادة من علمه"1.
91
قدّر للمحقّق الحلّيّ أن يجدّد كثيراً في مناهج البحث الفقهيّ والأصوليّ، وأن يكون رائد هذه المدرسة. ويكفي في فضله على المدرسة الفقهيّة أنّه ربّى تلميذاً بمستوى العلامة الحلّيّ، وخلّف كتباً قيّمةً في الفقه لا يزال الفقهاء يتناولونها، ويتعاطونها باعتزازٍ ككتاب: شرايع الإسلام، وكتاب المختصر النافع، وكتاب المعتبر في شرح المختصر، وكتاب نكت النهاية، وكتاب المعارج في أصول الفقه وغيرها.
2- العلامة الحلّيّ: جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن المطهّر، (648- 726 هـ). تتلمذ في الفقه على خاله المحقّق الحلّي، وفي الفلسفة والرياضيّات على المحقّق الطوسيّ، فنشأ كما أراد أستاذاه، وظهر على أترابه وزملائه وعرف بالنبوغ وهو بعد لم يتجاوز سنّ المراهقة، وانتقلت الزعامة في التدريس والفتيا إليه بعد وفاة خاله المحقّق.
قدّر للعلامة الحلّيّ بفضل ما أوتي من نبوغ، وبفضل أستاذيه الكبيرين المحقّق والشيخ، وجهوده الخاصّة، أن يساهم مساهمةً فعّالةً في تطوير مناهج الفقه والأصول، وأن يوسع دراسة الفقه. وتعدّ موسوعته الفقهيّة التذكرة أوّل موسوعةٍ فقهيٍّة من نوعها في تاريخ تطوير الفقه الشيعيّ، من حيث السعة والمقارنة والشمول، وتطور مناهج البحث.
وبلغت مدرسة الحلّة كمالها في حياة العلامة، وذلك بفضل جهوده القيّمة، كما قدّر له لأوّل مرّة أن يتفرغ لدراسة المسائل الخلافيّة بين فقهاء الشيعة بصورةٍ مستقلّةٍ في كتابه الكبير المختلف.
3- فخر المحقّقين: أبو طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر، من وجوه الطائفة وأعيانها، تتلمذ على أبيه العلامة الحلّي، ونشأ برعايته وعنايته، وقرأ عليه مختلف العلوم النقليّة والعقليّة، وبرز في ذلك كلّه. أكمل بعض تآليف والده العلامة ككتاب الألفين وغيره، وشرح بعضها الآخر ككتاب القواعد. قال
92
فيه الشيخ الحرّ العامليّ : "كان فاضلاً محقّقاً فقيهاً ثقةً جليلاً"2، قام بتربية تلامذةٍ كبار في الفقه كان منهم الشهيد الأوّل رضوان الله عليه.
4- الشهيد الأوّل: أبو عبد الله محمّد بن الشيخ جمال الدين مكّي بن شمس الدين محمّد الدمشقيّ الجزينيّ (734- 786 هـ).
ولد في جزين من بلدان جبل عامل، وهاجر إلى الحلّة طلباً للعلم، تتلمذ على فخر المحقّقين بالحلّة ولازمه، وتتلمذ على آخرين من تلاميذ العلامة الحلّيّ في الفقه والفلسفة. زار مكّة المكرّمة، والمدينة المنوّرة، وبغداد، ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل إبراهيم، واجتمع فيها بمشايخ العامّة، وأتاحت له هذه الأسفار نوعاً من التلاقح الفكريّ بين مناهج البحث الفقهيّ والأصوليّ عند الشيعة والسنة.
وقرأ كثيراً من كتب السنّة في الفقه والحديث، وروى عنهم حتّى قال في إجازته لابن الخازن: "إنّي أروي عن نحو أربعين شيخاً من علمائهم بمكّة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم"3. وهذا النص يدل على أنّ الشهيد الأوّل جمع بين ثقافتي الشيعة والسنّة في الفقه والحديث، ولاقح بين المنهجين في حدود ما تسمح به طبيعة المنهجين.
خلف كتباً كثيرة ًتمتاز بروعة البيان، ودقّة الملاحظة، وعمق الفكرة وسعة الأفق، منها: الذكرى، والدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، وغاية المراد في شرح نكت الإرشاد، واللمعة الدمشقيّة، والألفية والنفلية، وغير ذلك.
الدين المالكيّ، وعباد بن جماعة الشافعيّ بعد ما حبس سنةً كاملةً في قلعة الشام في محنةٍ أليمةٍ نعرض عن ذكرها.ويذكر من علماء هذه المدرسة: يحي بن سعيد الحلّي وابن إدريس الحلّي وابن أبي الفوارس وابن طاووس وابن ورام.
ملامح المدرسة
كانت مدرسة الحلّة استمراراً لمدرسة بغداد، ولم يقدّر للمدرسة، رغم ضخامة العمل الذي قامت بأعبائه في مجال تطوير مناهج الدراسة الفقهيّة، أن تهزّ مرّة أخرى مناهج الاستنباط، كما فعل الشيخ الطوسيّ من قبل، لكن لا يعني ذلك أن ننكر ما حققته هذه المدرسة في مجال تطوير البحث الفقهيّ بعد مدرسة بغداد. ويمكن تلخيص أهم ملامح هذه المدرسة بما يلي:
1- تنظيم أبواب الفقه: رغم الجهد الذي بذله الشيخ الطوسيّ في تبويب الفقه وإكثار الفروع، واستحداثه فروعاً جديدة، إلا أنّ الباحث يلحظ في كتب الشيخ وجميع المتقدّمين عليه نوعاً من التشويش في التبويب، بينما في مدرسة الحلّة لأوّل مرّة نلتقي بكتاب الشرايع للمحقّق الحلّيّ رضوان الله عليه بتنظيمٍ فريدٍ لأبواب الفقه، استمرّ عليه فقهاء الشيعة إلى العصر الحاضر: قسّم المحقّق كتابه الشرايع إلى أقسام أربعة: العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام 4. وهذا تقسيمٌ رائع يجمع مختلف أبواب الفقه.
2- ظهور الموسوعات الفقهيّة: حيث ألّف العلامة الحلّيّ تذكرة الفقهاء في الفقه المقارن، وهو عملٌ فقهيٌّ لم يؤلّف مثله في السعة والاستيعاب، وجمع آراء مختلف المذاهب الإسلاميّة، وناقش بموضوعيّةٍ وهدوءٍ لم يوجد مثله في الدراسات المقارنة الأخرى.
94
3- كثر الاختلاف بين فقهاء الإماميّة أنفسهم: لابتعادهم عن عصر الإمام، واختلافهم في سلامة الروايات من حيث السند والدلالة، فتشعّبت الآراء، ممّا دعا العلماء إلى أن يجمعوا المسائل الخلافيّة بين علماء الشيعة، واستعراض وجوه الاختلاف عندهم، كي يتاح للفقيه التعرّف إلى وجوه الاختلاف في المسألة، ومعرفة المسألة المتّفق عليها بين علماء الإماميّة.
لكن ظلّت مدرسة الحلّة بشكلٍ عامٍّ امتداداً لمدرسة بغداد، وتطويراً لمناهجها، وأساليبها.
4- قدّر لمدرسة الحلّة: نتيجة لممارسة هذا اللون الجديد من التفكير والاستنباط- أن تمسح عن مدرسة بغداد مظاهر البدائيّة، وأن تسوّي من مسالكها وأن توسّع الطريق للسالكين وتمهّدها لهم.
95
خلاصة الدرس
مدرسة الحلّة: بعد احتلال بغداد على يد هولاكو التتار، ظلّت الحلّة مأمونةً، وأخذت تستقطب الشاردين من بغداد من الطلاب والأساتذة والفقهاء، وانتقل معهم النشاط العلميّ.
ملامح المدرسة
1- تنظيم أبواب الفقه بتنظيمٍ فريدٍ، استمرّ عليه فقهاء الشيعة إلى العصر الحاضر.
2- ظهور الموسوعات الفقهيّة.
3- كثرة الاختلاف بين فقهاء الإماميّة أنفسهم، وظهور كتب تجمع المسائل الخلافيّة بين علماء الشيعة.
أسئلة الدرس
1- ما هي أهمّ ملامح مدرسة الحلة ؟
2- تحدّث عن عالم من أبرز علمائها؟
3- عدّد أبرز فقهاء هذه المدرسة؟
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة جبل عامل.
2. أن يعدّد معالم هذه المدرسة.
97
عندما انتقل الفقه من بغداد إلى الحلّة، بعد سقوط الدولة العباسيّة، أقبل طلبة جبل عامل إلى الحلّة لتلقّي العلم من فقهائها. ومن هؤلاء الشيخ نجم الدين طمان بن أحمد العاملي، والشيخ صالح بن مشرف جدّ الشهيد الثاني، وجمال الدين يوسف بن حاتم العامليّ، والشيخ محمّد بن جمال الدين مكّي العامليّ الشهيد الأوّل، وغيرهم من علماء جبل عامل وفقهائه. وازدهرت بهم مدرسة جبل عامل وحفلت بالعلماء والفقهاء والمعاهد العلميّة، وانتقل إليها تراث مدرسة الحلّة، واجتمع فيها جمع غفير من علماء الشيعة حتّى أن الحرّ العاملي رضوان الله عليهيقول: "إنّ علماء الشيعة في جبل عامل يبلغون نحو الخمس من علماء الشيعة في جميع الأقطار مع أن بلادهم أقلّ من عشر عشر بلاد الشيعة"1. وقد تأسّست في هذه المنطقة مجموعة من المعاهد والمدارس العلميّة، استقطبت طلبة العلم، وخرّجت جمعاً كبيراً من الفقهاء والعلماء. ونشير إلى جملة من هذه المدارس.
أ- مدرسة جزين
من أبرز معاهد هذه المنطقة العامرة والحافلة بالفقهاء والعلماء. وقد تأسّست وازدهرت هذه المدرسة على يد الشهيد الأوّل. إلا أنّ جزين كانت قبل الشهيد معروفة بمن فيها من العلماء، منهم والد الشهيد جمال الدين مكّي
99
بن محمّد العاملي الجزّيني. يقول عنه الحرّ في ( الأمل): "كان من فضلاء المشايخ في زمانه ومن أجلّاء مشايخ الإجازة"2.
ازدهرت المدرسة على يد الشهيد رضوان الله عليهوكان الشهيد يمارس التدريس فيها بنفسه، ويعطيها من اهتمامه وجهده ووقته الكثير. كما عمل الشهيد رضوان الله عليهفي هذه الفترة على تنظيم علاقة الأمّة بالفقهاء من خلال شبكة الوكلاء الذين ينوبون عن الفقهاء في تنظيم شؤون الناس في دينهم ودنياهم، كما يقومون بجمع الحقوق المالية الشرعية لتوزيعها على مستحقّيها بنظر الفقيه3.
ونمت وتطوّرت مدرسة جزين بعد شهادة الشهيد رضوان الله عليه، واستقطبت طلبة العلم من مناطق مختلفة. وأصبح جبل عامل بفضل هذه المدرسة وجهود الشهيد مركزاً للإشعاع الفكريّ في بلاد الشام خاصّةً، والعالم الإسلاميّ عامّة 4ً.
ب-مدرسة جباع
من المدارس الفقهيّة المعروفة في جبل عامل. درس فيها الشيخ صالح بن مشرف العامليّ الجبعيّ، وهو جدّ الشهيد الثاني، والشيخ نور الدين علي بن أحمد بن محمّد العامليّ الجبعيّ، والد الشهيد الثاني المعروف بابن الحاجّة، والشهيد الثاني 911- 966 هـ، حضر فيها المقدّمات على والده الشيخ نور الدين، ثمّ هاجر بعد وفاة والده جباع إلى ميس وحضر فيها على الشيخ الجليل علي بن عبد العالي الميسيّ سنة 925 هـ، واستمرّ في الحضور عنده إلى سنة 933 هـ ثم هاجر إلى كرك نوح وحضر فيها على السيّد حسن ابن السيّد جعفر صاحب
100
كتاب المحجّة البيضاء، وقرأ عليه الفقه والأصول والحديث والكلام والأدب، ثمّ عاد إلى جباع في سنة 934 هـ، وبقي فيها يتعاطى العلم إلى سنة 937 ه حيث هاجر منها إلى دمشق ليكمل دراسته فيها.
وعاد إلى جباع مرّة أخرى سنة 938 هـ وأقام فيها إلى سنة 941 هـ يمارس التدريس والتوجيه والتأليف، وفي هذه السنة غادر جباع إلى دمشق حيث حضر فيها على علماء أهل السنّة، فاجتمع بالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقيّ الحنفيّ وقرأ عليه جملةً من الصحيحين، وأجازه روايتهما معاً. ثمّ غادر دمشق إلى مصر سنة 943 ه، فاجتمع في مصر بجمع من أعلام مصر وفقهائها، قرأ عليهم واستفاد منهم، ثمّ عاد الشهيد إلى جباع في حدوده سنة 935 ه وازدهرت بعودته مدرسة جباع بعد ضمور وخمول.
من أعلام مدرسة جباع
جمال الدين أبو منصور الشيخ حسن بن زين الدين المشهور بالشهيد الثاني (959- 1011 هـ)، من كبار فقهاء الشيعة، اشتهر بكتابه القيم (معالم الدين وملاذ المجتهدين)، حضر عند السيّد علي الصائغ والسيّد علي نور الدين الكبير- والد السيّد محمّد صاحب (المدارك)، والشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائيّ، واختص بالسيّد علي الصائغ، وكان أكثر دراسته في العلوم العقليّة والنقليّة عليه. واستفاد من إقامة الشيخ عبد الله اليزدي رضوان الله عليهصاحب (حاشية التهذيب) في هذه المنطقة فقرأ عليه هو وابن اخته السيّد محمّد صاحب (المدارك)، ثمّ هاجر هو وصاحب (المدارك) إلى النجف وحضرا عند المولى المقدّس الأردبيليّ في الفقه والأصول، ثمّ رجعا إلى جباع. واستقلّ صاحب (المعالم) الشيخ حسن بعد عودته إلى جباع في التدريس، وألف مجموعةً من الكتب.
101
ج-مدرسة كرك نوح
كرك نوح مدينةٌ صغيرةٌ تقع في البقاع الأوسط، وفيها قبر ينسب إلى نبيِّ الله نوح عليه السلام، كانت من أكثر المدارس الفقهيّة خصوبةً وعراقةً في جبل عامل ولبنان. نشأ فيها وتخرّج منها في القرن العاشر الهجريّ والقرن الحادي عشر جمعٌ غفيرٌ من الفقهاء والعلماء. ومنها كان الفقهاء من أمثال المحقّق الكركي ينطلقون إلى إيران في العهد الصفويّ ليشاركوا في نشر مذهب أهل البيت عليهم السلام وترسيخه في إيران وتثقيف المسلمين فيها.
معالم مدرسة جبل عامل
حقّقت هذه المدرسة إنجازاتٍ كبيرةٍ وعلى درجةٍ عاليةٍ من التطوّر في عدّة مجالاتٍ.
1- في الحديث: فقد تمّ في هذه المدرسة تنقيح كتب الحديث الأربعة الشهيرة، وأفرزت الصحاح والحسان منها عن الموثقات والضعاف. وقد نهض بهذا المشروع أبو منصور جمال الدين الشيخ حسن المعروف بصاحب المعالم وهو نجل الشهيد الثاني (رحمهما الله)، في كتابه منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان5.
2- في أصول الفقه: فقد ألّف أيضاً الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني كتاب (معالم الدين وملاذ المجتهدين) وهو من أفضل ما كتب في الأصول. ويمتاز هذا الكتاب بتحرير المسائل الأصولية وتنظيمها وتبويبها ضمن مقدّمات ومطالب. وقد حظي هذا الكتاب نظراً لاختصاره وتركيزه واحتوائه على أمّهات المسائل الأصوليّة بشروحٍ وتعليقاتٍ كثيرةٍ.
102
3- في البحث الفقهيّ: كتاب اللمعة الدمشقيّة للشهيد الأوّل، وشرح هذا الكتاب الشهيد الثاني بكتابه (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية).
وهذا الكتاب مختصر جليل في الفقه يتميّز بمتانة الاستدلال وتركيز الدليل وتجنب الخوض في المناقشات المطولة للآراء وروعة البيان وجمال التعبير. وكلّ ذلك كان سبباً ليدخل هذا الكتاب في المنهاج الدراسيّ للحوزات العلميّة في الفقه إلى اليوم الحاضر.
4- في مجال تدوين القواعد الفقهيّة: وهي عبارةٌ عن أحكامٍ كليّةٍ تندرج تحت كلّ منها تطبيقاتٌ جزئيّةٌ من أبوابٍ مختلفةٍ من الفقه أو من بابٍ واحدٍ من أبوابه، وهي كثيرةٌ وتعتبر من أهمّ مصادر الاجتهاد.
فقد تمّ في مدرسة جبل عامل تدوين القواعد الفقهيّة لأوّل مرّة في تاريخ مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وكان الشهيد الأوّل أوّل من نهض بهذا المشروع الفقهيّ بصورةٍ منهجيّةٍ، وذلك في كتابه القيم الجليل (القواعد والفوائد). وهذا الكتاب يحتوي على ما يقرب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدةٍ، وما يقرب من مائة فائدةٍ، ويبحث الشهيد هذه القواعد في كثير من الأحيان بصورة مقارنة بين المذاهب المختلفة، يستعرض فيها الآراء ويخضعها لمناقشة علميّةٍ دقيقةٍ.
103
خلاصة الدرس
مدرسة جبل عامل: بعد سقوط الدولة العباسيّة، أقبل طلبة جبل عامل إلى الحلّة لتلقّي العلم من فقهائها. فازدهرت مدرسة جبل عامل وانتقل إليها تراث مدرسة الحلّة، ومن معاهدها: جزين، جباع، وكرك نوح.
معالم مدرسة جبل عامل
1- تنقيح كتب الحديث الأربعة، وفرز الصحيح عن الضعيف.
2- ظهور كتاب(معالم الدين وملاذ المجتهدين)..
3- ظهوركتاب اللمعة الدمشقيّة وشرحه.
4- تدوين القواعد الفقهيّة.
أسئلة الدرس
1- ما هو الأمر التأسيسي الذي قامت به مدرسة جبل عامل ؟
2- تحدّث عن الشهيد الأوّل؟
3- عدّد المدارس الموجودة في جبل عامل.
1. أن يتعرّف الطالب إلى مدرسة أصفهان.
2. أن يستظهر ملامح هذه المدرسة.
3. أن يتعرّف إلى مدرسة كربلاء.
4. أن يتبيّن ملامح مدرسة كربلاء.
105
مدرسة أصفهان
انتقلت مدرسة جبل عامل إلى أصفهان في أيّام الصفويين، وذلك لسببين رئيسين هما: اضطهاد العثمانيين لفقهاء الشيعة في الشام من جهة، وحاجة الصفويّين الشيعة إلى الفقهاء لتولّي شؤون
القضاء والفتيا، والتوجيه، وتكريس علاقة الدولة بفقه أهل البيت عليهم السلام من الناحية الفقهيّة والثقافيّة، وتغطية الجانب الشرعيّ للدولة، من جهةٍ ثانيةٍ.
الكركيّ والدولة الصفويّة
في أواسط القرن العاشر الهجريّ استجاب أوّل فقيهٍ عامليٍّ لدعوة الصفويّين وهو المحقّق الكركيّ وهو الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الشهير بالمحقّق الثاني. التقى المحقّق بالشاه إسماعيل الصفويّ في (هرات) إبّان فتحه لها في قمّة مجده العسكريّ وانتصاراته، وبارك له هذا النصر واستقبله الملك المنتصر في نشوة فتوحاته العسكريّة باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين، وطلب منه أن ينتقل معه إلى إيران ليتولّى شؤون الدولة الشرعيّة والفقهيّة بموجب مذهب أهل البيت عليهم السلام.
واستطاع المحقّق الكركيّ أن يقنع جمعاً من زملائه وأصدقائه وتلاميذه في جبل عامل بالهجرة إلى إيران، والإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر وتكريس فقه أهل البيت عليهم السلام، وبسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتيّة. واستطاع فعلاً
107
أن يحقّق خلال هذه الفترة أهدافه بصورة جيّدة، ونجح في بسط نفوذ المؤسّسة الفقهيّة إلى حدٍّ بعيدٍ، ممّا جعل النافذين في البلاط الملكيّ يتضايقون منه بصورةٍ أو بأخرى، وأدّى ذلك فعلاً إلى برودٍ ملحوظٍ في علاقة المحقّق ببعض أجنحة البلاط، فآثر المحقّق مغادرة إيران إلى العراق، والعودة إلى النجف مرّة أخرى، لمعاودة نشاطه الفقهيّ في هذه المدينة المقدّسة، بجوار مرقد أمير المؤمنين عليه السلام.
مكث المحقّق قرابة ستّ سنوات في النجف توفّي خلالها الشاه إسماعيل، وخلف على الملك ابنه طهماسب. ويبدو أن الفراغ الذي خلّفه المحقّق الكركي من بعده أضرّ بالدولة، وكان الجمهور يطالب بإلحاحٍ بعودة المحقّق الكركي إلى إيران، فلم يجد الشاه بديلاً عن المحقّق مما جعله يطلب من المحقّق العودة إلى إيران لتسلّم منصب شيخ الإسلام في عاصمة ملكه (أصفهان).
فاستجاب المحقّق للدعوة ورجع إلى أصفهان عاصمة الصفويّين بصفة (نائب الإمام)، وهذه الصفة تمنحه بطبيعة الحال الولاية المطلقة في شؤون النظام والأمّة، وتجعل مشروعيّة النظام تابعةً لإذن الفقيه. وأقرّ النظام الصفويّ للمحقّق بهذه الولاية المطلقة النائبة عن ولاية الإمام، وصرح له الملك " بأنّ معزول الشيخ لا يستخدم، ومنصوبه لا يعزل"1.
كان وفود المحقّق الكركيّ على عاصمة الصفويّين بدايةً لهجرةٍ واسعةٍ من قبل فقهاء جبل عامل، والمراكز الفقهيّة العامرة الأخرى في ذلك التاريخ مثل البحرين. فقدم إلى إيران جمعٌ من كبار الفقهاء العامليّين نذكر منهم: الشيخ حسين بن عبد الصمد- والد الشيخ البهائيّ-، والشيخ علي المنشار،
108
وكمال الدين درويش محمّد العامليّ، والشيخ لطف الله الميسيّ العامليّ، والشيخ الحرّ العامليّ صاحب موسوعة ( وسائل الشيعة)، وغيرهم ممّن ذكرهم الحر العامليّ رضوان الله عليهفي كتابه (أمل الآمل)، وهؤلاء الفقهاء وضعوا أساساً متيناً لمدرسة إصفهان الفقهيّة.
ثمّ نبغ من هذه المدرسة فقهاءٌ ومحدّثون، وفلاسفةٌ كبارٌ أمثال:
الشيخ البهائيّ، والعلامة المجلسيّ (الأبّ)، والعلّامة المجلسيّ (الابن)، والسيّد محمّد باقر الداماد، وصدر المتألّهين الشيرازيّ، والفيض الكاشانيّ، والملّا عبد الله الشوشتريّ.
ملامح مدرسة أصفهان
1- برز الفقه السياسيّ والاجتماعيّ بصورةٍ ملحوظةٍ، وأصبح من مسؤوليّة الفقهاء الإجابة الفقهيّة على كثيرٍ من الأسئلة التي كان يطرحها الولاة، والحكّام والقضاة، في مسائل الولاية والحكم والقضاء. وتناول الفقهاء هذه المسائل بالدراسة المستقلّة ضمن رسائل فقهيّة مستقلّة.
2- أنجز المحدّثون المجاميع والموسوعات الحديثيّة، ومن أهمّها
أ- كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ.
ب- وسائل الشيعة للحرّ العامليّ.
ج- الوافي للفيض الكاشانيّ.
حفظت لنا هذه المجاميع ما تبقى من الكتب والأصول الحديثيّة، ولولاها لاندثر الكثير من تراث أهل البيت في الأصول والفروع والتفسير والأخلاق والمعارف الإسلاميّة الأخرى.
109
مدرسة كربلاء:
كانت في كربلاء مدرسةٌ فقهيٌّة محدودةٌ قبل القرن الثالث عشر بموازاة مدرسة الحلّة ومدرسة جبل عامل ومدرسة أصفهان. وكان في هذه المدرسة فقهاءٌ وعلماءٌ كبارٌ أمثال:
الشيخ أحمد بن فهد الحليّ من أقطاب الفقه والحديث، والشيخ إبراهيم الكفعميّ من أعلام الفقه والحديث وصاحب التآليف القيّمة، والسيّد حسين بن مساعد الحائريّ في القرن التاسع الهجريّ، والسيّد ولي الحسين الحائريّ صاحب كتاب مجمع البحرين، والمولى القاضي محمّد شريف الكاشف في القرن الحادي عشر الهجريّ، والسيّد نصر الله الحائريّ الفقيه الأديب الشاعر المعروف في القرن الثالث عشر، وغيرهم من أعلام الفقه والأدب والحديث والتفسير في هذه المدرسة العلمية.
أبرز علماء المدرسة:
شهدت هذه المدينة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر نشاطاً فقهيّاً واسعاً، وزخرت بفقهاء كبار أمثال:
الشيخ يوسف صاحب الحدائق، والوحيد البهبهاني، والسيّد مهدي بحر العلوم والمولى محمّد مهدي النراقي صاحب مستند الشيعة، والسيّد مهدي الشهرستانيّ، والسيّد علي الطباطبائيّ صاحب الرياض، والسيّد محمّد المجاهد الطباطبائيّ، والشيخ شريف العلماء، والشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ صاحب الفصول، والسيّد إبراهيم القزوينيّ صاحب الضوابط، والمولى محمّد صالح البرغانيّ، وغيرهم من أساطين العلم، وأعلام الطائفة.
ويبدو أنّ مدرسة كربلاء بدأت تتّسع في النكبة التي أصابت أصفهان في فتنة
110
محمود الأفغانيّ، وأخذت تستقطب طلبة العلم والفقهاء والعلماء والمدرّسين.
وأمّا الشيخ يوسف البحرانيّ فمن أبرز الأسماء اللامعة في هذه المدرسة، وهو مؤلّف الموسوعة الفقهيّة القيمة الحدائق الناضرة، حلّ بكربلاء بحدود عام 1169 هـ فحفّ به طلاب العلم، وارتشفوا من نمير علمه العذب، وتسلّم في كربلاء زعامة التدريس والزعامة الدينيّة، وبقي في هذه المدينة قرابة عشرين عاماً حتّى وافاه الأجل فيها. وكان من زعماء المدرسة الأخباريّة في طريقة استنباط الحكم الشرعيّ. وكانت هذه الطريقة يومئذ هي الطريقة المعروفة في أوساط المدارس الفقهيّة للشيعة الإماميّة.
تخرّج على يده خلال هذه المدّة عددٌ من كبار الفقهاء أمثال:
أبي علي الحائريّ صاحب منتهى المقال، والميرزا القميّ صاحب القوانين، والسيّد علي الطباطبائي الحائريّ صاحب الرياض، والسيّد مهدي بحر العلوم صاحب الفوائد الرجالية، والمولى أحمد النراقي مؤلف مستند الشيعة، والسيّد ميرزا الشهرستاني، والسيّد ميرزا مهدي بن هداية الله الأصفهانيّ الخراسانيّ الشهيد.
ونزل بكربلاء الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهانيّ، وكان نزوله بهذه المدينة إيذاناً بمرحلةٍ جديدةٍ في الاتجاه الفقهيّ في مدرسة كربلاء. فقد بدأ الوحيد عمله الفقهيّ بالدعوة إلى الاتجاهَ
الأصوليّ، والاجتهاد، ومواجهة المدرسة الأخباريّة، التي كان يتزعمها آنذاك الملا أمين الاسترآبادي، الذي كان شديد التعصّب لهذه الحركة، وأخيراً وبعد صراعٍ فكريٍّ طويل، نجح الوحيد في رسالته العلميّة وأبرز الاتجاه الأصوليّ، واستقطب خيرة تلامذة الشيخ يوسف البحرانيّ وجمعهم حوله، وساعده على ذلك اعتدال الشيخ يوسف في الموقف بين المدرستين، وموقعيّة الشيخ العلميّة والاجتماعيّة، فانحسرت الحركة الأخباريّة وانزوت، ولم تستعد نشاطها بعد ذلك التاريخ.
111
ملامح المدرسة
1- كانت مدرسة كربلاء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ساحةً للصراع الفقهيّ بين المدرستين الذي انتهى إلى بروز المدرسة الأصوليّة وانحسار المدرسة الأخباريّة.
2- ظهور عدد من العلماء الذين تربّوا على يد الوحيد البهبهانيّ يحملون الفكر الأصوليّ، ممّا ساعد على غلبة هذه المدرسة ورسوخها واستمرارها.
3- كثرة المؤلفات الأصوليّة (لا سيّما للوحيد البهبهانيّ)التي يقرب عددها من الستين كتاباً، خصّص جملةً منها في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة ودحض شبهات الأخباريين ونظرياتهم2.
عودة مدرسة النجف الأشرف وقم المقدّسة
بعد وفاة الوحيد البهبهانيّ سنة 1206 هـ عاد إلى النجف قطبان كبيران من تلامذته وهما: السيّد مهدي بن مرتضى الطباطبائيّ الملقّب ببحر العلوم (ت: 1212 هـ)، والشيخ جعفر بن خضر الجناحيّ المعروف بكاشف الغطاء، نسبة لكتابه الفقهيّ كشف الغطاء. وبعودتهما ازدهرت حوزة النجف العلميّة، وقصدها الطلاب والأساتذة. وما زالت حتّى عصرنا الحاضر، رغم الظروف السياسيّة الصعبة التي مرّت على الحوزة العلميّة في ظلّ النظام البعثي العراقيّ، ممّا جعل الكثير من علماء النجف يهاجرون خارج العراق، وانتقل الكثير منهم إلى حوزة قم المقدّسة- التي كان قد أعاد إليها سابق مجدها الشيخ عبد الكريم الحائريّ (ت: 1355 هـ)- خصوصاً بعد انتصار الجمهوريّة الإسلاميّة، وتحقيق أوّل دولةٍ تقوم على نظام ولاية الفقيه وذلك على يد مفجّر الثورة الإمام روح الله
112
الموسويّ الخمينيّ العظيم، وأصبحت الظروف مهيّأةً لاستقبال طلاب العلوم الدينيّة الشيعة في ظلّ نظامٍ شيعيٍّ، فازدهرت حوزة قم من جديدٍ، وهي إلى هذا الزمن تعجّ
بآلاف الطلبة والأساتذة والعلماء الكبار. كلّ ذلك يعود فضله للجهود التي بذلها كبار علمائنا للحفاظ على التشيّع، ونهج أهل البيت عليهم السلام، حتّى وصلت هذه الرسالة الإلهيّة إلى زماننا الحاضر كما أرادها الله وأهل بيته عليهم السلام بأيادٍ أمينةٍ، تناقلهاأصحابها من جيلٍ إلى جيلٍ، باذلين في الحفاظ عليها المهج والأرواح.
113
خلاصة الدرس
مدرسة أصفهان:انتقلت مدرسة جبل عامل إلى أصفهان في أيّام الصفويّين، بسبب اضطهاد العثمانيّين لفقهاء الشيعة، وحاجة الصفويّين الشيعة إلى الفقهاء.
ملامح مدرسة أصفهان
1- برز الفقه السياسيّ والاجتماعيّ بصورةٍ ملحوظةٍ.
2- إنجاز المجاميع والموسوعات الحديثيّة، ومن أهمّها:كتاب بحار الأنوار، وسائل الشيعة، والوافي للفيض الكاشانيّ.
مدرسة كربلاء:كانت في كربلاء مدرسةٌ فقهيٌّة محدودةٌ قبل القرن الثالث عشر بموازاة مدرسة الحلّة ومدرسة جبل عامل ومدرسة أصفهان.
ملامح المدرسة
1- كانت مدرسة كربلاء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ساحةً للصراع الفقهيّ بين المدرستين الذي انتهى إلى بروز المدرسة الأصوليّة وانحسار المدرسة الأخباريّة.
2- ظهور عدد من الأصوليّين، ممّا ساعد على غلبة هذه المدرسة ورسوخها واستمرارها.
3- كثرة المؤلفات الأصوليّة.
عودة مدرسة النجف الأشرف وقم المقدّسة سنة 1206 هـ عاد إلى النجف الأشرف قطبان كبيران هما بحر العلوم وكاشف الغطاء، فازدهرت حوزة النجف العلميّة، وقصدها الطلاب والأساتذة، وما زالت حتّى عصرنا الحاضر.
وأعاد الشيخ عبد الكريم الحائريّ (ت: 1355 هـ) إلى قم المقدسة سابق مجدها. وقد اصبحت مركزاً يستقطب العلماء والطلاب من أقطار العالم نتيجة قيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران من جهة، وقسوة الظروف السياسية في النجف الأشرف التي انتقل الكثير من علمائها إلى قم المقدّسة، فازدهرت حوزة قم من جديدٍ، وهي إلى هذا الزمن تعجّ بآلاف الطلبة والأساتذة والعلماء الكبار.
أسئلة الدرس
1- ما هي أهم ملامح مدرسة أصفهان؟
2- ما هو الصراع الذي كان يدور في مدرسة كربلاء ولمن كانت الغلبة؟
3- عدّد أبرز علماء مدرسة أصفهان؟
4- تحدّث عن عودة الحوزة إلى النجف وقمّ المقدستين؟
تعليق