إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الامامة الخاصة/ اسئلة واجوبة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الامامة الخاصة/ اسئلة واجوبة

    السؤال: هل تثبت إمامة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بآية: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) ؟
    هل الرسول لم يكن إماماً قبل هذه الآية: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، فهذه الآية هي التي نصّبته إماماً، فهل قبلها لم يكن إماماً؟
    الجواب:

    إنّ البحث في ثبوت إمامته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولايته العظمى المطلقة في مرتبة عالم الثبوت والواقع، ممكن أن يُحصّل بالقول: أنّها ثابتة له(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوّل خلقته النورية؛ فهو أوّل من خلقه الله، خلقه نوراً ثمّ اشتقّ منه نور عليّ(عليه السلام)، وفاطمة(عليها السلام)، والحسن والحسين والتسعة المعصومين(عليهم السلام)، وجعلهم أنواراً محدقين حول العرش، فأوّليتهم الصدورية وكونهم واسطة الفيض، مقتضٍ لثبوت الولاية العظمى المطلقة لهم، أي: بجميع مراتبها التشريعية والتكوينية.
    وأمّا البحث في مرتبة الجعل التشريعي والاعتبار الشرعي للإمامة، والذي هو مورد السؤال ظاهراً؛ إذ من الواضح أنّها من هذه الجهة مقام جعلي وإعطاء شرعي، تحتاج إلى جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه الولي المطلق الحقّ.
    ولا محال تكون هذه الولاية المعطاة تكون على نحو الطولية، لا العرضية؛ لأنّه مستحيل وباطل، فهي نوع من التفويض غير الاستقلالي الذي لا بدّ فيه من النصب والجعل، وذلك واضح من ظاهر الآيات القرآنية، قال تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ )) (ص:26)، وقال تعالى في حقّ إبراهيم(عليه السلام): (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124) ، وغيرها من الآيات.
    وكذلك يتّضح أيضاً في التحقيق أنّ الولاية والإمامة من الأُمور التشكيكية ذوات المراتب، كالنبوّة، كما أنّها قد تأتي لاحقاً على مرتبة النبوّة والرسالة، كما هو ثابت بالنسبة لإبراهيم(عليه السلام) في قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) .
    وأمّا الكلام في وقت ثبوتها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم نعثر عليه محصلاً في كتب علماء المسلمين، اللّهمّ إلاّ في الاستدلال على ثبوتها القطعي له(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وأمّا بخصوص أنّ وقت ثبوتها وتشريعها هل كان بنزول قوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، أو قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36)؛ فإنّا نقول:
    النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما أسّس دولة بعد هجرته كان إماماً وقائداً للمسلمين بشكل واضح وعمليّ، وما من أحد يشكّ في ذلك أو يجهله، ولم يكن ملكاً كسليمان أو طالوت(عليهما السلام)، وكان ذلك قبل نزول هذه الآية من سورة الأحزاب بعدّة سنوات، فلا يمكن التسليم معك بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصبح إماماً للمسلمين بعد نزول هذه الآية الكريمة، بل هذه الآية كاشفة ومخبرة عن ذلك ولو بعد حين؛ لأنّها ليست مقتصرة في الكلام عن ولاية وأولوية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمؤمنين من أنفسهم، وإنّما تتكلّم الآية عن نساء النبيّ وتجعلهنّ أُمّهاتٍ للمؤمنين، وتبيّن أحكام الميراث عموماً؛ فالآية إخبارية وكاشفة ومؤكّدة لولاية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أُمّته، لا إنشائية جعلية.. ومثله الكلام في الآية الثانية.
    هذا، كما أنّه يمكن أن يقال: أنّ مراتب الولاية العظمى ثبتت للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتدريج، فقد قال تعالى: (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)، وقال تعالى: (( وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا )) (الأنعام:92)، وقال تعالى: (( قُل إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ )) (ص:65)، ثمّ نزل قوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )) (المائدة:555)، فقد تكون الولاية على الأنفس مرتبة من مراتب الولاية العظمى ثبتت لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وقت من أوقات سنيّ بعثته؛ إذ يمكن أن يكون النبيّ إماماً منذ مدّة طويلة دون هذه الأولوية، ثمّ جعلها الله تعالى له، وهو بدوره جعلها لأمير المؤمنين والأئمّة من بعده بأمر الله.
    فالانفكاك بين الإمامة في مرتبة من المراتب والأولوية من أنفس المؤمنين ليس محالاً، بل يمكن تعقّل ذلك، لأنّها من الجعل التشريعي، خصوصاً ونحن في وقت التشريع وزمن التدرّج، كما هو معلوم، ولم تكن الأحكام قد تمّت واكتملت بعد، ولكن ليس على هذا القول دليل يمكن الركون إليه!
    وهناك من قال من المحقّقين: أنّ ولايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثابتة من أوّل البعثة؛ إذ أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طلب في حديث الدار من يؤازره على أمره على أن يكون وزيره وخليفته من بعده، ثمّ بعد أن قام عليّ(عليه السلام) قال لهم: (فاسمعوا له وأطيعوا...)، والطاعة هنا جاءت مطلقة شاملة، وهي تساوي الولاية، ولازم ذلك: ثبوتها قبلاً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتّى يمكن له أن يعطيها لوزيره وخليفته من بعده في ذلك الوقت، والله العالم.














    السؤال: لماذا لا نخاطب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإمامة مع أنّها أفضل من النبوّة؟
    إذا كانت الإمامة أفضل من النبوّة لماذا لا نقول: الإمام رسول الله؟! والأفضل أن ننادي الرسول بالأعلى رتبة لا بالأدنى رتبة!
    الجواب:

    بين النبيّ والإمام عموم وخصوص من وجه، فيجتمع النبيّ والإمام في مثل إبراهيم(عليه السلام) ومحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويفترق النبيّ عن الإمام في مثل يونس ولوط وصالح(عليهم السلام) وغيرهم، ويفترق الإمام عن النبيّ في مثل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
    وحينئذٍ إطلاق لفظ الإمام على الرسول وإن كان يصحّ اصطلاحاً ومفهوماً، إلاّ أنّه لا يحصل به الجزم بأنّه رسول أم لا، ولا إثبات صفة الرسالة له؛ لأنّ في الأئمّة من هو إمام وليس رسول. فالرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن كان نبيّاً ورسولاً وإماماً في نفس الوقت، إلاّ أنّ لفظ النبيّ أو الرسول يميّزه عن سائر الأئمّة(عليهم السلام). والمقصود من مخاطبته بهذه الرتبة إنّما هو لتحصيل تمييزه عن غيره ممّن يشترك معه في رتبة الإمامة والتي بها صار أفضل من غيره، ولبيان أنّه رسول مثل باقي الرسل الماضين.
    ثمّ إنّ من سمّاه رسولاً هو الله تعالى في القرآن الكريم، والمسلمون في زمانه لم يكونوا يفرقون بين المصطلحين والوظيفتين؛ إذ كان الأمر واحد في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا سمّوه بما سمّاه به القرآن.















    السؤال: فائدة معرفة خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
    معلوم أنّ كلّ عقيدة من عقائد الإسلام لها أثر في سلوك الفرد المسلم، فمثلاً: حين اعتقد أنّ الله مطّلع علَيَّ، لا أعصية.. وحين أؤمن باليوم الآخر، فسوف اجتهد في العبادة، وأترك المعاصي.. فما أثر الاعتقاد والإيمان بأنّ الخليفة بعد النبيّ هو الإمام عليّ أو غيره في سلوكي؟
    الجواب:

    المهم في هذا الأمر هو: أن تعرف أنّ الحقّ مع عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو المنصوص عليه بالإمامة, وأنّ غيره ممّن اجترأ على تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأنّه جلس في منصب خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو على باطل؛ لأنّ عنوان الخلافة الذي أتاح له ذلك هو عنوان غير شرعي له، بل مغتصب من الخليفة الذي عيّنه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمعيّن هو الأحقّ ببيان أحكام الله وإبراز العقيدة الصحيحة.
    والحصيلة: أنّ المسلمين اليوم يختلفون في أخذهم للسُنّة الصحيحة، فبعضهم يأخذ من أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّهم هم أهل الحقّ، وأنّ المسلمين مأمورون بالأخذ عنهم، كما في حديث الثقلين. وقسم آخر من المسلمين يأخذون أحكام وتعاليم دينهم من أذناب السلطة الحاكمة. فإن عرفنا الخليفة الحقّ عرفنا إذاً ممّن نأخذ معالم ديننا، وكفى بهذا فائدة.
    وهناك جواب نقضي إذا لم يقنع الجواب الحلّي، وهو: أنّا مأمورون بالإيمان بالأنبياء السابقين كلّهم والملائكة، فما فائدة هذه العقيدة؟
    فما يقال هناك، يقال هنا.
    ولك أن تعرف: أنّ الإيمان بحجج الله من آدم(عليه السلام) إلى آخر حجّة، وهو: المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فائدته: الإقرار بالحاكمية لله سبحانه وتعالى، والالتزام بشرائعه، واتّباع من اختاره لتمثيله, ولسنا كإبليس نجعل لذواتنا مدخلية في اختيار الحجّة الإلهية.











    السؤال: الفائدة من التمسّك بالأئمّة(عليهم السلام)
    في عصرنا هذا، ما فائدة الإيمان بالأئمّة، وكلّهم في ذمّة الله ولا يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضرّاً، فكيف ينفعون الناس والقرآن نور مبين، فماذا أضافوا للدين؟
    الجواب:

    أنتم تلاحظون الاختلاف بين مذهب أهل البيت الذي أخذ من المعصومين(عليهم السلام)، وبين بقية المذاهب الإسلامية من حيث العقائد والأحكام، فالفائدة حاصلة بإيصالهم الدين الصحيح بما فهموه من القرآن، وبما فتح لهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من العلم؛ إذ علّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً(عليه السلام) ألف باب من العلم ينفتح له من كلّ باب ألف باب(1)؛ لذلك نعتقد أنّ ما جاء به الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هو الدين الصحيح، وأنّ غيره مليء بالباطل.
    واليوم الكلّ يتمسّك بالقرآن، ولكن مع ذلك فالاختلاف موجود، فهل استطاع القرآن المبين أن يحلّ الخلاف؟!
    لذا فنحن نعتقد لا بدّية التمسّك بالقرآن والعترة، كما أوصانا به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنّا بالتمسّك بهما نأمن من الضلال، ولا يصحّ القول: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرنا بالتمسّك بالكتاب والسُنّة؛ فإنّ هذا حديث موضوع، والصحيح هو: التمسّك بالكتاب والعترة.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 385 ترجمة الإمام عليّ، تفسير الرازي 8: 23، كتاب المجروحين لابن حبّان 2: 14، الكامل لابن عدي 3: 45 ترجمة حيي بن عبد الله المصري، سير أعلام النبلاء 8: 24.








    السؤال: ما فائدة الأئمّة(عليهم السلام) وقد وقع الخلاف بين علماء الشيعة؟
    طرح بعض المعاندين نقلاً عن الكاشاني بعض الأسئلة حول اختلاف علمائنا في المسائل الفرعية، فما هو حقيقة هذا الأمر؟
    وقد كان هذا طرحه: قال: الفيض الكاشاني يقول عن شيعته: ((تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً، أو ثلاثين، أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها، أو في بعض متعلّقاتها)).
    فماذا نفعكم أئمتكم المعصومون؟
    لِمَ لَم يعصموكم عن هذا التخبّط؟
    جاءكم أئمتكم بثلاثين نصّاً مختلفاً في مسألة واحدة؟
    فأين الحقّ الذي هو واحد عند الله تعالى؟
    الجواب:

    نجيب على هذا المغالطة بجوابيّ النقض والحلّ:
    أوّلاً: فأمّا الجواب عن طريق النقض:
    نقول له: إنّ الله بعث آلاف الأنبياء، وأرسل عدّة رسل، وأنزل عدّة كتب، وكلّ هذا لم يهدِ البشر ولم يصلح حالها، فما هو نفع البشرية من بعث الأنبياء وإرسال الرسول وإنزال الكتب؟!
    إذ نحن نقول بحقّ أئمّتنا(عليهم السلام): أنّ الله نصّبهم، ولا نقول: نحن الذين اخترناهم لرفع خلافنا, فلا بدّ أن يصاغ الاعتراض هكذا: ماذا نفع الشيعة تنصيب الله الأئمّة(عليهم السلام) لهم إذا لم يرفعوا خلافهم؟
    فيكون جوابنا بما يجاب على النقض المتقدّم بالأنبياء(عليهم السلام).. بل ننقض بنفس بعثة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن، وهما معصومان لا يدخلهما الاختلاف، ومع ذلك لم يرفعا الاختلاف بين المسلمين؛ قال تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
    فعلى القياس يجب أن تقول: ما الفائدة من بعثة النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن عليه؟!
    ولا يخفى عليكم ما في هذا القول من اعتراض على حكمة الله، وعدم فهم الغاية من بعث الأنبياء، وإنزال الكتب، ومعنى حجّتهم وولايتهم على البشرية، وعدم فهم وإدراك لقاعدة اللطف، ولزوم وجود الحجّة ومنار للحقّ على طول عصور البشرية.
    ولمعترض أن يقول: ما دامت نبوّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرآنه لم يرفعا الاختلاف بين البشرية، فلنقتصر على نبوّة عيسى(عليه السلام) وكتابه، وما دام عيسى(عليه السلام) وإنجيله لم يرفعا الخلاف أيضاً، فلنقتصر على موسى(عليه السلام) وتوراته، وما دام موسى(عليه السلام) كذلك فلنرجع إلى إبراهيم(عليه السلام)، بل إلى نوح(عليه السلام)، بل إلى آدم(عليه السلام)، بل لا فائدة في بعثة الكلّ (معاذ الله)، وما كان هناك من داع لبعثتهم من البداية... الخ.
    وإذا أراد المعترض من هذا إبطال إمامة أئمّتنا(عليهم السلام)، كما هو غرضه، فإنّه ينجرّ بالنقض إلى إبطال نبوّة الأنبياء والاعتراض على حكمة الله، وما إلى هذا من سبيل إلاّ من ملحد، والجواب معه غير الجواب، بل يكون عن طريق إثبات التوحيد والنبوّة وتوضيح قاعدة اللطف وإثبات حكمة الله، وما إلى ذلك.
    ثانياً: وأمّا الجواب عن طريق الحلّ:
    فنقول: إنّ بعث الأنبياء(عليهم السلام)، وتنصيب الأئمّة(عليهم السلام)، وجعلهم حجّة الله في أرضه، ومناراً للهدى، وموئلاً لرجوع البشر إليهم عند الاختلاف، وتحكيمهم عند التنازع، شيء، وتحقّق رفع الاختلاف أو لزومه في الخارج من تنصيبهم شيء آخر..
    فإنّ على الله الحكيم حسب قاعدة اللطف، أن ينصّب مناراً وحجّة دائمة ما دامت الأرض والسماء إلى يوم القيامة، حتّى لا تكون لأحد على الله حجّة، وله الحجّة البالغة، ومن ثمّ تصحيح فرض التكاليف عليهم، مع أنّ صحّة التكليف توجب من جانب آخر بقاءهم على الاختيار، وعدم كونهم مجبورين على الهداية أو الضلالة، حسب ما أودعه الله فيهم من القدرات والاستعدادات للعلم والمعرفة، واختلاف غرائزهم وملكاتهم، وبالتالي لا بدّية وقوع الاختلاف بينهم؛ لسعة العلم وضيقه حسب استعداداتهم.
    فإن اختار الناس بسوء سريرتهم أو باختلاف أذواقهم واستعداداتهم، الانحراف عن الطريق المستقيم، وحبل الله المستقيم، أو الاختلاف في الحقّ والباطل، والصحيح والخطأ، فلا يرجع الذمّ من العقلاء إلى من نصب لهم منار الهدى وهداهم إلى الطريق، بل إنّ العقلاء يذمّونهم أنفسهم، لأنّهم سبب الاختلاف، ولا يمكن لأحد أن ينفي فائدة هؤلاء الهداة، بعد أن اتّضح وجود المتمسّك بهم والآخذ منهم والمطيع لهم في كلّ عصر، وبعد وضوح وجود فرقة من زمن آدم(عليه السلام) إلى الآن تحاول الإحاطة والتطبيق لكلّ ما فرضه الله من تكاليف، عن طريق مبعوثيه ورسله وأصفيائه.
    ثمّ هل يمكن رفع الاختلاف بتمامه من كلّ الجوانب أصلاً بين البشر؟ أم أنّ الاختلاف طبيعة لازمة للنوع البشري بما أنّه اجتماعي بالطبع، وأنّ هذا الاختلاف في مستوى استعدادات البشر المؤدي إلى توالد الاختلاف وتنوّعه بينهم، هو المميّز لهذا المخلوق، القادر باستخدامه لمختلف قدراته والمدافعة بينها للوصول إلى أعلى درجات الكمال والرقيّ، على شرط أن يُسدّد ويقوّم من قبل أشخاص اختارهم صاحب المُلك، معصومين مهديين لا يشذّون، فكانوا مقياساً وميزاناً للهداية والصواب والكمال والتقدّم؟!
    وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
    فتكون مهمّة الأنبياء والأوصياء رفع الاختلاف الناشئ في أُمور الدنيا أوّلاً، ثمّ رفع الخلاف الناشئ في أُمور الدين لاحقاً، وهو الاختلاف الحاصل من نفس حملة الدين ممّن أوتوا الكتاب، ورفع هذا الخلاف يكون بالتدرّج نحو التكامل، فكلّ رسالة لاحقة أكمل من سابقتها، والأنبياء اللاحقين يكمّلون مهمّة السابقين، لا أنّهم يلغون ما أنجزوه في صالح تقدّم البشرية قبلهم، فمن تتبع عمل الأنبياء على طول مسار التاريخ يجد أنّهم يعملون بتلاحق على تضييق شقّة الاختلاف بين البشر، وإزالة أُصول النزاع والصراع الرئيسة، ونقل البشر في أرائهم من التباين إلى التقابل، ومن التقابل إلى العموم والخصوص من وجه، ثمّ إلى العموم والخصوص المطلق، وهكذا تبقى البشرية بعد كلّ نبيّ أو وصيّ في مستوى من الخلاف أوطأ من السابق، وفي مسألة خلافية أخصّ من قبلها، فالاختلاف يتحوّل شيئاً فشيئاً من الأُصول المتنافرة إلى اختلاف في الفروع من مميزات وصفات ولواحق للرأي الصحيح، فهم مثلاً سوف يتّفقون على أصل التوحيد ولكن يختلفون في الصفات، ثمّ يتفقون في الصفات بعد إرشاد النبيّ ويختلفون في عددها، وهكذا.
    فهل يحقّ للمعترض بعد هذا أن يقول: ماذا فعل الأنبياء والأوصياء؟
    وهكذا كانت مهمّة أئمّتنا(عليهم السلام) في الحقيقة، هي: تضييق مسائل الخلاف بين المسلمين، والتقليل من كثرة تشعّب الطرق بينهم.. بل نجحوا في إلغاء الطرق المناقضة للرسالة تماماً، وشذّبوا الطريق الحقّ، بأن قلّلوا من تفرّعاته بالتدريج، إلى أن وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن، من اتّفاق كبير على جملة من الأُصول، بحيث يبقون مسلمين، وتكوين طائفة متميّزة عن الجُلّ الأعظم من المسلمين بأنّها أقرب إلى الحقّ، وأصل الرسالة، والحبل المتين، والصراط المستقيم.
    نعم، لولا حكومة عليّ(عليه السلام) ومبادئه، لكان من سمات الإسلام الحكم بأسلوب عثمان ومعاوية، ولولا ثورة الحسين(عليه السلام) لرجعنا قهقرى جاهلية.
    ولا يخفى عليك أنّنا لا ننكر أنّه بقى كثير من الاختلاف في المسائل الفرعية الجزئية بعد غيبة إمامنا(عليه السلام)، نشأت من خلال تطوّر الفقه واستحداث مسائل جديدة، وحصول ابتلاءات فقهية لم تكن، ولم يكن السبب في ذلك عدم وجود الدليل على الحقّ والصواب، كما هو الحال عند مخالفينا؛ فلجؤوا إلى الرأي والقياس والاستحسان، بل إنّ أئمّتنا(عليهم السلام) أعطونا ما يكفي من الأدلّة على طول قرنين ونصف، وإنّما كان السبب هو عدم الوصول إلى الدليل والأخذ به، وكان السبب في عدم الوصول والأخذ من علومهم لرفع اختلافنا هو: تسلّط الظالمين علينا، بل إنّ هذا التسلّط أدّى إلى ذهاب الهدف الأهم، وهو: إنشاء الحكومة الإسلامية العادلة وبسطها على الكرة الأرضية.
    فالاختلاف في جزئيات الفروع بما فيه دليل، ولكن لم يصل إليه بعض، ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله، ومقابل مقدار تأخّرنا الزمني، وتأخّر البشرية ككلّ في طيّ مراحل الكمال.
    والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور، ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.
    فهل يصحّ بعد هذا أن يدّعي مدّع بالقول: ماذا استفدنا من وجودهم(عليهم السلام)؟!
    ثمّ إنّ القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً، ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً! فإنّ جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلّية؛ نعم قد يصل إلى هذا العدد، مثلاً: جميع أقوالهم في عنوان: صلاة الجماعة؛ لأنّ عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته، وتحت هذه المسائل فروع ومسائل، فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع، أو في ميزة هذا الفرع، يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأمّا نفس الأقوال في فرع الفرع، فإنّها قد لا تتعدّى الاثنين أو الثلاث؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعية لا تتعدّى الخمسة أصلاً، فهي: الحرمة والكراهة والإباحة والاستحباب والوجوب، فكيف ستكون الأقوال ثلاثين؟!
    ثمّ لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال؛ فإنّه يعدّ نوعاً من الاختلاف أيضاً، وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامّة، فهل أفادتهم عصمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعصمة القرآن، في رفع الاختلاف مثلاً؟!
    وأمّا ادّعائه بأنّ ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمّة، بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه ولم يقله الكاشاني! بل الذي صدر من الأئمّة(عليهم السلام) حقّ واحد، كالصادر من قبل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والنازل في القرآن, وأمّا الاختلاف، فهو منّا، كما شرحنا آنفاً؛ فلاحظ!











    يتبع

  • #2
    السؤال: اتّباع الإمام هو طاعة للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
    السلام على من اتّبع الهدى..
    أمّا بعد: إنّ الإيمان بكون رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) خاتم الأنبياء والمرسلين يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته، فمن ثبت عنده أنّ محمّداً(عليه الصلاة والسلام) رسول الله، وأنّ طاعته واجبة عليه، واجتهد في طاعته بحسب الإمكان.
    إنّ قيل: بأنّه يدخل الجنّة، استغنى عن مسألة الإمامة، ولم يلزمه طاعة سوى الرسول(عليه الصلاة والسلام).
    وإن قيل: لا يدخل الجنّة إلاّ باتّباعه الإمام، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه وتعالى أوجب الجنّة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع من القرآن، ولم يعلّق دخول الجنّة بطاعة إمام أو إيمان به أصلاً، كمثل قوله تعالى: (( وَمَن يطع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَّه عَلَيهم منَ النَّبيّينَ وَالصّدّيقينَ وَالشّهَدَاء وَالصَّالحينَ وَحَسنَ أولَئكَ رَفيقاً )) (النساء:699) ، وقوله تعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدخِلهُ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ )) (النساء :13).
    ولو كانت الإمامة أصلاً للإيمان أو الكفر، أو هي أعظم أركان الدين التي لا يقبل الله عمل العبد إلاّ بها كما تقول الروايات الشيعية، لَذَكر الله عزّ وجلّ الإمامة في تلك الآيات وأكّد عليها لعلمه بحصول الخلاف فيها بعد ذلك، ولا أظنّ أحداً سيأتي ليقول لنا بأنّ الإمامة في الآيات مذكورة ضمناً تحت طاعة الله وطاعة الرسول؛ لأنّ في هذا تعسّفاً في التفسير.
    بل يكفي بياناً لبطلان ذلك أن نقول: بأنّ طاعة الرسول في حدّ ذاتها هي طاعة للربّ الذي أرسله، غير أنّ الله عزّ وجلّ لم يذكر طاعته وحده سبحانه ويجعل طاعة الرسول مندرجة تحت طاعته، بل أفردها لكي يؤكّد على ركنين مهمين في عقيدة الإسلام (طاعة الله، وطاعة الرسول)، وإنّما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنّة؛ لأنّ الرسول مبلّغ عن الله وأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولمّا لم يثبت لأحد بعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) جانب التبليغ عن الله، فإنّ الله عزّ وجلّ علّق الفلاح والفوز بالجنان بطاعة رسوله والتزام أمره دون أمر الآخرين.
    وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً ))(النساء:599)، فإنّ الله عزّ وجلّ أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أُولي الأمر منهم، لكن عند التنازع فالردّ لا يكون إلاّ إلى الله والرسول دون أُولي الأمر؛ لأنّ الله عزّ وجلّ هو الربّ، والرسول هو المبلّغ عن الله وهو معصوم لا يخطأ في بيان الحقّ عند التنازع، أمّا أُولي الأمر، فلأنّهم ليسوا مبلّغين عن الله ولا عصمة لديهم، بل مسلمون امتنّ الله عليهم بالسلطة، وأمرنا الله بطاعتهم ما أقاموا الدين، ولذلك لم يجعل الله الردّ إليهم.
    وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واتبع هداه إلى يوم الدين.

    الجواب:

    للإمام دور يؤدّيه، وهو: هداية الناس، فإذا قبلنا قولك من حصول مقصود الإمامة في حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكيف تفسّر لنا قولك: أنّ مقصود الإمامة يحصل بعد مماته؟
    فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوصانا بالتمسّك باثنين معاً، وهما الكتاب والعترة حتّى نأمن من الضلال وعدم الهداية، فإذا خالفنا الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله هذا فهل نُعدّ نحن مطيعين له؟ وهل نأمن من الضلال وعدم الهداية؟! إنّ ما تدّعيه خلافاً لنص الحديث الصريح!!
    ثمّ إنّ طاعته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكرت في القرآن وذكرت مطلقة، فلا بدّ من إطاعته في كلّ أوامره ونواهيه اللازمة علينا حتّى تحصل الطاعة المطلقة.
    أمّا أنّك تفترض حسب قولك أن تطيعه (بحسب الإمكان) أي بمقدار ما، ولا تطيعه في الباقي لعدم الإمكان وأنّ ذلك يكفي، فنحن نقول: لا، إنّ ذلك لا يكفي! لأنّ كلّ ما أمر به الله ورسوله فهو ممكن، وبالتالي وجبت طاعته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه.
    ومن ضمن ما أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) به هو اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) ومودّتهم والتمسّك بهم، ونصب عليّاً(عليه السلام) إماماً للناس في بيعة الغدير، وقال في حقّه: (اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فهل الذي يخذل عليّاً(عليه السلام) ويشمله دعاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالخذلان سيدخل الجنّة؟!
    إذاً لا بدّ أن تقول: إنّ طاعة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المطلقة حسب نص القرآن هي التي ستدخل الجنّة، ونحن معك في ذلك، ولكن نقول: إنّ من ضمن أوامر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم): اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) والاقتداء بهم، وتنصيب الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للأئمّة(عليهم السلام)، وبذلك سوف تحتاج إلى الاعتقاد بالإمامة.
    وأمّا وجوب اتّباع الإمام حتّى نضمن الدخول إلى الجنّة، فإنّه لا يخالف النصوص القرآنية؛ لأنّ طاعة الإمام جزء من طاعة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو الذي أمرنا بطاعة الإمام، فعدم الالتزام بطاعة الإمام معناه عدم الالتزام بطاعة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونحن قلنا: لا بدّ من طاعة الرسول طاعة مطلقة حتّى نحصل على المراد من تلك الآيات القرآنية.
    وإذا أبيت قبول ذلك، فإنّنا ننقض عليه بنفس أُسلوبك من القرآن الكريم، وإن كنّا لا نعتقد بصحّة ذلك؛ قال تعالى: (( يَومَ يَجمَعُكُم لِيَومِ الجَمعِ ذَلِكَ يَومُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤمِن بِاللَّهِ وَيَعمَل صَالِحاً يُكَفِّر عَنهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدخِلهُ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ )) (التغابن:599)، والآية ظاهرة بأنّ المطلوب من الناس يوم الجمع، ويوم التغابن، وهو يوم القيامة: الإيمان بالله، والعمل الصالح، وأنّهما سيدخلانهم الجنّة.
    فلقائل يقول لك، وعلى نسق ما قلت أنت: إن قيل: لا يدخل الجنّة إلاّ بالإيمان بالرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه أخبر عن أنّ من يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخل الجنّة، ولم يعلّقه بالإيمان بالرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو طاعته أصلاً.
    وله أن يقول لك أيضاً: ولو كانت النبوّة أصلاً من أُصول الدين ومن أعظم أركانه التي لا يقبل إيمان وعمل عبد إلاّ بالاعتقاد بها، كما يقوله المسلمون كافّة، لذكرها الله عزّ وجلّ في تلك الآية، وغيرها من الآيات، وأكّد عليها؛ لعلمه بأهميتها.. ولا نظنّك تستطيع أن تقول: أنّ الإيمان بنبوّة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مذكورة ضمناً في هذه الآية وغيرها، لأنّ هذا سيكون تعسّفاً في التفسير..
    إذا قال قائل ذلك.. فماذا ستقول، وماذا يكون جوابك؟
    إنّ أيّ قولٍ وجواب منك سيكون قولنا وجوابنا في الإمامة.
    وأمّا قولك: أنّ الإمامة لم تذكر في القرآن، فهذا ما لا نقبله منك.. فارجع إلى ما أجبنا عليه في عنوان (أُصول الدين).
    أمّا عدم قبولك كون طاعة الإمام هي في ضمن طاعة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأنت تنظر إلى هذه الآية القرآنية لوحدها فقط، وتقول: أنّ طاعة الإمام غير مذكورة في الآية، ولكن ماذا تفعل بالآيات الأُخر والروايات الكثيرة التي تذكر وجوب طاعة الإمام، بعد أن يثبت وجودها ودلالتها، ألا يكون تركها ترك لطاعة الله وترك لطاعة الرسول؟!
    ثمّ إنّنا نقول: إنّه لا بدّ من الإيمان بالقرآن كلّه؛ لصريح قوله تعالى: (( أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ )) (البقرة:855)، وأنت تقول: أنّ الله لم يُرجع إلى أُولي الأمر، فماذا تفعل بقوله تعالى: (( وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم )) (النساء:83)، أليس هذا ردّاً إلى أُولي الأمر؟!
    ثمّ ما هي الطاعة المطلقة لأُولي الأمر المذكورة في قوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59) التي يجب الالتزام بها؟
    ألا تدلّ على عصمة أُولي الأمر؟
    فإن قلت: لا، فإنّك بذلك جوّزت على الله أن يلزمنا بفعل المعاصي؛ وقد اعترف الفخر الرازي بدلالة الآية على العصمة(1) حتّى يتخلّص ويفرّ من أمر الله بالمعصية!
    ودمتم في رعاية الله
    (1) تفسير الرازي 10: 144 ذيل آية (59) من سورة النساء.









    السؤال: دليل عقلي على وجوب اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)
    أريد أدلّة عقلية على أنّ الشيعة على صحّ؟ وأنّ اعتقادهم بالأئمّة الاثني عشر هو الحقّ؟
    الجواب:

    هناك دليل عقلي يقول: ((فاقد الشيء لا يعطيه)).
    وفي مبحث الإمامة والقدوة نقول: الفاقد للهداية لا يصلح أن يكون هادياً مهدياً, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القاعدة العقلية بقوله تعالى: (( أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ )) (يونس:355), والاستفهام الأخير الوارد في الآية استنكاري يشير إلى أنّ اتّباع المهتدي إنّما هو حكم عقلي فطري تعمل به الفطرة السليمة, والمخالف له يكون محلّ استغراب واستنكار حقيقيين.
    فالاعتقاد بإمامة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون وفق هذه القاعدة العقلية التي تقول: إنّ الاقتداء يجب أن يكون بالهادين المهديّين, والاقتداء بمن يحتاج إلى الهداية في نفسه خلاف معنى الاهتداء من الأساس؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.
    ونحن عندما نراجع النصوص التي ثبتت صحّتها عند المسلمين جميعاً (سُنّة وشيعة) في حقّ أهل البيت(عليهم السلام) نجدها تشير إلى أنّهم عنوان الهداية عند المسلمين, فمثل قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث الثقلين المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)(1), يشير إلى أنّ الهداية والعصمة من الضلال يكون من نصيب المتّبع لأهل البيت(عليهم السلام) والقرآن معاً.
    وأيضاً قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى)(2)، الدال بكلّ وضوح على أنّ اتّباع أهل البيت(عليهم السلام) هو المنجي من الهلكة.
    فالمتّبع لأهل البيت(عليهم السلام) إنّما يمشي آمناً مطمئناً بهذا الاتّباع المبارك، خلاف اتّباع غيرهم ممّن لم ينصّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على وجوب اتّباعهم، وإنّما وصلوا إلى قيادة المجتمع الإسلامي بفعل ظروف سياسية معروفة، فهؤلاء لا يمكن للعقل والقلب أن يطمئن إلى الاقتداء بهم وأخذ دين الله عنهم، وقائلهم يقول: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، وإن زغت فقوموني))(3), مع فرض وجود الهادي المهتدي وهم أهل البيت(عليهم السلام) المنصوص عليهم من قبل الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وقد قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وهذه قاعدة عقلية أُخرى ــ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(4).
    ودمتم في رعاية الله
    (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، كتاب السُنّة لابن أبي عاصم: 629 الحديث (1551 - 1558)، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148، السنن الكبرى للبيهقي 2: 148 جماع أبواب صفة الصلاة.
    (2) انظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 2: 343 كتاب التفسير، سورة هود، 3: 151 كتاب معرفة الصحابة، المعجم الأوسط للطبراني 4: 10، المعجم الكبير للطبراني 3: 45 - 46 الحديث (2636 - 2638)، الجامع الصغير للسيوطي 1: 373 الحديث (2442)، تفسير الرازي 27: 167، تفسير الدرّ المنثور للسيوطي 3: 334، وغيرها.
    (3) انظر: المصنّف للصنعاني 11: 336 الحديث (20701) كتاب العلم، باب لا طاعة في معصية، المعجم الأوسط للطبراني 8: 267، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 3: 303، 304، الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 23، وغيرها.
    (4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 113 مسند أنس بن مالك، سنن الدارمي 1: 61، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 2: 13 كتاب البيوع.















    السؤال: آيات تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام)
    أُريد آية تدلّ على أنّ عليّ(رضي الله عنه) وأولاده هم الأوصياء بعد الرسول، كون الولاية أهمّ من الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، ومن لم يؤمن بها لا يدخل الجنّة؟
    ولا تحدّثني بأحاديثكم التي تثبت الولاية!
    الجواب:

    ليس من الصحيح أن تحصر المطالبة بالدليل من القرآن الكريم فقط! بل من حقّنا أن نثبت لك الدليل من السُنّة كما نثبتها من القرآن, وتضييق دائرة البحث وجعلها في القرآن فقط مبنىً غير صحيح, ومع ذلك نحن نتنزّل معك إلى هذا المستوى، فنقول:
    لدينا آيات صريحة تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام)، أو بعضهم، وهي واضحة عندنا.
    نعم, أنتم قد تقولون: إنّها غير صريحة، وغير واضحة, ولكن هذا مجرد دعوى عندكم؛ لأنّكم ابتعدتم عن المصادر الصحيحة لفهم القرآن.
    فمن الآيات:
    قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
    وقوله تعالى: (( وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم )) (النساء:83).
    وقوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59).










    السؤال: كيف يُستدلّ على الإمامة بسورة القدر
    أهل البيت(عليهم السلام) أمرونا في مقام الاحتجاج أن نحتجّ على المخالف بسورة القدر المباركة, والتي تدلّ على دوامية حضور ووجود حجّة لله على الخلق، تتنزل عليه الروح والملائكة، ويمضي التقديرات الإلهية للخلق.
    ولكن في الاحتجاج بهذه الآية مع المخالف حصل لي بعض التساؤلات, إذ أنّه استدرك علَيَّ بأنّه لا يلزم بأن تنزل الملائكة في ليلة القدر مثلاً على شخص واحد, وكذلك لا يلزم أن يكون ذلك الشخص حجّة لله عزّ وجلّ, بل يكون وليّاً من أولياء الله الصالحين, واستشهد بهذه الآيات الكريمة:
    (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلاَ تَحزَنُوا وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ )) (فصّلت:30).
    (( يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ أَن أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ )) (النحل:2).
    (( بِئسَمَا اشتَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم أَن يَكفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغياً أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ )) (البقرة:90).
    (( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرشِ يُلقِي الرُّوحَ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَومَ التَّلاقِ )) (غافر:15).
    (( قَالَت لَهُم رُسُلُهُم إِن نَحنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثلُكُم وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَأتِيَكُم بِسُلطَانٍ إِلاّ بِإِذنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ )) (إبراهيم:11).
    واستدركت عليه قائلاً: إنّ هذه الآيات تتحدّث عن الأنبياء والرسل بدليل إضافة (الإنذار), (( أَن أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ )) .
    ولكن قال لي: إنّ النبوّة والرسالة قد ختمت, فقال: هذا الذي تتحدّث عنه ممكن أن يحصل للفقهاء، فهم كذلك منذرين, كما في قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَولاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ )) (التوبة:1222)، فإنّه يظهر بذلك أن ليس هناك دليل على أنّ الذي تنزل عليه الملائكة يجب أن يكون حجّة الله وإماماً على الخلق, بل يمكن أن يكون وليّ، أو أولياء صالحين لله عزّ وجلّ, مثل الفقهاء والعلماء.
    انتهت المقالة, أحببت أن أعرف كيفية الاحتجاج على أنّ الذي تنزل عليه الملائكة والروح في ليلة القدر لا بدّ أن يكون واحداً في كلّ عصر, وكذلك أنّ هذا الشخص الذي تنزل عليه الملائكة والروح لا بدّ أن يكون حجّة الله وخليفته؟
    الجواب:

    لنقبل منه ذلك على وجه التسليم بأنّ الملائكة تنزل على وليّ من أولياء الله، فليس المهم تسميته بالوليّ، أو الحجّة، أو الإمام، بل المهم وجود شخص له ارتباط بالسماء تتنزل عليه الملائكة في ليلة القدر، وإلى ذلك الشخص أشارت سورة القدر، وهو ما تلتزم به الشيعة..
    كما أنّه لا بدّ من النظر: أنّه مَن يليق به أن تتنزّل عليه الملائكة والروح، وأن تنزل له من كلّ أمر، هل هو فرد عادي، أم هو قريب من مقام النبوّة؟ ولما كانت النبوّة ختمت بالنبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا بدّ أن يكون هو تالي النبيّ في المقام، ويكون من المصطفين، وهو المعني بـ(( عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ ))، ولا يليق ذلك إلاّ بالإمام.
    وأمّا أنّه لماذا لا يكون متعدّداً، فهذا يتم إثباته من أدلّة أُخرى خارجة، أو التمسّك بأنّ الروح المذكور في سورة القدر واحد، ولا ينزل إلاّ على واحد بتقادير الأُمور على طول السنة في ليلة القدر.
    وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام: إنّ قوله: (( مِّن كُلِّ أَمرٍ ))، يعني: تنزل الروح بكلّ الأمر، وهو أمر الله الذي لا اختلاف فيه ولا ترديد، ومن ينزل عليه هذا الأمر يكون معصوماً، وإلاّ لاختلف الأمر ولا يكون من أمر الله تعالى. وهذا، نعني: كلّ الأمر، وعدم الاختلاف فيه لا يدّعيه أحد غير أئمّتنا(عليهم السلام)، فلا مجال لنسبة ذلك إلى غيرهم(عليهم السلام) سواء أكانوا الخلفاء أم العلماء، أم الصلحاء، أو غيرهم؛ فلاحظ!
    وبعد تسليم نزول الروح في كلّ سنة على من هو أهل لذلك من أهل الأرض، يأتي السؤال: من هو هذا الذي له ارتباط بالسماء؟ فإنّه من الواضح القطعي أنّه أولى بالاتّباع من غيره؛ فتأمّل!














    السؤال: المراد من قوله تعالى: (( ثُمَّ اهتَدَى )) الاهتداء إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)
    أودّ أن أعرف تفسير هذه الآية: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) (طه:82)، وهل الاهتداء هنا معناه: الولاية لأهل البيت؟
    وإن أمكن من كتبنا وكتب أهل السُنّة.
    الجواب:

    قال السيّد الطباطبائي في (تفسير الميزان):
    قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، وعد بالرحمة المؤكّدة عقيب الوعيد الشديد، ولذا وصف نفسه بكثرة المغفرة؛ فقال: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ))، ولم يقل: وأنا غافر أو سأغفر.
    والتوبة، وهي: الرجوع، كما تكون عن المعصية إلى الطاعة، كذلك تكون من الشرك إلى التوحيد، والإيمان أيضاً كما يكون بالله، كذلك يكون بآيات الله من أنبيائه ورسله، وكلّ حكم جاؤوا به من عند الله تعالى، وقد كثر استعمال الإيمان في القرآن في كلّ من المعنيين، كما كثر استعمال التوبة في كلّ من المعنيين المذكورين..
    وبنو إسرائيل كما تلبّسوا بمعاصي فسقوا بها، كذلك تلبّسوا بالشرك، كعبادة العجل، وعلى هذا، فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في التوبة عن الشرك والمعصية جميعاً والإيمان بالله وآياته، وكذلك إطلاقه بالنسبة إلى التائبين والمؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم، وإن كان بنو إسرائيل مورد الخطاب؛ فإنّ الصفات الإلهية، كالمغفرة، لا تختصّ بقوم دون قوم.
    فمعنى الآية - والله أعلم -: وإنّي لكثير المغفرة لكلّ إنسان تاب وآمن، سواء تاب عن شرك أو عن معصية، وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي، أو ما جاؤوا به من أحكامي، بأن يندم على ما فعل، ويعمل عملاً صالحاً، بتبديل المخالفة والتمرّد في ما عصى فيه بالطاعة فيه، وهو المحقّق لأصل معنى الرجوع من شيء...
    وأمّا قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى ))، فالاهتداء يقابل الضلال، كما يشهد به قوله تعالى: (( مَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا )) (الإسراء:15)، وقوله: (( لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم )) (المائدة:1055)، فهل المراد: أن لا يضلّ في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانياً، فيفيد: أنّ التوبة عن ذنب إنّما تنفع بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة ولا تكفى عنه لو عاد إليه ثانياً، أو المراد: أن لا يضلّ في غيره، فيفيد: أنّ المغفرة إنّما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها.
    وبعبارة أُخرى: إنّما تنفعه نفعاً تامّاً إذا لم يضلّ في غيره من الأعمال، أو المراد: ما يعمّ المعنيين؟
    ظاهر العطف بـ(ثمّ) أن يكون المراد هو المعنى الأوّل، فيفيد: معنى الثبات والاستقامة على التوبة، فيعود إلى اشتراط الإصلاح، الذي هو مذكور في عدّة من الآيات كقوله: (( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأَصلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) (آل عمران:89).
    لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران:
    أحدهما: نكتة التعبير بـ(الغفّار) بصيغة المبالغة الدالّة على الكثرة، فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ذنباً واحداً ثمّ تاب؟
    وثانيهما: أنّ لازمها أن يكون من خالف حكماً من أحكامه كافراً به، وإن اعترف بأنّه من عند الله، وإنّما يعصيه اتّباعاً للهوى لا ردّاً للحكم.
    اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الآية لاشتمالها على قوله: (( تَابَ وَآمَنَ )) إنّما تشمل المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله، وهو كما ترى.
    فيمكن أن يقال: إنّ المراد بالتوبة والإيمان: التوبة من الشرك والإيمان بالله، كما أنّ المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر التوبة والإيمان فيها معاً، وعلى هذا، كان المراد من قوله: (( وَعَمِلَ صَالِحاً )) . الطاعة لأحكامه تعالى بالائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه، ويكون معنى الآية: أنّ من تاب من الشرك وآمن بالله وأتى بما كلّف به من أحكامه فإنّي كثير المغفرة لسيئاته، أغفر له زلّة بعد زلّة، فتكثر المغفرة لكثرة مواردها.
    وقد ذكر تعالى نظير المعنى، وهو: مغفرة السيئات في قوله: (( إِن تَجتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم )) (النساء:31). فقوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً )) ينطبق على آية النساء ويبقى فيه شرط زائد يقيّد حكم المغفرة، وهو: مدلول قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى ))، وهو: الاهتداء إلى الطريق، ويظهر أنّ المغفرة إنّما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه ودخل عليه من بابه.
    ولا نجد في كلامه تعالى ما يقيّد الإيمان بالله والعمل الصالح في تأثيره وقبوله عند الله إلاّ الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له وطاعته في خطير الأُمور ويسيرها، وأخذ الدين عنه، وسلوك الطريق التي يخطّها، واتّباعه من غير استبداد وابتداع يؤول إلى اتّباع خطوات الشيطان، وبالجملة، ولايته على المؤمنين في دينهم ودنياهم؛ فقد شرّع الله تعالى ولايته وفرض طاعته، وأوجب الأخذ عنه، والتأسّي به في آيات كثيرة جدّاً لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال لاستقصائها، فالنبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
    وكان جُلّ بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه وتصديقهم رسالة موسى وهارون متوقّفين في ولايتهما أو كالمتوقّف، كما هو صريح عامّة قصصهم في كتاب الله، ولعلّ هذا هو الوجه في وقوع الآية - (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) - بعد نهيهم عن الطغيان وتخويفهم من غضب الله.
    فقد تبيّن أنّ المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو: الإيمان بالرسول، باتّباعه في أمر الدين والدنيا، وبعبارة أُخرى هو: الاهتداء إلى ولايته.
    وبذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى )) ؛ فقد قيل: الاهتداء لزوم الإيمان والاستمرار عليه ما دامت الحياة. وقيل: أن لا يشكّ ثانياً في إيمانه. وقيل: الأخذ بسُنّة النبيّ وعدم سلوك سبيل البدعة. وقيل: الاهتداء هو أن يعلم أنّ لعمله ثواباً يُجزى عليه. وقيل: هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة. وقيل: هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحقّ في شيء؛ فإنّ الاهتداء بهذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، والمطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى لا يرجع إلى الإيمان والعمل الصالح؛ غير أنّ الذي ذكروه لا دليل على شيء من ذلك(1).
    وفي (تفسير نور الثقلين) للشيخ الحويزي ذكر بعض الروايات التي تشير إلى أنّ الهداية هي: الهداية إلى ولايتهم:
    92- علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، جميعاً عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثمّ استقبل البيت، فقال: (يا سدير! إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا، وهو قول الله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) )،.ثمّ أومأ بيده إلى صدره: (إلى ولايتنا...)، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
    93- في تفسير علي بن إبراهيم: وقوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: إلى الولاية.
    حدّثنا أحمد بن علي، قال: حدّثنا الحسين بن عبد الله، عن السندي بن محمّد، عن أبان، عن الحارث بن عمر، عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: (ألا ترى كيف اشترط ولم ينفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتّى اهتدى، والله لو جهد أن يعمل ما قبل منه حتّى يهتدي). قال: قلت: إلى من جعلني الله فداك؟ قال: (إلينا).
    94- في أمالي الصدوق(رحمه الله): بإسناده إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حديث طويل وفيه يقول لعليّ(عليه السلام): (ولقد ضلّ من ضلّ عنك، ولن يهتدي إلى الله من لم يهتد إليك والى ولايتك، وهو قول ربّي عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، يعني: إلى ولايتك).
    95- في مجمع البيان: وقال أبو جعفر(عليه السلام): ثمّ (( اهتَدَى )) إلى ولايتنا أهل البيت، فوالله لو أنّ رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثمّ مات ولم يجئ بولايتنا، لأكبّه الله في النار على وجهه.، رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده، وأورده العيّاشي في تفسيره بعدّة طرق.
    96 - في تفسير العيّاشي: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: (لهذه الآية تفسير يدلّ ذلك التفسير على أنّ الله لا يقبل من أحد عملاً إلاّ ممّن لقيه بالوفاء منه بذلك التفسير، وما اشترط فيه على المؤمنين، قال: (( إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ )) (النساء:177) يعني كلّ ذنب عمله العبد، وإن كان به عالماً فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه).
    97- في كتاب المناقب لابن شهرآشوب: أبو الجارود، وأبو الصباح الكناني عن الصادق(عليه السلام)، وأبو حمزة عن السجّاد(عليه السلام)، في قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى )) : (إلينا أهل البيت).
    98- في محاسن البرقي: عنه، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى في ما أعلم، عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))؟ قال: (إلى ولايتنا والله، أما ترى كيف اشترط عزّ وجلّ؟)(2).
    وفي (شرح إحقاق الحقّ) - للسيّد المرعشي:
    (34) قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ))، فممّن ذكره: العلاّمة الهيتمي في الصواعق(ص 151 ط المحمّدية بمصر): قال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية أهل بيته(صلّى الله عليه وآله وسلّم). وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضاً.
    (ومنهم) الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة (ص110 ط إسلامبول): أخرج أبو نعيم الحافظ، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، عن عليّ(كرّم الله وجهه)، قال في هذه الآية: (اهتدى إلى ولايتنا).. وأخرج الحاكم الحديث بثلاثة طرق. وأخرج صاحب المناقب الحديث بأربعة طرق.
    (ومنهم) العلاّمة السيّد أبو بكر العلوي الحضرمي في رشفة الصادي(ص27 ط الإعلامية بمصر): عن ثابت البناني(رضي الله عنه)، قال: (اهتدى إلى ولاية أهل البيت). وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضاً(3).
    وفي موضع آخر من (شرح إحقاق الحقّ) - للسيّد المرعشي، قال:
    قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ))، قد تقدّم ما ورد في نزولها في شأنه(عليه السلام) في (ج3 ص550) عن جماعة من العامّة في كتبهم، ونستدرك النقل ها هنا عمن لم ننقل عنهم:
    منهم: الحافظ أبو نعيم الفضل بن أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصفهاني، المتوفّى سنة 430هـ، في كتابه: (نزول القرآن)(مخطوط). روى بإسناد إلى عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، في قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) : عن عليّ بن أبي طالب، قال: (إلى ولايتنا).
    ومنهم: جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين)(ص86 ط مطبعة القضاء): روى عن ثبات بن البناني(رح) في قوله عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) : (إلى ولاية أهل بيته(صلى الله عليه وسلم))، قال: وكذا جاء عن أبي جعفر أنّه قال: (ثمّ اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت).
    ومنهم: العلاّمة السيّد أبو بكر الحضرمي في (رشفة الصادي ص80 ط مصر)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نزول القرآن).
    ومنهم: العلاّمة ابن المغازلي في (مناقبه)، على ما في (مناقب عبد الله الشافعي) (مخطوط)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نظم درر السمطين).
    ومنهم: العلاّمة الهروي في (الأربعين حديثاً)(مخطوط)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نظم درر السمطين)(4).
    ودمتم في رعاية الله
    (1) تفسير الميزان 14: 187 - 190.
    (2) تفسير نور الثقلين 3: 386 - 388 سورة طه.
    (3) شرح إحقاق الحقّ 3: 550 - 551 (34) قوله تعالى: ((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ...)).
    (4) شرح إحقاق الحقّ 14: 405 الآية الثامنة والسبعون: قوله تعالى: ((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ...)).






    يتبع

    تعليق


    • #3
      السؤال: لماذا لم يذكر الأئمّة(عليهم السلام) بأسمائهم في القرآن
      لدي سؤال إخواني:
      الأئمّة(عليهم السلام) لهم مكانة كبيرة جدّاً عند الله سبحانه وتعالى والنبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، سمعت من أحد الخطباء بأنّ أساميهم مكتوبة على العرش، فلماذا الله سبحانه وتعالى لم يذكرهم بالاسم؟ مثلاً الحسين(عليه السلام) ضحّى من أجل الإسلام ولا توجد آية مكتوب بها اسمه، والإمام عليّ(عليه السلام) يقتل وهو يصلّي ولا نرى اسمه! ما هو السبب؟!
      والكاظم(عليه السلام) يصلّي، وطويل السجدة.. والإمام السجّاد، يقال بأنّه يوم الحساب الله سبحانه وتعالى يسأل: من هو زين العباد؟ لا يقوم النبيّ ولا أيّ أحد، وإنّما يقوم زين العابدين الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام)، فلماذا لم يذكر اسمه؟
      السؤال مرّة أُخرى: لماذا الله لم يذكر أسماء الأئمّة في القرآن؟
      الجواب:

      قبل كلّ شيء يجب أن نذكّر بوجود منهج قرآني واضح في آيات الذكر الحكيم، وهو: ذكر أسماء بعض الماضين سواء كانوا صالحين أم طالحين؛ لأخذ العبرة والتذكّر، وعدم ذكر من يأتي مستقبلاً، سواء كان صالحاً، كالمهدي(عليه السلام)، أو طالحاً، كالدجّال.
      ثمّ إنّ الأئمّة(عليهم السلام) وإن لم يكونوا مذكورين في القرآن الكريم بأسمائهم، فإنّهم مذكورون بالصفة والعلامة، فمثلاً أمير المؤمنين(عليه السلام) قد ذُكر في كثير من الآيات بصفته التي لا يشاركه فيها أحد، كما في آية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:555), فهو المقصود من: الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون؛ لأنّه قد تصدّق بخاتمه في حال الركوع، فنزلت هذه الآية، وأغلب المفسّرين متّفقون على نزولها في عليّ(عليه السلام) إلاّ بعض النواصب الذين يحاولون أن يجرّدوا أهل البيت(عليهم السلام) من كلّ فضيلة حباهم الله بها(1).
      وقد ورد ذكر الخمسة أصحاب الكساء في سورة الإنسان، فهذه السورة قد نزلت فيهم بالاتّفاق.
      وورد أيضاً ذكر أمير المؤمنين(عليه السلام) في آية: (( وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ وَجِبرِيلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ )) (التحريم:4), وصالح المؤمنين هو: عليّ(عليه السلام)(22)، ويمكنك أن ترجع إلى بعض تفاسير الشيعة، كـ(البرهان) للبحراني(3)، و(الميزان) للطباطبائي(4)، فتطّلع على ما نزل في حقّهم(عليهم السلام) من القرآن.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) انظر: المعجم الأوسط للطبراني 6: 218، معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: 102، تفسير الطبري 6: 389، تفسير ابن أبي حاتم 4: 1162 الحديث (6547 - 6551)، تفسير الرازي 12: 20.
      (2) انظر: تفسير الثعلبي 9: 348، تفسير ابن أبي حاتم 10: 3362 الحديث (18923)، تفسير ابن كثير 4: 415، فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر 10: 353 كتاب الأدب، كنز العمّال 2: 539 الحديث (3675)، وغيرها.
      (3) البرهان في تفسير القرآن 5: 420 سورة التحريم.
      (4) تفسير الميزان 19: 331، 340.










      السؤال: أحاديث صريحة تدلّ على ولاية أهل البيت(عليهم السلام)
      ورد في كتاب (هوية التشيع) للشيخ أحمد الوائلي:
      أحاديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أهل بيته كما رواه ابن حجر بـ(صواعقه): (في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضّالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمّتكم وفدكم إلى الله تعالى فانظروا من توفدون).
      ونصب عينه أيضاً ما قاله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما رواه الحاكم في (المستدرك): (ومن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني بها ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتوّلَ عليّاً وذرّيته من بعدي؛ فإنّهم لن يخرجوكم من هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة).
      ما حسن سند هذين الحديثين؟ وما رأي أهل السُنّة بهما؟
      وهل هذين الحديثين يكفيان أي باحث عن الحقيقة لاتّباع مذهب أهل البيت؟
      الجواب:

      إنّ في الحديثين المذكورين كفاية للاستبصار ورؤية الحقّ، ولكن المخالفين لما رأوا وضوح الحديثين من حيث الدلالة على الحقّ وصراحتهما، لجأووا إلى تضعيف الحديثين المذكورين، ولكن مع ذلك هناك من قال بصحّتها. فالحديث الثاني الذي رواه الحاكم في (المستدرك) باختلاف في ألفاظه، قال عنه: ((صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))(1).
      ودمتم في رعاية الله
      (1) المستدرك على الصحيحين 3: 128 كتاب معرفة الصحابة.













      السؤال: أدلّة إمامة الاثني عشر(عليهم السلام) من كتب أهل السُنّة
      ما هو الدليل على إمامة الأئمّة من ذرّية الحسين(عليه السلام)؟
      أرجو أن يكون الدليل من كتب إخواننا أهل السُنّة
      الجواب:

      إنّ الأدلّة على إمامة الأئمّة الاثني عشر كثيرة، نقتصر على ذكر بعضها، ومن مصادر أهل السُنّة المعتبرة عندهم:
      1- حديث الثقلين، ومؤدّاه: التمسّك بالعترة، وهم أهل البيت، تمسّكاً مطلقاً.
      2- حديث الغدير، وهو ينصّ على وصيّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيتعيّن تشريع الوصاية.
      3- حديث الأئمّة الاثني عشر، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهم.
      فرواية البخاري بعد الاختصار والاقتطاع: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (يكون اثنا عشر أميراً)، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: (كلّهم من قريش)(1).
      أمّا روايات مسلم، فكلّها: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً)، ثمّ تكلّم النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكلمة خفيت علَيَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: (كلّهم من قريش)(2).
      وفي رواية أُخرى لمسلم أيضاً: عن جابر، قال: سمعت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة)، ثمّ قال كلمة...
      وفي رواية له: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة...).
      وأيضاً: (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة)، فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كلّهم من قريش)(3).
      وفي رواية أُخرى: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش)(4).
      وفي رواية الطبراني: (اثنا عشر قيّماً من قريش، لا يضرّهم عداوة من عاداهم)(5).
      قال ابن حجر العسقلاني: ((قال ابن بطّال عن المهلّب: لم ألقَ أحداً يقطع في هذا الحديث، يعني: بشيء معيّن))، إلى أن قال: ((وقد لخّص القاضي عياض ذلك، فقال: توجّه على هذا العدد سؤالان: أحدهما: أنّه يعارضه ظاهر قوله في حديث سفينة - يعني: الذي أخرجه أصحاب السنن وصحّحه ابن حبّان وغيره: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكاً) - لأنّ الثلاثين سنة لم يكن فيها إلاّ الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن عليّ.. والثاني: أنّه ولي الخلافة أكثر من هذا العدد.
      قال: والجواب عن الأوّل: أنّه أراد في حديث سفينة خلافة النبوّة، ولم يقيّده في حديث جابر بن سمرة بذلك.. وعن الثاني: أنّه لم يقل: لا يلي إلاّ اثنا عشر، وإنّما قال: (يكون اثنا عشر)، وقد ولي هذا العدد، ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم. قال: وهذا إن جُعل اللفظ واقعاً على كلّ من ولي، وإلاّ فيحتمل أن يكون المراد: من يستحقّ الخلافة من أئمّة العدل...)(6).
      ثمّ قال ابن حجر ردّاً على من يفسّر الحديث: بأنّ الأئمّة الاثني عشر سيكونون في زمن واحد، قال: ((ويؤيّد ما وقع عند أبي داود - أي: كلّهم تجتمع عليه الأُمّة - ما أخرجه أحمد والبزّار من حديث ابن مسعود بسند حسن، أنّه سُئل كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: (اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل).
      وقال ابن الجوزي في (كشف المشكل): قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبتُ مظانّه، وسألتُ عنه، فلم أقع على المقصود به... إلى أن قال: وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهديّاً، ثمّ ينزل روح الله فيقتل الدجّال، قال: والوجه الثالث: أنّ المراد: وجود اثني عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقّ، وإن لم تتوالَ أيامهم...
      قال ابن حجر: انتهى كلام ابن الجوزي ملخّصاً))(7).
      وأقول: انظر يا أخي عظمة الإسلام وعظمة النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة على أتمّ وجه، (( فَلِلّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ ))، وسدّ كلّ الأبواب على المحرّفين والمبطلين، والمنحرفين عن أهل البيت(عليهم السلام)، وعن الدين الصحيح..
      فانظر كيف تخبّطوا وخلطوا، وحرّفوا واختلفوا، وعجزوا عن تفسير وفهم كلام رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الواضح البليغ على الوجه الصحيح؛ لأنّهم لم يجعلوا ما فهمه الشيعة رأياً من الآراء، وتفسيراً من التفاسير للحديث الشريف، فتاهوا واختلفوا، ولم ولن يصلوا إلى المراد بنصّهم أبداً.
      فالحديث واضح وصريح بوجود خلافة لله وللرسول، وهي خلافة محدّدة بعدد معيّن وصفات معيّنة، وأنّهم هادون مهديّون، وأنّهم بعدد نقباء بني إسرائيل، وكذلك أخبرنا بعصمتهم التي نصّ عليها حديث الثقلين، وجعلهم عدلاً للقرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووصفهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعدم الافتراق، أي: الملازمة والمصاحبة للقرآن.
      وكما دلّت على العصمة آية التطهير، وحصر إرادة الله بتطهير أهل البيت فقط دون غيرهم؛ لعلمه بأهليّتهم لذلك.
      وأمّا تحديد الأئمّة بأعيانهم عند أهل السُنّة فلم يصحّ لديهم حديث ينصّ على الأسماء، أو الانحصار في ذرّية الحسين(عليه السلام) بعد أصحاب الكساء، ولكنّهم أثبتوا أنّ أبناء الحسين من أئمّتنا(عليهم السلام) هم أفضل الهاشميّين، وأفضل أهل زمانهم، وكانوا أهلاً للإمامة، وأليق وأحقّ بها من غيرهم.
      وننقل هنا بعض النصوص على ذلك:
      أولاً: الإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام):
      قال المزّيّ في (تهذيب الكمال): ((وأمّا الزهريّ، فحكي عنه أنّه قال: ما رأيت هاشميّاً أفضل منه - أي: من عليّ بن الحسين(عليهما السلام) ــ)).
      وفي رواية أُخرى عن الزهريّ، قال: ((كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة)).
      وفي رواية ثالثة عن الزهريّ، قال: ((لم أُدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين)).
      وعن مالك، قال: ((لم يكن في أهل بيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثل علي بن الحسين)).
      وقال عبد الرحمن بن أسلم، عن أبيه: ((ما رأيت فيهم مثل علي بن الحسين قط)).
      وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: ((ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين)).
      وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ((سمعت علي بن الحسين، وكان أفضل هاشمي)).
      وقال أبو بكر ابن البرقي: ((ونسل الحسين بن علي كلّه من قبل علي الأصغر وأُمّه أُمّ ولد، وكان أفضل أهل زمانه))(8).
      وروى المزّي حكاية الحجّ، وتفضيل الناس له(عليه السلام) على هشام بن عبد الملك، وأبيات الفرزدق في مدحه، وتنحّي الناس له حتّى يستلم الحجر هيبة له وإجلالاً، ولم يفعلوا ذلك للخليفة(9).
      ثانياً: الإمام محمّد الباقر(عليه السلام):
      قال الذهبي: ((وكان أحد من جمع بين العلم والعمل، والسؤدد والشرف، والثقة والرزانة، وكان أهلاً للخلافة، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر الذين تبجلهم الشيعة الإمامية وتقول بعصمتهم وبمعرفتهم بجميع الدين))(10).
      ثالثاً: الإمام جعفر الصادق(عليه السلام):
      روى المزّيّ: ((عن ابن عقدة، بسنده عن عمرو بن ثابت، قال: رأيت جعفر بن محمّد واقفاً عند الجمرة العظمى، وهو يقول: (سلوني، سلوني).
      ونقل عن ابن عقدة أيضاً، بسنده عن صالح بن أبي الأسود، قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول: (سلوني قبل أن تفقدوني؛ فإنّه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي).
      وبسنده أيضاً، عن أبي حنيفة، وسُئل: من أفقه ما رأيت؟ فقال: (ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد.. لمّا أقدمه المنصور الحيرة، بعث إليَّ، فقال: يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد فُتِنوا بجعفر بن محمّد، فهيء له من مسائلك الصعاب. قال: فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر، فأتيته بالحيرة، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر... وابتدأت أسأله، وكان يقول في المسألة: (أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا)، فربّما تابعنا، وربّما تابع أهل المدينة، وربّما خالفنا جميعاً))(11).
      فأقول: هذه الرواية تثبت أنّ لأهل البيت مذهباً خاصّاً ومستقلاً عن باقي المذاهب؛ لأنّ الإمام، وهو من أهل المدينة، قال: (وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا)، فيجعل أهل البيت(عليهم السلام) في عرض أهل المدينة.
      قال الذهبي: ((الإمام الصادق شيخ بني هاشم...))(12)، إلى أن ذكر أولاده(عليه السلام) فقال: ((فأجلّهم وأشرفهم ابنه موسى الكاظم الإمام القدوة السيّد أبو الحسن العلوي، والد الإمام علي بن موسى الرضا...
      إلى أن نقل عن أبي حاتم قوله: ثقة صدوق، إمام من أئمّة المسلمين...))(13).
      إلى أن قال: ((له مشهد عظيم مشهور ببغداد، دفن معه فيه حفيده الجواد، ولولده علي بن موسى مشهد عظيم بطوس))(14).
      فهؤلاء بعض أئمّتنا، وهم أبناء الحسين(عليه السلام)، وهم أفضل بني هاشم باعتراف أعيان أهل السُنّة.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) صحيح البخاري 8: 127 كتاب الأحكام، باب حدّثني محمّد بن المثنى.
      (2) صحيح مسلم 6: 3 كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
      (3) صحيح مسلم 6: 3 كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
      (4) صحيح مسلم 6: 4 كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
      (5) المعجم الكبير 2: 256 عطاء بن أبي ميمونة عن جابر بن سمرة.
      (6) فتح الباري 13: 182 كتاب الأحكام، باب (بغير ترجمة).
      (7) فتح الباري 13: 183.
      (8) تهذيب الكمال 20: 386 (4050) علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب القرشي الهاشمي.
      (9) تهذيب الكمال 20: 400 (4050) علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب القرشي الهاشمي.
      (10) سير أعلام النبلاء 4: 404 (158) أبو جعفر الباقر.
      (11) تهذيب الكمال 5: 79 (950) جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب القرشي الهاشمي.
      (12) سير أعلام النبلاء 6: 255 (117) جعفر بن محمّد بن علي بن الشهيد أبي عبد الله.
      (13) سير أعلام النبلاء 6: 270 (118) موسى الكاظم.
      (14) سير أعلام النبلاء 6: 274 (118) موسى الكاظم.











      السؤال: إرادة الله تعالى أن يكون عليّ(عليه السلام) وأبناؤه أوصياء للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
      هل أراد الله أن يكون عليّ(عليه السلام) وأبناؤه(عليهم السلام) أئمّة وأوصياء لرسول الله وحجج على الخلق؟
      هل هناك أدلّة يستند عليها؟
      الجواب:

      نعم، أراد الله عزّ وجلّ ذلك، ولعدّة أدلّة:
      أولاً: لقاعدة الاصطفاء والاجتباء: إنّ هذه القاعدة تعني: أنّ شخصيات الرسل والأئمّة إنّما هي شخصيات معدّة ومنتقاة سلفاً منذ أن كان الناس في عالم الذرّ، وأنّ هذه النطف الطاهرة قد انتقلت من رحم مؤمنة طاهرة إلى رحم مؤمنة طاهرة من دون أن تمرّ على أرحام أهل الشرك أو أصلابهم، ولم يحدث أن اصطفى ربّ العزّة واحداً من عامّة الناس للقيام بهذه المهمّة، أو أنّها قد انتقلت من يد نبيّ إلى أحد من صحابته، وإنّما تجري في أطار الذرّية والآل، قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:33-34)
      ثانياً: بعد أن بلّغ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالخلافة لعليّ(عليه السلام) من بعده في غدير خمّ، ووصل إلى المدينة جاءه رجل، وقال له في تنصيب عليّ(عليه السلام): فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟ فقال: (والذي لا إله إلاّ هو، إنّه من الله)(1).
      ثالثاً: آية التطهير: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33).
      رابعاً: آية الولاية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة :55).
      وغيرها من الأدلّة.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) الكشف والبيان للثعلبي 10: 35 قوله تعالى ((سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ))، شواهد التنزيل للحسكاني 2: 381 الحديث(1030 - 1034) تفسير الآية، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18: 278 سورة المعارج، عيون المعجزات لابن عبد الوهاب: 13، تفسير فرات الكوفي: 503 الحديث (661).














      السؤال: الإمامة ليست حكماً وراثياً
      إنّنا كشيعة اثني عشرية, نعتقد بأحقيّة الإمام عليّ(عليه السلام) بالخلافة بعد الرسول, ثمّ انتقال الخلافة بعده للحسن(عليه السلام)، ثمّ الحسين(عليه السلام)، ثمّ الأئمّة التسعة من صلبه(عليهم السلام).
      أفلا يعد هذا نوع من الحكم الوراثي؟ بحيث لا تكون الخلافة الإسلامية شورى بين المسلمين, بل تكون فرضٌ عليهم يجب أن يتقبّلوه؟
      الجواب:

      من المسلّمات عندنا أنّ إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) منصوص عليها بهذا الترتيب من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). وعليه من الواجب علينا أن نتقبّلهم كأئمّة وأوصياء لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وطاعتهم واجبة علينا كطاعة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ للنصّ.
      فكما نصلّي صلاة الصبح ركعتين، وصلاة الظهر أربع ركعات؛ للنصّ, فكذا الحال نقبل إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) بهذا الترتيب؛ للنصّ. وهذا الترتيب لا يلزم منه أن يكون حكمهم(عليهم السلام) حكم وراثي؛ لأنّ النص جاء بهذا الترتيب, هذا أوّلاً.
      ثانياً: من سمات الحكم الوراثي الغالبة: أن يرث الابن الأكبر الحكم بعد أبيه، ولا تصل النوبة إلى الابن الأصغر مع وجود الابن الأكبر، وهذا المعنى لا تجده في أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّه ورد في النصّ أنّ الإمامة بعد الإمام الحسن(عليه السلام) لأخيه الحسين(عليه السلام)، لا لابن الإمام الحسن(عليه السلام), وأنّ الإمامة بعد الإمام الصادق(عليه السلام) لابنه الإمام الكاظم(عليه السلام)، مع أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) لم يكن أكبر أولاد الإمام الصادق(عليه السلام).
      ثمّ إنا لمّا آمنّا بالنصّ وعليه صريح القرآن والسُنّة, يعني: أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي عيّن, والله سبحانه وتعالى لا يعيّن إلاّ لمصلحة وحكمة, ولا دخل للحكم الوراثي في تعيين الله سبحانه وتعالى.
      ثالثاً: إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بعد اصطفاء الله للإمام لِما يعلمه الله من كماله ومنزلته وصلاحيّته وأهليّته للإمامة؛ قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:33-34) ، فلا علاقة للأمر بالوراثة النَسبيّة وإنّما وراثة إلهية.
      رابعاً: إنّ من أهم شروط الإمامة: العصمة، وهي من الأُمور الباطنية التي لا يعلمها إلاّ الله، ولا قدرة للناس على معرفتها، فلا بدّ إذاً من أن يكون المنصّب للإمام هو الله عن طريق النص، ولا دخل للوراثة في ذلك.
      ثمّ لا يخفى عليك أنّنا نعتقد أنّ الإمامة لا تكون عن طريق الشورى والمشورة والأخذ بأكثر الآراء، بل تكون عن طريق النصّ؛ لأنّ الشورى لا تكون إلاّ في الأُمور الدنيوية التي تتعلّق بحياة الإنسان, ولا تكون في الأُمور الدينية والتعبّدية, ومنصب الإمامة والخلافة عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) منصب ديني، كمنصب النبوّة، لا يتم بأكثر الآراء, ولعلّ السبب هو: أنّ (( وَأَكثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ )) (آل عمران:110), (( وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ )) (المائدة:103), (( وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ )) (الأنعام:37), (( وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم يَجهَلُونَ )) (الأنعام:111), (( وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ )) (المؤمنون:70).
      فكما لا يجوز أن نأخذ بآراء الأكثر لو اتّفقوا على الزيادة أو النقصان في عدد ركعات الصلاة كذلك في الإمامة.









      السؤال: علّة جعل الأئمّة(عليهم السلام) اثنا عشر إماماً
      لماذا عدد الأئمّة(عليهم السلام) اثنا عشر؟ وما الحكمة من ذلك؟
      الجواب:

      يمكن أن نستفيد من بعض الملاحظات في جعل الأئمّة(عليهم السلام) اثني عشر إماماً لا غير، فيما لو لاحظنا علم الاجتماع السياسي الذي يقول: إنّ البعد الزمني المثالي لترسّخ القيم والعقائد وتشكيل أُمّة ما، ينبغي أن يتجاوز المئتي عام، وهذا المقدار من الزمان - بوضعه الطبيعي - يتوفّر في توالي اثني عشر إنساناً في هذه المهمّة, نعني: مهمّة ترسيخ عقائد وقيم لنظرية ما.
      وقد ترسّخت عقيدة (الإمامة) بكلّ أبعادها في الأُمّة حتّى فكرة غيبة الإمام الثاني عشر(عليه السلام) في هذه المدّة الزمنية, وقد أدّى كلّ من الأئمّة(عليهم السلام) دوراً يكمّل بعضه دور البعض الآخر من الأئمّة(عليهم السلام), وغاب الإمام الثاني عشر(عليه السلام) لحكمة الله، وهو مطمئن على ترسّخ هذه العقيدة عند الناس، وذلك بفعل هذا البعد الزمني للإمامة الذي توافر عليه اثنا عشر إماماً قبله.
      ولعلّ المتأمّل في سرّ هذا الرقم (12) وجعل الشهور اثني عشر شهراً, وساعات الليل اثنتا عشرة، وساعات النهار اثنتا عشرة, والبروج اثنا عشر برجاً, والحجب اثنا عشر, والبحور اثنا عشر, والعوالم اثنا عشر، يدرك سرّ جعل نقباء بني إسرائيل اثنا عشر نقيباً، وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) اثنا عشر إماماً؛ والله العالم.





      السؤال: حصر الأئمّة في عدد معيّن
      لم يجعل أهل السُنّة الأئمّة محصورين في عدد معيّن؛ لعدم وجود الدليل على ذلك، بل يوجد دليل على عدم التعيين؛ ففي الصحيحين: عن أبي ذرّ، قال: (إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدّع الأطراف).
      فلماذا يحصر الشيعة الأئمّة في عدد معيّن؟
      الجواب:

      إنّ الاستدلال على عدم انحصار الأئمّة في عدد معيّن بهذا الحديث وأمثاله مردود؛ لوجوه، منها: الإجماع على ضرورة كون الإمام قرشياً..
      ففي (شرح المواقف): في شروط الإمام: (((أن يكون قرشياً), أشرطه الأشاعرة والجبائيان, ومنعه الخوارج وبعض المعتزلة. لنا: قوله(عليه السلام): (الأئمّة من قريش). ثمّ إنّ الصحابة عملوا بمضمون هذا الحديث, فإنّ أبا بكر استدلّ به يوم السقيفة على الأنصار حين نازعوا في الإمامة بمحضر الصحابة فقبلوه, وأجمعوا عليه, فصار دليلاً قاطعاً يفيد اليقين باشتراط القرشية..
      احتجّوا - أي المانعون من اشتراطها - بقوله(عليه السلام): (السمع والطاعة ولو عبداً حبشياً)؛ فإنّه يدلّ على أنّ الإمام قد لا يكون قرشياً.
      قلنا: ذلك الحديث في من أمّره الإمام, أي: جعله أميراً على سرّية وغيرها كناحية, ويجب حمله على هذا دفعاً للتعارض بينه وبين الإجماع. أو نقول: هو مبالغة على سبيل الفرض, ويدلّ عليه: أنّه لا يجوز كون الإمام عبداً إجماعاً))(1).
      وقال التفتازاني: ((واتّفقت الأُمّة على اشتراط كونه قرشياً))(2).
      وكذا قال علماء الحديث في شرحه، فراجع: (فتح الباري13/101 - 107 كتاب الأحكام، عارضة الأحوذي 9: 52 - 53 كتاب الفتن, تحفة الأحوذي 6/398 الباب (47)).
      والشيعة الإمامية يتمسّكون بحديث الاثني عشر خليفة المروي عن سمرة بن جندب بطرق كثيرة عند أهل السُنّة، وبأحاديث تصل حدّ التواتر في أنّ عددهم اثني عشر من طرقهم عن الأئمّة(عليهم السلام)، وبروايات كثيرة تذكر أسماءهم(عليهم السلام) على التعيين.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) شرح المواقف 8: 350 المرصد الرابع في الإمامة.
      (2) شرح المقاصد 2: 277 الفصل الرابع في الإمامة، المبحث الثاني.













      السؤال: اشتراط كون الإمام قرشياً
      سؤالنا إلى المركز القيم والكريم:
      (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، الراوي: عبد الله بن عمر - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدّث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 3501117808 ــ
      أنّه بلغ معاوية، وهو عنده في وفد من قريش: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدّث: أنّه سيكون ملك من قحطان. فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يتحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله تعالى، ولا تؤثر عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأُولئك جُهّالكم، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها؛ فإنّي سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين). الراوي: معاوية بن أبي سفيان - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدّث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 3500116868 ــ
      أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأُولئك جهّالكم، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها؛ فإنّي سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين). الراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدّث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 7139.
      هل تجوز الخلافة لغير القرشيين على ضوء تلك الأحاديث؟ وهل تلك الأحاديث تنسف الخلافة عند أهل السُنّة (العامّة)؟ ومن هم أُولئك الخلفاء غير القرشيين؟
      هل أبي حنيفة يجوّز الخلافة في غير القرشيين، فلذا نجد أكثر العثمانيين هم على المذهب الحنفي؟
      الجواب:

      هذا الحديث الشريف هو واحد من الأحاديث الكثيرة التي حصرت الخلافة العظمى والإمامة الكبرى برجال من قريش, وهو من أبرز الأدلّة على قضية النص في الخلافة دون الشورى, وقد استفاد منها البعض في مقام التصدّي لمنصب الخلافة ومنع الآخرين من الترشيح لها؛ إذ كان - أي: هذا البعض - يواجه الآخرين من الأنصار، وغيرهم من غير القرشيين، الذين يريدون التصدّي للخلافة، بمثل هذه الأحاديث, كما حصل من أبي بكر يوم السقيفة عندما واجه الأنصار بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الأئمّة من قريش)(1), أي أنّه لا يجوز لكم الترشيح للخلافة؛ لأنّكم لستم من قريش. وكما حصل لمعاوية عندما سمع أحدهم يقول بجواز الخلافة لغيره، فقام خطيباً، وقال: ((إنّ هذا الأمر في قريش, لا يعاديهم أحد إلاّ كبّه الله على وجهه)).
      وهكذا نجد غيرها من المواقف التي تستند إلى هذه الأحاديث التي يستفاد منها التنصيص على وجوب أن يكون الإمام قرشياً.. ومن هنا قال القاضي عياض كما ينقل ذلك المناوي في (فيض القدير): ((اشتراط كون الإمام قرشياً مذهب كافّة العلماء، وقد عدوّها من مسائل الإجماع))(2).
      إلاّ أن هذا التعميم ليس على حاله كما فهمه أو رواه أبو بكر ومعاوية! بل هناك نصوص تشير إلى تحديد العدد باثني عشر إماماّ لا غير من قريش, وتحديد الصفات بأنّ في مدّة إمامتهم عزّة الدين ومنعته, وأنّ إمامتهم تستمر إلى قيام الساعة.. الأمر الذي يدعو إلى التدقيق الجيد في من تتوفّر فيهم هذه الصفات؛ ليصحّ الائتمام بهم وإصابة الحقّ من خلاله, وبالعودة إلى ((حديث الثقلين)) - الكتاب والعترة - الذي أشار إلى بقاء التلازم الوجودي بين الكتاب والعترة إلى يوم القيامة، وملاحظة أحاديث ((الأئمّة الاثني عشر)) يتّضح المراد من مجموع هذه الأحاديث الشريفة، ويمكن التوصّل إلى الأشخاص المعنيين بها، وأنّهم: أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لا غير.
      نعم, خالف أبو حنيفة في ذلك ولم يشترط كون الإمام قرشياً, وقد عمل بفتواه هذه الأتراك العثمانيين، وأطلقوا عليه بسبب هذه الفتوى الإمام الأعظم.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 129 مسند أنس بن مالك، 4: 421 أوّل مسند البصريين، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 4: 76 كتاب معرفة الصحابة.
      (2) فيض القدير للمنّاوي 3: 247، فتح الباري لابن حجر 13: 106.





      يتبع

      تعليق


      • #4
        السؤال: هل يردّ حديث: (الخلافة ثلاثون...) قول الشيعة بالإمامة؟
        أهل السُنّة يرون بضرورة وجود إمام فإنّهم يرون أنّ الصحابة أجمعوا على اختيار الخليفة قبل دفن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنّهم يرون أنّ اختيار الإمام يكون إمّا عن طريق الشورى أو...، ويقولون لو كانت الإمامة أصل في الدين كما يزعم الشيعة لما قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الخلافة ثلاثون عاماً، ثمّ يأتي الملك)، فلماذا يأتي الملك إذا كانت الإمامة من الله؟ وإذا كانت من الله هل يستطيع إنسان انتزاع منصب إلهي لإنسان آخر؟ هل استطاع أي إنسان انتزاع النبوّة من أحد الأنبياء(عليهم السلام)؟
        الجواب:

        نحن لا نسلّم بصحّة هذا الحديث(1)؛ فهو لم يُروَ في مصادرنا الحديثية، وروي عند القوم بخبر مرفوع عن سفينة، ولو استدلّ به بعض منّا فهو من باب الإلزام للطرف المقابل.
        ولو أردنا قبول الحديث والتسليم به، فهو يبيّن مدّة خلافة عليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا ينفي تشريع وجعل الإمامة، فالمولى عزّ وجلّ أراد أن تكون بعد النبوّة الإمامة، ولذلك أوصى بها، ولكن القوم أرادوا شيئاً آخر، وهو رفض الإمامة وجعلها خلافة وملوكية، فما يذكره الحديث، لو سلّمنا بصحّته، هو: الإخبار عن مدّة الخلافة الواقعية لعليّ(عليه السلام)، وينطبق على قولنا: مَن جعل الإمامة بالوصية طريقاً للهداية بعد النبوّة.
        وأمّا إنّ الإمامة من قبل الله فكيف يمكن أن تُغتصب؟ فهذا صحيح! فإنّ الإمامة المجعولة من الله سبحانه وتعالى للمصطفين، كالنبوّة، لا يمكن أن تُسلب؛ لأنّها رتبة وجودية كمالية ثابتة للإمام.
        نعم، الذي سُلب وغُصب شأن من شؤونها، وهو: الحكم والمنصب السياسي، كما كان يُسلب من الأنبياء في الأُمّم السابقة، بل ويُقتلون، ولكن لم يخرجهم ذلك عن النبوّة؛ فلاحظ!
        ودمتم في رعاية الله
        (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 5: 220 حديث أبي عبد الرحمن سفينة، مسند ابن الجعد: 479، مسند ابن راهويه 4: 164.













        السؤال: كيفية اختيار الإمام
        لماذا يختار الله الإمام ويجعله من الأوصياء دون أخيه الذي تربّى في نفس البيت؟
        أم أنّ الاختيار مبنيّ على صفات خاصّة وهبها الله للإمام الذي تمّ اختياره، فإن كان، ألا ينافي ذلك العدالة الإلهية؟

        الجواب:

        أوّلاً: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يسأل عمّا يفعل؛ لأنّه حكيم وعالم وقادر, فباعتبار حكمته وعلمه وقدرته يفعل ما يشاء.
        فاختيار الله سبحانه وتعالى للإمامة وللنبوّة إنّما هو فعل من أفعال الله التي لا يسأل عنها.
        مع هذا نجد أنّ هناك نصوصاً تدلّ على سبب الاصطفاء والاختيار؛ فالله سبحانه وتعالى في عالم الذرّ - وهو عالم خروج البشر من صلب آدم(عليه السلام) على شكل ذرّ- أخذ الميثاق على النبييّن، فقال، كما عن الإمام الباقر(عليه السلام): (ألست بربّكم، وأنّ هذا محمّد رسولي، وأنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟
        قالوا: بلى.
        فثبتت لهم النبوّة، وأخذ الميثاق على أُولي العزم: أنّني ربّكم ومحمّد رسولي وعليّ أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزّان علمي(عليهم السلام)، وأنّ المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأُعبد به طوعاً وكرهاً.
        قالوا: أقررنا يا ربّ وشهدنا.
        - إلى أن قال -: ثمّ أمر ناراً فأججت، فقال لأصحاب الشمال: ادخُلوها. فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخُلوها. فدخلوها، فكانت عليهم برداً وسلاماً، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ! أقلنا، فقال: قد أقلتكم، اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة والولاية والمعصية)(1).
        فمنهم من آمن ومنهم من كفر في ذلك العالم, وهذه الدنيا إنّما هي صورة عن ذلك العالم.
        إذاً، على ما في هذه الآيات أنّ سبب الاختيار والاصطفاء كان بسبب كيفية الاستجابة والقبول من قبل البشر لما طلبه الله منهم، هذا أوّلاً.
        ثانياً: إنّ اختياره للأنبياء والأوصياء ليس اختياراً اعتباطياً، وإنّما اختارهم بعد أن امتحنهم في العوالم الثلاث - عالم الأرواح وعالم الطينة وعالم الذرّ - فامتحن الأنبياء وشرط عليهم الزهد، فوجدهم أوفياء لهذا الشرط؛ (فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء)(22)، وامتحن أهل البيت(عليه السلام) بالصبر، فوجدهم صابرين, لذا في زيارة فاطمة(عليها السلام) نقول: (فوجدَكِ لما امتحَنكِ به صابرة)(3).
        إذاً، اختيار الله سبحانه وتعالى يكون بعد الامتحان والاختبار، وبعد الإجابة للدعوة الإلهية: ألست بربّكم؟ فأوّل من قال: بلى، هو رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لهذا اختاره الله من بين الخلق, ثمّ بعد ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثمّ فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وهكذا بقية الأئمّة، ثمّ الأنبياء، ثمّ المؤمنون الواحد تلو الآخر الأقرب فالأقرب، فكلّ من أجاب دعوة الله تعالى تقرّب إليه.
        إذاً، اختيار الإمام(عليه السلام) دون أخيه لم يكن اختياراً اعتباطياً، وإنّما اختياره عن حكمة وبعد اختباره وامتحانه، فنجح في اختباره وامتحانه، وهذا لا ينافي العدالة الإلهية.
        ودمتم في رعاية الله
        (1) الكافي للكليني 2: 8 الحديث (1) باب الإيمان والكفر، باب آخر منه.
        (2) إقبال الأعمال لابن طاووس 1: 504 الباب (37) فصل (18)، المزار للمشهدي: 574 الباب (9) دعاء الندبة.
        (3) المزار للمفيد: 178 القسم الثاني من الكتاب، باب (7).











        السؤال: إختيار الأئمة (عليهم السلام)
        أرجو التفضّل بالإجابة على السؤال التالي: نحن نعتقد أنّ الإمامة أعلى مقاماً من النبوّة ونستدلّ على ذلك بالآية: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً... ))(البقرة:124) الخ.. الآية.
        ونستدلّ بالرواية: (إنّ الله اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً)، ثمّ تقول الرواية: (اتّخذه خليلاً)، وهكذا إلى أن وصل مقام الإمامة.
        والسؤال - مع علمي بالنفي، إلاّ أنّني أحبّ معرفة الإجابة المفصّلة مع الأدّلة -: هل احتاج الأئمّة لكلّ المراحل التي مرّ بها النبيّ إبراهيم عليه وعلى نبيّنا وآله السلام حتّى نالوا مرتبة الإمامة؟
        الجواب:

        إنّ الأنبياء يخضعون للاختبار وكذلك الأئمّة، كما يخضع بقية الناس إلى الاختبار، ووفق ما يعمل الجميع يحصل كلّ واحد على الدرجة التي يستحقّها نتيجة النجاح في الاختبار.
        نعم، قد يخبر الله تعالى عن شخص بأنّه إمام أو نبيّ، لكن هذا العلم السابق منه تعالى وإخباره لا يغيّر من تكليف ذلك النبيّ أو الإمام، ولذا ورد عندنا: القول لبعض الأنبياء: أنّك لو عملت كذا (لمحوتك من ديوان النبوّة)(1)، وكان خوف الأئمّة كبيراً لئلا يحصل البداء فيهم، والذي يدلّ على حصول الاختبار على الأئمّة ما ورد في رواية في كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق:
        حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن(رضي الله عنهما)، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، قال: حدّثني جعفر بن محمّد النوفلي, عن يعقوب بن يزيد، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن محمّد بن عيسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة, عن عمرو بن أبي المقدام, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن محمّد بن الحنفية(رضي الله عنه).. وعمرو بن أبي المقدام, عن جابر الجعفي, عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: (أتى رأس اليهود عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)| عند منصرفه عن [من] وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي أُريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ.
        قال: سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود؟
        قال: إنّا نجد في الكتاب أنّ الله عزّ وجلّ إذا بعث نبيّاً أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أُمّته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهداً يحتذي عليه ويعمل به في أُمّته من بعده، وأن الله عزّ وجلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرني: كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء؟ وكم يمتحنهم بعد وفاتهم من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمر الأوصياء إذا رضي محنتهم؟
        فقال له عليّ(عليه السلام): والله الذي لا إله غيره, الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى(عليه السلام)، لئن أخبرتك بحقّ عمّا تسأل عنه لتقرّنّ به؟
        قال: نعم.
        قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى(عليه السلام)،| لئن أجبتك لتسلمنّ؟
        قال: نعم.
        فقال له عليّ(عليه السلام): إنّ الله عزّ وجلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم, فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم، أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، ويصير طاعة الأوصياء في أعناق الأُمم ممّن يقول بطاعة الأنبياء..
        ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء(عليهم السلام) في سبعة مواطن ليبلو صبرهم, فإذا رضي محنتهم، ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء, وقد أكمل لهم السعادة.
        قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين، فأخبرني: كم امتحنك الله في حياة محمّد من مرّة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك؟
        فأخذ عليّ(عليه السلام) بيده، وقال: انهض بنا أُنبئك بذلك. فقام إليه جماعة من أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! أنبئنا بذلك معه.
        فقال: إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم.
        قالوا: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟
        قال: لأُمور بدت لي من كثير منكم.
        فقام إليه الأشتر، فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك, فوالله إنّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك, وإنّا لنعلم أنّ الله لا يبعث بعد نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيّاً سواه، وأنّ طاعتك لفي أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا.
        فجلس عليّ(عليه السلام) وأقبل على اليهودي، فقال: يا أخا اليهود إنّ الله عزّ وجلّ امتحنني في حياة نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ - من غير تزكية لنفسي - بنعمة الله له مطيعاً.
        قال: وفيم، وفيم يا أمير المؤمنين؟
        قال: أمّا أوّلهنّ: فإنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحمّله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سنّاً, أخدمه في بيته وأسعى في قضاء بين يديه في أمره, فدعا صغير بني عبد المطّلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّه رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه وهجروه, ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه، وسائر الناس مقصين له ومخالفين عليه, قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم وتدركه عقولهم..
        فأجبت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحدي إلى ما دعا إليه مسرعاً مطيعاً موقناً, لم يتخالجني في ذلك شكّ, فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على وجه الأرض خلق يصلّي أو يشهد لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد - رحمها الله - وقد فعل.
        ثمّ أقبل (عليه السلام) على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الثانية يا أخا اليهود: فإنّ قريشاً لم تزل تخيّل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار - دار الندوة - وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف, فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل, ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه، ثمّ يأتي النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعاً بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه, وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمها، فيمضي دمه هدراً..
        فهبط جبرئيل(عليه السلام)| على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأنبأه بذلك، وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها, وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار, فأخبرني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالخبر, وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي, فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له، مسروراً لنفسي بأن أُقتل دونه..
        فمضى (عليه السلام) لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه، ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس.
        ثمّ أقبل (عليه السلام) على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الثالثة يا أخا اليهود، فإنّ ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع صاحبَيّ - رضي الله عنهما، وقد فعل - وأنا أحدث أصحابي سنّاً وأقلّهم للحرب تجربة, فقتل الله عزّ وجلّ بيدي وليداً وشيبة, سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم, وسوى من أسرت, وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد ابن عمّي في ذلك رحمة الله عليه.
        ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال عليّ(عليه السلام): وأمّا الرابعة يا أخا اليهود: فإنّ أهل مكّة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم، قد استحاشوا من يليهم من قبايل العرب وقريش طالبين بثأر مشركي قريش في يوم بدر, فهبط جبرئيل(عليه السلام) على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأنبأه بذلك, فذهب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعسكر بأصحابه في سدّ أحد..
        وأقبل المشركون إلينا، فحملوا إلينا حملة رجل واحد, واستشهد من المسلمين من استشهد, وكان ممّن بقي من الهزيمة, وبقيت مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة، كلّ يقول: قُتل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقُتل أصحابه..
        ثمّ ضرب الله عزّ وجلّ وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نيفاً وسبعين جرحة، منها هذه وهذه - ثمّ ألقى(عليه السلام) رداءه وأمرّ يده على جراحاته - وكان منّي في ذلك ما على الله عزّ وجلّ ثوابه إن شاء الله.
        ثمّ التفت(عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الخامسة يا أخا اليهود: فإنّ قريشاً والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتّى تقتل رسول الله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطّلب, ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة, واثقة بأنفسها في ما توجّهت له، فهبط جبرئيل(عليه السلام) على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار..
        فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا, ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعوها إلى الله عزّ وجلّ، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى, ولا يزيدها ذلك إلاّ عتوّاً..
        وفارسها وفارس العرب يومئذ: عمرو بن عبد ودّ, يهدر كالبعير المغتلم، يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحه مرّة وبسيفه مرّة، لا يقدم عليه مقدم, ولا يطمع فيه طامع, ولا حمية تهيجه، ولا بصيرة تشجّعه, فأنهضني إليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعمّمني بيده، وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار ــ.. فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواكٍ، إشفاقاً علَيَّ من ابن عبد ودّ, فقتله الله عزّ وجلّ بيدي, والعرب لا تعد لها فارساً غيره, وضربني هذه الضربة - وأومأ بيده إلى هامته - فهزم الله قريشاً والعرب بذلك، وبما كان منّي فيهم من النكاية.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا السادسة يا أخا اليهود: فإنّا وردنا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها, فتلقّونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح, وهم في أمنع دار وأكثر عدد, كلّ ينادي ويدعو ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلاّ قتلوه، حتّى إذا احمرّت الحدق, ودُعيت إلى النزال، وأهمّت كلّ امرئ نفسه. والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكلّ يقول: يا أبا الحسن! انهض..
        فأنهضني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى دارهم، فلم يبرز إليَّ منهم أحد إلاّ قتلته, ولا يثبت لي فارس إلاّ طحنته، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته, حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدّداً عليهم, فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها, وأسبي من أجد من نسائها حتّى افتتحتها وحدي, ولم يكن لي فيها معاون إلاّ الله وحده.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا السابعة يا أخا اليهود: فإنّ رسول لله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا توجّه لفتح مكّة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ آخراً، كما دعاهم أوّلاً، فكتب إليهم كتاباً يحذّرهم فيه، وينذرهم عذاب الله، ويعدهم الصفح، ويمنّيهم مغفرة ربّهم, ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم, ثمّ عرض على جميع أصحابه المضيّ به، فكلّهم يرى التثاقل فيه, فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلاً فوجّهه به، فأتاه جبرئيل، فقال: (يا محمّد لا يؤدّي عنك إلاّ أنت، أو رجل منك)..
        فأنبأني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة، فأتيت مكّة وأهلها من قد عرفتم، ليس منهم أحد إلاّ ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منّي إرباً لفعل, ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله, فبلّغتهم رسالة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرأت عليهم كتابه, فكلّهم يلقاني بالتهدّد والوعيد ويبدي لي البغضاء, ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم, فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم.
        ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): يا أخا اليهود! هذه المواطن التي امتحنني فيهن ربّي عزّ وجلّ مع نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعاً, ليس لأحد فيها مثل الذي لي، ولو شئت لوصفت ذلك، ولكنّ الله عزّ وجلّ نهى عن التزكية.
        فقالوا: يا أمير المؤمنين، صدقت والله، ولقد أعطاك الله عزّ وجلّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وأسعدك بأن جعلك أخاه, تنزل منه بمنزلة هارون من موسى, وفضّلك بالمواقف التي باشرتها, والأهوال التي ركبتها, وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره, وممّا ليس لأحد من المسلمين مثله, يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن شهدك بعده..
        فأخبرنا يا أمير المؤمنين، ما امتحنك الله عزّ وجلّ به بعد نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاحتملته وصبرت, فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه، علماً منّا به وظهوراً منّا عليه, إلاّ أنّا نحبّ أن نسمع منك ذلك، كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.
        فقال(عليه السلام): يا أخا اليهود! إنّ الله عزّ وجلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ - من غير تزكية لنفسي - بمنّه ونعمته صبوراً.
        أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود: فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به، أو أعتمد عليه، أو أستنيم إليه، أو أتقرّب به، غير رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ هو ربّاني صغيراً، وبوّأني كبيراً, وكفاني العيلة, وجبرني من اليتم, وأغناني عن الطلب, ووقاني المكسب، وعال لي النفس والولد والأهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحقّ عند الله عزّ وجلّ..
        فنزل بي من وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه, ولا يضبط نفسه, ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره, وأذهل عقله, وحال بينه وبين الفهم والإفهام، والقول والأسماع, وسائر الناس من غير بني عبد المطّلب بين معزٍّ يأمر بالصبر, وبين مساعد باكٍ لبكائهم, جازع لجزعهم..
        وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه, وتغسيله وتحنيطه وتكفينه, والصلاة عليه, ووضعه في حفرته, وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه, لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جزيل مصيبة، حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عزّ وجلّ ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) علَيَّ, وبلغت منه الذي أمرني به, واحتملته صابراً محتسباً.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الثانية يا أخا اليهود: فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمّرني في حياته على جميع أُمّته، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لأمري, وأمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب ذلك, فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمره إذا حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته, لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا بعد وفاته..
        ثمّ أمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع أُسامة بن زيد، عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه, فلم يدع النبيّ أحداً من أفناء العرب، ولا من الأوس والخزرج، وغيرهم من سائر الناس، ممّن يخاف علَيَّ نقضه ومنازعته، ولا أحداً ممّن يراني بعين البغضاء، ممّن قد وترته بقتل أبيه، أو أخيه، أو حميمه، إلاّ وجهه في ذلك الجيش, ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم، والمؤلّفة قلوبهم والمنافقين, لتصفو قلوب من يبقى معي بحضرته, ولئلا يقول قائل شيئاً ممّا أكرهه, ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيّته من بعده, ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أُمّته أن يمضي جيش أُسامة ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه, وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعز فيه أبلغ الإيعاز، وأكّد فيه أكثر التأكيد..
        فلم أشعر بعد أن قبض النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ برجال من بعث أُسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم, وأخلوا مواضعهم, وخالفوا أمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ما أنهضهم له وأمرهم به، وتقدّم إليهم من ملازمة أميرهم، والسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه..
        فخلّفوا أميرهم مقيماً في عسكره, وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حلّ عقدة عقدها الله عزّ وجلّ لي ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أعناقهم، فحلّوها, وعهد عاهدوا الله ورسوله، فنكثوه, وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم، واختصّت به آراؤهم، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي, فعلوا ذلك وأنا برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشغول، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بدئ به منها.
        فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية, وفاجع المصيبة, وفقد من لا خلف منه إلاّ الله تبارك وتعالى, فصبرت عليها إذ أتت بعد أُختها على تقاربها وسرعة اتّصالها.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الثالثة يا أخا اليهود: فإنّ القائم بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يلقاني معتذراً في كلّ أيامه، ويلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي، ونقض بيعتي، وسألني تحليله, فكنت أقول: تنقضي أيامه, ثمّ يرجع إلَيَّ حقّي الذي جعله الله لي عفواً هنيئاً من غير أن أُحدث في الإسلام، مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية، حدثاً في طلب حقّي بمنازعة، لعلّ فلاناً يقول فيها: نعم، وفلاناً يقول: لا, فيؤول ذلك من القول إلى الفعل.
        وجماعة من خواص أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ولكتابه ودينه الإسلام يأتوني عوداً وبدءاً وعلانية وسرّاً، فيدعوني إلى أخذ حقّي, ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا إليَّ بذلك بيعتي في أعناقهم, فأقول: رويداً وصبراً لعلّ الله يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة، ولا إراقة الدماء؛ فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل, فقال كلّ قوم: منّا أمير, وما طمع القائلون في ذلك إلاّ لتناول غيري الأمر.
        فلمّا دنت وفاة القائم وانقضت أيّامه، صيّر الأمر بعده لصاحبه, فكانت هذه أُخت أُختها, ومحلّها منّي مثل محلّها، وأخذا منّي ما جعله الله لي, فاجتمع إلَيَّ من أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممّن مضى وممّن بقي ممّن أخّره الله ممّن اجتمع، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أُختها..
        فلم يَعدُ قولي الثاني قولي الأوّل صبراً واحتساباً، ويقيناً وإشفاقاً من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) باللين مرّة وبالشدّة أُخرى, وبالنذر مرّة وبالسيف أُخرى، حتّى لقد كان من تألّفه لهم أن كان الناس في الكرّ والفرار والشبع والري, واللباس والوطاء والدثار، ونحن أهل بيت محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا سقوف لبيوتنا, ولا أبواب ولا ستور إلاّ الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا، ولا دثار علينا, يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا, ونطوي الليالي والأيام عامّتنا, وربّما أتانا الشيء ممّا أفاءه الله علينا وصيّره لنا خاصّة دون غيرنا، ونحن على ما وصفت من حالنا، فيؤثر به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرباب النعم والأموال تألّفاً منه لهم.
        فكنت أحقّ من لم يفرّق هذه العصبة التي ألّفها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها؛ لأنّي لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا منّي وفي أمري على إحدى منزلتين: إمّا متّبع مقاتل, وإمّا مقتول إن لم يتّبع الجميع, وإمّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي، أو أمسك عن طاعتي, وقد علم الله أنّي منه بمنزلة هارون من موسى, يحلّ به في مخالفتي والإمساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته، ورأيت تجرّع الغصص، وردّ أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتّى يفتح الله أو يقضى بما أحبّ أزيد لي في حظّي، وأرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم (( وَكَانَ أَمرُ اللَّهِ قَدَراً مَقدُوراً )) (الأحزاب:38).
        ولو لم أتّق هذه الحالة - يا أخا اليهود - ثمّ طلبت حقّي، لكنت أولى ممّن طلبه؛ لعلم من مضى من أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن بحضرتك منهم، بأنّي كنت أكثر عدداً، وأعزّ عشيرة، وأمنع رجالاً، وأطوع أمراً، وأوضح حجّة، وأكثر في هذا الدين مناقب وآثاراً؛ لسوابقي وقرابتي ووراثتي، فضلاً عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، والبيعة المتقدّمة في أعناقهم ممّن تناولها, وقد قبض محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنّ ولاية الأُمّة في يده وفي بيته, لا في يد الأُولى تناولوها ولا في بيوتهم, ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً أولى بالأمر من بعده من غيرهم في جميع الخصال.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الرابعة يا أخا اليهود: فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأُمور، فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها، فيمضيها عن رأيي, لا أعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي يناظره في ذلك غيري, ولا يطمع في الأمر بعده سواي, فلمّا (أن) أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله، ولا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه، لم أشكّ أنّي قد استرجعت حقّي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها, والعاقبة التي كنت ألتمسها، وإنّ الله سيأتي بذلك على أحسن ما رجوت, وأفضل ما أمّلت..
        وكان من فعله أن ختم أمره بأن سمّى قوماً أنا سادسهم, ولم يستوني بواحد منهم, ولا ذكر لي حالاً في وراثة الرسول ولا قرابة ولا صهر ولا نسب, ولا لواحد منهم مثل سابقة من سوابقي، ولا أثر من آثاري, وصيّرها شورى بيننا، وصيّر ابنه فيها حاكماً علينا، وأمره أن يضرب أعناق النفر الستّة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره.. وكفى بالصبر على هذا - يا أخا اليهود - صبراً.
        فمكث القوم أيامهم كلّها كلّ يخطب لنفسه، وأنا ممسك عن إن سألوني عن أمري، فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم، وآثاري وآثارهم, وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكّرتهم عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إليهم، وتأكيد ما أكّده من البيعة لي في أعناقهم, دعاهم حبّ الإمارة، وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي، والركون إلى الدنيا، والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله لهم, فإذا خلوت بالواحد ذكّرته أيام الله، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه, التمس منّي شرطاً أن أُصيّرها له بعدي.
        فلمّا لم يجدوا عندي إلاّ المحجّة البيضاء, والحمل على كتاب الله عزّ وجلّ ووصية الرسول، وإعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله الله له, ومنعه ما لم يجعل الله له، أزالها عنّي إلى ابن عفّان طمعاً في الشحيح معه فيها, وابن عفّان رجل لم يستو به وبواحد ممّن حضره حال قطّ، فضلاً عمّن دونهم، لا ببدر التي هي سنام فخرهم، ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله ومن اختصّه معه من أهل بيته (عليه السلام).
        ثمّ لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتّى ظهرت ندامتهم، ونكصوا على أعقابهم، وأحال بعضهم على بعض, كلّ يلوم نفسه ويلوم أصحابه, ثمّ لم تطل الأيام بالمستبدّ بالأمر ابن عفّان، حتّى أكفروه وتبرّؤوا منه، ومشى إلى أصحابه خاصّة وسائر أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عامّة، يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته.
        فكانت هذه - يا أخا اليهود - أكبر من أُختها وأفظع، وأحرى أن لا يُصبر عليها, فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحدّ وقته, ولم يكن عندي فيها إلاّ الصبر على ما أمضّ وأبلغ منها.
        ولقد أتاني الباقون من الستّة من يومهم، كلّ راجع عمّا كان ركب منّي، يسألني خلع ابن عفّان، والوثوب عليه، وأخذ حقّي، ويؤتيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي، أو يردّ الله عزّ وجلّ علَيَّ حقّي, فوالله - يا أخا اليهود - ما منعني منها إلاّ الذي منعني من أختيها قبلها, ورأيت الإبقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها.
        وعلمت أنّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته, فأمّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى ومن غاب من أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحرّ من ذي العطش الصدى.
        ولقد كنت عاهدت الله عزّ وجلّ ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنا وعمّي حمزة وأخي جعفر, وابن عمّي عبيدة على أمر وفينا به لله عزّ وجلّ ولرسوله, فتقدّمني أصحابي، وتخلّفت بعدهم لما أراد الله عزّ وجلّ، فأنزل الله فينا: (( مِنَ المُؤمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلاً )) (الأحزاب:233): حمزة وجعفر وعبيدة، وأنا والله المنتظر - يا أخا اليهود - وما بدّلت تبديلاً.
        وما سكتني عن ابن عفّان وحثّني على الإمساك عنه إلاّ أنّي عرفت من أخلاقه في ما اختبرت منه بما لن يدعه حتّى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه، فضلاً عن الأقارب، وأنا في عزلة, فصبرت حتّى كان ذلك, لم أنطق فيه بحرف من (لا), ولا (نعم).
        ثمّ أتاني القوم وأنا - علم الله - كاره لمعرفتي بما تطاعموا به من اعتقال الأموال والمرح في الأرض، وعلمهم بأنّ تلك ليست لهم عندي، وشديد عادة منتزعة، فلمّا لم يجدوا عندي تعلّلوا الأعاليل.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا الخامسة يا أخا اليهود: فإنّ المتابعين لي لمّا لم يطمعوا في تلك منّي، وثبوا بالمرأة علَيَّ، وأنا وليّ أمرها, والوصيّ عليها, فحملوها على الجمل، وشدّوها على الرحال, وأقبلوا بها تخبط الفيافي، وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب, وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة، وعند كلّ حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأُولى في حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
        حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم, طويلة لحاهم, قليلة عقولهم، عازبة آراؤهم, وهم جيران بدو وورّاد بحر, فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم, ويرمون بسهامهم بغير فهم..
        فوقفت من أمرهم على اثنتين، كلتاهما في محلّة المكروه: ممّن إن كففت لم يرجع ولم يعقل, وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت، فقدّمت الحجّة بالإعذار والإنذار, ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها, والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي, والترك لنقضهم عهد الله عزّ وجلّ فيَّ, وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه, وناظرت بعضهم فرجع، وذكّرت فذكر.
        ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك، فلم يزدادوا إلاّ جهلاً وتمادياً وغيّاً, فلمّا أبوا إلاّ هي, ركبتها منهم، فكانت عليهم الدبرة, وبهم الهزيمة, ولهم الحسرة, وفيهم الفناء والقتل.
        وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّاً, ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً، مثل الذي وسعني منه أوّلاً من الإغضاء والإمساك، ورأيتني إن أمسكت كنت معيناً لهم علَيَّ بإمساكي على ما صاروا إليه، وطمعوا فيه من تناول الأطراف, وسفك الدماء، وقتل الرعية وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال, كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأُمم الخالية, فأصير إلى ما كرهت أوّلاً وآخراً.
        وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس, ولم أهجم على الأمر إلاّ بعدما قدّمت وأخّرت, وتأنّيت وراجعت, وأرسلت وسافرت, وأعذرت وأنذرت، وأعطيت القوم كلّ شيء يلتمسوه، بعد أن عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه, فلمّا أبوا إلاّ تلك, أقدمت عليها, فبلغ الله بي وبهم ما أراد, وكان لِيَ عليهم بما كان منّي إليهم شهيداً.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا السادسة يا أخا اليهود: فتحكيمهم [الحكمين]، ومحاربة ابن آكلة الأكباد، وهو طليق معاند لله عزّ وجلّ ولرسوله والمؤمنين منذ بعث الله محمّداً إلى أن فتح الله عليه مكّة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم، وفي ثلاثة مواطن بعده, وأبوه بالأمس أوّل من سلّم علَيَّ بإمرة المؤمنين, وجعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي, ويجدّد لي بيعته كلّما أتاني.
        وأعجب العجب أنّه لمّا رأى ربّي تبارك وتعالى قد ردّ إلَيَّ حقّي، وأقرّ في معدنه, وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً، وفي أمانة حملناها حاكماً, كرّ على العاصي بن العاص فاستماله، فمال إليه, ثمّ أقبل به بعد أن أطعمه مصر, وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهماً, وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقّه, فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأها بالغشم, فمن بايعه أرضاه, ومن خالفه ناواه.
        ثمّ توجّه إليَّ ناكثاً علينا مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً، ويميناً وشمالاً, والأنباء تأتيني والأخبار ترد علَيَّ بذلك, فأتاني أعور ثقيف، فأشار علَيَّ أن أُولّيه البلاد التي هو بها لأُداريه بما أولّيه منها.
        وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا، لو وجدت عند الله عزّ وجلّ في توليته لي مخرجاً, وأصبت لنفسي في ذلك عذراً, فأعملت الرأي في ذلك, وشاورت من أثق بنصيحته لله عزّ وجلّ ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولي وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي, ينهاني عن توليته، ويحذّرني أن ادخل في أمر المسلمين يده, ولم يكن الله ليراني اتّخذ المضلّين عضدا.
        فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة، وأخا الأشعريين مرّة، كلاهما ركن إلى الدنيا وتابع هواه في ما أرضاه, فلمّا لم أراه [أن] يزداد في ما انتهك من محارم الله إلاّ تمادياً، شاورت من معي من أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) البدريين، والذين ارتضى الله عزّ وجلّ أمرهم ورضي عنهم بعد بيعتهم, وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين، فكلّ يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه ممّا نالت يده.
        وإنّي نهضت إليه بأصحابي, أنفذ إليه من كلّ موضع كتبي، وأوجّه إليه رسلي، أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه, والدخول في ما فيه الناس معي, فكتب يتحكّم علَيَّ، ويتمنّى علَيَّ الأماني، ويشترط علََيَّ شروطاً لا يرضاها الله عزّ وجلّ ورسوله ولا المسلمون..
        ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواماً من أصحاب محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبراراً, فيهم عمّار بن ياسر, وأين مثل عمّار؟ والله لقد رأيتنا مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما يعدّ منّا خمسة إلاّ كان سادسهم, ولا أربعة إلاّ كان خامسهم, اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم.
        وانتحل دم عثمان, ولعمر والله ما ألّب على عثمان، ولا جمع الناس على قتله، إلاّ هو وأشباهه من أهل بيته أغصان الشجرة الملعونة في القرآن.
        فلمّا لم أجب إلى ما اشترط من ذلك، كرّ مستعلياً في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر, فموّه لهم أمراً فاتبعوه, وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم به إليه, فناجزناهم، وحاكمناهم إلى الله عزّ وجلّ بعد الإعذار والإنذار، فلمّا لم يزده ذلك إلاّ تمادياً وبغياً، لقيناه بعادة الله التي عوّدناه من النصر على أعدائه وعدوّنا, وراية رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأيدينا, لم يزل الله تبارك وتعالى يفلّ حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت عليه, وهو معلم رايات أبيه التي لم أزل أقاتلها مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كلّ المواطن.
        فلم يجد من الموت منجى إلاّ الهرب، فركب فرسه، وقلب رايته, لا يدري كيف يحتال، فاستعان برأي ابن العاص، فأشار عليه بإظهار المصاحف ورفعها على الأعلام، والدعاء إلى ما فيها، وقال: إنّ ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وتقيا، وقد دعوك إلى كتاب الله أوّلاً وهم مجيبوك إليه آخراً. فأطاعه في ما أشار به عليه؛ إذ رأى أنّه لا منجى له من القتل أو الهرب غيره, فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه.
        فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء أخيارهم، وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم، وظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه, فأصغوا إلى دعوته، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أنّ ذلك منه مكر، ومن ابن العاص معه، وأنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء, فلم يقبلوا قولي، ولم يطيعوا أمري, وأبوا إلاّ إجابته، كرهت أم هويت, شئت أو أبيت، حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفّان، أو ادفعوه إلى ابن هند برمّته.
        فجهدت - علم الله - جهدي ولم أدع غلّة في نفسي إلاّ بلغتها في أن يخلّوني ورأيي، فلم يفعلوا, وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة، أو ركضة الفرس، فلم يجيبوا، ما خلا هذا الشيخ - وأومأ بيده إلى الأشتر - وعصبة من أهل بيتي, فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلاّ مخافة أن يقتل هذان - وأومأ بيده إلى الحسن والحسين(عليهما السلام) - فينقطع نسل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذرّيته من أُمّته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا - وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر ومحمّد بن الحنفية رضي الله عنهما - فإنّي أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عزّ وجلّ.
        فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا، تحكّموا في الأُمور، وتخيّروا الأحكام والآراء، وتركوا المصاحف وما دعوا إليه من حكم القرآن, وما كنت أحكّم في دين الله أحداً إذ كان التحكيم في ذلك: الخطأ الذي لا شكّ فيه ولا امتراء, فلمّا أبوا إلاّ ذلك، أردت أن أُحكّم رجلاً من أهل بيتي، أو رجلاً ممّن أرضى رأيه وعقله، وأثق بنصيحته ومودّته ودينه. وأقبلت لا أُسمّي أحداً إلاّ امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلاّ أدبر عنه, وأقبل ابن هند يسومنا عسفاً, وما ذاك إلاّ باتّباع أصحابي له على ذلك، فلمّا أبوا إلاّ غلبتي على التحكيم تبرّأت إلى الله عزّ وجلّ منهم، وفوّضت ذلك إليهم، فقلّدوه امرءاً، فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها, وأظهر المخدوع عليها ندماً.
        ثمّ أقبل (عليه السلام) على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): وأمّا السابعة يا أخا اليهود: فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان عهد إلَيَّ أن أُقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوماً من أصحابي، يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب, يمرقون بخلافهم علَيَّ ومحاربتهم إيّاي من الدين مروق السهم من الرمية, فيهم ذو الثدية، يختم لي بقتلهم بالسعادة.
        فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا - يعني بعد الحكمين - أقبل بعض القوم على بعض باللائمة في ما صاروا إليه من تحكيم الحكمين, فلم يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجاً إلاّ أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا أن لا يبايع من أخطأ، وأن يقضى بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منّا، فقد كفر بمتابعته إيّانا وطاعته لنا في الخطأ, وأحلّ لنا بذلك قتله وسفك دمه, فتجمّعوا على ذلك، وخرجوا راكبين رؤوسهم، ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلاّ لله.
        ثمّ تفرّقوا، فرقة بالنخيلة، وأُخرى بحروراء، وأُخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقاً حتّى عبرت دجلة, فلم تمرّ بمسلم إلاّ امتحنته, فمن تابعها استحيته, ومن خالفها قتلته.
        فخرجت إلى الأُوليين واحدة بعد أُخرى، أدعوهم إلى طاعة الله عزّ وجلّ والرجوع إليه، فأبيا إلاّ السيف، لا يقنعهما غير ذلك, فلمّا أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عزّ وجلّ، فقتل الله هذه وهذه، وكانوا - يا أخا اليهود - لولا ما فعلوا لكانوا ركناً قوّياً وسدّاً منيعاً, فأبى الله إلاّ ما صاروا إليه.
        ثمّ كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجّهت رسلي تترى، وكانوا من جلّة أصحابي وأهل التعبّد منهم والزهد في الدنيا، فأبت إلاّ اتّباع أُختيها والاحتذاء على مثالهما، وأسرعت في قتل من خالفها من المسلمين، وتتابعت إلَيَّ الأخبار بفعلهم.
        فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة, أوجّه السفراء والنصحاء وأطلب العتبى بجهدي، بهذا مرّة وبهذا مرّة - أومأ بيده إلى الأشتر, والأحنف بن قيس, وسعيد بن قيس الأرحبي، والأشعث بن قيس الكندي - فلمّا أبوا إلاّ تلك، ركبتها منهم، فقتلهم الله - يا أخا اليهود - عن آخرهم, وهم أربعة آلاف أو يزيدون، حتّى لم يفلت منهم مخبر, فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى, له ثدي كثدي المرأة.
        ثمّ التفت (عليه السلام) إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
        قالوا, بلى يا أمير المؤمنين.
        فقال(عليه السلام): قد وفيت سبعاً وسبعاً يا أخا اليهود, وبقيت الأُخرى، وأوشك بها، فكان قد قربت.
        قال: فبكى أصحاب عليّ(عليه السلام)، وبكى رأس اليهود، وقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا بالأُخرى.
        فقال: الأُخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من هذه - أومأ بيده إلى هامته.
        قال: وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجّة والبكاء، حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعاً, وأسلم رأس اليهود على يدي عليّ(عليه السلام) من ساعته، ولم يزل مقيماً حتّى قتل أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأُخذ ابن ملجم - لعنه الله - فأقبل رأس اليهود حتّى وقف على الحسن(عليه السلام) والناس حوله وابن ملجم - لعنه الله - بين يديه، فقال له: يا أبا محمّد اقتله قتله الله, فإنّي رأيت في الكتب التي أنزلت على موسى(عليه السلام) أنّ هذا أعظم عند الله عزّ وجلّ جرماً من ابن آدم قاتل أخيه، ومن القدار عاقر ناقة ثمود(2).
        ودمتم في رعاية الله
        (1) انظر: عدّة الدّاعي لابن فهد الحلّي: 204 الباب الرابع، القسم الثالث: خاتمة في الرياء.
        (2) الخصال: 364 - 382 باب السبعة الحديث (58).





        يتبع

        تعليق


        • #5
          السؤال: آتاهم الله الملك لكنّه غصب منهم
          سألني أحدٌ: إنّ الملك فضيلة يؤتيها الله من يشاء من عباده، بدليل قوله تعالى: (( تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ )). فلو كان الأئمّة من عند الله لملكوا المسلمين، لكن الله لم يعطهم الملك؟!
          الجواب:

          ورد عندنا في الكافي: عن عبد الأعلى مولى الإمام، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، أنّه قال: قلت له: (( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ )) (آل عمران:266)، أليس قد أتى الله عزّ وجلّ بني أُميّة الملك؟ قال: ليس حيث تذهب إليه! إنّ الله عزّ وجلّ آتانا الملك وأخذته بنو أمية، بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر، فليس هو للذي أخذه(1).
          ودمتم في رعاية الله
          (1) الكافي 8: 266.
















          السؤال: هل يمكن التنازل عن الامامة الالهية
          أرجو أن يتّسع صدركم لقبول سؤالي، وأنا في انتظار تفضّلكم بإجابة في مستوى دقّة وأهمية السؤال، مع الشكر المسبق: لو كانت الخلافة - أي: الإمامة العظمى، أي: ولاية أمر المسلمين - منصباً إلهياً بالنص، فكيف يتنازل الحسن بن عليّ(رضي الله عنهما وأرضاهما) عن المنصب المكلّف به من قبل الله تعالى، وهو معصوم في اعتقاد الشيعة الاثني عشرية، وهو المنصب الذي قاتل عليه الإمام عليّ(رضي الله عنه) معاوية بعد أن استحقّه ببيعة من المسلمين (إن صحّ أنّ نزاع معاوية مع عليّ كان على منصب الخلافة)، ولم يقاتل عليه من سبقه من الخلفاء، وهو نفسه المنصب الذي لم يقرّ به الشهيد الحسين(رضي الله عنه) ليزيد وخرج عليه وقاتل من أجله واستشهد(رضي الله عنه) وأرضاه؟
          فهل أخطأ الحسن في تنازله لمعاوية ومبايعته له رفقة الحسين؟
          إن كان أخطأ، فهذا ينفي العصمة عن الأئمّة التي يقول بها الاثنا عشرية! وإن كان تصرّفه صحيحاً فهذا ينفي كون منصب الخلافة منصباً إلهياً!
          ثمّ هناك نص وارد في كتبكم المعتبرة وجدته في كتاب (الإمامة والتبصرة من الحيرة) لابن بابويه القمّي، فيه تخطئة واضحة جليّة للحسن(رضي الله عنه) تبرير انتقال الإمامة وحصرها في عقب الحسين عليه رضوان الله تعالى.
          النص هو: ((...إنّ الله - تعالى - لمّا صنع مع معاوية ما صنع، بدا لله فآلا أن لا يجعل الوصية والإمامة إلاّ في عقب الحسين(عليه السلام) )).
          فأرجو منكم أن تجيبوني وألاّ تحيلوني على أي كتاب لاستخلاص الإجابة منه.

          الجواب:

          أوّلاً: إنّ الشيعة الإمامية يقولون: إنّ الإمامة العظمى هي منصب الإلهي ينوب صاحبها عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ الخلافة أو ولاية أمر المسلمين هي شأن من شؤونها، فإنّ الإمام المنصوب من قبل الله أولى بالحكم من غيره، فيشمله النصب أيضاً؛ فافهم ولا تخلط بين الأمرين!
          والمنصب الأوّل متعلّق بالإرادة التكوينية التي لا تتخلّف، كما لو ثبت منصب النبوّة لأحد الأنبياء فإنّه لا يتخلّف لو لم يؤمن به الناس, وأمّا ولاية أمر الناس التي هي شأن من شؤون منصب الإمامة، فهو متعلّق بالإرادة التشريعية، وهي الإرادة الإلهية التي تقع بتوسط الناس باختيارهم، فإذا رفضوها كان تبعة تخلّفها عليهم، كما هو واقع مع كثير من الأنبياء والأوصياء.
          ثانياً: يكفي في جوابك: قوله تعالى على لسان هارون(عليه السلام): (( إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي وَكَادُوا يَقتُلُونَنِي )) (الأعراف:1500), بل في صلح النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع مشركي قريش جواب كافٍ على سؤالك.
          ولزيادة الإيضاح يمكن مراجعة أجوبتنا العديدة لهذه الأسئلة في هذا العنوان، ومنها:
          1- لماذا رفض بعض الأئمّة(عليهم السلام) قيادة الناس وسكوت بعضهم عن حقّهم؟
          2- شبهات وردود بخصوص إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام).
          3- هل خالف الإمام عليّ(عليه السلام) أمر الله له بالخلافة؟
          4- الفرق بين الخلافة والإمامة.
          5- الإمامة الإلهية لا يمكن سلبها عن عليّ(عليه السلام).
          وأمّا ما أشرت إليه من الرواية في كتاب (الإمامة والتبصرة)، فقد أجبنا عليه في سؤال سابق لك بعنوان: (الإمام الحسن(عليه السلام)/ لماذا صالح الحسن(عليه السلام) وثار الإمام الحسين(عليه السلام))؛ فراجع!











          السؤال: لماذا رفض بعض الأئمّة(عليهم السلام) قيادة الناس، وسكوت بعضهم عن حقّهم؟
          بما أنّ خلافة الإمام عليّ(عليه السلام) والأئمّة الميامين من صلبه نازلة من عند الله عزّ وجلّ. فبمَ تفسّرون رفض الإمام عليّ(عليه السلام) الخلافة في بادئ الأمر بعد مقتل عثمان؟
          وبمَ تفسّرون تنازل الإمام الحسن(عليه السلام) عن الخلافة؟ وسكوت الأئمّة الباقين عن حقّهم في الخلافة؟
          الجواب:

          إنّ عقيدتنا في الإمامة هي: أنّ الإمام(عليه السلام) أحقّ الناس لاستلام الحكم والخلافة بما أنّه منصوص ومصرّح به، هذا في مقام الواقع والحقيقة.
          ولكن في مجال التطبيق والتنفيذ في المجتمع البشري، فمتى لم تؤهّل الظروف الملائمة - ومنها تلقّي الوسط العام بالقبول والانصياع - لا يلزم عليه(عليه السلام) فرض نفسه على الناس، وفي هذه الحالة سيكون اللوم عليهم؛ إذ لم يقبلوا إليه (عليه السلام).
          وهذه قاعدة جارية في كافّة حالات الأولياء والأوصياء، وعلى سببيل المثال: فقد ذكر هارون(عليه السلام) لموسى(عليه السلام) دليل امتناعه من وقوفه في وجه المنحرفين، بأنّه: (( إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي وَكَادُوا يَقتُلُونَنِي )) (الأعراف:150), أي: أنّهم لم يخضعوا للوصاية الحقّة، فتركهم في ذلك.













          السؤال: كلّ إمام كانت له مهمّة خاصّة
          لماذا لم يقم الإمام عليّ(عليه السلام) بالثورة رغم أنّ الفتنة التي حدثت في عهده هي سبب الفتن في عهد الحسين(عليه السلام)؟
          لماذا لم يَثر الإمام عليّ(عليه السلام)، ولكن تأخّرت الثورة إلى زمان الحسين(عليه السلام)؟
          لماذا لم يقم الإمام الحسن(عليه السلام) بها واكتفى بالصلح؟
          لماذا الحسين(عليه السلام) لم يفعل مثل الحسن(عليه السلام)؟
          الجواب:

          نظرة سريعة، وتأمّل بسيط في التاريخ، في الأجواء التي كانت تحكم في زمن الأئمّة(عليهم السلام), تعطينا خبراً بأنّ كلّ إمام كانت له مهمّة خاصّة، تبعاً للظروف التي كانت تحيطه.. فمثلاً: بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان الناس جديدي عهد بالإسلام, فهنا الحفاظ على أصل الإسلام كان أوجب من إعلان الثورة من قبل أمير المؤمنين(عليه السلام) والتي كانت ستؤدّي إلى ارتداد الكثير عن الإسلام.
          وفي زمن الإمام الحسن(عليه السلام) بعدما بويع بالخلافة وخذلان أصحابه له, حتّى أنّهم همّوا بتسليمه إلى معاوية, وكانت الظروف تحتّم عليه تعريف معاوية إلى الملأ العام الذي كان قد اغترّ به, فعمد إلى تنظيم بنود الصلح التي وافق عليها معاوية ومن ثمّ نقضها, وفي ذلك تعرية كاملة لمعاوية, وفي نفس بنود الصلح والشروط التي وضعها الإمام المجتبى(عليه السلام) تصريح في عدم شرعية خلافة معاوية.
          وفي زمن الإمام الحسين(عليه السلام) بويع ليزيد, ويزيد ممّن كان يتجاهر بالكفر والفسق, وكان هدفه محو الدين من أساسه, فهنا كان الحفاظ على أصل الدين بالخروج والثورة؛ إذ لو لم يخرج الإمام الحسين(عليه السلام) لكان يزيد قد هتك حرمة الإسلام, بل لغيّر الإسلام ورجع إلى تقاليد الجاهلية.
          فأهل البيت(عليهم السلام) ليس هدفهم الحكومة, بل هدفهم سَوق الأُمّة إلى الحقّ, ومن شؤونات سوق الأُمّة إلى الحقّ الحكومة, فإذا اقتضت المصلحة في سوق الأُمّة إلى الحقّ ترك الحكومة، تركوها.



















          السؤال: لا فصل بين المرجعية السياسية والدينية للإمام(عليه السلام)
          ثبتت إمامة أهل البيت بالأدلّة القطعية المتواترة.
          ولكن هل يجوز لشيعي أن يعتقد بأنّ إمامتهم كانت روحية فقط، ولم تكن إمامة سياسية؟
          وأنّ إمامة الخلفاء الثلاثة المتقدّمين على أمير المؤمنين كانت صحيحة لأنّها وقعت بالشورى؟ أو على الأقلّ هم مجتهدون وإن أخطأوا؛ لأنّ الولاية لأمير المؤمنين لا تعني الخلافة السياسية؟
          وما الدليل على كونها سياسية بالإضافة لكونها روحية؟
          الجواب:

          لقد ثبت أنّ الحاكمية والقيادة السياسية من الوظائف المناطة بمنصب الإمامة, وقد دلّ على ذلك جملة من الآيات الكريمة:
          كقوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، فقد كان نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسولاً وإماماً.
          وقوله تعالى: (( إِنَّا أَنزَلنَا إِلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ )) (النساء:105).
          وقوله تعالى: (( وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّهِ )) (الأنفال:41).
          وقوله تعالى: (( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ كَي لاَ يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأَغنِيَاءِ مِنكُم )) (الحشر:7).
          فكلّ الموارد المالية العامّة والضرائب المالية هي بيد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام, مضافاً إلى آيات الولاية العامّة الكثيرة, كقوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) , و(( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)، وغيرها.
          وبها اتّضح أنّه لا فصل بين السياسة والمرجعية الدينية للإمام المعصوم - إذ العصمة شرط عقلي وشرعي في الإمامة - ولا يصحّ أن يتبوّء أحد هذا المنصب بالشورى أو بغيرها من أفكار الناس سوى بالنصّ الإلهي؛ لأنّ العصمة صفة باطنية لا يعلمها إلاّ الله.













          السؤال: عقيدة صيرورة الإمامة بغلبة السيف
          أريد المصادر لدى أهل السُنّة التي تنصّ على: أنّ من غلب على المسلمين بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً؟
          الجواب:

          هناك عدّة مصادر لذلك، وهذه بعضها:
          - في رواية عبدوس بن مالك العطار، عن أحمد بن حنبل, قال: ((ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً))(1).
          - وفي رواية أبي الحارث، عنه: ((تكون الجمعة مع من غلب))(2)، واحتجّ بأن ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة، وقال: ((نحن مع من غلب)).
          وكذا نُسب هذا القول إلى مذهب مالك، كما نقل عن يحيى بن يحيى تلميذه(3).
          - وروى البيهقي، عن حرملة، قال: ((سمعت الشافعي يقول: كلّ من غلب على الخلافة بالسيف حتّى يسمّى خليفة ويجمع الناس عليه، فهو خليفة))(4).
          - وفي (روضة الطالبين) للنووي: ((وأمّا الطريق الثالث، فهو: القهر والاستيلاء؛ فإذا مات الإمام فتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف، ولا بيعة، قهر الناس بشوكته وجنوده، وانعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإن لم يكن جامعاً للشرائط بأن كان فاسقاً أو جاهلاً، فوجهان، أصحّهما: انعقادها؛ لما ذكرناه، وإن كان عاصياً بفعله))(5).
          وقال أيضاً: ((المسألة الثالثة: إذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره، انعزل الأوّل وصار القاهر الثاني إماماً))(6).
          - وقال ابن تيمية: ((والقدرة على سياسة الناس، إمّا بطاعتهم له، وإمّا بقهره لهم، فمتى صار قادراً على سياستهم بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة الله))(7)..
          وأمّا ابن عبد الوهاب فقد ادّعى إجماع الأئمّة على ذلك(8).
          - وقبله قال ابن حجر: ((وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلّب والجهاد معه، وأنّ طاعته خير من الخروج عليه))(9).
          - وقال أبو حامد الإسفرائيني الشافعي في (كتاب الجنايات من الينابيع): ((وتنعقد الإمامة... بالقهر والاستيلاء، ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو عجمياً))(10).
          - وقال التفتازاني عند تعداده لطرق انعقاد الإمامة: ((والثالث: القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام وتصدّى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف، وقهر الناس بشوكته، انعقدت له، وكذا لو كان فاسقاً أو جاهلاً على الأظهر...))(11).
          ودمتم في رعاية الله
          (1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 23 فصول في الإمامة.
          (2)
          الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 23 فصول في الإمامة.
          (3)
          الاعتصام للشاطبي 2: 363 الباب الثامن، المثال العاشر.
          (4)
          مناقب الشافعي للبيهقي 1: 448 باب ما يؤثر عنه في قتال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أهل القبلة.
          (5)
          روضة الطالبين 7: 267 كتاب الإمامة، الباب الأوّل، الفصل الثاني.
          (6)
          روضة الطالبين 7: 267 كتاب الإمامة، الباب الأوّل، الفصل الثاني.
          (7)
          منهاج السُنّة 1: 538 - 529 بطلان مزاعم ابن المطهّر عن بيعة أبي بكر.
          (8)
          الدرر السنية 9: 5 فصل في الإمامة والبيعة والسمع والطاعة.
          (9)
          فتح الباري 13: 5 كتاب الفتن، باب قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (سترون بعدي أُموراً تنكرونها).
          (10)
          نقلاً من شرح إحقاق الحقّ للمرعشي 2: 317 مبحث الإمامة، المبحث الأوّل.
          (11)
          شرح المقاصد 2: 272 الفصل الرابع في الإمامة.












          السؤال: من شروط كلمة التوحيد: الاعتقاد بإمامة الأئمّة(عليهم السلام)
          ما معنى قول الإمام الرضا(عليه السلام): (بشروطها, وأنا من شروطها)؟
          الجواب:

          يعني: أنّ الإيمان بكلمة التوحيد لوحده غير كافٍ للنجاة من العذاب؛ فالكلمة وإن كانت هكذا: (لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي)(1)، إلاّ أنّ الإيمان بهذه العقيدة - وهي: عقيدة التوحيد - تحتاج إلى تحقّق شروط لكي تحصل النجاة من النار، ومن تلك الشروط: الإيمان بالإمامة، وواحد من الأئمّة هو الإمام الرضا(عليه السلام).
          ودمتم في رعاية الله
          (1) ثواب الأعمال للصدوق: 6 ثواب من قال لا إله إلاّ الله بشروطها، وغيره.









          السؤال: ارتباط قولنا بإمامة الأئمّة(عليهم السلام) بصحّة عقيدتنا بالنبوّة والتوحيد
          قال السيّد نعمة الله الجزائري: ((لم نجتمع معهم على إله ولا نبيّ ولا على إمام, ذلك أنّهم يقولون: إنّ ربّهم هو الذي كان محمّد نبيّه, وخليفته بعده أبو بكر, نحن لا نقول بهذا الربّ، ولا بذلك النبيّ, بل نقول: إنّ الربّ الذي خليفة نبيّه أبو بكر ليس ربّنا ولا ذلك النبيّ نبيّنا)).
          ما صحّة هذا القول؟
          الجواب:

          لعلّ مراد القائل: إنّ الاختلاف في الإمامة يصل إلى الاختلاف في التوحيد والنبوّة، وإلاّ فكيف نعرف التوحيد الحقيقي له سبحانه؟ وكيف نعرف خصائص نبيّه؟ لا نعرف ذلك إلاّ من خلال الطريق السليم الذي خُط لنا، وهو: طريق العصمة والطهارة؛ فلا يعرف التوحيد والنبوّة إلاّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام)، ومن أخذ من عليّ(عليه السلام)، كالأئمّة المعصومين(عليهم السلام) وأتباعهم الذين أخذوا منهم؛ فهو باب مدينة العلم التي ليس هناك غيرها.
          ولذا قال بحقّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا عليّ! ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك إلاّ الله وأنا)(1)، فهو الوحيد الذي يعرف التوحيد الحقيقي والنبوّة الكاملة. فلذا لا بدّ أن نأخذ التوحيد والنبوّة من طريق عليّ(عليه السلام)، وأولاده المعصومين(عليهم السلام) الذين ورثوا علم عليّ(عليه السلام).
          ودمتم في رعاية الله
          (1) مختصر بصائر الدرجات: 125 باب في أئمّة آل محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنّ حديثهم صعب، ومثله: المحتضر لابن سليمان الحلّي: 78 الحديث (113)، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة لشرف الدين: 139 سورة النساء.














          السؤال: حكم من لا يؤمن بالإمامة أو الولاية
          أنا لا أؤمن بالولاية، فما هو حكمي؟
          الجواب:

          لقد ورد في مصادر مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) أحاديث متضافرة متواترة(1)، بل في كتب أهل السُنّة أيضاً(2)، بأنّه: لا يجوز أحد الصراط غداً - يوم القيامة - إلاّ بكتاب ورد فيه إيمانه بولاية عليّ(عليه السلام)، وهذه الولاية - بحسب هذه الروايات - هي شرط الإيمان، وشرط قبول الأعمال في الآخرة، وقد فصّلنا في أجوبة عديدة مصير منكر الإمامة ضمن عنوان (أُصول الدين)؛ فراجع! والله العالم بمصائر العباد.
          ودمتم في رعاية الله
          (1) انظر: معاني الأخبار للصدوق: 46 الحديث (6) باب معنى الصراط، و67 باب معنى قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من كنت مولاه، أمالي الطوسي: 629 المجلس (30) الحديث (1294)، الكافي للكليني 1: 433 كتاب الحجّة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، وغيرها.
          (2)
          انظر: شواهد التنزيل 2: 160 الحديث (785 - 790)، نظم درر السمطين: 109 مناقب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، الصواعق المحرقة: 149 الباب (11) الفصل الأوّل، الآية الرابعة، وغيرها.


          السؤال: الفرق بين الولاية والتولّي
          ما هو الفرق بين الولاية وبين التولّي والتبرّي, بحيث صار الأوّل من العقائد, والثاني من الفروع؟
          السؤال الثاني: ما هو الحدّ الفاصل بين القول بأنّ ذاك شيعي, أي: الحدّ الأدنى في الاعتقاد بالولاية؟
          أرجو ذكر الجواب مع الأدلّة بآية أو رواية, أو إجماع.
          الجواب:

          أوّلاً: لا ريب أنّ التولّي والتبرّي يختلف عن الولاية؛ لأنّ معنى الولاية هو: الأحقّية بالتصرّف، والأولى به، وتولّي الأمر، وهي تستعمل للتعبير عن حقوق الإمامة، التي هي مقام من مقامات الأئمّة(عليهم السلام) يجب الإيمان والاعتقاد بها، والمنكر للولاية رادّ لحقّ ومقام الإمام، غير مؤمن بما فرضه الله تعالى.
          أمّا التولّي والتبرّي، وإن كان منشأه من الأُصول الاعتقادية، لكنّه انعكاس للإيمان بهذه الأُصول، وخاصّة الإمامة، على الجوارح، فالتولّي: الحبّ والمودّة لأولياء الله قلباً وإظهاره عملاً، والتبرّي: الكره والمعاداة للكافرين والفاسقين وأعداء الدين وأولياء الله قلباً وإظهاره عملاً.
          هذا هو الفرق على مستوى التعريف والمفهوم؛ ومن هناك يتفرّع فرق آخر هو: أنّ الولاية تكون في مقام الاعتقاد أو العقيدة, والتولّي والتبرّي يكون في مقام العمل والممارسة, ولذلك كانت الولاية أصل والتولّي والتبرّي فرع؛ فلاحظ!
          ثانياً: الحدّ الأدنى للاعتقاد بالولاية هو: الاعتقاد بأنّ الله تعالى قد نصّ على أمير المؤمنين(عليه السلام)، ونصّبه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خليفة وإماماً بأمر الله تعالى, وأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين, لا يُقبل إيمان عبد من دونها, وأنّ المنكر للولاية على حدّ الشرك بالله تعالى.. فمن يعتقد بهذا الاعتقاد يكون شيعيّاً بالمعنى الأعمّ.
          ولكن الشيعي الإمامي عندنا هو: المعتقد بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) وأحد عشر من بنيه، آخرهم هو: المهدي محمّد بن الحسن(عليه السلام), ففي مذهب أهل البيت(عليهم السلام), هذا هو الحدّ الأدنى للاعتقاد بالولاية، والمعتقد به هو المستحقّ للمصطلح: (شيعي) بالمعنى الأخصّ.









          السؤال: معنى الولاء لهم (عليهم السلام)
          ما مفهوم الولاية لأمير المؤمنين وأولاده(عليهم السلام)؟
          الجواب:

          الولاء لأهل البيت(عليهم السلام) يكون من خلال المعرفة بهم، والإيمان بإمامتهم، والانقياد والاتّباع لأوامرهم، والانتهاء عن نواهيهم، وحبّهم ومودّتهم، فإنّ ادّعاء الحبّ لوحده - كما عند بعض الفرق - ليس هو معنى الولاء، بل لا بدّ أن يكون ذلك بصدق، ويحصل ذلك بمعرفتهم بالإمامة مع الانقياد والاتّباع التام لهم، ولازمه: التبرّي من أعدائهم.







          السؤال: هل يكفي حبّهم(عليهم السلام) من دون الإيمان بولايتهم واتّباعهم وطاعتهم؟
          شخص من إخوننا من أتباع المذاهب الأُخرى، يؤمن بالله ورسوله، يصلّي ويتعبّد وفق مذهبه، ومن أهل الخير والصلاح، يحبّ آل بيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الكرام، يحترمهم ويقدّرهم، لكنّه لا يعتقد بولاية الإمام عليّ(عليه السلام) والأئمّة الاثني عشر(عليه السلام) وعصمتهم، مع التأكيد على حبّه لهم، فهل هو ممن يستحقّ دخول الجنّة يوم القيامة بهذا المعتقد؟
          الجواب:

          إنّ مثل هكذا شخص إن كان معذوراً في عدم اتّباعه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بأن كان قاصراً عن إدراك أحقّيتهم بالأمر، ووجوب اتّباعهم، وأخذ معالم الدين منهم، فإنّ حبّه هذا سينفعه، ولعلّه يدخله الجنّة.
          أمّا إذا كان مثل هكذا شخص غير معذور في عدم اتّباعه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بأن كان عارفاً بأحقّيتهم، فإنّ الحبّ لوحده سوف لا يخلّصه من تبعات التكاليف الواقعة عليه، فلا بدّ لهذا الشخص من تصحيح أعماله وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّ هناك اختلافاً - كما هو معلوم - بين مذهبنا وبين بقية المذاهب الأُخرى، وبعض هذا الاختلاف قد يفسد الأعمال، وبذلك لا يسلم مثل هكذا شخص من تبعات تلك الأعمال, فهو بعد إتمام الحجّة عليه بأحقّية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لا بدّ له من اتّباع الأئمّة المعصومين(عليهم السلام), وأخذ الأحكام عن طريقهم والانقياد التام لهم، لا مجرّد ادّعاء الحبّ لهم؛ فإنّ الحبّ الحقيقي لهم لا بدّ أن يتولّد منه الانقياد والطاعة لهم, ولذلك استشهد الإمام الصادق(عليه السلام) بقول الشاعر:
          تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ***** هذا محال في الفعال بديع
          لو كان حبّك صادقــاً لأطعته ***** إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(1)
          ولازم الحبّ أيضاً: التبرّي من أعدائهم؛ إذ لا يجتمع حبّهم مع حبّ عدوهم في قلبٍ واحدٍ.
          ودمتم في رعاية الله
          (1) الأمالي للصدوق: 578 الحديث (790) المجلس (74).





          السؤال: عليّ(عليه السلام) إماماً لا نبيّاً
          ما رأيكم في الخليفة عليّ(كرّم الله وجهه)؟ هل هذا صحيح: أنّكم تعتقدون بأنّ جبريل(عليه السلام) كان عليه أن ينزّل مقام النبوّة لعليّ، ولكنه خان وأعطاه إلى محمّد(صلّى الله عليه وسلّم)؟!
          الجواب:

          نحن نعتقد أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) عبد الله وابن عبده وابن أمَته, وهو وصيّ المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام بعده, أوّل مَن آمن بنبوّة النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو الخليفة الأوّل لا الرابع, والأدلّة على ذلك كثيرة من الكتاب والسُنّة.
          وأمّا ما ذكرته في المسألة الثانية، فهو محض افتراء, افتراه على الشيعة من لا دين له ولا إنسانية, ونتحدّى كلّ من افترى هذه الفرية، أن يذكر لنا ولو شيعيّاً واحداً من العوام يقول بهذه المقولة!












          السؤال: الأدلة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)
          ما هو الدليل على أحقّية الإمام عليّ بالخلافة دون سواه؟
          الجواب:

          سألت عن أمر هو بالحقيقة نقطة الافتراق الرئيسية بين الشيعة وأهل السُنّة والجماعة، وإن كان هذا لا يعني النزاع والتشرّذم، فكما يقال: ((اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية)).
          فأهل السُنّة والجماعة ذهبوا إلى: أنّ الخلفاء بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعة، أوّلهم: أبو بكر، وآخرهم: عليّ(عليه السلام).
          أمّا أتباع أهل البيت(عليهم السلام) فذهبوا إلى: أنّ الخلافة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بلا فصل، ومن بعده: أبناؤه الأحد عشر(عليهم السلام)، آخرهم: المهدي المنتظر(عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
          واستدلّوا في اختصاص عليّ(عليه السلام) بالخلافة دون سواه بأدلّة كثيرة، نقتصر على بعضها:
          فمن القرآن الكريم:
          قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:555)؛ فقد ذهب المفسّرون والعلماء من الفريقين إلى: أنّها نزلت في حقّ عليّ(عليه السلام) حينما تصدّق بخاتمه في أثناء الصلاة.
          وإليك بعض مصادرها عند الفريقين:
          عند الشيعة:
          1- الكافي، للكليني ج1 كتاب الحجّة ص187، 189، 288، 289، 427.
          2- الأمالي، للصدوق ص186 المجلس (26) حديث (193).
          3- الخصال، للصدوق ص572 أبواب السبعين وما فوقه حديث (1).
          4- إكمال الدين، للصدوق ص274 الباب (24) حديث (25).
          ، لابن سليمان الكوفي ج1 ص150 حديث (15)، و ص169 حديث (100)، و ص189 حديث (110).c5- مناقب أمير المؤمنين
          6- الأمالي، للطوسي ص59 المجلس (2) حديث (55).
          7- وانظر: بحار الأنوار ج35 باب (4) من ص183 وما بعدها.
          8- وانظر: إثبات الهداة ج2 باب (10) ص3.
          وعند أهل السُنّة والجماعة:
          1- أنساب الأشراف، للبلاذري ج2 ص150 حديث (151).
          2- تفسير الطبري ج6 ص389 تفسير قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... )) الآية.
          3- أحكام القرآن، للجصّاص ج2 ص557 تفسير الآية.
          4- شواهد التنزيل، للحسكاني الحنفي ج1 ص209، حديث (216).
          5- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر الشافعي ج42 ص356 رقم (4933) ترجمة عليّ بن أبي طالب، ج45 ص303 رقم (5254) عمر بن عليّ بن أبي طالب.
          6- البداية والنهاية، لابن كثير ج7 ص394.
          7- الصواعق المحرقة، لابن حجر ص41 الباب (1) الفصل (5) الشبهة (10).
          ودلالة الآية الكريمة على ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) واضحة بعد أن قرنها الله تعالى بولايته وولاية الرسول، ومعلوم أنّ ولايتهما عامّة، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك ولاية عليّ بحكم المقارنة.
          وقد فصّلنا الكلام في سند أحاديث نزول الآية في عليّ(عليه السلام) وفي دلالتها، ضمن عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع!
          ومن السُنّة الشريفة:
          ألف - حديث المنزلة، وهو: قول الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي). وهو من الأحاديث المتواترة؛ فقد رواه جمهرة كبيرة من الصحابة.
          ومصادر تخريجه كثيرة، أيضاً نذكر منها:
          1- مسند أحمد بن حنبل ج1 ص170 - 185 مسند أبي إسحاق سعد بن وقّاص، و1 ص331 مسند عبد الله بن العبّاس، و3 ص32 مسند أبي سعيد الخدري، و3 ص338 مسند جابر بن عبد الله، و6 ص369 حديث فاطمة عمّة أبي عبيدة.
          2- صحيح البخاري ج4 ص208، كتاب بدء الخلق، مناقب المهاجرين وفضلهم، و5 ص129 كتاب المغازي، باب غزوة تبوك.
          3- صحيح مسلم ج7 ص20 - 121 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب.
          4- سنن ابن ماجة ج1 ص42، 45 حديث (115، 121).
          5- سنن الترمذي ج5 ص302 - 304 حديث (3808، 3813، 3814)، باب (87)(91).
          6- فضائل الصحابة، للنسائي ص13 - 14.
          7- تاريخ الطبري ج2 ص368 أحداث سنة 9هـ.
          وتركنا الكثير للاختصار.
          ودلالته على ولاية عليّ(عليه السلام) وإمامته بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واضحة؛ إذ أنّ هارون كان خليفة لموسى(عليهما السلام) ونبيّاً، وقد أثبت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفس المنزلة لعليّ(عليه السلام) باستثناء النبوّة، فدلّ ذلك على ثبوت الخلافة له(عليه السلام). وقد فصّلنا الكلام في السند والدلالة ضمن عنوان: (حديث المنزلة)؛ فليراجع!
          ب - حديث الغدير، وهو: قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجّة الوداع، حينما قام في الناس خطيباً في غدير خمّ - من خطبة طويلة - ثمّ قال: (يا أيّها الناس! إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمَن كنت مولاه، فهذا مولاه - يعني عليّاً - اللّهمّ وال مَن والاه وعاد مَن عاداه...).
          وقد روى هذا الحديث جمهرة كبيرة من الصحابة، وأورده جمع كبير من الحفّاظ في كتبهم، وأرسلوه إرسال المسلّمات، وإليك بعض المصادر:
          1- مسند أحمد بن حنبل ج1 ص84 - 152 مسند عليّ بن أبي طالب، و1 ص331 مسند عبد الله بن العبّاس، وغيرها.
          2- سنن ابن ماجة ج1 ص45 حديث (121).
          3- سنن الترمذي ج ص297 حديث (3797).
          4- فضائل الصحابة، للنسائي ص14، 15.
          5- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري ج3 ص109، 110.
          6- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر الشافعي ج18 ص138 ترجمة رزيق، و25 ص108 ترجمة طلحة، و42 ص100 ترجمة الإمام عليّ(عليه السلام).
          7- الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي المكّي الشافعي ص42 الباب (1) الفصل (5) الشبهة (11).
          ودلالة الحديث على خلافة وولاية عليّ(عليه السلام) واضحة، فلا يمكن حمل الولاية على معنى المحبّ والصديق وغيرهما، لمنافاته للمطلوب بالقرائن الحالية والمقالية.
          أمّا المقالية: فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر ولاية عليّ(عليه السلام) بعد ولاية الله وولايته، ثمّ جاء بقرينة واضحة على أنّ مراده من الولاية ليس هو الصديق والمحبّ وما شاكل، وذلك بقوله: (وأنا أولى بهم من أنّفسهم)، فهي قرينة تفيد أنّ معنى ولاية الرسول وولاية الله تعالى هو: الولاية على النفس؛ فما ثبت للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يثبت لعليّ(عليه السلام)، وذلك لقوله: (مَن كنت مولاه فهذا مولاه).
          وأمّا الحالية: فإنّ أيّ إنسان عاقل إذا نعيت إليه نفسه وقرب أجله تراه يوصي بأهمّ الأُمور عنده وأعزّها عليه، وهذا ما صنعه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما حجّ حجّة الوداع؛ فقد جمع المسلمين، وكانوا أكثر من مائة ألف في ظهيرة يوم غدير خمّ، ويخطبهم تلك الخطبة الطويلة، بعد أن أمر بإرجاع من سبق وانتظار من تأخّر عن العير، وبعد أمره بتبليغ الشاهد الغائب. كلّ هذا فعله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليقول للناس: إنّ عليّاً محبّ لكم، صديق لكم؟! فهل يليق بحكيم ذلك؟!
          وهل كان خافياً على أحد من المسلمين حبّ عليّ للإسلام والمسلمين؟! وهو الذي عرفه الإسلام بإخلاصه وشجاعته وعلمه وإيمانه.
          أم أنّ ذلك يشكّل قرينة قطعية على أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمعهم لينصّب بعده خليفة بأمر الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ )) (المائدة:67). وقد فصّلنا القول في واقعة الغدير ضمن عنوان: (الغدير)؛ فليراجع!
          وهنالك أدلّة كثيرة أعرضنا عنها بغية الاختصار.
          نسأله تعالى أن يعرّفنا الحقّ حقّاً ويوفّقنا لاتّباعه.



          تعقيب على الجواب (1)
          أيضاً هناك دليل صحيح لدى أهل السُنّة كما سأنقله من موقع الألباني!
          قال الألباني في (السلسلة الصحيحة): ((4/ 330 الحديث: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه, وعاد من عاداه). ورد من حديث زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقّاص، وبريدة بن الحصيب، وعليّ بن أبي طالب، وأبي أيّوب الأنصاري، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عبّاس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة.
          1- حديث زيد، وله خمس طرق (سأذكر ما جزم بصحّتها):
          عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، قال: ((جمع عليّ(رضي الله عنه) الناس في الرحبة، ثمّ قال لهم: (أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول يوم غدير خمّ ما سمع لما قام. فقام ثلاثون من الناس, (وفي رواية: فقام ناس كثير)، فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس: (أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم?).
          قالوا: نعم يا رسول الله.
          قال: (مَن كنت مولاه فهذا مولاه, اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه).
          قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً, فلقيت زيد بن أرقم, فقلت له: إنّي سمعت عليّاً يقول كذا وكذا.
          قال: فما تنكر؟! قد سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول ذلك له).
          أخرجه أحمد (4/370)، وابن حبّان في (صحيحه)(2205 - موارد الظمآن)، وابن أبي عاصم (1367 و1368)، والطبراني (4968)، والضياء في (المختارة) (رقم 527 بتحقيقي).
          قلت: وإسناده صحيح على شرط البخاري. وقال الهيثمي في (المجمع 9 /104): (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة).
          وأيضاً من طريق ثانٍ عن أبي سليمان (المؤذّن)، عنه (أي: زيد بن أرقم)، قال: ((استشهد عليّ الناس, فقال: أنشد الله رجلاً سمع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (اللّهمّ مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه, وعاد من عاداه).
          قال: فقام ستّة عشر رجلاً فشهدوا)).
          أخرجه أحمد (5/370)، وأبو القاسم هبة الله البغدادي، في الثاني من (الأمالي) (ق20/2)، عن أبي إسرائيل الملائي، عن الحكم، عنه.
          وقال أبو القاسم: (هذا حديث حسن صحيح المتن).
          وقال الهيثمي (9/107): (رواه أحمد، وفيه: أبو سليمان، ولم أعرفه، إلاّ أن يكون بشير بن سليمان, فإن كان هو فهو ثقة، وبقية رجاله ثقات).
          وعلّق عليه الحافظ ابن حجر بقوله: (أبو سليمان هو: زيد بن وهب، كما وقع عند الطبراني).
          قلت: هو ثقة من رجال البخاري، لكن وقع عند أبي القاسم تلك الزيادة (المؤذّن))). انتـهـى.
          فمن أين أتى هؤلاء المرتزقة وقالوا: أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) لم يحاجج الناس بيوم من الأيام؟!!





          تعقيب على الجواب (2)
          أحببت أن أضيف تعقيبا فربما تنشروه وأحصل على الأجر والثواب
          إثبات أفضلية الإمام علي عليه السلام وأولويته بالخلافة
          أولاً: الهيثمي - مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) - باب قوله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه -الجزء : ( 9 ) - رقم الصفحة : ( 103 )
          14612 - وعن أبي الطفيل، قال : جمع علي الناس في الرحبة ثم قال لهم ‏:‏ أنشد بالله كل إمرئ مسلم سمع رسول الله (ص) : يقول يوم غدير خم ما قال : لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم‏ :‏ فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال :‏ ‏‏أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏؟‏‏‏‏، قالوا :‏ بلى يا رسول الله‏،‏ قال : ‏‏من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قال : فخرجت كان في نفسي شيئاً فلقيت زيد بن أرقم فقلت له‏ :‏ إني أسمعت علياً يقول : كذا وكذا، قال : فما تنكر قد أسمعت رسول الله (ص) : يقول ذلك، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة‏.‏
          ثانياً: الهيثمي - مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) - باب قوله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه -الجزء : ( 9 ) - رقم الصفحة : ( 106 )
          14622 - وعن حبشي بن جنادة قال : أسمعت رسول الله (ص) : يقول يوم غدير خم‏ :‏ اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأعن من أعانه، رواه الطبراني ورجاله وثقوا‏.‏
          إن قول وأنصر من نصره دليل على أنه دائم سيكون على حق والنصرة تكون في الحرب أو تأييد رأيه أو كلامه عليه السلام فيجب تأييده في كل قول أو فعله يفعله عليه السلام وهذا دليل عصمته عليه السلام فإن كان معصوم فهو أولى الناس بالخلافة
          ثالثاً: مستدرك الحاكم - كتاب معرفة الصحابة (ر) - وصية النبي في كتاب الله وعترة رسوله - حديث رقم : ( 4633 )
          4553 - حدثنا : أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الحنظلي ببغداد، ثنا : أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، ثنا : يحيى بن حماد، وحدثني : أبوبكر محمد بن بالويه، وأبوبكر أحمد بن جعفر البزار قالا، ثنا : عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني : أبي : لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن فقال : كإني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي فإنظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال : إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي (ر) فقال : من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وذكر الحديث بطوله، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، بطوله، شاهده حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما.
          إن قول اللهم وال من والاه وعادي من عاداه في الأحاديث الثلاثة السابقة تفيد عصمته حيث عنه لن يفعل أي معصية لكي يعادى عليها ثم هذا الحديث يخبرنا أن ولينا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام علي عليه السلام وهذا يتناسق ويكمل ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم إني تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي فهو عليه السلام أول العترة
          وثم لماذا هذا التدرج الله ولي النبي والنبي ولي المؤمنين وعلي أيضا
          رابعاً: مستدرك الحاكم - كتاب معرفة الصحابة (ر) - إذا غضب النبي لم يجترئ أحد يكلمه غير علي - حديث رقم : ( 4706 )
          4625 - حدثني : أبو علي الحافظ، أنبأ : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أيوب الصفار وحميد بن يونس بن يعقوب الزيات قالا :، ثنا : محمد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة، ثنا : أبي، ثنا : يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس ب : كنت أخدم رسول الله (ص) فقدم لرسول الله (ص) فرخ مشوي فقال : اللهم إئتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال : فقلت : اللهم إجعله رجلاً من النصار فجاء علي (ر)، فقلت : أن رسول الله (ص) على حاجة ثم جاء فقلت : أن رسول الله (ص) على حاجة ثم جاء فقال رسول الله (ص) : إفتح فدخل فقال رسول الله (ص) : ما حبسك علي، فقال : إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقلت : يا رسول الله أسمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي فقال رسول الله : أن الرجل قد يحب قومه، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
          خامساً: الهيثمي - مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) - باب في من يحبه أيضا ويبغضه أو يسبه -الجزء : ( 9 ) - رقم الصفحة : ( 125 )
          14727 - وعن سفينة - وكان خادما لرسول الله (ص) قال :‏ أهدي لرسول الله (ص) طوائر فصنعت له بعضها، فلما أصبح أتيته به فقال :‏ ‏من أين لك هذا‏؟‏‏‏‏،‏ فقلت :‏ من التي أتيت به أمس، فقال :‏ ‏‏ألم أقل لك لا تدخرن لغد طعاما، لكل يوم رزقه‏؟‏‏،‏ ثم قال :‏ ‏اللهم إدخل علي أحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا الطير،‏ فدخل علي (ر) عليه، فقال :‏ ‏‏اللهم وإلي، رواه البزار والطبراني بإختصار ورجال الطبراني رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة‏.‏
          في هذين الحديثين دليل واضح وصريح على أفضلية الإمام علي عليه السلام على جميع الأمة حيث أنه أحب الناس إلى الله وإن كان هو أفضلها فهو من يجب اتباعه بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
          سادساً: سنن الترمذي » كتاب المناقب » باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه
          3719 حدثنا إسمعيل بن موسى حدثنا شريك عن أبي إسحق عن حبشي بن جنادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " - ص 595 -" قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب
          قال ولا يؤدي عني إلاّ أنا أو علي
          هذا دليل صريح على أنه يجب اتباع الإمام علي عليه السلام لأنه هو الذي يؤدي عن النبي (صلى الله عليه وآله)لى الله عليه وآله وسلم لا غيره فهو الذي سيؤدي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما يهدينا ويصلح أمورنا الدينية والدنيوية
          سابعاً: الهيثمي - مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) - باب جامع في مناقبه (ر) - الجزء : ( 9 ) - رقم الصفحة : ( 110)
          14696 - عن عمرو بن ميمون - يعني الأودي - قال : إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا له : يا ابن عباس، إما تقوم معنا وإما أن يخلونا هؤلاء . قال : فقال ابن عباس : بل أقوم معكم، وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى .... قال : وخرج بالناس في غزوة تبوك قال :‏ فقال له علي :‏ أخرج معك، فقال له النبي (ص) :‏ ‏لا‏،‏ فبكى علي، فقال له : ‏لا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى‏؟‏، إلاّ أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي‏ .... رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة، وفيه لين.
          وقد يقوول شخص إن المقصود بأنه لا ينبغي أن أذهب إلا وانت خليفتي في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)لى الله عليه وآله فقط لكن هذا يحتاج إلى دليل لإثباته وإلا في الأصل أن الإمام علي عليه السلام هو خليفة النبي بعد ذهابه إلى حرب أم إلى ربه أم إلى أي مكان فهو الخليفة له صلى الله عليه وآله وسلم وأي لفظ أوضح من هذا اللفظ ولكن بعض الناس مرض في قلوبهم فلو جئنا بحديث يقول فيه النبي (صلى الله عليه وآله)لى الله عليه وآله وسلم يا علي انت خليفتي بعد وفاتي فسيقول أي بعد أبو بكر وعمر وعثمان يأولون كلام الرسول حسب ما يشتهون ماذا تريدون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول؟
          ثامناً: الهيثمي - مجمع الزوائد - كتاب المناقب - باب مناقب علي بن أبي طالب (ر) -
          باب في قتاله ومن يقاتله - الجزء : ( 9 ) - رقم الصفحة : ( 134 )
          14765 - وعن إبن عباس : أن عليا كان يقول في حياة رسول الله (ص) ‏:‏ إن الله عز وجل يقول :‏ ‏أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم‏، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله تعالى، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وإبن عمه ووارثه، فمن أحق به مني، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح‏.‏
          وفي هذا الحديث أيضا دليل واضح وصريح أن أحق الناس بوراثة قيادة الأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)لى الله عليه وآله وسلم هو علي عليه الصلاة والسلام




          يتبع

          تعليق


          • #6
            السؤال: الأدلة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)
            البعض يقولون: نحن لا نعترف بإمامة عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه), فهو لم يرد في أي نص عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم). وأنا على هذا الرأي, فإن كنتم على غير هذا الرأي, يرجى إرسال الدليل لي، فأنا إنسان طالب المعرفة, وأرجو منكم مساعدتي على ذلك.
            الجواب:

            من أدلّة السُنّة النبوية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام):
            أ - حديث الغدير: وهو قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه)، بعد أن بدأ كلامه الشريف بقوله: (إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربّي فأُجيب)؛ ثمّ قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).
            فأنت تلاحظ أيّها الأخ العزيز كيف يتكلّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قرب موته وولايته عليهم, وأنّه أولى بالتصرّف بهم من أنفسهم، ومن ثمّ يقرّر ويثبت لعليّ(عليه السلام) ما كان له بقوله: (فمن كنت مولاه فعليّ مولاه).
            وكما تلاحظ أيّها الأخ عدم وجود علاقة أو مناسبة هنا بين المحبّة والتولّي العادي بين المؤمنين, وبين الولاية التي يتكلّم عنها(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويذكرها هنا، وخصوصاً مع قرينة:
            1- بداية كلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قرب أجله ومغادرته إلى الله عزّ وجلّ.
            2- إيضاحه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولايته على الناس، وعلى المؤمنين خاصّة، وبيانه أنّه أولى بهم في كلّ شيء من أنفسهم، وهذه الولاية أعظم وأشدّ من مجرّد المحبّة, ثمّ إقرار الصحابة بذلك، بعد أن طرح رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك الأمر المهم باستفهام وسؤال، إشارة إلى حاجة ما سيثبته لعليّ(عليه السلام) لذلك الفهم منهم، والإقرار الواضح بتلك الأولوية للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيهم من أنفسهم بأنفسهم.
            3- وتوجد قرينة أُخرى في غدير خمّ أيضاً، وهي: إيقاف القافلة في تلك الظهيرة وتنظيف مكان تحت شجرات، وتهيئة الجوّ المناسب للبيعة على هذه الولاية، وهذه المنزلة العظيمة.
            4- وهناك قرينة أُخرى مهمّة جدّاً ودالّة على ما قلناه آنفاً حصلت في غدير خمّ أيضاً، كما يروي ذلك مسلم في صحيحه من قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أوّلهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) - فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال ـ: (وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي)(1).
            فالتمسّك بالثقلين بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الواضح أنّه يعني: التمسّك بالقرآن الكريم، وولاية أهل البيت(عليهم السلام)، وخلافتهم لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونيابتهم عنه، وأوّلهم: عليّ(عليه السلام) دون منازع، وليس محبّة أهل البيت(عليهم السلام) فقط!!
            ب - حديث آخر قوّي جدّاً في الدلالة على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وخلافته لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من بعده مباشرة، وهو حديث صحيح، صريح، اضطرب أهلُ السُنّة في تفسيره وتأويله؛ فكذّبه قوم لقوّة دلالته(2), وضعّفه قوم بدعوى توهّم رواته رغم وثاقتهم, وصحّحه آخرون دون أن ينتبهوا لما يقولون في شرحه وتأويله.
            والحديث هو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)؛ فقد رواه أحمد في (مسنده)(3)، والترمذي في (سننه)، وقال: حديث حسن غريب(4)، والنسائي في (فضائل الصحابة)(5)، و(السنن)(6)، و(خصائصه)(7)، والطيالسي في (مسنده)(8)، وابن أبي شيبة في (مصنّفه)(9)، وابن أبي يعلى في (مسنده)(10)، وابن حبّان في (صحيحه)(11)، وغيرهم.
            وصححّه الألباني محدّث السلفية في (سلسلته الصحيحة)؛ قال: ((وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان. قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر رجاله، ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي، وللحديث شاهد يرويه أجلح الكندي - ثمّ ذكر الشاهد وحسّنه ــ.
            ثمّ قال: على أنّ الحديث قد جاء مغرقاً من طرقاً أُخرى ليس فيها شيعيّ..
            - إلى أن قال: وأمّا قوله: (وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)، فقد جاء من حديث ابن عبّاس، فقال الطيالسي (2752): حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عنه: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليّ: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي). وأخرجه أحمد (1/330 - 331)، ومن طريقه الحاكم (3/132 - 133)، وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا))(12).
            ونقول: وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وواقعة أُخرى، منها: ما روي عن وهب بن حمزة؛ قال: ((صحبت عليّاً إلى مكّة فرأيت منه بعض ما أكره، فقلتُ: لئن رجعت لأشكونّك إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمّا قدمتُ لقيتُ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلت: رأيت من عليّ كذا وكذا. فقال: (لا تقل هذا، فهو أولى الناس بكم بعدي)، وقال فيه الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه دكين، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله وثّقوا))(13).
            ج - حديث: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)(14), أيضاً فيه دلالة واضحة على انحصار أخذ الدين من عليّ(عليه السلام)، وخلافته(عليه السلام) لخاتم النبيّين.
            وقد فصّلنا الكلام في هذا الحديث سنداً ودلالة ضمن عنوان: (حديث مدينة العلم)؛ فليراجع!
            وغير هذه الأحاديث كثيرة، ذكرناها مفرّقة ضمن عناوين مختلفة.
            وإذا كان عندك سؤال واستفسار فأرسل به إلينا، لعلّنا نوفّق جميعاً للهداية والخير.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) صحيح مسلم 7: 122 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ.
            (2) انظر: منهاج السُنّة لابن تيمية 4: 102 المنهج الثالث في الأدلّة من السُنّة على الإمامة، التاسع.
            (3) مسند أحمد بن حنبل 4: 437 حديث عمران بن حصين.
            (4) سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) مناقب علي بن أبي طالب.
            (5) فضائل الصحابة: 15 فضائل عليّ.
            (6) السنن الكبرى 5: 45 الحديث (8146) فضائل عليّ.
            (7) خصائص أمير المؤمنين: 87 ذكر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): عليّ منّي...، و98 حديث: عليّ وليّ كلّ مؤمن.
            (8) مسند أبي داود الطيالسي: 111 عمران بن حصين.
            (9) المصنّف لابن أبي شيبة 7: 504 الحديث (58) فضائل عليّ بن أبي طالب.
            (10) مسند أبي يعلى 1: 293 الحديث (355) مسند عليّ بن أبي طالب.
            (11) صحيح ابن حبّان 15: 374 مناقب عليّ بن أبي طالب.
            (12) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 261 رقم الحديث (2223) من فضائل عليّ، ومعنى الموالاة.
            (13) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 109 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ.
            (14) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 3: 126 فضائل عليّ بن أبي طالب، مجمع الزوائد للهيثمي 9: 114 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ، المعجم الكبير للطبراني 11: 55 مجاهد عن ابن عباس، الاستيعاب لابن عبد البرّ 3: 1102(1855) عليّ بن أبي طالب.







            السؤال: تواتر حديث نزول (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ) في عليّ(عليه السلام)
            هل أحاديث شأن نزول آية: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7) في الأئمّة المعصومين، متواترة في مصادر الفريقين؟
            الجواب:

            إنّ الأحاديث عن شأن نزول قوله تعالى: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) طرقها كثيرة، ومنها:
            1- (أصل عاصم بن حميد الحنّاط): أبو بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام)(1).
            2- (بصائر الدرجات) للصفّار: بريد العجلي، عن أبي جعفر(عليه السلام)(2).
            3- (بصائر الدرجات) للصفّار: عبد الله بن عطا، عن أبي عبد الله(عليه السلام)(3).
            4- (بصائر الدرجات) للصفّار: نجم، عن أبي جعفر(عليه السلام)(4).
            5- (بصائر الدرجات) للصفّار: جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام)(5).
            6- (بصائر الدرجات) للصفّار: الفضيل، عن أبي عبد الله(عليه السلام)(6).
            7- (بصائر الدرجات) للصفّار: عبد الرحمن القصير، عن أبي جعفر(عليه السلام)(7).
            8- (بصائر الدرجات) للصفّار: أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر(عليه السلام)(8).
            9- (بصائر الدرجات) للصفّار: عن أبي بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام)(9).
            10- (الإمامة والتبصرة) لابن بابوية القمّي: محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)(10).
            11- (الأمالي) للصدوق: عباد بن عبد الله، عن عليّ(عليه السلام)(11).
            12- (كفاية الأثر) للخزّاز: أبو هريرة، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(12).
            13- (كفاية الأثر) للخزّاز: عن الحسن(عليه السلام)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(13).
            14- (كتاب سليم)، عن أمير المؤمنين(عليه السلام)(14).
            وأمّا من طرق أهل السُنّة:
            15- (مسند أحمد/ في زيادات المسند لعبد الله بن حنبل): عن عبد خير، عن عليّ(15)؛ وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): ((ورجال المسند ثقات))(16).
            16- (المستدرك على الصحيحين) للحاكم: عن عبّاد بن عبد الله، عن عليّ(17).
            17- (جامع البيان) للطبري: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس(18)؛ وقال ابن حجر في (فتح الباري): ((والمستغرب ما أخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية...))(19).
            18- (تفسير ابن أبي حاتم): عن عبد الخير، عن عليّ.. وعن ابن عبّاس، وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ(20).
            19- (شواهد التنزيل) للحسكاني: عن أبي برزة(21).
            20- (شواهد التنزيل) للحسكاني: عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة(22).
            21- (شواهد التنزيل) للحسكاني: عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه(23).
            22- (شواهد التنزيل) للحسكاني: عن الزرقاء الكوفية، عند معاوية(24).
            23- (شواهد التنزيل) للحسكاني: عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه(25).
            وفي هذه الطرق كفاية لإثبات التواتر لدى الفريقين، ويوجد غيرها يجدها المتتبّع؛ فراجع!
            ودمتم في رعاية الله
            (1) الأُصول الستّة عشر/ أصل عاصم بن حميد الحنّاط: 41.
            (2) بصائر الدرجات: 49 الباب (13) الحديث (1)، وانظر: الإمامة والتبصرة لابن بابويه: 132 الحديث (140) باب في آيات ظهوره، الكافي 1: 191 الحديث (2) كتاب الحجّة، باب الأئمّة(عليهم السلام) هم الهداة.
            (3) بصائر الدرجات: 49 الباب (13) الحديث (2).
            (4) بصائر الدرجات: 50 الباب (13) الحديث (3).
            (5) بصائر الدرجات: 50 الباب (13) الحديث (4).
            (6) بصائر الدرجات: 50 الباب (13) الحديث (6)، وانظر: الكافي 1: 191 الحديث (1) كتاب الحجّة، باب الأئمّة(عليهم السلام) هم الهداة.
            (7) بصائر الدرجات: 50 الباب (13) الحديث (7)، وانظر: الكافي 1: 192 الحديث (4) كتاب الحجّة، باب الأئمّة(عليهم السلام) هم الهداة.
            (8) بصائر الدرجات: 50 الباب (13) الحديث (8).
            (9) بصائر الدرجات: 51 الباب (13) الحديث (9).
            (10) الإمامة والتبصرة: 131 الحديث (139) باب في آيات ظهوره.
            (11) أمالي الصدوق: 350 الحديث (422) المجلس السادس والأربعون.
            (12) كفاية الأثر: 88 ما جاء عن أبي هريرة من النصوص.
            (13) كفاية الأثر: 164 ما روي عن الإمام الحسن من النصوص.
            (14) كتاب سليم بن قيس: 314 خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) محذّراً من الفتن.
            (15) مسند أحمد بن حنبل 1: 126 مسند عليّ بن أبي طالب.
            (16) مجمع الزوائد 7: 41 سورة الرعد.
            (17) المستدرك على الصحيحين 3: 130 فضائل عليّ بن أبي طالب.
            (18) جامع البيان 13: 142 سورة الرعد.
            (19) فتح الباري 8: 285 سورة الرعد.
            (20) تفسير ابن أبي حاتم 7: 2225 الحديث (12152).
            (21) شواهد التنزيل 1: 386 الحديث (405) من سورة الرعد.
            (22) شواهد التنزيل 1: 386 الحديث (406) من سورة الرعد.
            (23) شواهد التنزيل 1: 388 الحديث (409) من سورة الرعد.
            (24) شواهد التنزيل 1: 394 الحديث (415).
            (25) شواهد التنزيل 1: 395 الحديث (416).







            السؤال: لقد أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى عليّ (عليه السلام) صراحة
            ألم يكن بيد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يوصي صراحة بالخلافة لعليّ ويحقن دماء المسلمين؟
            الجواب:

            نعم، أوصى إليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) صراحة، ودلّ عليه في مواطن كثيرة، كما في حديث الدار، وحديث الغدير، وحديث الطائر المشوي، وحديث الثقلين.. وغيرها.
            ولكن القوم أنكروا ذلك، والسبب: أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يكن يُنظر إليه في قريش إلاّ أنّه قاتل الكفرة وهازم الأحزاب، ولا يوجد ثمّة بيت من بيوت العرب إلاّ وأمير المؤمنين(عليه السلام) قد قتل صنديداً من صناديدهم فيه، فلم يحبّ عليّاً(عليه السلام) أحد سوى المؤمنون، وليس كلّ مجتمع المدينة ومكّة مؤمنون، بل فيهم المنافقون ومن دخلوا الإسلام عنوة، وأكثرهم من ضعاف المؤمنين، فالمنافقون والمكرهون - أي على الإسلام - لا يستوعبون أن يكون عليّاً(عليه السلام) قد قتل أبطالهم من أجل الحقّ والدين، بل ينظرون إليه نظر الحاقد الذي يطلب ثاراً.
            ومع ذلك فكون عليّ(عليه السلام) هو الوصيّ بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أظهر من الشمس في رابعة النهار، والسُنّة يعلمون حقيقة الأمر في ذلك ولكنّهم على نهج السلف، ومن السلف منافقون من مبغضي عليّ(عليه السلام).




            السؤال: وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) قبل وفاته
            أرجو منكم التكرّم بتزويدي بوصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للإمام عليّ(عليه السلام) قبل انتقاله للرفيق الأعلى، والتي تتعلّق بالبلاء والغدر الذي سيحلّ بأمير المؤمنين(عليه السلام) في بيته وزوجته(عليها السلام)، وخلافة المسلمين من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم), والتي يأمره فيها بالصبر على كلّ هذا البلاء.
            وهذا ما يحجّنا به بعض المذاهب الإسلامية، ألا وهو سكوت الإمام(عليه السلام) عن حقوقه.
            الجواب:

            نعم، وردت الوصية بما ذكرت من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام) نقلاً عن أمر الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم. وإليك الوصية كما رواها ثقة الإسلام الكليني(رحمه الله) في كتابه (الكافي): بسنده عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير، قال: حدّثني موسى بن جعفر(عليه السلام)، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المملي عليه، وجبرئيل والملائكة المقرّبون(عليهم السلام) شهود؟
            قال: فأطرق طويلاً.
            ثمّ قال: يا أبا الحسن [كنية الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)] قد كان ما قلت, ولكن حين نزل برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأمر، نزلت الوصيّة من عند الله كتاباً مسجّلاً، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمّد! مر بإخراج مَن عندك إلاّ وصيّك، ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعكَ إيّاها إليه ضامناً لها - يعني عليّاً(عليه السلام) - فأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإخراج من كان في البيت ما خلا عليّاً(عليه السلام)، وفاطمة فيما بين الستر والباب.
            فقال جبرئيل: يا محمّد! ربّك يقرئكَ السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك، وشهدت به عليك، وأشهدت به عليك ملائكتي، وكفى بي يا محمّد شهيداً.
            قال: فارتعدت مفاصل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: يا جبرئيل! ربّي هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صَدَق (عزّ وجلّ) وبرَّ، هات الكتاب.
            فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له: اقرأه، فقرأه حرفاً حرفاً، فقال: يا عليّ! هذا عهد ربّي تبارك وتعالى إليَّ، وشرطه علَيَّ وأمانته، وقد بلّغت ونصحت وأدّيت.
            فقال عليّ(عليه السلام): وأنا أشهد لك (بأبي وأُمّي أنت) بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلتَ، ويشهد لكَ به سمعي وبصري ولحمي ودمي.
            فقال جبرئيل(عليه السلام): وأنا لكما على ذلك من الشاهدين.
            فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا عليّ! أخذتَ وصيّتي وعرفتَها، وضمنتَ لله ولي الوفاء بما فيها؟
            فقال عليّ(عليه السلام): نعم، بأبي أنت وأُمّي، علَيَّ ضمانها، وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها.
            فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا عليّ! إنّي أُريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة.
            فقال عليّ(عليه السلام): نعم، اشهد.
            فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران، معهما الملائكة المقرّبون لأُشهدهم عليك.
            فقال: نعم، ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وأُمّي - أشهدهم.
            فأشهدهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان في ما اشترط عليه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمر جبرئيل(عليه السلام) في ما أمر الله(عزّ وجلّ) أن قال له: يا عليّ تفي بما فيها من موالاة مَن والى الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله، والبراءة منهم، على الصبر منك، وعلى كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقّك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك؟
            فقال: نعم يا رسول الله... إلى آخر الوصية))(1)..
            وفيها ما يجري على عليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
            وجاء في مصادر أهل السُنّة ما يؤيّد ذلك:
            فقد روى يونس بن حباب، عن أنس بن مالك، قال: ((كنّا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ بن أبي طالب معنا، فمررنا بحديقة, فقال عليّ: يا رسول الله! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟!
            فقال: إنّ حديقتك في الجنّة أحسن منها.
            حتّى مررنا بسبع حدائق يقول عليّ ما قال، ويجيبه رسول الله بما أجابه.
            ثمّ إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقف فوقفنا، فوضع رأسه على رأس عليّ وبكى، فقال عليّ: ما يبكيك يا رسول الله؟
            قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني.
            فقال: يا رسول الله! أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم؟
            قال: بل تصبر.
            قال: فإن صبرت.
            قال: تلاقي جهداً.
            قال: أفي سلامة من ديني؟
            قال: نعم.
            قال: فإذن لا أُبالي))(2).
            وفي (مختصر إتحاف السادة المهرة): ((قلت: يا رسول الله! ما يبكيك؟ قال: (ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي). قال البوصيري: رواه أبو يعلى الموصلي، والبزّار، والحاكم وصحّحه))(3).
            وقد أخبر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبره بأنّ الأُمّة ستغدر به من بعده..
            فقد روى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن الغنوي: أنّ عليّاً(عليه السلام) خطب بالرحبة، فقال: (أيّها الناس، إنّكم قد أبيتم إلاّ أن أقولها! وربّ السماء والأرض: إنّ من عهد النبيّ الأُميّ إلَيَّ: إنَّ الأُمّة ستغدر بك بعدي).
            قال ابن أبي الحديد المعتزلي بعد روايته لهذا الخبر: وروى هيثم بن بشر عن إسماعيل مثله، وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ، أو بقريب منه(4).
            ولم يكن أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام) بالصبر من بعده على ما سيجري عليه من بلاء وغدر، كما صرّح بذلك الإمام عليّ(عليه السلام) نفسه، إلاّ للقراءة الكاملة التي كان يقرأها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - بما منَّ الله عليه من علم - لحال الأُمّة من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتتلخّص بما يلي:
            1- تفرّق كلمتها؛ إذ كانت رزية يوم الخميس الواردة في صحاح المسلمين خير شاهد على ذلك.
            2- قلّة الناصر لأمير المؤمنين(عليه السلام) في مطلب الخلافة وزعامة الأُمّة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).. وقد كانت أحداث السقيفة، وتقاعس المسلمين من المهاجرين والأنصار عن نصرة الإمام(عليه السلام) بأعذار وتبريرات مختلفة، تناولها الباحثون عند حديثهم عن تلك الحقبة خير دليل على هذا الواقع.
            وقد وردت جملة من الروايات تشير إلى هذه الحقّائق المتقدّمة:
            جاء في (كتاب سليم بن قيس الهلالي)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال لأمير المؤمنين(عليه السلام): (يا عليّ! إنّك ستلقى بعدي من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك، فإن وجدت أعواناً عليهم فجاهدهم، وقاتل من خالفك - بمن وافقك - فإن لم تجد أعواناً. فأصبر وكفّ يدك، ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون أُسوة حسنة؛ أنّه قال لأخيه موسى: (( إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي وَكَادُوا يَقتُلُونَنِي )) (الأعراف :150) )(5).
            وفي المصدر ذاته: ((إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يأخذ بيدي الحسن والحسين(عليهما السلام) ويطوف بالبضعة الزهراء(عليها السلام) على بيوت الأنصار والمهاجرين وأهل السابقة في الإسلام يدعوهم لنصرته، فلم يستجب له غير أربعة، هم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير، حتّى قال: (لو وجدت أعواناً أربعين رجلاً من المهاجرين والأنصار من أهل السابقة لناهضت هذا الرجل) ))(6).
            وفي (تاريخ اليعقوبي) عند ذكره لأحداث السقيفة وما جرى أيامها: ((...وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم فأتى عليّاً، فقال: هلم أُبايعك، فو الله ما في الناس أحدٌ أولى بمقام محمّد منك، واجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: اغدوا على هذا محلّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلاّ ثلاثة نفر))(7).
            الأمر الذي كان يعني بأنّ على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يسلك أحد الطريقين: إمّا الخروج بالسيف على من ناواه مع قلّة الناصر, وهذا يعني: احتمال موته واستئصاله، واستئصال أتباعه القليلين، الذين أطاعوا الله والرسول بالتمسّك بالثقلين - الكتاب والعترة - وفي ذلك تكون الخسارة كبيرة، وقد لا تعادلها خسارة للأُمّة، بل وربّما تتعرّض الرسالة الإسلامية برمّتها للخطر فيما لو تم ذلك، هذا بالإضافة إلى وقوع خطر الانقسام الشديد في الأُمّة الذي يجعلها لقمة سائغة لأعدائها المتربّصين بها من اليهود والنصارى وهي فتية عهدها وما زالت في دور نشوئها بعد.
            والطريق الثاني: وهو طريق السكوت والصبر والعمل على تهيئة الأُمّة تهيئة عقائدية روحية، تستطيع من خلالها أن تتحمل المسؤولية في نصرة أئمّة الحقّ، وأن تعي أبعاد الرسالة الإسلامية وأهدافها الطويلة الأمد، وهو الطريق الذي رسمه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام).
            وقد سار عليه الإمام(عليه السلام)، وهيّأ الأُمّة لهذه المرحلة بصبره وعلمه وتقواه، حتّى أجمعت الأُمّة على مبايعته والامتثال لأوامره فيما بعد؛ فقد كانت بيعته(عليه السلام) هي البيعة الوحيدة، من بين الذين سبقوه، التي أجمع عليها المهاجرون والأنصار في مدينة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك عندما أحسّت الأُمّة بضرورة قيادته(عليه السلام) لها، وأنّه الوحيد القادر على إنقاذها في تلك المرحلة الخطرة من تاريخها.
            ولا يعني صبره(عليه السلام) وعدم خروجه بالسيف على من ناواه في حقّ الخلافة أنّه سكت عن حقّه ولم يطالب به، بل كانت مطالبته(عليه السلام) بحقّه دائمة ومستمرّة؛ إذ لم يترك الإمام(عليه السلام) مجالاً سلميّاً يمكن أن يطالب فيه بحقّه إلاّ وسلكه.
            وقد ذكرت كتب السير والحديث والتراجم تلك المقالات التي كان الإمام(عليه السلام) يجاهر بها بالمطالبة بحقّه وأن القوم اغتصبوا حقّاً هو له دونهم... فراجع على سبيل المثال:
            1- (تاريخ الخلفاء - الإمامة والسياسة ــ) لابن قتيبة: محاججته لأبي بكر وبقية الأصحاب الذين أبرموا بيعة السقيفة, وقوله(عليه السلام): (لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتما هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟!)(8).
            2- نصوص مختلفة في (نهج البلاغة) يذكر فيها أمير المؤمنين(عليه السلام) مطالبته بحقّه. منها: ما ورد في يوم الشورى: (وقال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنت والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه... قال(عليه السلام): فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به...)(9).
            ودمتم في رعاية الله
            (1) أُصول الكافي 1: 281 كتاب الحجّة، باب إنّ الأئمّة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله، بحار الأنوار 22: 479 الباب (1) حديث (28).
            (2) انظر: المعجم الكبير للطبراني 11: 60، الكامل لابن عدي 7: 173، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 322، 324 ترجمة الإمام عليّ، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 272.
            (3) مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 9: 176 حديث (7433).
            (4) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 107، وانظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 142، وتلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك، كنز العمّال 11: 297 الحديث (31562)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 447 ترجمة الإمام عليّ، البداية والنهاية لابن كثير 6: 244.
            (5) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 134 تظاهر الأُمّة على عليّ(عليه السلام).
            (6) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 302 رسائل بين أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعاوية، وانظر: بحار الأنوار 29: 470.
            (7) تاريخ اليعقوبي 2: 126 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
            (8) الإمامة والسياسة 1: 18 - 19 إباية عليّ(كرّم الله وجهه) بيعة أبي بكر.
            (9) نهج البلاغة تعليق الشيخ محمّد عبده 2: 85 في كلام له في الحجّة على من رماه بالحرص.



            تعليق على الجواب (1)
            لماذا نقرأ عند وصيّة الإمام(عليه السلام) عند وفاته لأهل بيته بالتمسّك بالقرآن وسُنّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يوص بالقرآن وإمامة الإمام الحسن؟
            الجواب:

            في (الكافي): ((عن سليم بن قيس، قال: شهدت وصيّة أمير المؤمنين(عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن(عليه السلام)، وأشهد على وصيّته الحسين(عليه السلام) ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح، وقال لابنه الحسن(عليه السلام): (يا بني! أمرني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن أُوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلَيَّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودفع إلَيَّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين(عليه السلام)).
            ثمّ أقبل على ابنه الحسين(عليه السلام)، فقال: (وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك هذا)، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين(عليه السلام)، ثمّ قال لعليّ بن الحسين: (وأمرك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ، واقرأه من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنّي السلام) ))(1).
            فعليّ(عليه السلام) من خلال هذه الوصية أوصى إلى ابنه الحسن(عليه السلام).
            ودمتم في رعاية الله
            (1) الكافي 1: 297 باب الإشارة والنص على الحسن بن عليّ(عليهما السلام).


            تعليق على الجواب (2)
            تقولون في سبب عدم مطالبة عليّ بن أبي طالب بحقّه في الخلافة بعد وفاة النبيّ محمّد، أو عدم مواجهته لهذا الاغتصاب هو: عدم توفّر عدد كافٍ من الأنصار؛ إذ أنّه طلب أربعين رجلاً ولم يحضر لنصرته إلاّ أربعة؛ وقد قرأت هذا في موقعكم.
            أقول: كيف يعقل هذا؟! هذا يعني أنّ المؤمنين حقّاً هم أربعة فقط والبقية كلّهم منافقون، أو على الأقلّ مخالفون لأوامر نبيّهم! كيف يعقل أن يخالف كلّ المسلمين من المهاجرين الذين تحمّلوا المصاعب والأذى في سبيل هذا الدين، والأنصار الذين نصروا وقدّموا الغالي والنفيس لنصرة هذا الدين أوامر نبيّهم الواضحة يوم غدير خمّ، بل أوامر ربّهم - والذي أنزل حينها آية إكمال الدين وآية البلاغ - وينقضون البيعة التي في عنق كلّ واحد منهم لعليّ بن أبي طالب؟! كيف يعقل أن يكون كلّ هؤلاء منافقون وهم تحمّلوا ما تحمّلوا في سبيل نصرة هذا الدين؟!
            الجواب:

            بعد أن استتبّ الأمر للخليفة الأوّل وصارت بيده السلطة، لم يكن هناك من لديه القدرة على قتالهم، لكن مجموعة من المهاجرين والأنصار أرادوا تحريك الوضع ضدّ الخليفة الأوّل، فجاؤوا لعليّ(عليه السلام) يبايعونه على الموت دونه، فقال لهم عليّ(عليه السلام): (إن كنتم صادقين فاغدوا علَيَّ غداً محلّقين)، فحلق عليّ(عليه السلام)، وحلق سلمان، وحلق المقداد، وحلق أبو ذر، ولم يحلق غيرهم، كما ورد ذلك في رواية(1)، وفي أُخرى تضيف عمّار بن ياسر(2)، وفي أُخرى تضيف الزبير(3).
            ويصرّح عليّ(عليه السلام) في كلام له أنّه: (لو وجد يوم بويع أخو تيم (أبو بكر) أربعين رجلاً كلّهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يدي ولناهضت القوم، ولكن لم أجد خامساً فأمسكت)(4).
            وقوله(عليه السلام) واضح بأنّه أراد أربعين على بصيرة هؤلاء، أي: مستعدّين للتضحية والقتال.
            ونحن نقول: نعم، الظاهر لم يكن على مثل بصيرة هؤلاء سواهم.
            أمّا أنّه لا يوجد من يعرف الحقّ ويؤيّد عليّاً(عليه السلام)، ويعتقد أنّه صاحب الخلافة الحقّة وأنّ من غصبوها ظالمين، فلا نقول به! بل كان هناك كثير من المهاجرين والأنصار يعرفون ذلك ولكنّهم لم يكونوا مستعدّين للقتال والتضحية، أو كانوا ينتظرون ما تأتي به الأيام، أو كانوا يتأمّلون خيراً.
            وبالتالي لا نحكم على كلّ المسلمين بالردّة، بمعنى: إنكار الإمامة، سوى هؤلاء الأربعة، بل نقول: إنّ كثيراً من المسلمين ارتدّوا بمعنى: أنكروا الإمامة، سواء عن علم وقصد، أو عن تواطؤ، أو عن جهل، أو طمع، وهناك الكثير منهم - أي البقية - كانوا يعرفون الحقّ ولكنّهم كانوا مختلفين في مستوى الإيمان واليقين، وفيهم المستضعفون.
            وأمّا استبعاد مخالفة المسلمين لأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنّه لا يعقل ذلك، فهذا مخالف لما نصّ عليه القرآن الكريم، من وقوع مثل ذلك لبني إسرائيل، عندما عبدوا العجل بعد تأخّر موسى(عليه السلام) ودفعهم هارون(عليه السلام) عن منصبه.
            فأين موت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تأخّر موسى(عليه السلام)؟! وأين إنكار الإمامة من عبادة العجل؟! وقد كان بنو إسرائيل سبعون ألفاً ارتدّوا كلّهم سوى هارون(عليه السلام) وأهل بيته، مع أنّ في المسلمين من بقي على الحقّ غير عليّ(عليه السلام) وأهل بيته؛ فلاحظ!
            ودمتم في رعاية الله
            (1) انظر: روضة الواعظين للفتّال النيسابوري: 282 مجلس في ذكر فضائل أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2: 375 فصل في الحكمين والخوارج، تاريخ اليعقوبي 2: 126.
            (2) انظر: الاختصاص للمفيد: 6 ذكر السابقين المقرّبين من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام).
            (3) انظر: كتاب سليم بن قيس: 219 خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في السنة الأخيرة من عمره.
            (4) انظر: كتاب سليم بن قيس: 218 خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في السنة الأخيرة من عمره.







            السؤال: قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): إنّ الأمّة ستغدر بك من بعدي
            لقد سأل أحد المخالفين أصحابه عن صحّة الحديث التالي، بالرغم ممّن صحّحه ممّن ذكرهم، وهو:
            المستدرك للحاكم ج3 ص150: ((4676 - حدّثنا أبو حفص عمر بن أحمد الجمحي بمكّة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأودي، عن عليّ(رضي الله عنه)، قال: (إنّ ممّا عهد إليَّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ الأمّة ستغدر بي بعده). هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)).
            تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح.
            فردّ عليه أحد المخالفين بالتالي:
            إخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمقتل عليّ(رضي الله عنه) صحيح لا مرية فيه، وأنّ الذي يقتله شقيّ محروم، وهذا متواتر عندنا ومعروف.
            ومن ألفاظه المعروفة: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا عليّ - وأشار إلى حيث يطعن ــ)، وهو حديث صحيح عندنا.
            وكذا قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(رضي الله عنه): (أيا أبا تراب! ألا أُحدّثكما بأشقى الناس رجلين؟) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: (أُحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذه - يعني: قرن عليّ - حتّى تبتلّ هذه من الدم - يعني: لحيته ــ).
            لكن الحديث الذي ذكرته بهذا اللفظ ضعيف، بأنّ الأُمّة ستغدر به.
            الحديث ضعّفه غير واحد من أهل العلم:
            منهم: البخاري؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في (البداية والنهاية الجزء 6، صفحة 218).
            وحتّى البيهقي لمّا ذكر الحديث؛ قال بعده: ((فإن صحّ))، ممّا يدلّ على استغرابه واستنكاره له.
            وكذا الدارقطني.
            وأيضاً ابن الجوزي في كتاب (العلل المتناهية).
            وأحمد شاكر.
            والألباني (السلسلة الضعيفة صفحة 4905).
            وفي الإسناد: حصين بن مخارق بن ورقاء أبو جنادة الكوفي، وعليك بترجمته فهي حافلة جدّاً.
            وكذا فيه: ثعلبة بن يزيد الحمامي، وهو ضعيف.
            وفي بعض طرقه أيضاً: حكيم بن جبير، وهو ضعيف.
            هذا هو إنصاف أهل السُنّة، محبّوا الإمام عليّ(رضي الله عنه)، وحشرنا معه.. وليس إجحاف بعض من يدّعي محبّته، الذين يبنون عقيدة كاملة في الطعن على الأئمّة، على أحاديث ضعيفة لا تصحّ)).
            فما ترون في نقضه وتضعيفه؟
            الجواب:

            يكفي للقول بصحّة الحديث: أنّ الحاكم صحّحه، ووافقه الذهبي، وكذلك في (مجمع الزوائد)؛ قال: ((رواه البزّار، وفيه: علي بن قادم، وقد وثّق وضعّف))(1).
            وعندما نرجع إلى ما قاله علماء الجرح والتعديل في علي بن قادم، نجد أنّ أبا حاتم الرازي يقول: محلّه الصدق(2)، وابن حبّان يذكره في الثقات(3)، والحاكم يقول: ثقة مأمون(4)، والعجلي يقول: ثقة(5)، وابن حجر العسقلاني يقول: صدّوق يتشيّع(6)، وعبد الباقي بن قانع البغدادي يقول: صالح(7).
            فهل كلّ هؤلاء العلماء مخطئون، أم أنّ التشيّع الذي يوصف به يجعلهم يعرضون عنه؟!
            وأمّا السند الذي ذكره البيهقي بقوله: ((أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو محمّد بن شوذب الواسطي بها، حدّثنا شعيب بن أيوب، حدّثنا عمرو بن عون، عن هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزدي، عن عليّ...))(8)، فيدلّ على اعتبار الحديث:
            فأبو علي الروذباري (شيخ البيهقي)، قالوا عنه: الإمام المسند(9).
            وأبو محمّد بن شوذب الواسطي، قالوا: المقريء المحدّث، و: محدّث واسط(10).
            وشعيب بن أيوب، قالوا عنه كذلك: صدوق، حسن الحديث، وقد وثّقه الدارقطني والذهبي والحاكم، وغيرهم(11). وقال عنه ابن حبّان: مدلّس(12)، ولكنّه أسند الحديث هنا.
            وعمرو بن عون، قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت، وأطنب في الثناء عليه يحيى بن معين(13).
            وأمّا هشيم، فهو من رجال الصحاح، وثّقه أغلب من ذكره(14). وتهمة التدليس في الحديث هنا غير موجودة؛ لأنّه روى الحديث عن إسماعيل بن سالم الثقة، فقد ذكر أنّه: إذا حدّث عن ثقة فلا بأس به.
            وإسماعيل بن سالم، وثّقه ابن حجر والدارقطني والذهبي ويحيى بن معين، وغيرهم(15).
            وأبو إدريس الأزدي، أو (الأودي)، هو: إبراهيم بن أبي حديد، ذكره ابن حبّان في الثقات(16).
            وأمّا عليّ(عليه السلام)، فهو كما يقولون: صحابي.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 137 مناقب الإمام عليّ باب وفاته.
            (2) الجرح والتعديل 6: 201 (1107).
            (3) الثقات 7: 214، و 8: 459.
            (4) سؤالات السجري للحاكم: 159 (172)، و 246 (329).
            (5) معرفة الثقات 2: 157 (1308) باب: عليّ وعليّ.
            (6) تقريب التهذيب 1: 701 (4801) ذكر من اسمه علي.
            (7) انظر: تهذيب التهذيب 7: 327 (606).
            (8) دلائل النبوة 6: 440 باب ما روي في إخباره بتأمير عليّ.
            (9) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 17: 219 (128)، معجم البلدان 3: 77.
            (10) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي 25: 263 (حرف العين)، شذرات الذهب 2: 362 سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة.
            (11) مجمع الزوائد للهيثمي 9: 137 مناقب الإمام عليّ، باب وفاته.
            (12) انظر: تاريخ بغداد للخطيب 9: 245 (818)، الثقات لابن حبّان 8: 309 شعيب بن أيوب بن زريق، الكاشف في معرفة من له رواية في كتب السُنّة للذهبي 1: 486 (2282)، ميزان الاعتدال للذهبي 2: 275 (3708)، تهذيب التهذيب 4: 305 (594).
            (13) تقريب التهذيب 1: 742 (5104)، تهذيب التهذيب لابن حجر 8: 75 (129).
            (14) انظر: تهذيب الكمال للمزّي 30: 272 (6595)، تذكرة الحفّاظ للذهبي 1: 248 (235)، ميزان الاعتدال 4: 306 (9250).
            (15) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر 1: 263 (554).
            (16) الثقات لابن حبّان 4: 11.



            يتبع

            تعليق


            • #7
              السؤال: تصريح الإمام عليّ(عليه السلام) بأنّه الوصي والخليفة لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
              البعض من إخواننا أبناء العامّة يشكل علينا، وكما تابعنا في برامج بعض القنوات: أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) لم يقل أنّه الخليفة المنصّب من عند الله سبحانه وتعالى.
              فهل هناك حديث أو قول للإمام(سلام الله عليه) يقول فيه أنّه الخليفة المنصّب، خصوصاً أنّهم يفسّرون قول الإمام في الخطبة الشقشقية: ((أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى))، بشكل يوحي بغير المعنى الذي نفهمه.. الرجاء تبيان ذلك؟
              الجواب:

              لقد ثبت بالدليل القاطع: أنّ عليّاً(عليه السلام) قد نُصّب من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصيّاً، وهذا يكفي لإثبات وصيّته حتّى لو لم نعثر على نصّ من عليّ(عليه السلام) بحقّ نفسه، ولكن مع ذلك فإنّ هناك نصوص عديدة صدرت من عليّ(عليه السلام) يشير بها إلى أنّه الوصيّ المنصّب من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومحاججته للقوم على ذلك، منها:
              أوّلاً: حديث مناشدة عليّ(عليه السلام) لأصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الرحبة:
              ففي مسند أحمد: ((عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نمير، ثنا عبد الملك، عن أبي عبد الرحيم الكندي، عن زاذان بن عمر، قال: سمعت عليّاً في الرحبة وهو ينشد الناس: من شهد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يوم غدير خمّ وهو يقول ما قال؟
              فقام ثلاثة عشر رجلاً، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) وهو يقول: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) ))(1)، وفيه أيضاً: عن زياد بن أبي زياد(2)، وفيه عن سعد بن وهب وزيد بن يتبع(3)، وفيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى(4)، وفيه عن أبي الطفيل(5)، وفيه عن زيد بن أرقم(6).
              وأورده ابن أبي شيبة عن زيد بن يتبع(7)، ورواه ابن أبي عاصم عن زاذان(8)، وعن المهاجر بن عميرة، أو عميرة بن مهاجر(9)، ورواه النسائي في السنن عن عميرة بن سعد(10)، وعن سعيد بن وهب(11)، وعن زيد بن يتبع(12)، وعن عمرو ذي مر(13).
              أخرج الحافظ أبو نعيم قائلاً: ((حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن كيسان، حدّثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدّثنا مسعر بن كدام، عن طلحة بن مصرف، عن عميرة بن سعد، قال: شهدت عليّاً على المنبر ناشد أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفيهم: أبو سعيد، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وهم حول المنبر، وعليّ على المنبر، وحول المنبر اثنا عشر رجلاً هؤلاء منهم.
              فقال عليّ: (نشدتكم بالله! هل سمعتم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)؟
              فقاموا كلّهم فقالوا: اللّهمّ نعم، وقعد رجل.
              فقال: (ما منعك أن تقوم)؟
              قال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت.
              فقال: (اللّهمّ إن كان كاذباً فاضربه ببلاء حسن).
              قال: فلمّا مات رأينا(14) بين عينيه نكتة بيضاء لا تواريها العمامة))(15). إلى غير ذلك من الطرق الكثيرة لحديث المناشدة تركنا إيرادها تجنّباً للإطالة.
              ثانياً: أورد الشيخ الصدوق في (الأمالي): ((حدّثنا أبي(رحمه الله)، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات يوم على منبر الكوفة:
              (أنا سيّد الوصيّين، ووصيّ سيّد النبيّين، أنا إمام المسلمين، وقائد المتّقين، ومولى المؤمنين، وزوج سيّدة نساء العالمين، أنا المتختّم باليمين، والمعفّر للجبين، أنا الذي هاجرت الهجرتين، وبايعت البيعتين، أنا صاحب بدر وحنين، أنا الضارب بالسيفين، والحامل على فرسين، أنا وارث علم الأوّلين، وحجّة الله على العالمين بعد الأنبياء ومحمّد بن عبد الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتم النبيّين..
              أهل موالاتي مرحومون، وأهل عداوتي ملعونون، ولقد كان حبيبي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كثيراً ما يقول لي: يا عليّ! حبّك تقوى وإيمان، وبغضك كفر ونفاق، وأنا بيت الحكمة وأنت مفتاحه، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك) ))(16).
              ثالثاً: في (الأمالي) أيضاً، قال: ((حدّثنا الحسين بن إبراهيم المؤدّب، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد بن بشّار، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست بن أبي منصور الواسطي، عن عبد الحميد بن أبي العلاء، عن ثابت بن دينار، عن سعد بن طريف الخفّاف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام):
              (أنا خليفة رسول الله، ووزيره ووارثه، أنا أخو رسول الله، ووصيّه وحبيبه، أنا صفيّ رسول الله وصاحبه، أنا ابن عمّ رسول الله وزوج ابنته وأبو ولده، أنا سيّد الوصيّين ووصيّ سيّد النبيّين، أنا الحجّة العظمى، والآية الكبرى، والمثل الأعلى، وباب النبيّ المصطفى، أنا العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وأمين الله تعالى ذكره على أهل الدنيا) ))(17).
              رابعاً: قال الشيخ الجليل الحسين بن عبد الوهاب، المعاصر للمفيد (ت413هـ)(رحمه الله)، في كتاب (عيون المعجزات)، نقلاً من كتاب (الأنوار) تأليف أبي علي الحسن بن همام: ((حدّث العبّاس بن الفضل، قال: حدّثني موسى بن عطية الأنصاري، قال: حدّثنا حسّان بن أحمد الأزرق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، عن عمّار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين(عليه السلام) المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه ذلف ابن منجّم كسرى، فلمّا ظلّ الزوال، قال لذلف: (قم معي)...
              إلى أن قال: ثمّ نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: (خذ هذه الجمجمة)، وكانت مطروحة، وجاء(عليه السلام) إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصبّ فيه ماء، وقال له: (دع هذه الجمجمة في الطست)، ثمّ قال(عليه السلام): (أقسمت عليك يا جمجمة، أخبريني من أنا؟ ومن أنت؟)..
              فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أمّا أنت، فأمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، وإمام المتّقين في الظاهر والباطن، وأعظم من أن توصف.. وأمّا أنا، فعبد الله وابن أمَة الله كسرى أنوشيروان...))(18).
              خامساً: في (الاحتجاج) للشيخ الطبرسي، قال: ((فقال عليّ(عليه السلام): أنا أحقّ بهذا الأمر منه، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً))(19).
              ولو أردنا الاستطراد لأوردنا العشرات من الأحاديث التي يشير بها عليّ(عليه السلام) إلى أنّه وصيّ النبيّ وخليفته.
              وأمّا التأويل الذي يذكره أنصاف المتعلّمين في بعض القنوات فلا ينسجم مع القرائن العديدة في النصوص التي تشير إلى أنّه يطلب حقّاً من حقوقه، كقوله:
              1- (أرى تراثي نهباً)، أي: حقّه في الإمامة والخلافة، الذي ورثه عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بنصّه عليه وإشارته إليه.
              2- (أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا)؛ فإنّه(عليه السلام) مثّل الخلافة بالرحا التي لا تعمل بانتظام إلاّ بالقطب الذي تدور عليه، وعبّر عن ذلك بـ(محلّي)، التي تشير إلى منزلته ومقامه واستحقاقه، لا كما يريد أن يصوّره بعضهم من أنّه له رغبة بالخلافة كما للآخرين رغبة.
              3- تفكيره(عليه السلام) بأن يصول من أجل ذلك وهو الإمام المعصوم، فهو لا يطلب ما ليس حقّاً له.
              ثمّ إنّ هذا الذي يذكره مخالفوا الشيعة، مرجعه إلى نظريتهم بأنّ الإمام عليّ(عليه السلام) لا يخرج عن كونه رجل عادي له رغبة بالسلطة، كما هو الحال عند الآخرين، في حين نحن نعتقد أنّه الإمام المعصوم الذي لا ينطق إلاّ حقّاً، ولا يفعل إلاّ حقّاً، فمجرّد رغبته ومطالبة بالخلافة وهو الإمام المعصوم تدلّنا على أنّ الخلافة حقّ له، وإلاّ فإنّ عليّاً(عليه السلام) لا يطلب ما ليس له بحقّ، فهو مع الحقّ والحقّ معه(20).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) مسند أحمد بن حنبل 1: 84 مسند عليّ بن أبي طالب.
              (2)
              مسند أحمد بن حنبل 1: 88 مسند عليّ بن أبي طالب.
              (3)
              مسند أحمد بن حنبل 1: 118 مسند عليّ بن أبي طالب.
              (4)
              مسند أحمد بن حنبل 1: 119 مسند عليّ بن أبي طالب.
              (5)
              مسند أحمد بن حنبل 4: 370 مسند زيد بن أرقم.
              (6)
              مسند أحمد بن حنبل 5: 370 أحاديث رجال من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
              (7)
              المصنّف 7: 499 الحديث (28) فضائل علي بن أبي طالب.
              (8)
              السُنّة: 593 الحديث (1372).
              (9)
              السُنّة: 593 الحديث (1373).
              (10)
              السنن الكبرى 5: 131 الحديث (8470).
              (11)
              السنن الكبرى 5: 131 الحديث (8471، 8472).
              (12)
              السنن الكبرى 5: 132 الحديث (8473).
              (13)
              السنن الكبرى 5: 136 الحديث (8484).
              (14)
              في نسخ أُخرى: فما مات حتّى رأينا.
              (15)
              حلية الأولياء 5: 30 الحديث (6200) ترجمة طلحة بن مصرف، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 5: 228 - 232.
              (16)
              أمالي الصدوق: 77 المجلس السابع.
              (17)
              أمالي الصدوق: 92 المجلس العاشر.
              (18)
              عيون المعجزات لابن عبد الوهاب: 10 إخباره(عليه السلام) بمسكن كسرى، وانظر: مستدرك الوسائل 18: 168 كتاب الحدود باب حكم الغلاة والقدرية.
              (19)
              الاحتجاج 1: 95 ذكر طرف ممّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
              (20)
              انظر: تاريخ بغداد للخطيب 14: 322 (7643) ترجمة يوسف بن محمّد بن علي، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 449 ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 297، وغيرها.






              السؤال: إشكالية النصوص على ولاية عليّ(عليه السلام) وعدم تمسّك الصحابة بها
              كثيراً ما أثار أهل السُنّة شبهة في وجه دلالة النصوص النبوية على خلافة أمير المؤمنين(عليه الصلاة والسلام)، لها تقريبات وأشكال مختلفة، وهي: إنّ هذه الأحاديث لو كانت للنصّ على خلافته كما تقوله الشيعة، فلماذا لم يحتجّ بها أصحابه، أو باقي المسلمين في اجتماع السقيفة؟! هل يعقل أن تغيب هذه النصوص بأجمعها عن أهل السقيفة، فلا يوجد لها عين ولا أثر؟! مع أنّ المنطق الغالب في السقيفة كان منطقاً عشائرياً بحتاً: ((نحن أولياء الرسول وعشيرته))!
              إذا كان خوف الأنصار من قريش، التي وتروها وفعلوا بها ما فعلوا، يعدّ مسوّغاً كافياً لأن يجتمعوا خلسة لاستباق قريش في أمر الخلافة، فما هو المبرّر لتخوّفهم من عليّ(عليه الصلاة والسلام)، مع أنّ الثابت تاريخياً أنّهم كانوا أنصاره ومؤيّديه في صراعه مع قريش؟
              من هنا، كيف نفسّر عدم ردّهم الخطاب القرشي العشائري السابق قائلين: ((إنّ الأولى بها هو عليّ(عليه السلام)؛ لأنّه الأمسّ برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحماً، والمعيّن لها، وفي نصوص عديدة))؟
              لأنّنا مهما اختلفنا في شيء لا نختلف أنّ عليّاً(عليه السلام) هو الأقرب لنفوس الأنصار، والأجدر لرفع - مخاوفهم التي على أساسها عقدوا اجتماعهم - من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة الحفار؟
              الجواب:

              إنّ قراءة الأحداث المتزامنة مع وفاة الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعدها لا تقرأ هكذا؛ فالكلّ كان يعلم أنّ المنصّب للخلافة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: عليّ(عليه السلام)، إذ بايعه آلاف المسلمين قبل الوفاة بأشهر، وذلك في حجّة الوداع، والذي حصل كان عن تخطيط مسبق وفي غفلة من الناس المشغولة بالفاجعة الكبرى، ولذا ترى تصريحات أبطال الواقعة يصرحون بأنّها: حدث متسرّع وفتنة، لا ينبغي لأحد أن يعيدها، إضافة إلى أنّ أغلب المسلمين في ذلك الوقت غلبتهم الأعراف القبلية؛ فالقرشيّين كانوا مفجوعين من عليّ(عليه السلام)، والأنصار كانوا ميّالين إلى رؤسائهم.
              ومع كلّ هذا، لم يحجم الهاشميين وغيرهم عن المطالبة والاحتجاج بأحقّية عليّ(عليه السلام)، ولكن لم تلقَ آذان صاغية.




              السؤال: النصوص على ذكر الوصية لعلي (عليه السلام)
              شبهة طرحت في أحد المنتديات السُنّية، تقول: ((لو كان هناك وصية لأحد من الخلق لما حصل اختلاف في (سقيفة بني ساعدة) في بداية الأمر)).
              هل هذه المقولة صحيحة؟
              الجواب:

              نقول: نعم، كانت هناك وصية وأقوال وألفاظ مختلفة بتولية عليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الأُمّة مباشرة، ولعلّ أشهر هذه الأقوال هو: حديث الغدير، المعروف والمشهور والمتواتر، والذي قال فيه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، والذي يدلّ على الولاية العامّة والحكم؛ لأنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال قبل قوله هذا: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: بلى يا رسول الله)، ثمّ قال كلامه المتقدّم..
              وهو يدلّ بكلّ عناية على أنّ المراد من كلمة (مولى) في حديث الغدير هو: الأولوية، والتي تعني: الحكم والآمرية دون المحبّة والنصرة.
              وأيضاً جاء عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله: (يا عليّ أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي)(1)، وهو يدلّ بكلّ عناية على إرادة الحكم والإمرة دون المحبّة والنصرة؛ لأنّه لا معنى لاختصاص المحبّة والنصرة بالبعدية دون الآن الحاضر الذي هو فيه..
              وهذا الحديث أيضاً هو حديث صحيح صحّحه الحاكم في (المستدرك) ووافقه الذهبي، وأيضاً صحّحه كثير من علماء أهل السُنّة ومحدّثيهم(2).
              وكذلك ورد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّ عليّاً(عليه السلام) هو وصيّه وخليفته، كما هو المستفاد من حديث الدار في يوم الإنذار، الذي قال فيه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟) فلم يستجب له في ذلك المجلس الذي جمع فيه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشيرته إلاّ عليّ(عليه السلام)، فقال لهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا..).
              وهذا الحديث رواه ابن عساكر في تاريخه بسند صحيح(3)، ورواه بسند جيد أحمد بن حنبل في مسنده(4)، وأيضاً رواه غيرهما من رجال الحديث ورواة السنن(5)..
              وأيضاً روى أحمد بن حنبل في (فضائل الصحابة)، والطبراني في (المعجم الكبير)، واللفظ له: عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال: (فإنّ وصيّي وموضع سرّي، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني: عليّ بن أبي طالب)(6)، والسند صحيح وإن كان فيه (ناصح بن عبد الله) الذي وصفوه بالمتروك لتشيّعه، إلاّ أنّ الرجل ممدوح ومقبول بأعلى الدرجات عند بعض أئمّة الحديث، فقد نقل أحمد بن حازم بن أبي غرزة - الذي يصفه الذهبي بـ(الإمام الحافظ الصدوق) - عن عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، أنّهما قالا: عن الحسن بن صالح، أنّه قال في ناصح بن عبد الله: بأنّه رجل صالح، ونعم الرجل، وقد عدّه الذهبي من العابدين(7)، وقال ابن عدي في (الكامل) بأنّه: ممّن يكتب حديثه(8)، وقال المزّي في (تهذيب الكمال) بأنّه: كان يروي عنه أبو حنيفة، وهو من أقرانه(9).
              وحديث الوصية هذا كان معلوماً وشائعاً بين الصحابة في حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعد مماته، وإلاّ فما الذي أثار عائشة حتّى سعت جاهدة إلى نفي حديث الوصية بقولها - كما نقل ذلك البخاري في (صحيحه) في كتاب الوصايا، عندما ذكروا لها أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أوصى لعليّ(عليه السلام) -: ((متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟))(10)!!
              وإلاّ..لا يمكن لنا أن نتصوّر أقوال المدّعين بعدم الوصية؛ إذ الإشكال الصريح يرد عليهم بأنّه: كيف مات النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يوصِ مع أنّه أمر بالوصية، فهذا الفعل مخالف لما يأمر به(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو غير مقبول!
              وقد وجّه هذا الإشكال من اليوم الأوّل لظهور هذه الدعوى؟ ولكن الجواب عنها كان بارداً ومجتزءاً من قبل المتصدّين للردّ عليه!!
              روى أحمد في (مسنده) بسنده عن مالك: ((أخبرني طلحة، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: لا. قلت: فكيف أمر المؤمنين بالوصية ولم يوصِ؟! قال: أوصى بكتاب الله عزّ وجلّ))(11).
              وهذا الجواب بهذه الصيغة يكشف عن أُمور خطيرة، لا ندري من هو صاحب اليد الأُولى بالتلاعب فيها؟! هل المسؤول في الحديث هنا؟ أم الراوي له؟ أم المحدّث الذي نقله في كتابه؟
              فالوصية التي نفاها ابن أبي أوفى: هل كانت الوصية بالمال والمتعلّقات الخارجية؟ أم كانت الوصية بالخلافة؟
              فإن كانت الأُولى، فلِمَ كان الجواب عن السؤال الثاني بأنّّه: أوصى بالكتاب؛ إذ كان الأولى أن يقول له: إنّك لم تفهم قصدي بأنّني لا أُريد أن أنفي مطلق الوصية، وإنّما أُريد نفي الوصية بالمال والمتعلّقات فقط، لا أن يجيبه بجواب نعلم من الخارج أنّه نصف جواب، وليس جواباً كاملاً!
              فمن المعلوم أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوصى أُمّته بالتمسّك من بعده بالكتاب والعترة معاً، وليس الكتاب وحده؛ وهذا حديث صحيح مشهور متواتر لا يمكن لأحد دفعه.. لكن يد التلاعب قد طالت بعض الأحاديث، إلاّ أنها لم تطلها كلّها، وفي هذا حكمة بالغة، (( يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ )) (الصف:8).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) مسند أحمد بن حنبل 4: 438 عن عمران بن حصين، سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) أبواب المناقب، مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، المعجم الكبير للطبراني 12: 78، فضائل الصحابة للنسائي: 15، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 134 كتاب معرفة الصحابة، وغيرها.
              (2)
              المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 344 - 345 الحديث (4710).
              (3)
              تاريخ مدينة دمشق 42: 49 ترجمة الإمام عليّ.
              (4)
              مسند أحمد بن حنبل 4: 438 عن عمران بن حصين.
              (5)
              انظر: تاريخ الطبري 2: 63 أمره(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإظهار الدعوة، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2: 63، المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء 1: 116، وغيرها.
              (6)
              المعجم الكبير 6: 221 أبو سعيد الخدري عن سلمان، وانظر: فضائل الصحابة لابن حنبل: 235 الحديث (1054).
              (7)
              ميزان الاعتدال 4: 240 (8988).
              (8)
              الكامل 7: 48 (1979).
              (9)
              تهذيب الكمال 29: 261 (6354).
              (10)
              صحيح البخاري 3: 186 كتاب الوصايا.
              (11)
              مسند أحمد 4: 354 عن سويد بن قيس.




              السؤال: حديث (وليّكم من بعدي)
              هل حديث الولاية: (عليّ وليّكم بعدي)، له مدلول الخلافة الخاصّة في المورد الذي قيل فيه، وهو بعثة الإمام عليّ(عليه السلام) إلى اليمن؟ أم الخلافة العامّة، كما قال الشيخ حسن المالكي في حواره مع الدكتور التيجاني؟
              الجواب:

              لقد ورد قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) أنّه: وليّكم بعدي، في عدّة مواطن..
              منها: بعد تصدّقه بالخاتم، ونزول آية الولاية، وهنا لا يمكن القول أنّ المراد بالولاية هي الولاية الخاصّة، فلا يمكن هنا ولا في غيرها(1).
              وكذلك قال في عليّ(عليه السلام) أنّه: وليّكم بعدي، في حجّة الوداع في غدير خمّ، إذ قال: (اعلموا أنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وهو وليّكم بعدي)(2).
              ومن المواطن التي ذكر فيها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ عليّاً(عليه السلام) وليّ كلّ مؤمن بعده، هي غزوة تبوك(3).
              ثمّ إنّ هناك صيغاً أُخرى مقاربة للحديث لا يمكن حمل المعنى فيها على ولايته الخاصّة على بعض الأفراد المرسلين إلى اليمن، وهو قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): (عليّ منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)(4)، وفي بعض النصوص (ومؤمنة)(5).
              وإذا أردنا أن نجعلها ولاية على البعض، لم يستقم المعنى مع قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (كلّ مؤمن)(6).
              وحتّى لو كان الحديث من دون (كلّ مؤمن)، فإنّ البعدية فيه لا تؤدّي المعنى المدّعى، وهو ولاية عليّ(عليه السلام) في غيبة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ لو أراد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الولاية على المبعوثين خاصّة لقال: (إنّه وليّي عليكم في غيبتي)؛ فإنّ بعدي لا تؤدّي معنى (غيبتي).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) انظر: أمالي الصدوق: 186 الحديث (193) المجلس (26).
              (2)
              دعائم الإسلام 1: 16.
              (3)
              انظر: كتاب سليم بن قيس: 195.
              (4)
              انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 438 عن عمران بن حصين، سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) أبواب المناقب، مناقب عليّ(عليه السلام)، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 134 كتاب معرفة الصحابة، مسند أبي داود الطيالسي: 111، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 504، مسند أبي يعلى 1: 93 الحديث (355)، صحيح ابن حبّان 15: 374، وغيرها.
              (5)
              انظر: الفتوح 2: 454، تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين: 18، 19، 67، ينابيع المودّة للقندوزي 1: 112 الباب (4)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18: 24 كتبه برقم (66)، وغيرها.
              (6)
              انظر: أمالي الصدوق:50، مسند أحمد بن حنبل 4: 438.






              السؤال: علّة عدم نصّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رسائله إلى الملوك على ولاية عليّ(عليه السلام)؟
              عندما أرسل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الرسائل إلى قيصر الروم، وملك فارس، يدعوهم للإسلام أو الجزية أو الحرب، لم يذكر فيها الإمام عليّ(عليه السلام)؛ إذ قال فيما معناه: (أن تشهد أن لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله)، ولم يضف عليّ وليّ الله، لماذا؟
              الجواب:

              من المعلوم لديكم أنّ أحكام الشريعة المقدّسة قد نزلت بالتدرج ولم تنزل دفعة واحدة، وإنّ التبليغ عنها كان أيضاً بالتدريج حسب المصلحة وتقبل الناس وليس دفعة واحدة، فإنّك تجد مثلاً أنّ النطق بالشهادتين في أوّل الدعوة مدعاة لعصمة المال والدم، كما ورد في الأحاديث الشريفة المتضافرة: (لا أزال أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم، إلاّ بحقّها وحسابهم على الله)(1).
              ثمّ بعد نزول الفرائض وتوسّع الأحكام، قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من شهد أن لا إله إلاّ الله، واستقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم)(2)، وعند تحريم الخمر كان ذلك بالتدريج مع أنّها حرام من أوّل الإسلام.
              لذا فالرسائل التي بعثها النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى رؤساء البلدان في أوّل الدعوة كانت وفق هذا السياق، وهو: إعلان التوحيد، الذي أراده الله سبحانه بأن لا يشرك به عباده شيئاً، والإقرار بنبوّة نبيّه محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي يعني التسليم بكلّ ما سيبلّغه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للأُمّة، ومنها: ولاية عليّ(عليه السلام)، التي نزل أمر الله سبحانه للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتبليغ العام بها في آخر الدعوة، كما هو المعلوم في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ... وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ... )) (المائدة:67)، وقد جمع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصحابه في ذلك الموقع الذي يقال له غدير خمّ في حادثة مشهورة معروفة، ليخبرهم بأمر الله في التبليغ بولاية عليّ(عليه السلام)، وبعد التبليغ العام بولايته(عليه السلام) نزل قوله تعالى: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3).
              نعم، ورد التبليغ والإخبار بولاية عليّ(عليه السلام) وخلافته بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في موارد خاصّة - لا على نحو التبليغ العام كما جرى في غدير خمّ - كما في يوم الدار عند نزول قوله تعالى: (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)، فقد قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) آخذاً بيد عليّ(عليه السلام): (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)(3).
              ولعلّ للتأخّر في الإبلاغ العام بولاية عليّ(عليه السلام) أسباب كثيرة.. منها: موقع سيف عليّ(عليه السلام) في الذود عن حمى الرسالة، ووتره لكلّ القبائل العربية بقتل أبنائها في الحروب التي واجهوا بها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولخصائصه النفسية وقربه الشديد من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي جعله موضع حسد البعض وتحاملهم عليه، لذا نجد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخشى التبليغ بأمر الولاية بشكل علني عام, والله سبحانه قد علم من نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الخشية، فأخبره سبحانه بأنّه سيعصمه من الناس من حيث القتل والتكذيب عند التبليغ، وقد وفى سبحانه لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما وعده عليه؛ إذ سلّم جميع الحاضرين في يوم غدير خمّ على الإمام عليّ(عليه السلام) بالولاية، وقد اشتهر قول أبي بكر وعمر في تلك الواقعة: ((أصبحت وأمسيت يا عليّ بن أبي طالب مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة))(4).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) كتاب الأُم للشافعي 1: 293 الحكم في الساحر والساحرة.
              (2)
              صحيح البخاري 1: 103 كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، سنن النسائي 7: 76 كتاب تحريم الدم، جامع الأُصول لابن الأثير 1: 158 - 159.
              (3)
              انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 222، 335، 336 مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم، 4: 31، 66 كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، 5: 137، 138 كتاب المغازي، باب مرضه(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، وغيرها.
              (4)
              انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 281 حديث قيس بن أبي غرزة، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 503 كتاب الفضائل، باب (18)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 189، 221، 222 ترجمة الإمام عليّ، تفسير الثعلبي 4: 92، سير أعلام النبلاء 19: 328، وغيرها.







              السؤال: تحديد إمامة عليّ(عليه السلام) يوم الدار ولا معارض لها
              هناك شبهات تحاك من قبل بعض الباحثين السلفيين، وهي: التضارب والتناقض في الروايات المختصّة بشأن الإمامة والخلافة بعد الرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي كالآتي:
              والتناقض في الروايات:
              أوّلاً: (إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعا بني عبد المطّلب، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: يا بني عبد المطّلب! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي؟
              فأحجم القوم جميعاً إلاّ عليّاً؛ قال: أنا يا نبيّ الله. فأخذ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا).
              هذا الحديث صحيح باعتراف أغلب علمائنا، وذكره التيجاني في كتابه أيضاً.
              وهذا الحديث طويل، وهو: أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: كنت نائماً بالحجر، إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكاً لطيفاً، ثمّ قال: عفا الله عنك يا محمّد، قم واركب فَفِد إلى ربّك، فأتاني بالبراق فركبت - ثمّ ذكر ما لاقاه في مسيره.. - إلى أن قال ــ: فإذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فقال لي: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ - ثلاث مرّات - عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، قال: لما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس، إذا أنا برجل أحسن الناس وجهاً، وأتم الناس جسماً، وأحسن الناس بشرةً، فقال: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ - ثلاث مرّات - عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، الأمين على حوضك صاحب شفاعة الجنّة... ثمّ ذكر بقية القصّة، وفي نهايتها قال لـه جبرئيل: الذين لقيتهما في الطريق وقالا لك: احتفظ بالوصيّ، كانا عيسى وآدم(عليهما السلام). (كشف اليقين: 83، البحار 18/390، 37/314).
              ومن هنا نرى في الحديث الأوّل أنّ النبيّ أعلن أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو الوصيّ ونصّ عليه، ولكن في الحديث الثاني: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يعرف وصيّه ويسأل جبرئيل(عليه السلام)؛ إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، أيّدته بوزيره ونصرته به، فقلت: يا جبرئيل، ومن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب!!! (كشف اليقين: 83، البحار 18/390، 37/314).
              الرسول هنا يتّضح أنّه لم يعرف وصيّه؛ أين ذهب حديث بني عبد المطّلب؟
              نأتي إلى الرواية الأُخرى المناقضة: إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه) سأله عن وصيّه من بعده، فأمسك عنه عشراً لا يجيبه، ثمّ قال له: يا جابر، ألا أُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي أنت وأُمّي، والله لقد سكتَّ عني حتّى ظننت أنّك وجدت عَلَيَّ. فقال: ما وجدت عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد، ربّك يقول: إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك، وخليفتك على أهلك وأُمّتك. (أمالي الطوسي: 193، أمالي المفيد: 99، البحار 38/114، إثبات الهداة 2/96).
              وهنا أنّ النبيّ لا يعرف ويسأل عن وصيّه!
              ورواية أُخرى في غزوة الخندق: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: لمّا انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز رمحه على خيمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال: أبرز يا محمّد. فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ فنكل الناس عنه، فقال: أُدن منّي يا عليّ، فنزع عمامته السحاب من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه، وقال: امض لشأنك، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه.
              وروي أنّه لما قتل عمراً أنشد أبياتاً منها:
              قد قال إذ عمّمني عمامة ***** أنت الذي بعدي له الإمامة. (البحار 41/88)
              هنا لماذا الرسول يخاف على الإمام من الموت وهو يعلم أنّه بعده في الإمامة والخلافة! ألم يخبر في السماء أو في حديث بني عبد المطّلب؟!
              من هنا يوجد تضارب في الروايات.
              الجواب:

              لقد أعلن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الدار وصيّه هو عليّاً(عليه السلام)، وهو حديث صحيح متّفق عليه، وأمّا الروايات الأُخرى فلا يصحّ المعارضة بها إلاّ إذا صحّ سندها، ولو فرض صحّة السند فلا بدّ من فهمها بما ينسجم مع ذلك، بمحاولة الجمع، وإلاّ فنعوّل على المرجّحات في باب التعارض، وكلّ ما ذكرت من الروايات لا تعارض رواية يوم الدار لصحّة سندها والاتّفاق عليها بين الطرفين.. ومع ذلك فإنّا نبيّن بعض الأُمور ليتّضح حال هذه الروايات.
              أمّا رواية الإسراء والمعراج، التي أرودها ابن طاووس في (اليقين)، وعنه المجلسي في (البحار)(1)، فإنّ العبارة التي وردت على لسان الأنبياء هي: الوصية بحفظ عليّ(عليه السلم)، لا الإخبار بوصيّته، وهناك فرق واضح بين المعنيين، فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم بأنّ وصيّه عليّاً(عليه السلام)، والأنبياء دائماً يوصونه برعايته وحفظه من أن يصيبه ما يمنع من بقائه إلى حين تسلّمه الوصية.. هذا طبعاً بعد قبول الرواية واعتبارها من جهة السند.
              وأمّا العبارة الأُخرى والتي فيها الاستفهام من جبرئيل، فلم ترد في رواية (اليقين)، وإنّما وردت في رواية وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام)، رواها الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)(2)، و(الخصال)(3).
              وعلى كلّ حال، فإنّ زمن وقوع الإسراء والمعراج مختلف فيه، هل حصل في سنوات البعثة الأُولى - وهو الأصحّ - أم كان متأخّراً قبل الهجرة؟ فلو فرض تقدّم الإسراء والمعراج على واقعة يوم الدار، فلا مشكلة أصلاً، وإثبات تقدّم الدار على زمن الإسراء والمعراج لا سبيل إليه.
              ولو فرضنا فرضاً أنّ يوم الدار كان متقدّماً والإسراء والمعراج متأخّراً فالسؤال عن الوزارة يكون من أجل توثيق ذلك على لسان جبرائيل، فهو(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عالم بأنّ وزيره هو عليّ(عليه السلام) ولكن أراد استبيان ذلك من جبرائيل تأكيداً لما هو معلوم عنده.. أو: أنّ سؤاله كان ليعلم أنّ أهل السماء هل يعلمون بوصيّه ووزيره كما يعلم هو؟ وما ينقل لنا من كلام عن عالم الملكوت، هو انعكاس تصوّري تقريبي في عالم الملك، وإلاّ فالأغراض والغايات وكيفيات الكلام تختلف هناك عمّا هو حاصل هنا تبعاً لاختلاف العلاقات وكيفيتها في العالمين.
              وأمّا رواية جابر بن عبد الله الأنصاري، فإنّها لا تعارض رواية يوم الدار؛ لِما في سندها من مجاهيل، ومع ذلك فإنّ سكوت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن جواب جابر لم يكن لعدم علمه بوصيّه، وإنّما كان انتظاراً لإذن السماء بالإخبار، فما هو إلاّ وحي يوحى.. وهذا هو طريق الجمع بين الروايتين، لو قبلنا رواية جابر سنداً.
              أمّا الرواية الأخيرة، فعلى ما في سندها من إرسال، فهي ليست الرواية الوحيدة في قصّة قتل عمرو بن ودّ يوم الأحزاب وما جرى فيه، وليس فيها أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يخاف على عليّ(عليه السلام) القتل، وإنّما كان يقول له: (إنّه عمرو بن ودّ)، إشارة لما معروف عنه من قوّته وشجاعته ليري المؤمنين استعداد عليّ(عليه السلام)، ويمتحن إصراره وتحفّزه لمبارزته، وإلاّ فمن البعيد أن يعتقد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ هناك في الجيش من هو أكفأ لعمرو بن ودّ من عليّ(عليه السلام) بعدما فعل في بدر وأحد، ولكن كان يريد ان يمتحن المسلمين، كما كانت عادته في عدّة مواقف، منها: خيبر وغيرها.
              مع أنّ العلم بأنّ الوصيّ هو عليّ(عليه السلام) لا يمنع أن يحصل له القتل قبل ذلك، فتنقلب الموازين ويحصل البداء في ذلك؛ إذ أنّ الأقدار بشرائطها، فإنّ العلم بالعاقبة لا يردّ حدّ السيف ويجعله لا يمضي في جسد عليّ(عليه السلام)، ولعلّ هذا هو معنى وصيّة الأنبياء بالاحتفاظ بعليّ(عليه السلام)، وكذلك كان عليّ(عليه السلام) يحافظ على الحسن والحسين(عليهما السلام) من القتل على الرغم من علمه بأنّهما إمامين من بعده.
              وأمّا قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي)(4)، فهو أوّلاً لإظهار أنّ الإمامة ليست جزافية، وهو يعلم أن لا يبارزه إلاّ عليّ(عليه السلام).
              وثانياً: لأجل التعريض بالذين يستصغرون عليّاً(عليه السلام) ولا يجدونه أهلاً للخلافة!
              وثالثاً: إظهار لما لهذا الموقف من آثار واستحقاقات مستقبلية في الإسلام.
              ودمتم في رعاية الله
              (1) اليقين: 288 في ما نذكره عن محمّد بن العبّاس بن مروان في تسمية جبرائيل وبعض الأنبياء عليّاً أمير المؤمنين، بحار الأنوار 18: 390، 37: 313.
              (2)
              من لا يحضره الفقيه 4: 374 الحديث (5762) باب النوادر، وهو آخر الأبواب.
              (3)
              الخصال: 207 الحديث (27) باب الأربعة.
              (4)
              انظر: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2: 334.



              السؤال: مناظرة حول الإمامة ومسائل أخرى
              بسم الله الرحمن الرحيم
              أنقل لكم هذه المناظرة المزعومة التي ذكرت في منتديات الدفاع عن السُنّة الوهابي، وأرجو الردّ عليها.
              *************************
              حوار مع شيخ شيعي إيراني في الحرم المكّي الشريف بتاريخ (26/4/1423هـ):
              سبب المناظرة:
              صلّى أحد الشيعة الإيرانيين بجوار أحد السُنّة من أهل القصيم بعد مغرب يوم السبت 25/4/1423هـ في بيت الله الحرام بمكّة المكرّمة, فرفع يديه للقنوت في صلاته. فأبدى السُنّي استغرابه من ذلك، وطرح سؤاله على الشيعي، فأجابه بشدّة: بأنّ هذه هي صلاتنا نحن الشيعة، ثمّ أردف أنّ الشيعة على الحقّ وأنّه مستعد لمناظرة أهل السُنّة، بل ويتحدّاهم.
              ففزع السُنّي بعدها يبحث عمّن يناظر هذا، فالتقى في الحرم بأحد طلاب العلم له جهود في دعوة الشيعة، اسمه: عبد الله، يعرفني، فقام بالاتّصال بي وأخبرني عن تحدّي هذا الشيعي, فاجتمعنا بعد صلاة ظهر يوم الأحد 26/4/1423هـ للتفكّر في أمر هذا المتحدّي والإعداد لمناظرته, وتمت المشاورة في الأمر مع أحد الشيوخ من جامعة الإمام، ومعه أحد القضاة (كنّا نجلس معهما في الحرم)، فأشارا أن أبدأ معه في الحوار ويشارك معي طالب العلم عبد الله، ويكون بحضور صاحبي الفضيلة.
              وكان هدف الشيخين من ذلك ألاّ يأخذ الشيعي لنفسه مكانة عندما يحاور شيوخ السُنّة الكبار، فيفخر بذلك على أهل السُنّة.
              الاستقبال:
              وبعد صلاة العصر بمدّة أحضر السُنّي القصيمي الشيعي, فأقبلت بالتّرحاب بهما وأجلسنا الشيعي في مكان متوسط مناسب بين الجميع يستند إلى أحد الأعمدة في الحرم...
              بدء الحوار:
              ثمّ أخذ الحوار يأخذ شكله الجدّي:
              سألته: هل صحيح بأنّك جئت للتحدّي كما يقال? أم لعرض ما عندكم والدعوة إليه? أم لمعرفة الحقّ?
              أجاب: بل لعرض ما عندنا والدعوة إليه, وأنا واثق ممّا عندي.
              قلت: هذه صراحة وصدق منك, وأتمنى أن تكون معي صادقاً طوال الحوار, وأن لا تستخدم التقيّة, فهل أنت مستعد لذلك?
              قال: لن أستخدم التقيّة (وأشاح بوجهه وكأن هذا الطلب ثقيل عليه)، وقال: نحن لا نستخدم التقيّة إلاّ عند الخوف.
              سألته: ما مكانة الإمام عليّ عندكم؟
              قال: هو إمامنا وهو معصوم، لكنّنا لا نعتقد به الغلوّ، فهو بشر.
              قلت: لقد حذّر الإمام عليّ في (نهج البلاغة) من الغلوّ فيه، فقال: (يهلك في صنفان محبّ غالٍ ومبغض غالٍ).
              قال: صحيح.
              قلت: ما معنى معصوم عندكم?
              قال: أي لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا النسيان.
              قلت: وهل هذا لعليّ وحده?
              قال: للإمام عليّ ولباقي الأئمّة، ومن قبلهم الرسل والأنبياء.
              قلت: ولكن الله سبحانه ذكر في القرآن أنّ آدم عصى!
              قال: وهو يبتسم. تعني قوله تعالى: (( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى )) (طه:121)؟
              قلت: نعم.
              قال: هذا ليس مقصود به العصيان.
              قلت: كيف?
              قال: دعنا من هذا، ولكن الإمام عليّ منصوص عليه بالخلافة من الله، واغتُصب حقّه، وهُمّش بعد وفاة رسول الله.
              قلت: لم يهمّش، فهو من خيرة الصحابة، وهو من العشرة المبشّرين بالجنّة، وزوج فاطمة(رضي الله عنها)، وفضائله عديدة لا ننكرها.
              قال: هناك أحاديث عندكم في الصحاح الستّة وفي (كنز العمّال) بأنّه يكون الخلفاء بعدي اثنا عشر بأسمائهم، كما في صحيح البخاري.
              قلت: أوّلاً لا يوجد عندنا شيء اسمه الصحاح الستّة, لأنّه يوجد البخاري ومسلم والباقي المسند والسنن, وأنتم تذكرون أنّها صحاح لتقولوا للعامّة منكم وعوام السُنّة بأنّ كلّ ما فيها صحيح, وتأخذون رواية غير البخاري ومسلم في المسند أو السنن وهي ضعيفة أو موضوعة فتحتجّون بها على أهل السُنّة! وهذا الحديث الذي تذكره غير صحيح، وليس في البخاري ولا مسلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الشيعة ودسّوها في كتب السُنّة.
              قلت: أرجو السماح بالعودة إلى موضوع العصمة. (الشيعة من طرقهم في الحوار المراوغة والتنقل في مواضيع الحوار قبل إشباع الموضوع حتّى لا تلزمهم الحجّة).
              قال: مقاطعاً (لم يقبل العودة للعصمة)، أيضاً فإنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند مرضه طلب أن يكتب بالخلافة لعليّ، فمنعه عمر، وقال: أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يهجر.
              قلت: وما يدريكم أنّ رسول الله أراد الكتابة لعليّ? وعندنا من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على أنّه أراد الكتابة لأبي بكر, منها لما كان في مرضه يوم الاثنين الذي قبل الاثنين الذي توفّي فيه, لمّا قال لعائشة(رضي الله عنها)، وفيه الحمى: (ادع لي أباك وأخاك).
              قال: مقاطعاً (رضي الله عنها).
              قلت: جميل أن تترضّى عن أُمّ المؤمنين عائشة, وأرجو ألاّ يكون ذلك تقيّة. فسكت.
              قال: لكن الشيخين أبو بكر وعمر(رضي الله عنهما) أغضبا فاطمة الزهراء وكسر عمر ضلع فاطمة, وقد قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فاطمة بضعة منّي من أغضبها فقد أغضبني).
              قلت: أما أنّك تترضّى عن الشيخين، فأرجو أن لا يكون ذلك تقيّة مرّة أُخرى.. وعليّ(رضي الله عنه) عندنا شجاع لا يمكن أن يسكت على كسر ضلع فاطمة، لو كان ذلك صحيح, ثمّ أنّه أصلاً كيف يمكن لفاطمة أن تذهب لأبي بكر وحدها?! وتذهب لعمر وحدها?! دون أن يكون معها عليّ أو أحد محارمها?
              أمّا مسألة الإغضاب لو صحّت، فأوّل من أغضب فاطمة هو عليّ، حينما خطب ابنة أبي جهل، كما في الصحيح عندنا, فشكت لأبيها رسول الله فعل عليّ، فصعد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنبر، وقال: (فاطمة بضعة منّي...) وليس المقصود غير عليّ في أن لا يتزوج على فاطمة، لأمر محدود ومخصوص لا غير, وهذه من حكمة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الطريقة غير المباشرة في الكلام، فما أراد أن يقول لعليّ مباشرة, ثمّ إنّنا أصلاً مطالبون بطاعة الله ورسوله لا فاطمة.
              قال: هل قرأت كتاب الغدير?
              قلت: الصحيح أنّي قرأت فيه ولم أقرأه كلّه, لكن الحديث الذي تحتجّون به معروف عندنا.
              قال: اقرأه، فقد قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ عاد من عاداه, ووال من والاه, وانصر من نصره, واخذل من خذله, وأدر الحقّ معه حيث دار..).
              قلت: هذا الحديث لا يصحّ منه إلاّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، أمّا: (اللّهمّ عاد من عاداه، ووال من والاه) فضعيف, والباقي موضوع.
              قال: وهل من المعقول أن يجمع الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الناس في الحرّ لينادي بأنّه: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) فقط هكذا? بل أراد أن يعلن بأنّه الخليفة بعده.
              قلت: وما يدريك إن كان ذلك في شهر حرّ? وأمر آخر فهذا الحديث له سبب وهو أنّ رسول الله قد بعث عليّ(رضي الله عنه) للدعوة في اليمن, فوجد بعض أصحابه منه شيء من الشدّة, فلمّا عاد وبلغ ذلك الرسول قال هذه المقولة في عليّ.
              مداخلة من الشيخ التويجري: إنّ كلمة (مولى) في لغتنا العربية لها معانٍ متعدّدة, ونحن عرب، والقرآن نزل بلغتنا. فهي تعني: المحبّة والنصرة والاتّباع.. وهذه للمؤمنين جميعاً.
              قال: صحيح, فلو نزل القرآن على العرب بغير لغتهم العربية فإنّهم لا يؤمنون به كما ذكر الله عنهم، حيث قال الله في القرآن: (لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا أأعجمي... وعربي..)(لم يعرف تكملة الآية ولم يأتِ بها على الوجه الصحيح).
              قال الشيخ: الآية ليست كما ذكرت، (وأخذ الشيخ المصحف وقرأ الآية الكريمة قوله تعالى: (( وَلَو جَعَلنَاهُ قُرآناً أَعجَمِيّاً لَقَالُوا لَولاَ فُصِّلَت آيَاتُهُ أَأَعجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُل هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ فِي آذَانِهِم وَقرٌ وَهُوَ عَلَيهِم عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَونَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ )) (فصّلت:44).
              قال: قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنا مدينة العلم وعليّ بابها).
              قلت: هذا الحديث موضوع.
              قلت: فلنعد إلى العصمة وقولك: أنّ الأنبياء لا ينسون، وهذا يخالف ما ذكره الله في القرآن الكريم في سورة الكهف في قوله تعالى: (( فَلَمَّا بَلَغَا مَجمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ سَرَباً )) (الكهف:61)، فهذا نبيّ الله ورسوله موسى(عليه السلام) وفتاه نبيّ الله يوشع بن نون عليهما وعلى نبيّنا الصلاة والسلام نسيا حوتهما, ثمّ إنّ موسى(عليه السلام) نسى مرّة أُخرى، كما ذكر الله ذلك في سورة الكهف في قوله تعالى: (( لاَ تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ )) (الكهف:73), فمن نصدّق?
              هل يمكن أن نتّبع علماءكم الذين يقولون بأنّ الأنبياء لا ينسون ونترك قول الله تعالى?!
              قال: القرآن فيه ظاهر وباطن, وليس معنى ذلك أنّه نسيان.
              قلت: أنا كنت أنتظر أن أسمع أحد من الشيعة يذكر هذه المقولة التي أقرؤها في كتبهم وحواراتهم؛ لأنّ ردّها منطقي سهل. فإذا كان المعنى الباطني لكلمة (( نَسِيَا )) أو (( نَسِيتُ )) التي في سورة الكهف, أنّ موسى(عليه السلام) لم ينسى! فتصبح كلّ كلمة أمر أو نهي في القرآن لها معنى معاكس! مثل قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )) (البقرة:43) يكون معنى ذلك لا تقيموا الصلاة ولا تؤتوا الزكاة! وقوله تعالى: (( وَلاَ تَقرَبُوا الزِّنَا )) (الإسراء:32) يكون المعنى عكس ذلك! وقوله تعالى: (( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )) (الإسراء:32), يكون المعنى أيضاً عكس ذلك!
              فهل منطقياً أو عقلياً يمكن أن يستقيم معنى أو كلام بهذا? وما فائدة إنزال القرآن? وكيف يتمّ الائتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه، والاحتكام إليه، والأمر من الله بتدبّره? وكيف يكون القرآن كما قال تعالى: (( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )) (الشعراء:195)? وقوله تعالى: (( وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ )) (القمر:17)?... الخ, فهل بعد هذا تقول أنّ موسى نسى أم لم ينسى?
              قال: ربّما يكون معناها: أنّه نسى.
              قلت: تقول: ربّما?
              فابتسم وسكت.
              قلت: قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس)، لقد صلّى عليّ(رضي الله عنه) خلف أُبيّ، ثمّ صلّى علي خلف أبي بكر بعد وفاة الرسول, وصلّى خلف عمر، وخلف عثمان، وكان وزيراً لهم جميعاً، كما أنّه لم يغيّر بعد تولّيه الخلافة شيء ممّا كان على عهد أبي بكر وعمر وعثمان من أُمور الدين أو القرآن... الخ, وقد كانت علاقته بهم جميعاً علاقة محبّة وطاعة, وزوّج ابنته أُمّ كلثوم من عمر(رضي الله عنه), وقد سمّى أبناءه: أبو بكر وعمر وعثمان، وكذلك سمّى بهذه الأسماء الحسن والحسين وغيرهم من آل البيت, فلو كان عليّ وأبناءه يكرهون الخلفاء الثلاثة كما يزعم الشيعة، فهل يسمّون أبناءهم بأسمائهم?! فهل ترضى أنت أن تسمّي أبناءك بأسماء من تكرههم، هل يمكن أن تسمّي ابنك شمراً، أو يزيداً، أو شاروناً مثلاً.
              قال: لا.
              قلت: نحن نطالب الشيعة فقط باتّباع وطاعة عليّ وأبنائه(رضي الله عنهم) في ما ورد عنهم في الروايات الصحيحة, وهذا كتاب (نهج البلاغة) الذي يجمع الشيعة على صحّة كلّ ما فيه, أليس كذلك?
              قال: نعم.
              قلت: فيه كلام الإمام عليّ حسب ما رويتم, وهو يمدح أبا بكر وعمر وعثمان وأصحاب رسول الله(رضي الله عنهم أجمعين) في مواضع كثيرة، منها: في ص 446 من (نهج البلاغة) شرح محمّد عبده, قوله: (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه, فليس للغائب أن يرد ولا للحاضر أن يختار, وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان لله رضى).
              فهذا عليّ يحتجّ على معاوية(رضي الله عنه) ويستشهد على صحّة بيعته ببيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر وعمر وعثمان, فهل شهود عليّ الذين بايعوه وبايعوا من قبله من الخلفاء عدول وثقات أم أنّهم كفّار مرتدّون عند علماء الشيعة?! هل رجال عليّ وأتباعه كفّار لأنّهم بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان?
              إنّ في كتاب (نهج البلاغة) أكثر من ثلاثين رواية من كلام الإمام عليّ يخالفها الشيعة، ولو اتّبع الشيعة شيئاً منها لصاروا من أهل السُنّة.
              (ثمّ أهديناه كتاب (تأمّلات في كتاب نهج البلاغة) لمحمّد الصادق).
              وعليّ يقول في هذا النص: (إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار, فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان لله رضى)، فالمهاجرون والأنصار اجتمعوا في السقيفة واختاروا أبا بكر إماماً وكان لله رضى, فهذا الكلام يبيّن الاعتقاد الصحيح في الإمامة، والذي عليه أهل السُنّة والجماعة, فأين الشيعة من هذا? وهل الشيعة يعتقدون بهذا? بل هم يرون أنّ الإمامة تعيين من الله ووصية من محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ وأبنائه الأحد عشر من بعده?!
              قال: لكن معاوية كفر بقتاله الإمام عليّ في موقعة صفّين.
              قلت: عليّ لم يقل ذلك في (نهج البلاغة) كما رويتم, ولكنّه قال في حقّ أهل الشام: (لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا)، فيدلّ ذلك على أنّهم مؤمنون, وقد بيّن الله في القرآن حكم البغاة في قوله تعالى: (( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللَّهِ... )) (الحجرات:9), وفي الحديث قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ويحك عمّار تقتلك الفئة الباغية)، وهذا الحديث موجود عندكم أيضاً, فدلّ على أنّ جماعة معاوية الذين قتلوا عمّارا بغاة وليسوا كفّاراً.
              ظَلّ يستمع ولم يجب بشيء.
              مداخلة عبد الله: أنا أريد أن أسألك: هل الذين تدّعون لهم العصمة تقابلونهم وتأخذون منهم دينكم الآن، أم أنّكم تأخذون من المراجع والعلماء؟
              قال: من المراجع والعلماء.
              قال عبد الله: تقولون أنّ الأئمّة معصومين من الخطأ والسهو والنسيان فلا تجوز عليهم الذنوب صغيرها وكبيرها؟
              قال: هذا صحيح.
              قال عبد الله: هذا دعاء كميل المروي عندكم عن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) (وأخرج نسخة عنده وقرأ قوله في الدعاء: (اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم, اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء... اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته)، وقد كرّر علي طلبه من الله في هذا الدعاء بأن يغفر الله ذنوبه, فما قولك أنت: هل عليّ له ذنوب، أم ليس له ذنوب?. (وكان البلوشي يبتسم).
              قال: لو كان الإمام يخطئ فكيف يبلّغ عن الله, علي هنا في هذا الدعاء يعلّمنا كيف ندعو الله.
              قال عبد الله: عليّ يتكلّم عن نفسه، ولم يقل: يا أيّها الناس أُدعو الله بكذا.. ثمّ أمر آخر: هؤلاء الرواة الذين تأخذون عنهم وليسوا بمعصومين لا بدّ من التثبّت من رواياتهم, وأنتم لم تحرصوا مثل أهل السُنّة في ذلك، بل رويتم عن الملعونين والكفّار، مثل: زرارة بن أعين، الذي قال فيه الإمام جعفر: (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، زرارة شرّ من اليهود والنصارى، ومن قال أنّ مع الله ثالث ثلاثة)، وهذا في (رجال الكشّي), كما يذكر الكشّي روايات كثيرة في الطعن على زرارة، وتطاوله على الإمام جعفر، حتّى تجرّأ أن قال: ضرطت في لحيته.
              قلت: لقد بيّن علماء الشيعة هذا الخلل في الرواة والمرويات عندهم, يقول العلاّمة الحلّي في كتابه (رجال الحلّي ص 137) وهو يقرّر حقيقة واقعة وطريقة عندهم: ((الطعن في دين الرجل لا يقتضي الطعن في حديثه)).
              قال: يمكن أن نأخذ الخبر من إنسان صادق بغضّ النظر عن معتقده، والمقصود بهم: الفرق الإسلامية المخالفة.
              قلت: عبارة الحلّي عامّة والواقع أنّكم تكفّرون هذه الفرق مثل الفطحية والهشامية والناووسية والواقفة. فكيف تروون عنهم؟ هل يأخذ الإنسان المسلم دينه من الكفّار?




              يتبع

              تعليق


              • #8
                قال: الآن الدول الأُوربية النصرانية نستورد منها البضائع والمصنوعات، فهل نأخذ ما ينفعنا منهم أم لا?
                قلت: نأخذ منهم ما ينفعنا لكن ما يتعلّق بالدين فلا..
                ويقول محمّد الحسن الطوسي صاحب كتاب (الفهرست) في ص28: ((كثير من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأُصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة)), فهذا اعتراف بفساد مذاهب كثير من علمائكم, فكيف تأخذون من الفاسدين?! وهل يمكن اتّباع الفاسدين?! وهناك روايات في كتبكم على هذا المنوال تذمّ رجالكم ورواتكم ومصنّفاتكم، وتطعن في كتبكم.
                سكت ولم يجب.
                قلت: هذا مثلاً كتابكم (الكافي) للكليني، يمكن أن نثبت الآن سقوط رواياته في دقائق.
                قال: كيف?
                قلت: ثلث رواياته من مجهولين، وفي سندها قوله: عن رجل.. عمّن حدّث به.. عن من ذكره.. عن من أخبر به.. عن بعض أصحابه.. عن بعض أصحابنا.. عن بعض الكوفيين.. عن بعض العراقيين.. عن أهل السواد.. عن بعض الموصليين... الخ، فهل هذه الروايات يمكن أن يؤخذ بها؟!
                قال: هذه تعتبر عندنا ضعيفة.
                قلت: ولكن مراجعكم وعلماؤكم يأخذون بهذه الروايات..
                والثلث الثاني مجهولين مبهمين بطريقة أُخرى، ولعلّ الكليني خشي من أن ينكشف الأمر فنوّع الطرق, وذلك عندما يذكر السند بطريقة فلان ابن فلان, اسماً ليس لها مسمّى, اسم الرجل واسم أبيه فقط وهو غير معروف, وكم في الكوفة أو البصرة مثلاً من اسم عبد الله بن سعد، أو حسن بن عليّ?
                قال: هذه الطريقة موجودة في السند عند أهل السُنّة, مثل: عبد الله بن عمر، أو عبد الله بن عبّاس.
                قلت: وجود الطريقة لمن هم معروفين مشهورين, وهناك كتب للرجال في زمانهم تفصّل وتبيّن معلومات كافية عنهم، وتعرّفهم لمن يأتي بعدهم, ورواة الشيعة ليس لهم ذلك الاهتمام بعلم الرجال, كما هو معروف.
                قلت: الصنف الثالث: رواته معرفين بأسمائهم ومشهورين عند الفريقين، ولكن ماذا قيل فيهم في كتب الرجال، عند الشيعة قبل أهل السُنّة? لمطاعن عليهم لا تحصى قيل فيهم: كفّار ملعونين ساقطين على لسان الأئمّة. مثل: زرارة بن سنسن بن أعين, وهشام بن سالم الجواليقي, ومحمّد بن الخطّاب, ومحمّد بن سنان, وهشام بن الحكم, وجابر بن يزيد الجعفي, والمفضّل الجعفي, وغيرهم.
                مداخلة القاضي: قال الله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضوَاناً سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِن أَثَرِ السُّجُودِ )) (الفتح:29). فلو قلنا: بأنّ زعيماً ما، كالخميني مثلاً, رجاله وجنوده وأعوانه وأصحابه وأقرب المقرّبين إليه كلّهم خونة إلاّ عدداً لا يبلغ العشرة, فهل يعدّ زعيماً ناجحاً أم فاشلاً? فكيف يمكن أن يقال في أصحاب رسول الله ما قيل من قبل الشيعة, وهل هذا إلاّ طعناً في الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟!
                قال: إنّ في إيران الآن جهود إصلاحية يتزعّمها خاتمي لتنقيح بعض الشوائب الموجودة, ولكن هناك معارضة من المتشدّدين.
                في ختام المناظرة طالبت الشيعي الإيراني بالرجوع إلى كتبهم والتأكّد ممّا تطرّقنا إليه, ومراجعة النفس في مصيرها، فالإنسان معرّض أن يلقى ربّه في أيّ لحظة, كما دعا له الشيخ التويجري والحاضرون بأن يهده الله إلى الحقّ, وطلبنا منه أن يدعو بهذا الدعاء: (اللّهمّ أرني الحقّ حقّاً وارزقني اتّباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه).
                ثمّ قال له عبد الله (مبتسماً): هل نهنئك الآن على أنّك تحدّيت أهل السُنّة?
                ثمّ أخذت اسمه وبريده الإلكتروني.
                أجرى المناظرة مع الشيعي: الشيخ محمّد الصادق، الذي اهتدى على يديه بفضل من الله عدد من الشيعة، وهو صاحب كتاب (تأمّلات في كتاب نهج البلاغة)، نسأل الله أن يتقبّل منه صالح أعماله، وأن يجعلها في ميزان حسناته.
                *************************
                الجواب:

                سواء صدقت هذه المناظرة أم لا، فنحن سنجيب عن الأسئلة والمناقشات الواردة فيها خدمة للعلم وأهله.
                أوّلاً: عصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام):
                هذا البحث كتب فيه علماؤنا وكثير من مثقفينا وقد أشبع بحثاً وتحقيقاً، وذكرنا فيه أجوبة عديدة تحت عنوان (العصمة)، وهي شاملة لكلّ ما طرح في هذه المناقشة، خاصّة ما نسب إلى آدم(عليه السلام) من معصية، وإلى موسى(عليه السلام) من نسيان؛ فراجع!
                ثانياً: حديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر:
                هذا الحديث صحيح مستفيض عن جابر بن سمرة، رواه البخاري في صحيحه بلفظ (اثنا عشر أميراً)، ومسلم من خمسة طرق، وأحمد من ستّة طرق(1).
                ونقول: قد حار أهل السُنّة في بيان الخلفاء المشار إليهم بالعدد والقبيلة والصفات في هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة، ودخلوا في حيص بيص من هذه الناحية، ويمكنكم أن تراجعوا كتاب (مسائل خلافية حار فيها أهل السُنّة ص7 - 46) للشيخ علي آل محسن، لتجدوا أنّ هذه المسألة هي إحدى المسائل المحتار فيها عندهم، وقد بيّن الكاتب هذه الدعوى بالأدلّة والبراهين القاطعة.
                بينما نجد بعض علماء أهل السُنّة قد أنصفوا من هذه الناحية وذكروا الحقّ في الموضع، وقالوا: أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر هم: الأئمّة من آل البيت(عليهم السلام)، كالحافظ سليمان البلخي القندوزي الحنفي في كتابه (ينابيع المودّة)، وأنّ القول المذكور - بأنّ الخلفاء الاثني عشر هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) - هو قول بعض المحقّقين(2).
                وأمّا قول الوهابي: ((وهذا الحديث الذي تذكره غير صحيح، وليس في البخاري ولا مسلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الشيعة ودسّوها في كتب السُنّة))، كذب شنيع ينبئك عن مقدار ورع مثل هؤلاء.
                ثالثاً: حقّ عليّ(عليه السلام) بالخلافة:
                حقّ عليّ(عليه السلام) بالخلافة أمر معلوم مشهور تشهد له النصوص المتناثرة في كتب الحديث، بل هناك نصوص وأحداث ذكرها البخاري ومسلم تشير إلى هذا الحقّ رغم المحاولات الكبيرة التي كانت تمارسها السلطات الأموية ومن ثمّ العبّاسية - وهو الزمان الذي دوّنت فيه الأحاديث - من طمس هذه الحقيقة وتغييبها عن الوعي الإسلامي.
                فقد روى البخاري - واللفظ له - ومسلم: ((عن إبراهيم بن الأسود، قال: ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً(رضي الله عنه) كان وصيّاً. فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري، فدعا بالطست فلقد أنخنث في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟))(3).
                ولا نريد أن نناقش في صحّة هذه الرواية وأنّها معارضة برواية أُخرى صحيحة أيضاً - بحسب المباني الحديثية عند أهل السُنّة - بأنّ أقرب الناس عهداً برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو عليّ(عليه السلام)(4).
                وربّما في مقام الترجيح تكون الثانية أرجح من الأُولى؛ لما ورد في الأُولى من جرّ النفع إلى صاحبها، إذ نفي الوصية عن عليّ(عليه السلام) من قبل عائشة فيه نفع لأبيها - أبي بكر - في مسألة الخلافة...
                بل الذي نريد أن نقوله هنا هو: أنّ التسامع بالوصية في حقّ عليّ(عليه السلام) له جذور أصيلة وحقيقة كانت محلّ كلام وأخذ وردّ بين الصحابة أنفسهم.. فموضوع الوصية والخلافة لعليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) موضوع ينبغي للباحثين عن الحقّ البحث فيه والوصول إلى حقيقة ما جرى في تلك الحقبة المهمّة من تاريخ المسلمين، لما يترتّب عليها من ثمرات عقائدية مهمّة.
                ونحن هنا نشير بشكل موجز إلى جانب يسير من الأدلّة الصحيحة الواردة في كتب أهل السُنّة التي تثبت الحقّ لعليّ(عليه السلام) في خلافة المسلمين بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم):
                1- روى أحمد بسند صحيح، والحاكم في (المستدرك) وصحّحه، ووافقه الذهبي عليه، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في (المعجم الكبير)، وابن حجر في (الإصابة)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليّ(عليه السلام) مخاطباً إيّاه: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة)(5).
                فهذا الحديث الصحيح شاهد صدق على أنّ الخلافة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حقّ ثابت لعليّ(عليه السلام).
                ولم يخف ابن تيمية تخوفه من هذا الحديث - الساطع كالشمس في رابعة النهار في الدلالة على حقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة - فانبرى إلى المغالطة في دلالته بعد أن أعيته السبل في المناقشة في سنده(6).
                وهذا الحديث قد رواه الترمذي بلسان: (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)(7)، قال المباركفوري في شرحه لسنن الترمذي: ((وظاهر أنّ قوله: (بعدي) في هذا الحديث ممّا يقوى به معتقد الشيعة))(8).
                وقد صحّح هذا الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني(9)، كما صحّح من قبله حديث الغدير بشطريه، الذي ادّعى ابن تيمية ضعف الأوّل منهما، وهو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، وكذّب الآخر، وهو: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(10).
                وأيضاً لاحظ ردّ الشيخ الألباني على ابن تيمية، وردّ دعواه بتضعيف هذه الأحاديث الصحيحة بتصريحه - أي: الألباني ــ: بأنّ الذي يدفع ابن تيمية إلى ذلك هو: التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة، فالرجل - أي: ابن تيمية - قد أعمى التعصّب قلبه وعينيه، فهو لا يكتب ولا يتكلّم ولا يفتي إلاّ بدافع من التعصّب والحقد الأعمى.
                وهنا نقول - من باب النصيحة لا أكثر ــ: الأولى لهؤلاء المتابعين أن يدركوا هذه الحقيقة، أي: أنّ شيخ إسلامهم هذا متعصّب أعمى، وعليهم أن يتخلّصوا من حالة اتّباعه بشكل أعمى؛ فإنّ من أسوأ حالات التقليد هي: حالة التقليد الأعمى للحقد الأعمى!
                2- قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): في عليّ(عليه السلام): (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)(11). نقله بعين لفظه المتّقي الهندي في (كنز العمّال) عن: ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم؛ وقد ذكر تصحيح ابن جرير له(12)..
                وقد أخرج هذا الحديث أحمد في (مسنده) بسند صحيح بلفظ: (ويكون خليفتي في أهلي)(13)، وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) بلفظ: (ويكون خليفتي ووصيّي من بعدي)(14).
                3- قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، وهذا الحديث صرّح بتواتره جملة من علماء أهل السُنّة، كجلال الدين السيوطي في (قطف الأزهار المتناثرة)(15)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(16)، والعلاّمة جعفر بن إدريس الحسني، الشهير بـ(الكتاني) في (نظم المتناثر من الحديث المتواتر)(17)، والعجلوني في (كشف الخفاء)(18)، والألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(19)، وغيرهم.
                ولئن اختلف المختلفون في تفسير المراد من كلمة (مولاه): هل المراد بها (ناصره) أو (حبيبه) أو...؟!
                نقول: الحديث يفسّر الحديث؛ فقد قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) - في ما ذكرناه قبل قليل ــ: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة) وقد دلّ هذا الحديث على أنّ المراد بالولاية هي: ولاية الأمر دون المحبّة أو النصرة، التي لا يمكن تصوّرهما في المقام؛ لمحلّ (بعدي) في كلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
                قال أبو جعفر النحّاس في كتابه: (معاني القرآن الكريم)، بعد ذكره للآية الكريمة: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55): ((قال أبو عبيد: وهذا يبيّن لك قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، فالمولى والوليّ واحد، والدليل على هذا قوله جلّ وعزّ: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )) (البقرة:257) ))..
                ثمّ قال في موضع آخر: (( (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَولَى الَّذِينَ آمَنُوا )) (محمّد:11)؛ فمعنى حديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): في ولاية الدين، وهي: أجلّ الولايات))(20). انتهى.
                وهذا بيان صريح في حقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة؛ إذ أنّ ولاية الدين شاملة لولاية الدنيا ولا عكس.
                رابعاً: رزية يوم الخميس:
                هذه الرزية تناقلتها كتب الحديث عند أهل السُنّة - صحاح وسنن ومسانيد - وفيها وردت تلك الكلمة الجارحة للجناب الأقدس للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - نعني بها كلمة: (يهجر) - والتي حالت بين النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين كتابته لكتاب الهداية، الذي وعدهم بأنّهم لن يضلّوا بعده أبداً..
                ولا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليعرف أنّ قائل تلك الكلمة (يهجر) هو: عمر بن الخطّاب، وقد صرّح بهذا جملة من علماء أهل السُنّة، نذكر منهم: ابن تيمية في (منهاج السُنّة)(21)، وسبط بن الجوزي في (تذكرة الخواص)(22), والغزالي في (سرّ العالمين)(23)، والشهاب الخفاجي في (نسيم الرياض)(24)، وابن الأثير في كتاب (النهاية في غريب الحديث)(25)، وغيرهم.
                وفي دعوى أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أراد أن يكتب في هذا الكتاب الخلافة لأبي بكر، نقول:
                هذه الدعوى تضحك الثكلى.. فهل تراه يقف (الفاروق) حائلاً بين النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين كتابة مثل هذا الكتاب وهو يجرّ النفع إلى (صاحبه)، الذي جاهد في تشييد خلافته يوم السقيفة، ومارس كلّ وسائل التهديد من شتم وسبّ وتوعّد بالقتل لكلّ من أراد أن يقف أمام تزعّم أبي بكر للخلافة.
                راجع ذلك في كلّ من كتب في أحداث السقيفة، كالطبري في (تاريخه)(26)، وابن خلدون في (مقدّمته)(27)، بل انظر إلى (صحيح البخاري)(28) لتطّلع على هذه الحقيقة.
                وكذلك بالنسبة للأسانيد التي روت هذه الدعوى؛ فهي تشتمل على جملة من المقدوحين والمنحرفين عن عليّ(عليه السلام)، كإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف صاحب العود والغناء(29)، وعروة بن الزبير، الذي انتدبه معاوية لرواية أخبار قبيحة في عليّ(عليه السلام)، كما يشير إلى ذلك علاّمة المعتزلة ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(30).
                وأيضاً راوية الحديث عائشة المتّهمة في هذا الحديث (حديث أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لها: ادعي لي أبا بكر أباك...)(31) الخ، وذلك من جهتين:
                الأُولى: لموقفها العدائي المعروف من عليّ(عليه السلام)، حتّى أنّها لا تطيق ذكر اسمه، كما يروي ذلك أحمد في (مسنده)(32)، وقد صحّح هذا الحديث الألباني في (إرواء الغليل)(33)، فراجع ثمّة!
                والجهة الثانية: لما فيه من جرّ نفع لأبيها؛ فهو من شهادة الأبناء للآباء، أو ما يسمّى بشهادة الفرع للأصل، وهي غير مقبولة عند أهل السُنّة(34).
                ومن هنا نجد أنّ أهل السُنّة صحّحوا ردّ أبي بكر شهادة الحسن والحسين(عليهما السلام) لفاطمة(عليها السلام) في أمر فدك، بناءً على هذا المعنى، أي عدم صحّة شهادة الأبناء في ما يجرّ نفعاً للآباء.
                وإضافة لذلك كلّه: لم يحتجّ بهذا الحديث أحد من المهاجرين الذين كانوا مع أبي بكر في السقيفة، بل لم يحتجّ بهذا الحديث أبو بكر نفسه، رغم ما أبداه هذا الفريق - أي: فريق المهاجرين المتصدّين لنيل الخلافة في السقيفة - من جهود مضنية في ذكر النصوص والمؤيّدات التي تؤهّلهم لنيل هذا المنصب، كقولهم: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الأئمّة من قريش)(35)، وأمثال ذلك من الفضائل التي أخذ البعض يذكرها في حقّ البعض الآخر من أصحابه، ولم يأتِ للحديث المدّعى (ادعي لي أباك وأخاك..) أي أثر أو ذكر في هذه الواقعة، التي كان أمر التنافس على الخلافة فيها بين الأنصار والمهاجرين على أشدّه.. ولا عطر بعد عرس.
                خامساً: إغضاب الشيخين للسيّدة الزهراء(عليها السلام):
                وهذا الأمر معلوم مشهور، ذكره البخاري وغيره، روى البخاري في (صحيحه) ما نصّه: ((إنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر))(36).
                وأيضاً روى البخاري: ((فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت))(37).
                وإذا ضممنا إلى هذا الحديث الصريح بإغضاب فاطمة(عليها السلام) من قبل أبي بكر حديث آخر، رواه البخاري: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني)(38). وعرفنا أن من أغضب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون قد أغضب الله؛ لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يغضب إلاّ للحقّ وبالحقّ - لمحلّ عصمته المتّفق عليها عند الجميع -..
                نقول: يتّضح لنا بعدها الموقف الشرعي من أبي بكر من خلال قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوا قَوماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم )) (الممتحنة:13)، وهذا الأمر واضح لا يحتاج إلى كثير عناء، سوى التجرّد والنيّة الخالصة في معرفة الحقّ وأهله.
                ولا يهمّنا بعد هذا إثبات إغضاب عمر لفاطمة(عليها السلام)، فالرجلان (أبو بكر وعمر) كانا شريكين في كلّ محنة جرت على أهل البيت(عليهم السلام) بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا أمر معلوم مشهور في كتب الحديث والتاريخ.
                وأمّا دعوى: أنّ الإغضاب لو صحّ فأوّل من أغضب فاطمة(عليها السلام) هو عليّ(عليه السلام) حينما خطب ابنة أبي جهل..
                فنقول: من المؤسف أنّ أهل السُنّة يعيشون في دائرة مفرغة عن العلم والجدل الرصين.. فهم يحاولون دائماً إثبات دعواهم من أحاديث يسردونها من كتبهم نفسها، وهذا باطل في باب المناظرة والمجادلة، فهو ليس فيه أيّة ثمرة علمية ولا عملية..
                قال ابن حزم في كتابه (الفصل في الأهواء والملل والنحل): ((لا معنى لاحتجاجنا عليهم - يريد: المخالفين لهم - برواياتنا؛ فهم لا يصدّقونها، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم؛ فنحن لا نصدّقها، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجّة به، سواء صدّقه المحتجّ أو لم يصدّقه؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به، أو بما يوجبه العلم الضروري، فيصير الخصم حينئذٍ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه))(39).
                والحديث المدّعى فيه: تعرّض الإمام عليّ(عليه السلام) بالخطبة إلى ابنة أبي جهل، حديث موضوع رواه أهل السُنّة وصدّقوه - للأسف - وأرادوا من الشيعة التصديق به، وهو أمر مضحك حقّاًً! وقد كتبنا فيه بحثاً مفصّلاً في قسم (الأسئلة العقائدية: الإمام عليّ(عليه السلام)/ بحث حول خطبة الإمام عليّ(عليه السلام) ابنة أبي جهل).
                سادساً: صلاة أبي بكر بأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم):
                هذه المسألة بحثناها مفصّلاً تحت عنوان (أبو بكر)، وهناك أسئلة وأجوبة خاصّة بصلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأيضاً دعوى صلاة الإمام عليّ(عليه السلام) وراء أبي بكر)؛ فراجع!
                سابعاً: دعوى زواج عمر من أُمّ كلثوم ابنة عليّ(عليه السلام):
                وهذه المسألة أيضاً بُحثت بشكل مستفيض, وقد أفردنا عنواناً خاصاً لهذه المسألة تحت عنوان: (تزويج أُمّ كلثوم من عمر)، ومثلها مسألة تسمية أبناءه بأسماء الثلاثة؛ فقد أجبنا عنها تحت عنوان: (التسمية بأبي بكر وعمر وعثمان)؛ فراجع!
                ثامناً: وأيضاً بقية المسائل المثارة في هذه الرسالة بخصوص النصوص الواردة في (النهج) من قول الإمام عليّ(عليه السلام): (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان...)، وأمثاله، ممّا يحتجّ بها المخالفون في ردّ دعوى النصّ في الإمامة عند الشيعة؛ فقد بحثناها تحت عنوان (نهج البلاغة)، وأيضاً موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من أهل الشام، بل عموم محاربيه من أهل الجمل والنهروان.. مع العلم بأنّ الشيعة والسُنّة قد اتّفقوا على تخطئة محاربي عليّ(عليه السلام)، وأنّه لا خلاف في هذه المسألة في عقيدة الطائفتين.
                نعم, يختلف الشيعة عن السُنّة في هذا الموضوع بدعوى: تكفير محاربي عليّ(عليه السلام)، وقد استندوا في ذلك إلى حديث صحيح، بل متواتر، جاء فيه: قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حرب عليّ حربي، وسلمه سلمي)(40)..
                وحرب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب عليّ(عليه السلام) مثله؛ لأنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أراد التشبيه بينهما في الأحكام: أي حكم حربك حربي، وإلاّ فمحال أن يريد نفس حربك حربي؛ لأنّ المعلوم خلافه.
                تاسعاً: وثاقة رواة الأحاديث، مثل: زرارة بن أعين:
                وهذه المسألة أيضاً قد أفردنا لها بحثاً مستقلاً تحت عنوان: (علم الرجال)، في السؤال الخاص بزرارة بن أعين؛ فراجع ثمّة!
                ويمكنكم لمعرفة ضوابط الحديث عند الإمامية، وأيضاً ضوابط الجرح والتعديل عندهم، أن تراجعوا عنوان: (الحديث وعلومه)؛ إذ توجد هناك جملة من الأسئلة وأجوبتها في الموضوع المذكور، وكذا موضوع (كتاب الكافي).
                هذا ما تسنّى لنا بيانه بشأن الأسئلة المشار إليها في هذه المناظرة.
                ودمتم في رعاية الله
                (1) انظر: صحيح البخاري 8: 127 كتاب الأحكام، صحيح مسلم 6: 3 - 4 كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش، مسند أحمد 5: 86، 92، 93، 107 حديث جابر بن سمرة.
                (2) ينابيع المودّة 3: 292 الباب (77).
                (3) انظر: صحيح البخاري 3: 186 كتاب الوصايا، صحيح مسلم 5: 75 باب ترك الوصية لمن ليس له شيء.
                (4) انظر: المستدرك على الصحيحين 3: 139 كتاب معرفة الصحابة، وتصحيحه لهذه الرواية، وإقرار الذهبي بذلك في المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 349 الحديث (4729) كتاب معرفة الصحابة.
                (5) انظر: مسند أحمد 1: 331 مسند عبد الله بن عبّاس، المستدرك على الصحيحين 3: 134 كتاب معرفة الصحابة، من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 345 الحديث (3710)، مسند أبي داود: 360 عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، المعجم الكبير 12: 78 عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، الإصابة 4: 468 (5704)، البداية والنهاية 7: 381 شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
                (6) انظر: منهاج السُنّة 7: 391, 392 فصل: قال الرافضي: التاسع ما رواه الجمهور أنّه أمر الصحابة بأن يسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين, وراجع: تصحيح القراءة في نهج البلاغة: 136 الفصل الرابع، في ردّ مغالطة ابن تيمية المذكورة.
                (7) سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) أبواب المناقب، مناقب عليّ(عليه السلام).
                (8) تحفة الأحوذي 10: 146 أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام).
                (9) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 5: 262 الحديث (2223).
                (10) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 4: 344 الحديث (1750).
                (11) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 211 خطبة (231).
                (12) كنز العمّال 13: 114، 128، 133 الحديث (36371، 36408، 36419).
                (13) مسند أحمد 1: 111 مسند عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
                (14) تاريخ مدينة دمشق 42: 48 ترجمة الإمام عليّ.
                (15) قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: 277 الحديث (102).
                (16) سير أعلام النبلاء 8: 335 ترجمة المطّلب بن زياد.
                (17) نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 194 الحديث (232).
                (18) كشف الخفاء 2: 274 الحديث (2519) حرف الميم.
                (19) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343 الحديث (1750).
                (20) معاني القرآن الكريم 2: 325 رقم (111) من سورة المائدة.
                (21) منهاج السُنّة 6: 24 كلام الرافضي على عمر.
                (22) تذكرة الخواص 1: 357 الباب الثالث.
                (23) سرّ العالمين: 40 المقالة الرابعة.
                (24) نسيم الرياض 4:277 القسم الثالث، الباب الثاني، فصل فيما وقع له(صلّى الله تعالى عليه وسلّم) في مرض موته.
                (25) النهاية في غريب الحديث 5: 246 في مادة (هجر).
                (26) تاريخ الطبري 2: 459 حديث السقيفة.
                (27) مقدّمة ابن خلدون 2ق2: 64 خبر السقيفة.
                (28) صحيح البخاري 4: 194 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
                (29) انظر: تاريخ بغداد 9: 81 (3119)، سير أعلام النبلاء للذهبي 8: 306 (81).
                (30) شرح نهج البلاغة 4: 63، 64، 69، 102 فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم عليّ.
                (31) انظر: صحيح مسلم 7: 11 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر.
                (32) مسند أحمد 6: 228 حديث عائشة.
                (33) إرواء الغليل 1: 178 الحديث (147) كتاب الطهارة، باب ما يوجب الغسل.
                (34) انظر: الإيجي في المواقف 3: 609، شرح المواقف 8: 356 الموقف السادس، المرصد الثاني، المرصد الرابع، وابن حجر في الصواعق المحرقة 1: 93 الباب الأوّل، الفصل الخامس، الشبهة السابعة، والحلبي في السيرة الحلبية 3: 488.
                (35) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 129، 183 مسند أنس بن مالك.
                (36) صحيح البخاري 5: 82 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.
                (37) صحيح البخاري 4: 42 كتاب الجهاد والسير، باب فرض الخمس.
                (38) صحيح البخاري 4: 210، 219 باب مناقب المهاجرين.
                (39) الفصل في الأهواء والملل والنحل 4: 94 الإمامة والمفاضلة.
                (40) راجع مصادره في كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة: 193 الفصل الخامس، و211، وانظر: مسند أحمد بن حنبل 2: 442 مسند أبي هريرة، سنن الترمذي 5: 36، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 297.




                السؤال: ولاية عليّ وأهل بيته(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
                أمّا ولاية عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بمعنى أنّه وليّ لله تعالى، فأهل السُنّة مجمعون عليها؛ إذ لا شكّ في ذلك؛ لأنّه من السابقين للإسلام الذين قال الله فيهم: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ )) (التوبة:100).
                وتكفي شهادة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) له في عدّة أحاديث، منها قوله: (أليس الله بأولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى قال: اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه, وعاد من عاداه)، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي، بأسانيد صحاح.
                وأمّا إن كانت ولايته بمعنى أحقّيته بوراثة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في مقام الدين والدنيا, أي: أنّه الأحقّ بالخلافة من أبي بكر وعمر, فهذا غير مسلّم! للإجماع على تفضيل أبي بكر وعمر عليه وأنّهما أحقّ بالخلافة، وكان هو نفسه(رض) معترفاً بهذا، لا ينازعهما فيه، وقد بايعهما بالخلافة. وفي تفضيل عثمان على عليّ خلاف بين أهل السُنّة, والأكثرون على تفضيل عثمان.
                أمّا الولاية له ولأولاده بالمعنى الذي يعتقده بعض أهل الزيغ، فهي مردودة؛ لأنّها بمعنى العصمة له وللأئمّة من ذرّيته, وأحقّيتهم بالولاية الدينية على المؤمنين, وقد وجد كثير من المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أفضل من بعضهم, ولأنّ أساس التفضيل في الإسلام ليس قائماً على النسب والقرابة من النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم), بل هو بالتقوى والإيمان: (( إنَّ أَكرَمَكم عندَ اللَّه أَتقَاكم إنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ )) (الحجرات:13).
                ومذهب أهل السُنّة والجماعة أنّه لا عصمة لأحد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وعصمتهم في ما يتعلّق بتبليغ الوحي, وهم معصومون عن كبائر الذنوب دون صغائرها, وأهل البيت داخلون تحت قول النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): (كلّ بني آدم خطّاء, وخير الخطّائين التوّابون)، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وحسّنه الألباني..
                وهم داخلون كذلك تحت الخطاب الإلهي للناس جميعاً، وذلك في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر(رضي الله عنه) وفيه: (يا عبادي! إنّكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).
                الجواب:

                في السؤال فقرات عديدة يمكن الإجابة عليها حسب نقاط:
                النقطة الأوّلى: معنى (عليّ ولي الله)، هو تولّي شؤون إدارة البلاد والعباد بأمر من الله سبحانه، وهو المعنى المستفاد من قوله تعالى: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55)، التي أجمع المفسّرون في نزولها بحقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه وهو في حال الركوع من صلاته(1).
                وأيضاً المستفاد من قول المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)(2)؛ إذ فسّر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المراد من كلمة (مولى) - وهي بمعنى: الأولى، وبقية المعاني مصاديق له - بأنّها: ولاية الأمر، وهو معنى قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قرينة لفظية دالّة على ذلك: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟) الدال على ولاية الأمر بكلّ وضوح، والتي أردفها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله المتقدّم: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).
                وقد فهم العرب الأقحاح الذين حضروا واقعة التنصيب هذه في غدير خمّ أنّه تنصيب للإمامة وقيادة الأُمّة من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                كما عبّر عن ذلك حسان بن ثابت شاعر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في نفس الواقعة، إذ أنشد قائلاً:
                يناديهم يوم الغدير نبيّهم ***** بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
                يقول فمن مولاكم ووليّكم؟ ***** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
                إلهك مولانا وأنت وليّنا ***** ولا تجدنّ منّا لأمرك عاصيا
                فقال له: قم يا عليّ؟ فإنّني ***** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
                فمن كنت مولاه فهذا وليّه ***** فكونوا له أتباع صدق مواليا
                هناك دعا اللّهمّ وال وليّه ***** وكن للذي عادى عليّاً معاديا(3)

                إلاّ أنّ السياسة وغلبة الآراء وتفرّق المصالح أخذا بالمسلمين يوم ذاك شرقاً وغرباً فتمخّض عن ذلك مؤتمر السقيفة بين المهاجرين والأنصار، الذي أدّى إلى تنصيب أبي بكر خليفة للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في عملية انتخابية جرى فيها من التهديد والوعيد بين الطرفين، ممّا لا يليق بالمسلمين اليوم ذكره، أو التطرّق إليه.
                وعلى سبيل المطالعة فقط انظر: ما ذكره الطبري عن هذه الحادثة في كتابه (تاريخ الطبري)(4).
                وأمّا قولك من أنّ أهل السُنّة مجمعون على ولاية عليّ(عليه السلام) بمعنى الولاية الذي تريده، فهم كما تعلم يثبتونه لغيره من أفاضل المسلمين أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل لو شئت الحقّ يثبتون الولاية بهذا المعنى الذي تريده لكلّ المسلمين. وعند ذلك، فما ميزة عليّ(عليه السلام) ليختصّه ويفرده رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير بهذه الولاية إذا كانت عامّة لجميع المسلمين؟!!
                ألا ترى نفسك وأنّك تزري بشخصية الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) (نعوذ بالله) عندما تنسب مثل هذا التصرّف له؟! وتجعل ذلك الموقف يوم الغدير تحت الشمس الحارقة لذلك الجمع، ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يرتقي أقتاب الإبل، ليقول قولاً متسالم عليه وثابت لجميع المسلمين!! تجعله سفاهة في سفاهة (نعوذ بالله) يعاب عليه أدنى الناس لو فعله!
                النقطة الثانية: كون الإجماع على تفضيل أبي بكر وعمر على عليّ(عليه السلام) وأنّهما أحقّ بالخلافة منه.
                الجواب: لا يوجد إجماع في مسألة التفضيل، وإنّما مستند هذه الأقوال هو بضع روايات فيها الكثير من التأمّل؛ فالمفاضلة الواردة في حقّ الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان) على عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تنسب إلى ابن عمر، كما هو الوارد في (صحيح البخاري)(5). وبملاحظة سن ابن عمر على عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكونه لم يبلغ الحلم بعد، يدرك أنّ عالمه هو عالم الصبيان! إذ لم يكن ابن عمر قد بلغ مبلغ الرجال لينقل حال المفاضلة هذه عندهم، كما هو واضح.
                والمفاضلة الواردة في حقّ الأربعة (أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ(عليه السلام))، فراويها جعدبة بن يحيى(6)، الذي يمكن العودة إلى ترجمته في (لسان الميزان)(7) لننظر مصداقية نقله هذا بعد القدح الوارد فيه هناك.
                وإن كان هناك بحث يجب القيام به في موضوع المفاضلة هذه، فالآيات والروايات صادحة بتفضيل عليّ(عليه السلام) على من سواه بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويمكن للمتتبع الحصيف أن يقرأ تفسير الآيات الكريمة التالية وأسباب نزولها ليجد موضع عليّ(عليه السلام) منها: آية المباهلة (61 من آل عمران)، آية التطهير (32 من الأحزاب)، آية المودّة (23 من الشورى)، آية الصلاة على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي يشترك فيها معه أهل بيته(عليهم السلام) (56 من الأحزاب)، آية الولاية، سورة الدهر.. وغيرها من الآيات الواردة في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وبيان منزلته ومكانته العالية.
                بل كفاه (عليه السلام) أن يكون حبّه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، ليكون قسيم النار والجنّة بجدارة؛ إذ المحبّون له سيكونون من المؤمنين ومن أهل الجنّة حتماً، والمبغضون له سيكونون من المنافقين ومن أهل النار حتماً؛ وذلك حسب الحديث الوارد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي رواه مسلم: عن عليّ(عليه السلام): (إنّه لعهد النبيّ الأُمّي إليَّ لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)(8).
                وروى الترمذي في سننه في مناقب عليّ بن أبي طالب: بسنده عن أنس بن مالك، قال: (كان عند النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طير. فقال: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير، فجاء عليّ فأكل معه)(9)؛ قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي): ((وأمّا الحاكم فأخرجه في المستدرك وصحّحه))(10).
                وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): ((وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصلٌ))(11).
                فأحبّ الخلق إلى الله هو أكثر الناس اتّباعاً لنبيه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو أهل طاعته سبحانه؛ قال تعالى: (( إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ )) (آل عمران:31).
                ومن هنا كانت طاعته(عليه السلام) طاعة لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني). أخرج هذا الحديث الحاكم في (المستدرك)، والذهبي (تلخيص المستدرك)، وصرّح كلّ منهما بصحّته على شرط الشيخين(12).
                والأفضل هو من تُطلق عليه كلمات، مثلاً: سيّد وإمام وقائد، كما في الحديث الوارد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أُوحي إليَّ في عليّ ثلاث: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين)(13).
                والأفضل هو مَن يكون خيرة الله من خلقه مع النبيّ المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة(عليها السلام): (يا فاطمة أما ترضين أنّ الله عزّ وجلّ أطّلع على أهل الأرض فاختار رجلين، أحدهما أبوك، والآخر بعلك)(14).
                أمّا كون أبو بكر وعمر أحقّ بالخلافة من عليّ(عليه السلام)، فهذا لا وجه له؛ إذ لم تكن الأحقيّة المدّعاة بتنصيب من الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثلاً، أو إجماع من الأُمّة (للخلاف الكبير الوارد في مؤتمر السقيفة كما أشرنا إليه سابقاً)، أو حتّى بامتيازات خاصّة تؤهّلهما لتولّي شؤون المسلمين دونه(عليه السلام)..
                فقد تواتر عن عمر بن الخطّاب قوله في أكثر من مورد ومورد: ((لولا عليّ لهلك عمر))(15). بل قال عمر في نفسه: ((كلّ الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال))(16).. وقد صرّح أبو بكر معترفاً بعجزه عن إدارة شؤون المسلمين بقوله: ((أقيلوني فلست بخيركم))(17). وصرّح عمر بن الخطّاب - وهو أوّل من اختار أبا بكر وبايعه على الخلافة ــ: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها))(18).
                وأخيراً، فما بالك تحتجّ علينا بما ورد في كتبكم، وأنت تعلم أنّ هذا ليس بحجّة في المناظرة! ألا ترى أنّا ما ذكرنا لك واحتججنا عليك إلاّ بما ورد في كتبكم ولم نأتِ بما في كتبنا ورواياتنا؟! وإلاّ فعندنا أنّهم: لا فضل لهم حتّى تأتي النوبة لمفاضلتهم مع عليّ(عليه السلام)!!
                وأمّا تفضيل عثمان على عليّ(عليه السلام)، فلا نعتقد أنّه يستحقّ الإجابة بعدما سمعت ما تقدّم!
                وأمّا ما ذكرت من عدم منازعته(عليه السلام) لهما، فلا نسلّم به، بل إنّه(عليه السلام) طالب بحقّه بأقصى ما تسمح به مصلحة الإسلام، وأنّه امتنع عن البيعة حتّى أُكره. وما ذكرته من كتبكم فلا حجّة فيه علينا مع أنّه ضعيف في نفسه.
                النقطة الثالثة: الولاية لعليّ(عليه السلام) وأولاده.
                الجواب: التولّي لعليّ(عليه السلام) وأولاده الأئمّة الأحد عشر(عليهم السلام) من بعده لم يكن وليد رأي، أو اجتهاد، أو دعوة للإرث التقليدي من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بفعل عامل القرابة والمصاهرة للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّما هذا الأمر وليد النصوص النبوية المعصومة التي دعت إلى ولاية عليّ(عليه السلام) وأهل بيته.
                فقد ورد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث الثقلين المتواتر المشهور: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً)(19).
                وواضح لمن له أدنى مسكة علم، أنّ التمسّك بالكتاب والعترة هو: الاتّباع والأخذ بهديهما، وهو معنى الولاية لهما.
                وقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتدِ بالأئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي)(20).
                وقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده؛ فإنّهم لن يخرجوكم باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة)(21)، وقول ابن حجر: أنّ في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي، وهو واهٍ(22)، مردود؛ لأنّ يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتّفاق، كما أنّه من رجال الصحيحين البخاري ومسلم، وعدّه أبو الفضل القيسراني وغيره ممّن احتجّ بهم الشيخان(23).
                وأمّا عصمة أهل البيت(عليهم السلام)، ففي حديث الثقلين دلالة واضحة عليها؛ إذ جعل الله سبحانه العصمة من الضلال بالتمسّك بالثقلين معاً، وغير المعصوم لا يهدي إلى الحقّ مطلقاً، كما قال تعالى: (( أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ )) (يونس:35).
                أمّا قولك: ((أنّ الولاية له ولأولاده بمعنى العصمة))، فهو خلط منك؛ لأنّ معنى الولاية شيء وهو خلافة الله في أرضه، والولاية في شؤون الدين والدنيا، ومعنى العصمة شيء آخر، وهو: العصمة من الخطأ والنسيان وكلّ منفّر للناس من أوّل حياته إلى آخرها.
                نعم، نحن نقول: لا بدّ للوليّ أن يكون معصوماً؛ إذ لو جاز عليه الخطأ لجاز للناس عدم اتّباعه فيه، فلا تكون له ولاية عليهم، وغيرها من الأدلّة مذكورة في محلّها، فالعصمة لازمة للولاية وليست بمعناها؛ فافهم!
                وأمّا قولك: ((كما يعتقد أهل الزيغ))، فأهل الزيغ من يزيغوا عن الدليل، فهلّم للدليل؟ وما نراك إلاّ تحتجّ بما لقنه لك من قبلك، وتبني دليلك على مبادئ وعقائد نحن لا نسلّمها لك، فكيف تحتجّ علينا بها؟! فاثبت ما تدّعيه أوّلاً، ثمّ احتجّ به!!
                ومثاله: قولك: ((قد وجد كثير من المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أفضل من بعضهم))، فأين دليلك عليه؟! بل راجع تراجمهم تجد أنّهم أفضل الناس، بل عندنا أنّهم: أفضل الخلق بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                ثمّ إنّك تقول: ((أنّ بعض الصحابة أفضل منهم))، لو سلّمنا، فانّه لا يلزم التناقض! لأنّه لو فرضنا أنّ هناك صحابياً أفضل من بعض الأئمّة(عليهم السلام)، ولكنه ليس أفضل من الوليّ في زمنه وهو عليّ(عليه السلام)، أو الحسن أو الحسين(عليهما السلام). ونحن على أقل الاحتمالات وتنزّلاً معك نثبت من خلال ما نقلتموه أنتم في تراجمهم أنّ كلّ واحد منهم كان أفضل الخلق في زمانه؛ فتأمّل!
                ثمّ متى ادّعى الشيعة أنّ أساس التفضيل القرابة والنسب؟!!
                نعم، إنّ القرابة منقبة وفضيلة، ولكن ليست هي المقوّم للولاية، وإنّما الولاية اختيار من الله ونصّ من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليهم، وكلّ إمام على الإمام الذي بعده، فما تقوله هو من فضول الكلام.
                ونحن إذا كنّا نتّبع ما يقوله أهل السُنّة في عقائدهم (ومثالاً له: ما تقوله في أنّ العصمة للأنبياء فقط في تبليغ الوحي)، لكنّا من أهل السُنّة ولسنا من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، والدليل من الكتاب والسُنّة بخصوص عقيدة العصمة بيننا وبينكم، وإن أردت فراجع كتبنا.
                وأمّا ما ذكرت من الحديثين بعد الغضّ عن البحث في السند، فإنّ فيهما قضية كلّية لا مانع من تخصيصها بدليل آخر عقلي أو نقلي، وإلاّ كيف ناقضت نفسك وأخرجت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) منهما؟!!
                فما تقول في الجواب نقوله بخصوص أئمّتنا(عليهم السلام).
                ودمتم في رعاية الله
                (1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم 4: 161 الحديث (6549، 6551) قوله تعالى: ((إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...))، تفسير الطبري 6: 390، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 212 الحديث (221)، وقد تقدّم تفصيل الكلام بهذا في عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع.
                (2) مقطع من حديث الغدير.
                (3) انظر: رسائل المرتضى 4: 131، خصائص الأئمّة للشريف الرضي: 42، وغيرها.
                (4) تاريخ الطبري 2: 443 السنة الحادي عشرة من الهجرة.
                (5) صحيح البخاري 4: 191 باب مناقب المهاجرين وفضلهم.
                (6) انظر: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 30: 346 ترجمة أبي بكر.
                (7) لسان الميزان لابن حجر 2: 105، 4: 183.
                (8) صحيح مسلم 1: 61 باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وانظر: سنن النسائي 8: 116 علامة المنافق.
                (9) سنن الترمذي 5: 300 مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
                (10) تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي 10: 153 مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وانظر: المستدرك على الصحيحين 3: 130.
                (11) تذكرة الحفّاظ 3: 1043 ترجمة الحاكم أبو عبد الله النيسابوري.
                (12) المستدرك على الصحيحين 3: 121.
                (13) رواه الحاكم في المستدرك 3: 138 وصرّح بصحّته على شرط الشيخين.
                (14) أخرجه الحاكم في المستدرك 3: 129 وصحّحه.
                (15) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 152، الاستيعاب لابن عبد البر 3: 1103، المواقف للإيجي 3: 627، تفسير السمعاني 5: 154، تفسير الرازي 21: 22، وغيرهم.
                (16) انظر: المبسوط للسرخسي 10: 153 كتاب الاستحسان، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 182 طرف من أخبار عمر.
                (17) انظر: الإمامة والسياسة 1: 20 كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 186 عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر.
                (18) المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي: 38 بدء بيعة أبي بكر، سنن النسائي 4: 272 الحديث (7151)، وانظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 26 كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا، وغيرها.
                (19) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 4: 355، وقد ذكرت مصادر الحديث ورواته وتصحيحه في هذه الموسوعة بعنوان: (حديث الثقلين)؛ فليراجع.
                (20) حلية الأولياء لأبي نعيم 1: 128 الحديث (267) ترجمة عليّ بن أبي طالب، كنز العمّال 12: 103 الحديث (34198)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 240 ترجمة الإمام عليّ.
                (21) انظر: المعجم الكبير للطبراني 5: 195، كنز العمّال 6: 155.
                (22) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 2: 485 (2872).
                (23) انظر: الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني 2: 565 (2195).






                يتبع


                تعليق


                • #9
                  تعليق على الجواب (1)
                  ((وقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، وهي جنّة الخلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوكم باب هدى، ولن يدخلوكم باب ضلالة)، وقول ابن حجر: أنّ في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي، وهو واهٍ، مردود؛ لأنّ يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتّفاق، كما أنّه من رجال الصحيحين البخاري ومسلم، وعدّه أبو الفضل القيسراني وغيره ممّن احتجّ بهم الشيخان)).
                  يقول الوهابيون: إنّ ذكر ابن حجر ليحيى بن يعلى المحاربي وهم منه، بل الوارد في السند هو يحيي بن يعلي الأسلمي، وهو ليس بثقة بالاتّفاق, وعليه فالحديث لا يصحّ.
                  فماذا تقولون يرحمكم الله؟
                  الجواب:

                  روى هذا الحديث الطبري في (المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين)، وفي سنده يحيى بن يعلى المحاربي، لا الأسلمي؛ قال: ((حدّثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: حدّثنا أحمد بن إشكاب، قال: حدّثنا يحيى بن يعلى المحاربي، عن عمّار بن رزيق الضبّي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن زياد بن مطرف، قال سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، قضباناً من قضبانها غرسها في جنّة الخلد، فليتولّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوهم من باب هدى، ولن يدخلوهم في باب ضلالة) ))(1).
                  وعلى فرض أنّ ما يقال صحيحاً، وأنّه قد وقع التصحيف في رواية الطبري في (المنتخب)، وأنّه يحيى بن يعلى الأسلمي؛ لا المحاربي، كما في (المعجم الكبير)(2)، ولكنّ الحاكم قد صحّح حديثاً قريباً من متنه بنفس السند وقع فيه الأسلمي، قال: ((حدّثنا بكر بن محمّد الصيرفي بمرو، ثنا إسحاق، ثنا القاسم بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، ثنا عمّار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن زياد بن مطرف، عن زيد بن أرقم(رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من يريد أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة)، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))(3).
                  وتعقّبه الذهبي بقوله: ((أنّى له الصحّة، والقاسم متروك، وشيخه ضعيف، واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب، وهو قول ابن الملقّن))(4).
                  ولكن القاسم توبع عليه في طرق أُخرى، فلم يبق إلاّ شيخه، وهو يحيى بن يعلى الأسلمي، ولكنك عرفت من تصحيح الحاكم أنّه يوثّقه، وأمّا تضعيف الآخرين له، فلكونه شيعيّ!(5)
                  ومع ذلك فإنّ الحديث المذكور روي بأسانيد مختلفة، وهناك روايات بمضامين قريبة من مضمون هذا الحديث، وقد جمعها ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، فقال:
                  ((أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، نا محمّد بن المظفّر، نا محمّد بن جعفر بن عبد الرحيم، نا أحمد بن محمّد بن يزيد بن سليمان، نا عبد الرحمن بن عمران بن أبي ليلى، أنا محمّد بن عمران، نا يعقوب بن موسى الهاشمي، عن ابن أبي روّاد، عن إسماعيل بن أُميّة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلماً، ويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي). هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجهولين.
                  أخبرنا أبو غالب بن البناء، أنا محمّد بن أحمد بن محمّد بن حسنون، نا محمّد بن إسماعيل بن العبّاس الورّاق - إملاء - نا أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرحمن، نا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبّي، نا أحمد بن حمّاد الهمداني، نا مختار التمّار، عن أبي حيان - يعني التيمي - عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من تولّى عليّاً فقد تولاّني، ومن تولاّني فقد تولّى الله عزّ وجلّ).
                  أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفّر، وأبو بكر محمّد بن الحسين، وأبو عبد الله البارع، وأبو غالب عبد الله بن أحمد بن بركة، ومحمّد بن أحمد بن الحسن بن قريس، قالوا: أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو الحسن الحربي، نا العبّاس - يعني ابن علي بن العبّاس - أنا الفضل المعروف بالنسائي، نا محمّد بن علي بن خلف العطار، نا أبو حذيفة، عن عبد الرحمن بن قبيصة، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليّ أقضى أُمّتي بكتاب الله فمن أحبّني فليحبّه؛ فإنّ العبد لا ينال ولايتي إلاّ بحبّ عليّ(عليه السلام)).
                  أخبرنا أبو سعد بن أبي صالح الكرماني، وأبو الحسن مكي بن أبي طالب الهمداني، قالا: أنا أبو بكر بن خلف، أنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدّثني محمّد بن مظفّر الحافظ، نا عبد الله بن محمّد بن غزوان، نا علي بن جابر، نا محمّد بن خالد بن عبد الله، نا محمّد بن فضيل، نا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا عبد الله أتاني ملك فقال: يا محمّد (( وَاسأَل مَن أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلنَا مِن دُونِ الرَّحمَنِ آلِهَةً يُعبَدُونَ )) (الزخرف:45) على ما بعثوا؟ قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب). قال الحاكم: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن فضيل، ولم نكتبه إلاّ عن ابن مظفّر، وهو عندنا حافظ ثقة مأمون.
                  أخبرنا أبو محمّد القاسم بن هبة الله بن عبد الله، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو طاهر إبراهيم بن محمّد بن عمر بن يحيى العلوي، أنا أبو المفضّل محمّد بن عبد الله الشيباني، حدّثني أحمد بن إسحاق بن العبّاس بن موسى بن جعفر العلوي بدبيل، نا الحسين بن محمّد بن بيان المدائني قاضي تفليس، حدّثني جدّي لأبي شريف بن سائق التفليسي، نا الفضل بن أبي قرّة التميمي، عن جابر الجعفي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن التي غرسها الله ربّي، فليتولّ عليّاً بعدي).
                  أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلّم، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن سليمان النصيبي، بها، نا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، نا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهوي، نا بشر بن مهران الفراء، أنا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت موتي، فليتمسّك بالقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده، وقال: كن - أو: كوني - وليتولّ عليّ بن أبي طالب بعدي).
                  أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، نا عبد العزيز بن أحمد الكتاني، لفظاً، نا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي كامل، نا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن إسحاق السراج - ببيت المقدس إملاء - حدّثني أبي، نا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، نا يحيى بن يعلى، عن عمّار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن عمّار بن مطرف، عن زيد بن أرقم، قال: قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت موتتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فإنّ ربّي غرز قضبانها بيده، فليتولّ عليّاً؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة).
                  أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن المسلم الرحبي، أنا خال أبي سعد الله بن صاعد، أنا مسدّد بن علي، نا إسماعيل بن القاسم، نا يحيى بن علي، نا أبو عبد الرحمن، نا أبي، عن السدّي، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أراد أن يتمسّك بالقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيمينه في جنّة الخلد، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).
                  أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الجنزرودي، أنا أبو الحسن علي بن أحمد الجيرفتي، أنا أبو أحمد حمزة بن محمّد بن العبّاس الدهقان، ببغداد، نا محمّد بن مندة بن أبي الهيثم الأصبهاني، نا محمّد بن بكير الحضرمي، نا عبد الله بن عمر البلخي، عن الفضل بن يحيى المكّي، عن السدّي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن أحبّ أن يتمسّك بقضيب من ياقوتة حمراء التي غرسه الله بيده في جنّة الفردوس الأعلى، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).
                  أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنا أبو محمّد الجوهري، أنا أبو الحسين بن المظفّر، نا محمّد بن محمّد بن سليمان، حدّثني محمّد بن أبي يعقوب الدينوري، نا أبو ميمون جعفر بن نصر، نا يزيد بن هارون الواسطي، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (من سرّه أن يتمسّك بقضيب الدرّ الذي غرسه الله في جنّة عدن، فليتمسّك بحبّ عليّ).
                  أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنّا أبو محمّد الجوهري، أنا محمّد بن العبّاس بن محمّد بن حيوية الخزّاز، نا الحسن بن علي بن زكريا، نا الحسن بن علي بن راشد، نا شريك عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطيب، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أحبّ أن يتمسّك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنّة عدن بيمينه، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب) ))(6).
                  ودمتم في رعاية الله
                  (1) المنتخب من ذيل المذيّل: 83 فيمن روى عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من همدان.
                  (2) المعجم الكبير للطبراني 5: 195 زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم.
                  (3) المستدرك على الصحيحين 3: 128 مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) ممّا لم يخرجاه.
                  (4) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 1397 الحديث (4700).
                  (5) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر 11: 266 (488).
                  (6) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 240 ترجمة الإمام عليّ.



                  تعليق على الجواب (2)
                  هل صحيح ما يقال ان علي بن ابي طالب عليه السلام افضل من الانبياء عدا النبي محمد افيدوني افادكم الله
                  مثلا يقولون عندما جاء الطلق لمريم العذراء في المسجد قالو لها الملائكة اخرجي انة مكان عباده حيث الامام علي انشقت لامة الكعبة وولد هناك
                  الجواب:

                  ملاك الافضلية وجود الصفات الكمالية من العلم والقدرة والشجاعة وغيرها بنحو افضل واكمل وأتم في الائمة الاطهار (عليهم السلام) وكونهم اكثر عبادة وخضوعاً وخشوعاً ومعرفة واخلاصاً لله تعالى وصدور الاعمال والطاعات والآثار والبركات والمعاجز والكرامات اكثر من غيرهم وليس ملاك الافضلية رؤية الملك وعدمها او نزول الوحي وعدمه
                  والثابت من الروايات الصحيحة أن مقام الإمامة أفضل من مقام النبوة والشاهد علي ذلك قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:19) وهذا المقام (الإمامة) أعطي لإبراهيم بعد أن كان نبياً رسولا من الأنبياء اولي العزم. وقد ورد في روايات العامة والخاصة أن الأنبياء خصوصاً النبي آدم (عليه السلام) كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بمحمد وأهل بيته (علي وفاطمة والحسن والحسين) (عليهم السلام) وهذه الروايات تدل على أن محمداً واهل بيته أفضل الخلق ولو كان هناك أفضل منهم لأمر الله تعالى أنبيائه بالتوسل به.
                  ورد في تفسير قوله تعالى (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ )) (البقرة:37) ان الكلمات كانت (اللهم بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين) وفي رواية (بحق محمد وآل محمد) كما ورد في تفسير قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا )) عن الصادق (عليه السلام) انه قال (هي الكلمات التي تلّقاها آدم حيث قال (يا رب بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين الا تبت علي) قلت فما يعني عز وجل بقوله (فاتمهن) قال يعني فاتمهن الى القائم (ع) اثني عشر اماماً تسعة من ولد الحسين(ع) )
                  فاذا كان ابراهيم وهو من اولي العزم يتوسل بمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) الى الله تعالى فيدل ذلك على افضيلتهم من الانبياء.
                  وفي روايات الشيعة وأهل السنة أن الله تعالى اطلع على الأرض فاختار محمداً (صلي الله عليه وآله) ثم اطلع ثانية فاختار علياً (عليه السلام) ثم اطلع ثالثة فاختار فاطمة (عليها السلام) وأولادها الأئمة (عليهم السلام) وهذا دليل على أفضلية محمد وآله على الخلق لأن الله تعالى يختار الأفضل.






                  السؤال: شبهات وردود حول الإمامة
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
                  بعد التحية والاجلال لمقامكم الرفيع, نرجو منكم التفضل بالرد على الشبهات التي اوردها علينا أحد الاخوان السنة, يدعي المنطقية والعقلانية والعلمية في ما يطرح, حيث عنون اطروحته كما يقول، مقدماً لشبهاته حول الامامة بما يلي :
                  *************************
                  عدم منطقية اعتقاد عكس الواقع الحادث ما لم يتأيد بدليل عقلي فطري سليم
                  وقصدي من عنواني: إنّنا كلّنا خلقنا ونعرف بأنّ العصر الذهبي للأُمّة الإسلامية هو عصر الرسول والعصور الأُولى من بعده، ودليل العصر الذهبي انتشار الإسلام للصين والهند ولأفريقيا ولأسبانيا ولتركيا، أمّا نحن الآن في عصر الانحطاط بدأنا نضيّع ما بنوه أجدادنا المسلمون.
                  بعبارة أُخرى: الواقع الحادث من قبل وقد مضى وانتهى تسلسل أربع خلفاء، هم الصديق، ثمّ الفاروق، ثمّ ذي النورين، ثمّ أسد الله المرتضى(رضي الله عنهم).
                  أمّا الدليل الشرعي من الكتاب والسُنّة: فلسنا بصدد مناقشة الأدلّة هنا؛ لأنّها تحتاج لمجلّدات، بل الفاهم عن الله تبارك وتعالى، والمحبّ لتصفية تأويل الأدلّة من الشوائب، وجب عليه مقارنة الأدلّة الشرعية بالأدلّة العلمية الفطرية السليمة المنطقية العقلية، المؤيّدة بالمسلّمات والبديهيات المتّفق عليها والموافقة لسنن الفطرة. ومن توجّه هذا التوجّه بدأ أوّل خطوة لنبذ التقليد الأعمى والتعصّب لفهم النص الضيق، والبدء بالتوسّع للانفتاح الذهني الديناميكي.
                  وهنا أطرح امتحانين (لمن أراد أن لا يكون مقلّداً أعمى في عقيدته من الإخوة الشيعة)، فإن نجح بإقناع نفسه بعكس ما سأطرح، فيكون إن شاء الله ليس مقلّداً أعمى، وإن لم يستطع أن يقنع ذاته بغير ما أطرح، فوجب عليه مراجعة نفسه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا):
                  الأُطروحة الأُولى:
                  هل صحيح أنّ هناك نصّاً من الله تبارك وتعالى ووصيّة من رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)؟
                  أخي الكريم، وفقاً للنصّ الإلهي والوصية النبوية اسأل نفسك هذه الأسئلة:
                  السؤال الأوّل: ما حكم من يخالف أمر الله الصريح ووصية نبيّه الواضحة؟
                  الجواب: مرتدّ، والعياذ بالله!
                  1- لا يعقل ترك الإمام عليّ لتنفيذ النصّ والوصية.
                  2- لا يعقل ارتداد عليّ بن أبي طالب والعياذ بالله لعدم تنفيذ النصّ والوصية.
                  3- لا يعقل ارتداد أكثر من 70 ألف تلميذ - على أقلّ تقدير- تتلمذوا على آخر أعظم معلّم للبشر محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ (مثال: يقال عن معلّم: أنّه فاشل، إذا فشل أغلب تلاميذه في أغلب صفوفه، وهذا معلوم بديهي، فما بال معلّم البشر وخاتم رسل الله، والمؤيّد بتلاميذ لينشروا آخر وخاتم رسالة - وقد نشروا -؟).
                  السؤال الثاني: ما حكم العارف بوجوب تنفيذ أمر الله ووصيّة نبيّه ويسكت عنها؟
                  الجواب: الحكم: منافق، والعياذ بالله!
                  1- لا يعقل نسبة النفاق لأمير المؤمنين أبداً.
                  2- لا يعقل لعليّ(عليه السلام) كتمان النصّ والوصية خوفاً؛ لأنّه الشجاع الصنديد المحارب، بل إنّه لمن أعلى الأمثلة على الشجاعة في التاريخ الإسلامي على مرّ العصور، ويعرف قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ )) (البقرة:159).
                  3- لا يعقل ممارسة التقيّة في أخطر أمر، ألا وهو: مخالفة النصّ والوصية، بل يضحّي عليّ بدمه وبنفسه بدلاً من ممارسة أشنع كذب ونفاق، يتبرّر بما يسمّونه: (التقية)، (ويعرف قوله تعالى: (( مَا لَكُم إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ )) (التوبة:38) ).
                  4- لا يعقل لعليّ(عليه السلام) أن يقول ويجهر بالقول بتبليغ النصّ والوصية للصحابة، ثمّ يقعد مكتوف الأيدي، ليسجّل له التاريخ أجبن موقف مقارنة بالمضحّين بأنفسهم في سبيل الله.. (ضحّى الحسين(عليه السلام) بدمه الطاهر الزكي لمجابهة الطغاة، فكيف بأباه! أيبخل بدمه لمجابهة مخالفي أمر الله ووصية رسوله؟).
                  السؤال الثالث: ما واجب المأمور بنص من الله وبوصية من رسوله؟
                  الجواب: الواجب الحتمي: التنفيذ الفوري.
                  1- لا يعقل أن يكون تنفيذ أمر الله قولاً بدون عمل.
                  2- لا يعقل للمعصوم، القدوة الأُولى للبشرية، ترك العمل بالنصّ أو الوصية، بل وجب عليه الإسراع بالتنفيذ، وخاصّة عندما يسمع أمر الله ووصيّة رسوله، (كما قال الله تعالى: (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم )) (آل عمران:133) )، فإن اقتصر القدوة على القول بدون العمل، فما بالنا نحن سنقتدي به ولن نفعل شيئاً؟
                  3- لا يعقل أن يكون عليّ بن أبي طالب أقلّ شجاعة لتنفيذ أمر الله ووصيّة رسوله من أبي بكر الصديق، الذي همّ لوحده ليقاتل المرتدّين ممّن منعوا الزكاة قبل أن يبايعه أحد ويناصره، أخبره عمر الفاروق بالتروّي وبصعوبة الموقف، وقال قولته الشهير: ((والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه))، ثمّ أقسم بالله ليقاتلنّهم وحيداً إن لم يسر معه أحد، وهذا موقف من منع فرض واحد من فروض الإسلام، فكيف بالذي خالف أمر الله ووصيّة رسوله، ألا يستحقّ المسؤول العالم بهذا النصّ والوصية، حتّى إن كان أهزل الناس، يقوم ويقف موقفاً مشابهاً لموقف الصديق رضي الله عنه؟
                  السؤال الرابع: هل التضحية والشجاعة تتطلّب المؤازرة بالحراس والآلاف من الجنود؟
                  الجواب: لا من الطبيعي.
                  بعبارة أُخرى: متى تظهر الشجاعة؟ الجواب: تظهر في حالة الضيق والوحدة؛ فأسمى درجات البطولة: التضحية بالنفس في سبيل الله.
                  1- التضحية بالنفس تتطلّب القتال.
                  2- لم يقاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من ارتدّ. (حدّ المرتدّ: يقاتل باتّفاق).
                  3- الوحدة وقلّة الأنصار لا تبرّر ترك العمل للأبطال والقدوة، (وإلاّ إن لم يقم مثله بالعمل والبطولة والتضحية ليكون قدوة، فمن سيقوم إذاً؟؟).
                  4- استحالة عدم قتال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) للمرتدّين ولو كان وحيداً، لأنّ الشجاعة والبطولة، كما قلنا، لا تبرز إلاّ في المحن، وهذا مسلّم به بديهي.
                  السؤال الخامس: هل كان هدف عليّ بن أبي طالب الحفاظ على وحدة المسلمين حقّاً وعدم شقّ صفوف الأُمّة آنذاك؟
                  الجواب: لا يمكن؛ لأسباب تخالف المنطق، ألا وهي:
                  1- تقول الشيعة الإمامية: إنّ الإمامة ركن وأصل، وجحودها يؤدّي للكفر، فأيّ تمزّق وشقّ صفوف وتدمير للإسلام أنكى من ضياع الدين؟ بل مصلحة إحقاق الحقّ وتثبيت أركان الدين فوق كلّ شيء. ولا وحدة للمسلمين بدون وحدة دينهم وصحّة وثبات عقيدتهم.
                  2- قاتَل عليّ(رضي الله عنه) معاوية بن أبي سفيان، والسبب كما هو مشهور ومعلوم لأنّ معاوية أراد كرسيّ الخلافة، فلا يعقل أن يقاتل عليّ(رضي الله عنه) معاوية لأجل كرسيّ الخلافة ويترك قتال من خالف أمر الله ووصية نبيّه؟
                  3- لا يمكن أن يكون حالة وجوب قتال أبي بكر تختلف عن حالة قتال معاوية، إن كان القصد كما يقال: (الحفاظ على وحدة المسلمين وعدم شقّ الصفوف)؛ لأنّ النتيجة في كلا الحالتين شقّ صف المسلمين ووحدة الصفّ، بل يستحيل ذلك؛ لأنّ ذلك ينسب لعليّ الجبن والعياذ بالله، لأنّ المترصّد من الخارج يرى أنّه لم يقاتل لعدم وجود الأعوان (كما تدّعي الشيعة)، وهناك قاتل بوجود الأعوان، والنتيجة: هناك جبن وهنا شجاعة، وهذا مستحيل؟
                  4- السبب الآخر في أنّ الحالتين متماثلتين في وجوب القتال، وبأنّه لو قاتل أبا بكر الصدّيق آنذاك، لكان ليس فيه شقّ وحدة المسلمين، بل ردّهم إلى عقيدتهم؛ لأنّ أبو بكر الصدّيق قاتل في أوّل خلافته المرتدّين ولم تنشق صفوف المسلمين، بل ثبّت قواعد الدين، وهذا ما كان واجب فعله على عليّ(رضي الله عنه)، وهذا ما يرد على من قال: بأنّه لم يرد شقّ صفوف المسلمين؛ لقرب العهد من موت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذلك العهد..
                  إذاً: هل يترك قتال من خالف النصّ والوصية، ويقاتل من نازعه الملك والخلافة؟ أين الأخلاق والشيم؟ أين الحكمة التي يتكلّم عنها؟ أين الإمام عليّ زوج بضعة رسول وحبيب ربّ العالمين من هذه الظنون بشخصيّته الفذّة...؟
                  السؤال السادس: هل يصحّ قياس أحوال الرسول على عليّ بن أبي طالب؟
                  الجواب: لا، للمعطيات التالية:
                  1- الرسول أمر بتبليغ رسالة، وأمّا عليّ فلا.
                  2- الرسول لم يؤمر بإكراه الناس على الدخول في الدين، أمّا المرتدّ فوجب قتاله، أي: يجب على عليّ(رضي الله عنه) قتال من ارتدّ؛ لمخالفتهم النصّ والوصية.. وسبب وجوب القتال:
                  أ- لأنّ الداخل في دين الإسلام لم يكره على الدخول في الأصل، لذا وجب عليه الالتزام بما اختاره طائعاً.
                  ب - عدم تشوية سمعة الدين، ولكي لا يظنّ الظّان بأنّهم لو لم يكرهوا على الدخول في الدين لما ارتدّوا.
                  ج - لكي لا يغري الذي في قلبه نفاق بالارتداد. ((إذا وجب على عليّ(عليه السلام) قتال من ارتدّ.. ولم يفعل طبعاً)).
                  3- الرسول أو النبيّ هم المجتبين من سائر البشر ليبلّغوا رسالة أو دعوة منزّلة عليهم بواسطة الوحي - جبريل(عليه السلام) - وعليّ(رضي الله عنه) لم يجتبيه الله كما تعلم الإمامية كرسول أو نبيّ؟ وسبب طرح هذا الفارق لنعلم أنّ ما أُمر به وكلّف به الرسول أو النبيّ لم يكلّف به أيّ بشر مهما علت درجته.
                  مثال: اجتباء آدم(عليه السلام)، قال تعالى: (( ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى )) (طه:122) ، واجتباء إبراهيم(عليه السلام)، فقال له تعالى: (( شَاكِراً لِأَنعُمِهِ اجتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ )) (النحل:121)، واجتباء ذي النون، لقوله تعالى: (( فَاجتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ )) (القلم:50)، واجتباء يوسف(عليه السلام)، لقول تعالى: (( وَكَذَلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ... )) (يوسف:6) الخ.
                  فهل هناك دليل جليّ جاءت به كلمة (اجتباء) مقرنة بأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)؟ لا طبعاً، ولا نحب أن ندخل في التأويلات والتفسيرات، بل نقول: جليّ، كما جاء في الآيات السابقات؟
                  4- النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم) سمّي: (المصطفى)؛ لأنّ الله تعالى اصطفاه من المجتبين الأخيار عنده، فكان أحبّ الخلق إلى الله تعالى، وأفضل الأنبياء(عليهم السلام).
                  هل يقع ما يقع على المصطفى مثل ما يقع على أمير المؤمنين(عليه السلام)؟
                  الرجاء لو كان هناك دليل بكلمة اصطفاء، أو مصطفى، على عليّ(رضي الله عنه)، فلتذكر كدليل جليّ، وإلاّ فلا نريد الدخول في معمعة التأويلات أيضاً.
                  السؤال السابع: هل المعصوم (عليّ بن أبي طالب على ادّعاء الشيعة لعصمته) كباقي الناس؟
                  الجواب: لا. وعليه:
                  1- بطل مقارنته بأيّ إنسان آخر غير معصوم، والمعصوم القدوة المثلى في التطبيق ولو على روحه، ولكن عليّ لم يقاتل، ولم يطبّق ذلك على نفسه، (فلا ندري ما الحقيقة! هل نفي العصمة، أم نفي أحقّية الإمامة؟).
                  2- لو كان إنسان عادي لربّما عذرناه في عدم المجابهة العملية بالسيف، أمّا أسد الله عليّ فلا عذر له على الإطلاق، وبغض النظر عن العصمة، هو أعظم رابع شخص عند أهل السُنّة والجماعة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهل يعقل لهذا العظيم الخنوع؟!! لا وربّ الكعبة.
                  السؤال الثامن: هل الفعل دالّ على الفاعل؟
                  الجواب: نعم. وعليه:
                  1- فعل أبو بكر الصديق في خلافته، والاستقرار والأمان ونشر الدين، يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم، والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته.
                  2- فعل الفاروق عمر في خلافته، وامتداد رقعة الإسلام، وكثرة الفتوحات، يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم، والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته.
                  3- فعل ذي النورين عثمان في خلافته، وامتداد رقعة الإسلام، وكثرة الفتوحات، يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم، والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته.
                  4- فعل عليّ(رضي الله عنه) في خلافته، وامتداد رقعة الإسلام، وكثرة الفتوحات، يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم، والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته.
                  5- فعل آخر خلفاء بني العبّاس وانحطاط الدولة وهجوم الأعداء عليها، يدلّ على الفعل المشين لهم.
                  6- فعل الحكّام الذين تولّوا أمر المسلمين بعد ذلك وحتّى يومنا، يدلّ على انفصالهم عن الدين وعدم تطبيقه، وبالتالي عدم كفاءتهم، وبالتالي الفعل دالّ على فاعله، والأثر دالّ على المؤثر، والفطر السليمة تقبل الواقع وترفض خلافه؟!
                  السؤال التاسع: هل هناك نصّ جليّ واضح كلّ الوضوح من القرآن ذكر فيه اسم عليّ بن أبي طالب؟
                  الجواب: لا. وعليه:
                  1- لا يوجد نصّ قال الله فيه تعالى على سبيل المثال: (عليّ خليفة رسول الله)، أو: (عليّ الوصيّ).
                  2- تعدّ الشيعة أمر تفضيل عليّ على أبي بكر وأحقّية إمامته من أعظم أُمور العقيدة بعد التوحيد، فهل هذا الأمر الجليل العظيم من أخطر أُمور العقيدة ترك ذكره في القرآن؟
                  لا يعقل هذا.. فذكر وجوب الجهاد ووجوب الصلاة.. الخ وذكر وجوب اختيار الإمام. نعم، ولكن هل ذكر أنّ ذلك الإمام (عليّ) صراحة؟ لا لم يذكر، ولسنا كما قدّمنا لتقديم الأدلّة القرآنية وتأويلها، فنحن مختلفون في التأويل، كما هو معلوم.
                  3- حتّى الآن لم يصلنا نصّ الوصية المزعومة من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ بن أبي طالب، أليس الأحرى أن تشتهر تلك الصحيفة إن كتبت، وإن لم تكتب، أيعقل أن تكون على تلك الدرجة من الخطورة ولا تكتب؟ بل أيعقل أن لا يقولها رسول الله صراحة أمام الملأ، ولا يدوّنها على أقل تقدير آل البيت؟ فإن دوّنوها، فأين هي؟!!
                  الأطروحة الثانية:
                  على افتراض وجود نصّ ووصية من رسول الله، فالسؤال المطروح: هل الأئمّة من آل البيت عندهم في الوصيّة أسماء اثني عشر إماماً، كما هو الآن في عقيدة الاثني عشرية؟
                  الجواب: قالت الشيعة، ولا تزال تقول: بنعم، وقدّموا بعض النصوص التي يستدلّون بها على أسمائهم بالتسلسل.
                  1- إنّ معرفة كلّ إمام بنص أنّ الإمام الذي سيليه سيكون اسمه كذا... فلِمَ اختلفت الشيعة في من سيكون الأئمّة، هل من نسل الحسن أم من نسل الحسين، ثمّ اختلفوا في زيد بن عليّ، واختلفوا في أولاد الإمام الصادق.. والأدلّة أكثر من أن تحصى على اختلاف الشيعة في من سيكون الإمام؟ فالدليل العقلي، إن وجد نص قاله رسول الله، كما تقول الشيعة، بتسلسل الأئمّة، لَما حدث الاختلاف أبداً، لوجود النصّ عليهم؟!!
                  2- لو كانوا، كما تقول الشيعة، هم بدرجة الأنبياء إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء، وأنّهم معصومون، وبأنّ من جحد إمامتهم كفر، لِمَ لَم يوجد أيّ اسم من أسمائهم في القرآن الكريم، وقد ذكر تعالى ممّن هم أدنى مرتبة منهم من الصدّيقية (مرتبة الصدّيقين، كما قال تعالى: (( مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) (النساء:69)، تأتي بعد مرتبة النبوّة)، فذكر اسم مريم بنت عمران مثلاً، وهي صدّيقة وليست نبيّة، وذكر أسماء بعض الملائكة وهم ليسوا بأنبياء؟ فلو فرضنا درجة الأئمّة أعلى من درجة الصدّيقين فلِم لَم نجد لأحدهم اسماً في القرآن؟
                  *************************
                  هذه الشبهات التي طرحها فنرجو التكرم بالرد المففحفم الشافي عليها ... وانتم أهل لذلك بعون الله .... دمتم مسددين وموفقين لكل خير في خدمة الاسلام والمسلمين .
                  الجواب:

                  يظهر من عنوان أطروحة صاحبنا أنّه يحصر الدليل الصحيح بكونه: عقلياً فطرياً سليماً، وهو إمّا غافل، أو يتغافل!
                  فالدليل: عقلي.. ونقلي، والعقلي: بديهي، ونظري.. والفطري من البديهي، إذا كان يقصده، وأمّا إذا قصد غيره، فلا علم لنا به.
                  وعليه فكلّ ما أورده في أطروحتيه لا يدخل تحت الفطري البديهي، بل تحت عنوان: المغالطة!! وهو عنوان كبير في المنطق لأُسلوب من أساليب الخطابة، وإن راعيناه وتنزّلنا حتّى لا (يزعل)، نقول: يدخل تحت النظري على فرض صحّته.
                  ثمّ، أوّلاً: إنّنا لم نخلق ونحن نعرف بأنّ العصر الذهبي... الخ، فإنّ مثل هذه المعلومات تدخل في التاريخ، وهو من العلوم الكسبية لا يأتي مع الطفل إلى الدنيا.
                  وثانياً: نعم، إنّ عصر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان من العصور الذهبية للإسلام، لا لأنّ رقعة الدولة الإسلامية كانت كبيرة، فهي في عهد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تتجاوز الجزيرة، ولكن لأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان على رأسها، يقطع دابر المفسدين والمنافقين، ويصحّح كلّ انحراف، ويطبّق العدالة والمثل العليا للإسلام.
                  وأمّا ما بعد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو أوّل الكلام! وهل خلافنا إلاّ في تقييم ذلك العصر ومن كان مع الحقّ فيه؟!
                  وإذا كان الميزان هو: اتّساع رقعة الدولة، فإنّ المسيحية كانت في ذلك الوقت - وما زالت - أوسع انتشاراً في أوربا، ولكانت الدولة الرومية المسيحية تمثّل أوج العصر الذهبي لديانة عيسى المسيح الحقّة، وهذا ما لا يقول به مسلم؛ فنحن نعتقد أنّ دين المسيح قد حُرّف عن مساره الصحيح.
                  بل لكان المسلمون اليوم في أزهى عصورهم الذهبية؛ لاتّساع رقعة بلادهم وكثرتهم، وهذا ما لا يقول به عاقل.
                  فنقول لهذا الأخ: إنّ معيارك غير صحيح، لا يقبل به العقل، ولا الموازين الإسلامية!
                  فما هو إلاّ تسويلات الشيطان ومغالطات الهوى؛ إذ أيّ معيار للكثرة والاتّساع في تعيّن الحقّ، وهذا القرآن يذمّ الكثرة؛ (( وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ )) (المؤمنون:70).
                  ثمّ لماذا هذا الحصر بعصر الخلفاء الأربعة؟ فإنّ الاتّساع كان مستمرّاً في زمن الدولة الأُموية والعبّاسية، وهل تقول بأنّه كان عصر الإسلام الذهبي أيضاً؟!!!
                  وأيضاً فإنّ في زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) انحسرت الفتوحات الإسلامية تقريباً؛ فقد شغله عنها خروج عائشة وطلحة والزبير عليه، وعصيان معاوية وانفراده بالشام، أو أنّه يعدّ صلح معاوية مع ملك الروم وإعطاؤه الجزية للدولة الرومية من الفتوحات؟!!!
                  وما نحن فيه من الانحطاط لو درسه المنصف، يراه ممّا ورّثه لنا الأوائل الذين تركوا عترة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن أوصاهم بهم بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما...)(1)، (الحديث).
                  فانظر لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما)!!! فلم يضلّ من يدّعي الإسلام الآن إلاّ بعد أن تركهم.
                  وأيضاً: إنّ العجب كلّ العجب أن يأتينا سلفي جديد يتشدّق بالعقل والمنطق بعد أن رموهما وراء ظهورهم!
                  فمتى كان القبول والتسليم لحكم العقل؟! أمِن قِبل ابن تيمية، أو من محمّد بن عبد الوهاب؟ فقد ملأتم الصحائف بالصراخ والزعيق بالتمسّك بما قاله السلف، فما عدا ممّا بدا؟!!
                  ثمّ، هل تُعَدُّ المجلّدات لاستخراج الأدلّة من الكتاب والسُنّة ثمناً غالياً للوصول إلى العقيدة الصحيحة المنجية من الهلكة يوم القيامة؟ أم هو لفّ ودوران وزوغ عن الحقّ.
                  ومتى كانت الشيعة تخاف من العقل؟ وهو شعارهم مع القرآن والسُنّة، وأحد أدلّتهم خلافاً لمن خالفهم ممّن اقتصروا على القرآن والسُنّة والإجماع كأدلّة.
                  والآن بعد أن تسدّ الأبواب أمامهم من خلال القرآن والسُنّة يدّعون العقل والمنطق، للإتيان بمغالطات يموهون بها على السذج!
                  ثمّ، من قال لك أنّا غير موافقين على دعم النقل بالعقل، أو بالعكس، وأنّنا رافضون لتقييم أدلّة النقل بعرضها على العقل، ألا تعرف أنّ الشيعة الإمامية هم من العقلية المعتقدين بالتحسين والتقبيح العقليين، وأنّ الدليل النقلي لا يكون حجّة عندهم حتّى يقرّه العقل؟! بل إنّهم يؤمنون بأنّه لم تثبت حجّية لولا العقل، خلافاً للأشاعرة والسلفية الذين لا يؤمنون بالتحسين والتقبيح العقليين.
                  فمِن توجّه توجّهك بدأ أوّل خطوة لخلط الأوراق، وتشويش الأفكار، وبثّ المغالطات، وإضلال الناس، وتمسّك بالتقليد، ورفع شعار التعصّب، وتبع هواه، وطرح أفكاره المسبّقة تحت برقع ما يدّعيه من الأدلّة الفطرية السليمة المنطقية العقلية.. إلى آخره من الألفاظ الفخمة، التي غايتها إيهام الناس بالعقلانية والتجرّد، والبعد عن مئات النصوص من القرآن والسُنّة.
                  فابتدعت لنا طريقة متحرّكة، يمكن بها ضرب أكبر النصوص القرآنية، فضلاً عن نصوص السُنّة والشريعة.
                  بما أنّك تفتح باب الامتحان وتريد أن لا يكون الشيعي هنا مقلّداً أعمى، فنحن أيضاً نوجّه الكلام إليك: نريدك أن لا تكون مقلّداً أعمى وترفض الأدلّة الدامغة والنصوص الصريحة، فإن استطعت أن تأتي بما يقنع خلاف ما نقول، فأنت لست مقلّداً أعمى، وإن لم تستطع فحاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك.
                  المغالطة الأُولى:
                  نحن هنا سنثبت الوصية التي تريد رفضها بمغالطاتك المتعدّدة على أنّها برهان الخلف، نثبتها لك بنصوص عدّة:
                  1- أخرج الطبري وغيره بسنده عن عليّ بن أبي طالب: (أنّه لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)، دعاني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال لي: يا عليّ...
                  إلى أن قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت (أي: عليّ بن أبي طالب): أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فأسمعوا له وأطيعوه)، وفي رواية أُخرى: (قال ذلك القول ثلاث مرّات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول: اجلس)(2).
                  2- روى أهل السير والتاريخ: ((أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلّف عليّ بن أبي طالب على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له، وتخفّفاً منه. فلمّا قال ذلك المنافقون، أخذ عليّ بن أبي طالب(سلام الله عليه) سلاحه، ثمّ خرج حتّى أتى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو نازل بالجرف، فقال: (يا نبيّ الله! زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني، وتخفّفت منّي)، فقال: (كذبوا، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟)، فرجع عليّ إلى المدينة، ومضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سفره))(3).
                  وأمّا دلالة الحديث، فيكفيك فيها أنّ كلمة (المنزلة) اسم جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم.
                  فيدلّ على أنّ كلّ مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون، فهو أيضاً ثابت لعليّ إلاّ ما استثناه، وهو: النبوّة، وقد كان هارون وزيراً لموسى على نبيّنا وعليهما الصلاة والسلام.
                  3- خطبة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في واقعة الغدير، وممّا ضمن ما جاء فيها:
                  أيّها الناس! إنّي أوشك أن أدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟
                  قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.
                  قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟
                  قالوا: بلى نشهد بذلك.
                  قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال: أيّها الناس: ألا تسمعون؟
                  قالوا: نعم.
                  قال: فإنّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين؟!
                  فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله؟
                  قال: الثقل الأكبر: كتاب الله، والآخر الأصغر: عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا علَيَّ الحوض، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا.
                  ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها حتّى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون، فقال: أيّها الناس! من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟
                  قالوا: الله ورسوله أعلم.
                  قال: إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم. فمن كنت مولاه فعليّ مولاه. يقولها ثلاث مرّات، ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب.
                  ثمّ لم يتفرّقوا حتّى نزل أمين وحي الله بقوله: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي... )) (المائدة:3).
                  فقال رسول الله: (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ بعدي)(4).
                  وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة من عصر الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يومنا هذا، وقد رواه من الصحابة (110) صحابي، ورواه من التابعين (84) تابعياً. وللمزيد يراجع عنوان (الغدير) في هذه الموسوعة، وكتاب الغدير للأميني.
                  ونقتصر على هذا المقدار من كثير يستدلّ به الشيعة على ثبوت الوصيّة.
                  وبعد أن أثبتنا الوصيّة، لا يبقى مجال لأيّ تمحّلات يدّعي صاحبها أنّها أدلّة عقلية سليمة على عدم وجودها، بل إنّ المنطق والعقل يقرّر بأن تردّ وترفض كلّ الشبهات والشكوك على عدم الوصيّة بعد القطع بوجودها.
                  ولكن مع ذلك نجيب على ما أورده من شبهات:
                  الجواب عن السؤال الأوّل من المغالطة:
                  1- الظاهر أنّك لم تفهم المراد من الوصيّة وظننت أنّها أمر بالتنفيذ متوجّه إلى عليّ(عليه السلام) دون بقيّة المسلمين! يا لضحالة الإدراك والفهم!!
                  أيّها الأخ: إنّ الوصيّة هي أن يوصي النبيّ الناس أن يطيعوا من بعده وصيّه بأمر من الله، فمن عصى فلا يضرّ الله وعليه ذنبه.
                  فهل يقال لوليّ عهد لملكٍ متوفّى إذا لم يطعه الناس ويولّوه: إنّك عاصٍ لولاية عهد أبيك الملك السابق، أم يقولون للناس: إنّكم عصيتم ولم تولّوا وليّ عهد الملك؟! يا سبحان الله!!! كيف ينقلب الفهم يا أتباع الهوى؟!!
                  2- نقول: إنّ من خالف وصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فعليه لعنة الله ومأواه جهنّم وبئس المصير، وهو كالمرتدّ منزلة عند الله، مدخول في إيمانه.. أمّا حكمه فيما لو لم يجهر بترك الإسلام أو الردّ على الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) صراحة، فهو كالمنافق يعامل معاملة المسلم.
                  3- أمّا الواجب على أمير المؤمنين(عليه السلام)، فهو: القيام بالأمر فيما لو سلّم له المسلمون مقاليدهم، وأمّا إذا غصبوا حقّه، فإنّه كان موصى بأن يطالب بحقّه إذا وجد عليهم أعواناً، وإلاّ فليصبر.
                  وبعبارة أُخرى: أنّ الواجب هو: تولّي أمر المسلمين وعدم ترك منصب الخلافة إذا كان مختاراً قادراً، وأمّا إذا كان مضطراً مجبوراً مغصوباً حقّه، فهو أوّل الكلام.
                  4- وبالتالي ليس أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الذي ترك أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى نحكم عليه بأنّه مرتدّ، بل من غصب حقّه وخالف أمر الله على لسان رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير هو المرتدّ، كائن من كان حتّى ولو كانوا ملايين. فليس هارون(عليه السلام) هو العاصي لأمر موسى(عليه السلام) حينما تركه قومه، بل السبعون ألفاً من اليهود هم العاصون.
                  والعجب منك أن تعقل ارتداد سبعين ألفاً من بني إسرائيل وعبادتهم العجل بعد أن تأخّر موسى(عليه السلام) عشرة أيام(5) - وإيّاك أن تكذّبه، فتخرج عن الدين وقد جاء به القرآن - ولا تعقل ارتداد سبعين ألف من المسلمين بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتركهم وصيّته دون تنفيذ، فأين الوفاة من الغياب عشرة أيام؟!
                  وأين عبادة العجل من عدم طاعته في تنصيب خليفته؟!
                  فلك أن تجري مغالطتك على هارون(عليه السلام) وتحكم بأنّه عصى موسى(عليه السلام)، فيكون مرتدّاً!!!
                  5- بل إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) سيكون عاصياً لو قاتلهم؛ لأنّه كان موصى بالصبر، ولم يُوصَ إلاّ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
                  6- وأخيراً حكمت بمثالك بخصوص المعلّم، بأنّ كلّ الأنبياء من آدم(عليه السلام) إلى محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاشلون! فها هي البشرية من لدن جدّهم آدم(عليه السلام) لحدّ الآن، أين تجد منزلة الدين فيها؟!!
                  ونعوذ بالله.. نعوذ بالله.. أنّك حكمت حسب مثالك على الله جلّ جلاله بالفشل والفوز للشيطان، فانظر هل يقال لمثلك: عاقل!!
                  ثمّ لو جعلت الخصوصية للخاتمية، فما بال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبر بخروج المهدي(عليه السلام) ليحقّق حلم الأنبياء؟!!
                  ثمّ نريد أن نردّ عليك ونلزمك بكلامك؛ فقد حكمت على كلّ من خالف أمر الله وأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالارتداد.. فهلاّ حكمت على مَن تركوا جيش أُسامة وعادوا إلى المدينة حتّى لعنهم الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك(6)؟!
                  وهلاّ حكمت على من ترك قتل ذي الخويصرة بذلك(7)؟!
                  وهلاّ حكمت على من آوى مروان بن الحكم بذلك(8)؟!
                  وهلاّ حكمت على من خرجت لقتال أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم تقعد في بيتها بذلك؟!
                  وهلاّ حكمت على من جعل الخلافة ملكاً، وجعل ابنه السكير وليّاً للعهد، وقتل أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من أمثال حجر بن عدي وأصحابه بذلك(9)؟!... الخ.
                  الجواب عن السؤال الثاني من المغالطة:
                  قد عرفت الجواب عنها ممّا سبق، فإنّ الوصية كانت متوجّهة إلى عامّة المسلمين بتنصيب عليّ(عليه السلام) خليفة،
                  ولكن ننبّه على أُمور:
                  1- المنافق هو من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، لا من سكت عن الحقّ مختاراً، فهو فاسق.
                  2- السكوت عن أمر الله ورسوله بإرادة واختيار ودون خوف يحكم عليه بالفسق، دون من أُجبر وأُكره، هذا لو سلّمنا أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) سكت ولم يطالب بحقّه.
                  3- ممّا قدّمنا سابقاً نعرف أنّ من سكت عن أمر الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم عامّة المسلمين وليس أمير المؤمنين(عليه السلام) وبعض أتباعه.
                  4- إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يسكت عن حقّه، وإنّما ذكّرهم بالوصيّة مرّات ومرّات، وهي ثابتة بالنصوص العديدة.
                  ولكن مع الأسف لا تريد الأدلّة النقلية، حتّى لا ترتدّ عليك شبهتك وتبقى في ضلالك.
                  5- وعليه فليس أمير المؤمنين(عليه السلام) هو المنافق، بل المنافق والفاسق غيره.
                  6- إنّ ما ذكرته من سكوت أمير المؤمنين(عليه السلام) خزعبلات!
                  نعم، أنّه لم يحارب بالسيف لفقدان الشروط؛ إذ لو دار الأمر بين الشجاعة والتهوّر، لا يكون اختيار التهوّر شجاعة.
                  ثمّ لماذا لم يقاتل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكّة؟! فما تقول هناك، نقوله هنا.
                  وأمير المؤمنين(عليه السلام) لم يتقّ في إظهار الوصيّة والمطالبة بحقّه إلاّ حينما وصل الأمر إلى سفك دمه، وغير ذلك فقد قام بكلّ الوسائل المتاحة للمطالبة بحقّه وإظهار أمر الله وعدم كتمانه.
                  وإنّما من كتمه، بل بدّله وكذّبه، هم: أبو بكر وعمر وعثمان وأصحابهم، الذين كتموا أمر الله بتنصيب عليّ(عليه السلام) خليفة للمسلمين، فهذه الآية التي ذكرتها عليك وعلى أسلافك.
                  7- ومثل عليّ(عليه السلام) مثل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دعا إلى الله سرّاً لسنين في مكّة إلى أن أمره الله بالعلانية، ولم يضحّ بدمه ونفسه في أوّل يوم، وذلك لأجل استخدام أفضل السبل لنجاح الدعوة، ولا يسمّى ذلك جبناً، وكان كلّه بأمر الله سبحانه وتعالى، وكذا أوصى لعليّ(عليه السلام) بما يفعل بعده.
                  8- ثمّ متى كذب أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الأمر، إلاّ ما تدّعونه أنتم، فأنتم المدّعي وأنتم الحكم؟! وهذه خطبته الشقشقية ماثلة.
                  9- ثمّ إنّ الحسين(عليه السلام) لم يحارب معاوية لسنين، فلا يقال له: لِم لَم تحارب؛ وقاتل وثار على يزيد عندما رأى أنّ الخطر على الإسلام لا يدفعه إلاّ دمه الزكي..
                  ولا يقال: إنّ عليّ(عليه السلام) بخل بدمه في وقت من الأوقات، فهو الذي قتل عمرو بن ودّ، ومرحب، وأصحاب الألوية في أُحُد، ورؤوس المشركين في بدر، وخاض الجمل وصفّين والنهروان، ثمّ قُتل في المحراب، فما أنت إلاّ جاهل.
                  وإليك بعض النصوص تدعم ما قلنا:
                  قال(عليه السلام): (لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم)(10).
                  وفي تاريخ اليعقوبي: ((واجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: اغدوا على هذا محلّقين الرؤوس، فلم يغدُ عليه إلاّ ثلاثة نفر))(11).
                  وقال(عليه السلام): (وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طُخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها المؤمن حتّى يلقى ربّه)(12).
                  وقال لمّا دعي لمبايعة أبي بكر: (أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟
                  ألستم زعمتم للأنصار: أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمّد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيّاً وميّتاً، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون)(13).
                  وقال في خطبة أُخرى: (فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم على الموت)(14).
                  الجواب عن السؤال الثالث من المغالطة:
                  1- المأمور بأمر ينفّذ حسب ما صدر إليه من الأمر، سواء كان فورياً أو تراخياً، فوقت التنفيذ يتحدّد في الأمر أيضاً وليس دائماً فورياً.
                  2- قد عرفنا أنّ الأمر كان متوجّهاً للأُمّة بتنصيب عليّ(عليه السلام) خليفة، فهي التي لم تنفّذ؛ ففي حديث الغدير يخاطب الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الناس بـ(يا أيّها الناس)، ثمّ قال من ضمنها: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).
                  3- انّك لا تفهم معنى المثل: (قول بلا عمل)، فإنّ العمل ينقسم إلى: عمل بدني، وعمل لفظي، وعمل قلبي، وعمل ذهني.
                  فمن يُسبّح لا يقال له: (قول بلا عمل)؛ فإنّ عمله لفظي، والعزم على الشيء يسمّى: عملاً قلبياً.. وهذا المثل يضرب لمن يترك العمل في أحد أنحائه المتقدّمة، ويكتفي بالادّعاء فقط، لا لمن طالب وأعلن وجاهر ورفض البيعة حتّى أُكره وأصحابه وهدّدوا بالقتل، فترك القتال مجبراً معذوراً لأمر أجلّ وأهمّ، وهو: حفظ الإسلام على مجمله وعمومه وإن وقع فيه انحراف، لئلا يذهب كلّه وترجع جاهلية.. ولذا فهو(عليه السلام) نفّذ الأمر حسب ما قدر عليه.
                  ثمّ أنت قد علمت سابقاً أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوصى عليّاً(عليه السلام) بما يفعل في كلّ أمر بعده، فهو اتّبع أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحذافيره ولم يتخلّف عنه، وإنّما تخلّف عن الأمر غيره.
                  4- إنّ تولّي الأمر والخلافة يكون بوجود أشخاص ينفّذون الأوامر ويطعيون، أمّا إذا لم يكن، فقد قيل: (لا أمر لمن لا يطاع)، وهذا لا ينتقص من منزلة الإمامة في شيء، كما أنّ بعض الأنبياء لم يؤمن بهم أحد، فيحشرون يوم القيامة وحدهم، فهل يضرّهم شيء من ذلك في نبوّتهم؟!!
                  ففي علل الشرائع: ((حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، قال: حدّثنا الهيثم بن عبد الله الرماني، قال: سألت عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)، فقلت له: يا بن رسول الله! أخبرني عن عليّ بن أبي طالب: لِم لَم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ جاهد في أيام ولايته؟
                  فقال: لأنّه اقتدى برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تركه جهاد المشركين بمكّة ثلاثَ عشرة سنة بعد النبوّة، وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلّة أعوانه عليهم.. وكذلك عليّ(عليه السلام)، ترك مجاهدة أعدائه؛ لقلّة أعوانه عليهم، فلمّا لم تبطل نبوّة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً، كذلك لم تبطل إمامة عليّ(عليه السلام) مع تركه الجهاد خمساً وعشرين سنة؛ إذ كانت العلّة المانعة لهما من الجهاد واحدة))(15).
                  5- إنّ ما ادّعي لأبي بكر دعوى تحتاج إلى دليل، ولا يكفي وجودها عند أصحاب وكتب المدّعي(16)، بل هناك روايات عند الطرف المقابل تظهر جبنه وخوفه وجزعه، وأمّا قتاله لمن منع الزكاة، كمالك بن النويرة على ما يدّعون، فهو لم يكن لمنع الزكاة؛ لأنّ مالك لم يمنعها، وإنّما قال: أُسلّمها لمستحقّها، وهو عليّ(عليه السلام)، فقتلوه من أجل ذلك، والقصّة مشهورة(17).
                  ثمّ من قال أنّ حكم من منع الزكاة القتل؟! نعم، القتل حكم من ارتدّ عن الإسلام وأظهر الكفر، لا حكم من أظهر الإسلام وأبطن الكفر ونافق، حتّى أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقتل المنافقين، والمعنيين لو كانوا يستطيعون لأظهروا الكفر قبل غيرهم، ولكنّهم أضمروه طمعاً وخوفاً.
                  6- يا سبحان الله! كأنّك تدّعي أنّ أمر الإمامة أعظم من الإيمان بالله وتوحيده، وإلاّ لاعترضت على موسى(عليه السلام) لأنّه لم يقاتل فرعون وهو يدّعي الربوبية، والكلام جار في أكثر الأنبياء!
                  وإن قلت: أنّ موسى كان مستضعفاً، فالقول قولنا في عليّ(عليه السلام) أيضاً، وهل تقول في موسى أنّه جبان؟!
                  وإنّما القول في ذلك، هو أنّ الأنبياء والأوصياء يتّبعون أوامر الله سبحانه وتعالى، وهم أعرف بموارد حكمه.
                  ومع ذلك، فالسؤال وارد على الذين تركوا العمل بالوصيّة، لا إلى عليّ(عليه السلام) الموصى إليه.
                  الجواب عن السؤال الرابع من المغالطة:
                  1- المصلحة مقدّمة على الشجاعة، وهناك فرق بين التهوّر والشجاعة، والمهم هو الغاية المتوخّاة من الإقدام، فإذا كانت الغاية في عدم الإقدام هي الأهم، فترك الإقدام، ولو على ترك حقّ مغتصب لينهبه الآخرون، هو الشجاعة والتضحية.
                  2- لماذا خرج رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من مكّة واختفى بالغار من قريش؟ ولماذا هرب موسى(عليه السلام) من مصر خائفاً يترقّب؟ نظنّك ستقول: أنّهما كانا جبانين (نعوذ بالله).
                  3- ومع ذلك فأمير المؤمنين(عليه السلام) لم يطلب إلاّ أربعين شخصاً يقاتل بهم لا غير.
                  4- من قال: أنّ التضحية بالنفس على خلاف أمر الله ومصلحة الإسلام جائزة؟
                  5- التفرّد وعدم الأنصار مجوز لعدم القتال، وإلاّ لوجب قتال كلّ الأنبياء وحدهم، ومنهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكّة، ولم يفعلوا!! ولا يقول مسلم: إنّهم جبناء، أو عصوا أمر الله، وإنّما ذلك لمصلحة عليا، وأمر من أُمور الله سبحانه وتعالى.
                  6- نعم، إنّ أحد موارد ظهور الشجاعة هو حصول المحن والصعوبات، ومنها موقف أمير المؤمنين(عليه السلام) في بدر وأُحد والخندق وخيبر وحنين وغيرها، إلاّ أن تقول: إنّها لم تكن من مواقف المحن، ودليلك على ذلك: هروب أبي بكر وعمر وعثمان في أُحد وحنين وخيبر، لأنّهم أشجع الشجعان!
                  الجواب عن السؤال الخامس من المغالطة:
                  1- الكفر بالله أعظم من الإمامة، ولم يقتل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنافقين، فهل يقتل أمير المؤمنين(عليه السلام) المنافقين في أمر الإمامة؟!
                  2- إنّك لا تفرّق بين الكفر بالمعنى العامّ والكفر بالمعنى الخاص، الذي يقابله الإسلام بالمعنى العام والإسلام بالمعنى الخاص الذي هو الإيمان، وإنّما يجب القتل على من يكفر بالمعنى العام.
                  3- بقاء الدين ممثلاً في ثلّة قليلة ثابتة على الصراط المستقيم، وهم الشيعة الإمامية، أفضل من ذهابه كلّه لو قاتل أمير المؤمنين(عليه السلام) حينذاك، فلولا مداراة أمير المؤمنين(عليه السلام) لَما بقي من أهل بيت الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحد يحفظ الدين ويردّ عنه كيد المبطلين، ليصل بعد (1400) سنة إلى هذه الثلّة الصالحة.
                  4- نعم، كان هدف عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الحفاظ على وحدة المسلمين، ولم يبدأ بقتال، والفرق واضح في قتاله معاوية؛ فإنّ معاوية كان قد شقّ وحدة المسلمين وانتهى الأمر، بعد أن حاول أمير المؤمنين(عليه السلام) الحفاظ عليها ما استطاع، وإلاّ هل برأيك أنّ الواجب على أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك الحين أن يترك معاوية ينفرد في جزء من دولة الإسلام بحجّة الحفاظ على وحدة المسلمين؟ وهل شقّ الصف إلاّ هذا؟! وهل سيبقى رادع أمام معاوية من ضمّ الأجزاء الأُخرى، كما فعل؟ أو يردعه شيء عن ادّعاء الخلافة، أو أنّه مع الحقّ، كما فعل؟ ثمّ هل تعتقد أنّ خروج عائشة وطلحة والزبير في البصرة كان وحدة للمسلمين أم ماذا؟ وما واجب خليفة المسلمين حيال ذلك؟
                  وهناك روايات عن هذا الموضوع سئل فيها الإمام(عليه السلام) نفسه، فأجاب عليها..
                  فقد روي عنه(عليه السلام): ((أنّه كان جالساً في بعض مجالسه بعد رجوعه من النهروان، فجرى الكلام حتّى قيل له: لِمَ لا حاربت أبا بكر وعمر كما حاربت طلحة والزبير ومعاوية؟
                  فقال عليّ(عليه السلام): إنّي كنت لم أزل مظلوماً مستأثراً علَيَّ حقّي.
                  فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين! لِمَ لـَم تضرب بسيفك ولم تطلب حقّك؟
                  فقال: يا أشعث! قد قلت قولاً، فاسمع الجواب وعِهِ، واستشعر الحجّة، إنّ لي أُسوة بستّة من الأنبياء(صلوات الله عليهم أجمعين):
                  أوّلهم: نوح(عليه السلام)، حيث قال ربِّ: (( أَنِّي مَغلُوبٌ فَانتَصِر )) (القمر:10) ، فإن قال قائل: إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ (يقصد نفسه عليه السلام) أعذر.
                  وثانيهم: لوط(عليه السلام)، حيث قال: (( لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ )) (هود:80)، فإن قال قائل: إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر. وإلاّ فالوصيّ أعذر.
                  وثالثهم إبراهيم خليل الله، حيث قال: (( وَأَعتَزِلُكُم وَمَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ )) (مريم:48)، فإن قال قائل: إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.
                  ورابعهم: موسى(عليه السلام)، حيث قال: (( فَفَرَرتُ مِنكُم لَمَّا خِفتُكُم )) (الشعراء:21)، فإن قال قائل: إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.




                  يتبع

                  تعليق


                  • #10
                    وخامسهم: أخوه هارون(عليه السلام)، حيث قال: يا (( ابنَ أُمَّ إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي وَكَادُوا يَقتُلُونَنِي )) (الأعراف:150)، فإن قال قائل: أنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.
                    وسادسهم: أخي محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيث ذهب إلى الغار ونوّمني على فراشه، فإن قال قائل: إنّه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر، وإلاّ فالوصيّ أعذر.
                    فقام إليه الناس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا أنّ القول قولك، ونحن المذنبون التائبون، وقد عذرك الله))(18).
                    5- إنّ الأنكى من ترك أمر الخلافة، هو ضياع التوحيد والنبوّة والرجوع جاهلية، كما كان هو عزم القوم لو استطاعوا!!
                    6- من قال: أنّ معاوية أراد كرسيّ الخلافة فقط؟! بل أراد محو الدين ومحقه؛ حسداً وبغياً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبني هاشم، وأفعال معاوية التي نقلها التاريخ شاهدة بذلك.
                    7- على قياسك، فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان جباناً، والعياذ بالله، لأنّه لم يقاتل المشركين وحده في مكّة، وقاتلهم في بدر عندما وجد الأعوان على ذلك!!
                    8- إنّ المرتدّين خارجون عن المسلمين، فلا يقال لقتالهم: شقّ لوحدة المسلمين، وإلاّ لو أدخلتهم في المسلمين لكان هناك شقّ لوحدة المسلمين رغم أنفك، والمنافق غير المرتدّ، والكفر بالمعنى العام غير الكفر بالمعنى الخاص، فحكمهما مختلف.
                    وأمّا عليّ(عليه السلام) فإنّه فلم يقاتل معاوية من أجل الملك؛ فإنّه كان ينظر للأمر من جهته على أنّه خلافة للمسلمين، وإلاّ فنحن ندّعي أنّ أبا بكر قاتل من أجل ملكه!!
                    نعم، إنّ معاوية قاتل من أجل الملك، فهذا واضح، ولكن أي ربط بين الطرفين حتّى تعدّى حكم أحدهما إلى الآخر؟! وهل هذا إلاّ شأن الأنبياء والأولياء مع الجبابرة.
                    9- إنّ أحد أسباب ارتداد المرتدّين، هو استبداد أبي بكر بالخلافة، والتاريخ حكم بيننا، فأبو بكر هو الذي شقّ وحدة المسلمين، فقابله المرتدّون بالمثل، ولم يَسمُ فوقهم إلاّ عليّاً(عليه السلام).
                    الجواب عن السؤال السادس من المغالطة:
                    1- لا يصحّ قياس الرسول والنبيّ على الوصي في أحكام الرسول والنبيّ الخاصّة، ويصحّ في الشامل لهما معاً، بل يكون في بعضها النبيّ أولى، كما مرّ عليك في الرواية السابقة عند جواب أمير المؤمنين(عليه السلام) لمن سأله عن علّة عدم قتاله غاصبي حقّه. وعليك أن تحدّد أوّلاً ما يجوز القياس فيه عمّا لا يجوز، وحديث (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)(19) يكفينا. فقولك بالقطع: (لا يصحّ) جهلٌ.
                    2- الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُمر بالتنزيل وعليّ(عليه السلام) أُمر بالتأويل، كما في الحديث(20)، مع أنّ هذا لا مدخلية له في الفرق بين الجواز وعدم الجواز.
                    3- وعليّ(عليه السلام) أيضاً لم يؤمر بإجبار الناس على الدخول في الدين، ولا على الدخول في أمر الإمامة والطاعة له، وقد عرفت الفرق بين المرتدّ والمنافق سابقاً، فلا نعيد.
                    وما ذكرته من أسباب لقتال المرتدّ لا دخل له في المقام، فلا نطيل بردّه ونقاشه، والرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يقتل المنافقين، وعليّ(عليه السلام) كذلك.
                    4- الأنبياء والرسُل مجتبون، نعم، وكذا الأوصياء، وإلاّ فهل لك أن تقول: أنّ الأنبياء عيّنوا الأوصياء من دون أمر الله؟!!
                    ثمّ ما معنى الاجتباء؟ نترك الإجابة إليك، ونسأل: إذا كان مجيء لفظة (الاجتباء) في القرآن مساوية للنبوّة، فهل من لم تأتِ بحقّه في القرآن لم يكن نبيّاً؟ وما حكم أكثر الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن؟ وهل يجب ذكر كلّ من اجتبي في القرآن؟
                    ثمّ أنّه تعالى اصطفى مريم وغيرها في القرآن، فهل تحكم بأنّها نبيّة؟!
                    نرجو الإجابة: بنعم أو لا، ولا نريد الدخول في معمعة المغالطات أيضاً!!
                    ونرجو أن تأتي بنصّ من القرآن جليّ على أنّ مريم نبيّة!!
                    ومن أساليب القرآن أن يذّكر بالسابقين ويذكر أسمائهم، ولم يذكر أي اسم للاحقين، وإنّما يذكرهم بصفاتهم وأعمالهم، ألا ترى أنّه لم يذكر اسم المهدي(عليه السلام) مع أنّه منصوص عليه عند جميع المسلمين بأنّه الذي سيحكم الأرض كلّها بعدل وسلام وأنّه سيحقّق الوعد الإلهي، مقابل لذكره ذي القرنين ونبيّ الله سليمان(عليه السلام). كما أنّه لم يذكر الدجّال مع أنّه ذكر فرعون وهامان.
                    5- إنّ لكلّ لفظة اجتباء في كلّ آية جئت بها معناها الخاص، يعرف ممّا تعلّق بها في الآية.
                    6- إنّ أحد معاني الاجتباء، هو: التفضيل والاختيار، وهو ليس مساوٍ للنبوّة.
                    نعم، النبوّة اختيار وتفضيل، وكذا الإمامة والوصاية، والاجتباء والاصطفاء أعمّ.
                    7- لا نعرف ما العلاقة بين الاجتباء وتحديد ما كلّف به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟!!
                    وعلى كلّ حال فهذا السؤال كلّه تخليط في تخليط لم يظهر وجه الربط بين فقراته!
                    الجواب عن السؤال السابع من المغالطة:
                    1- الظاهر أنّك لم تفهم معنى العصمة، فبعد أن سلّمت العصمة للإمام(عليه السلام) لا تستطيع أن تقول: لِم لَم يقاتل، وأنّ عدم قتاله مخالف للعصمة؛ إذ أنّ التسليم بالعصمة لا يترك مجالاً للسؤال عن أفعال المعصوم، فهي تعني: أنّ كلّ أفعاله مطابقة للصحّة وللأمر الشرعي، وأنّ قتاله في وقته صحيح، وعدم قتاله في وقته صحيح!!!
                    ثمّ إنّك قد قلت: أنّه بعد التسليم بالعصمة لا يكون للمعصوم مثل باقي الناس (من جهة العصمة طبعاً)، فكيف تقيس أفعاله بعد ذلك على أفعال الناس، أو تزنها بميزان نفسك، وأنت من باقي الناس؟!!
                    إنّا نعجب كيف ترتّب الأفكار في ذهنك، أو لعلّ هواك يغالط عقلك!! الله أعلم..
                    2- إنّ مقياس أفعال المعصوم هو: الحكم الشرعي والأمر الإلهي والمصلحة الإلهية، لا المصلحة التي تفهمها أنت، وإلاّ لكان اختيار الشريعة والأنبياء والأوصياء بيد أمثالك، أو لنقل بيد الناس لا الله سبحانه وتعالى العالم بالغيب وحقائق الأشياء.
                    3- قد عرفت في ما سبق أنّ قتال أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يكن حكماً ضرورياً بديهياً ثابتاً في الإسلام، كوجوب الصلاة مثلاً، حتّى تستطيع أن تخدش بالعصمة عندما يثبت عدم فعله، بل بالعكس نحن نستمدّ الحكم الشرعي بخصوص القتال من نفس فعل الإمام(عليه السلام)؛ لأنّه إمام ووصيّ ومشرّع ومعصوم، وإن أبيت إلاّ جعل حكم القتال الوجوب فائتنا بالدليل رجاءً، ولا نرضى بالاستحسان والقياس والرأي وما شابه ذلك، فدين الله لا يقاس بالعقول، وليس الحكم متروكاً لك ولا للناس!!! وقد بيّنا سابقاً أنّ عدم القتال لا ينفي ولا يسقط حقّ الإمامة, فسؤالك ليس في محلّه.
                    4- إنّك تبني مغالطاتك على فرضيات من أوّل مغالطة إلى النهاية! ألم تسمع المثل القائل: (العرش ثمّ النقش)، يا أخانا! أثبت أوّلاً وجوب القتال وصوابه، ثمّ اعذر أمير المؤمنين(عليه السلام)، أو لا تعذره، ولا تبني الأوهام الجديدة التي تدّعيها منطقية على أوهام قديمة مغروسة في قلبك يرعاها الهوى والتعصّب.
                    وأنت تقول: لو كان إنساناً عادياً لعذرناه، أي: هو ليس بإنسان عادي، ثمّ ترجع وتقيس أفعاله على أفعال الناس العاديين، بأن يجب أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا؛ لأنّه بنظرك أنّ الإنسان العادي يجب أن يفعل أو لا يفعل.
                    فقل لنا: هل تستطيع أن تصف عدم قتال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والدعوة بالسرّ في مكّة على أنّه خنوع، والعياذ بالله؟ فما تجيب هنا نجيب هناك!! وخذ مثلاً فعل موسى(عليه السلام)، أو أي نبيّ من الأنبياء أيّهم شئت، فما تقول؟
                    الجواب عن السؤال الثامن من المغالطة:
                    1- أيّها الأخ! نضرب لك مثال عساك أن تعي ما نقول.. فلو أنّ هناك مالكاً لشركة ناجحة فرضاً بأعمالها التجارية ومشاريعها، فهل يصحّح هذا النجاح ملكية صاحب الشركة لها حتّى لو كان غاصباً لها؟!!
                    لا ندري، متى تفهمون أنّ حقّ الإمامة لا تثبته الأفعال التي وقعت بعده، وإنّما هو حقّ إلهي، إثباته ونقضه بيد الله سبحانه وتعالى، ثمّ هل يصحّ نسبة النجاح التوسّعي والهندسي والتقني إلى مدير الشركة ولو كان جاهلاً وننسى المهندسين والعمّال المخلصين؟! فأين ذهب إيمان المسلمين واندفاعهم وإخلاصهم، وقوّة مبادئ الإسلام ومثله وعدله، التي كانت باقية حيّة بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل مدّة قصيرة؟!!
                    وقبل أن تعترض، نقول لك: ثبت بعشرات الأدلّة، وسنثبته مكرّراً في موضعه، جهل أبو بكر وعمر وعثمان بأبسط المسائل فضلاً عن كبيرها. نعم، لا ننكر فضيلة وقوّة ملكة المكر والخداع والقسوة وإدارة الدولة على خلاف المقياس الشرعي عندهم، فهذه الفضيلة يملكها كلّ الجبابرة من أوّل التاريخ لحدّ الآن.
                    2- ثمّ إنّك أخذت جانباً وتركت جوانب! فأين نسب النجاح على مستوى مُثل الإسلام ومبادئه التي ناضل من أجلها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه، أو على مستوى القرآن وتشريعاته والحديث وتفريعاته؟ إلاّ إذا حسبت منع تدوين الحديث من المنجزات!
                    وأين ذهبت حرمة المسلم ودمه وماله؟ إلاّ أن تحسب قتل مالك بن النويرة، ووطء زوجته(21)، من الحفاظ على حرمة المسلم!
                    وأين ذهب تأمير وتولية الثقة الأمين الكفوء؟ إلاّ أن تحسب تولية معاوية وبني أُميّة وأمثالهم من هذا الباب!
                    وغيرها، وغيرها.
                    وإن أصررت على الإنكار، فنقول لك: أوّلاً لنبحث هذه الوقائع ومثلها أضعاف، ثمّ نرجع إلى تسليم ما ادّعيت.
                    أم تريدنا أن نغمض أعيننا ثمّ نقفز كما تريد أن تقفز أنت.
                    وأيضاً، من قال: إنّ مقياس الأحقّية هو التوسّع وكثرة الفتوحات وقوّة الدولة بغض النظر عن مبادئ الإسلام؟! وإلاّ كانت أميركا الآن هي الأحقّ؛ لأنّها أقوى دولة وأكبر دولة، وكان رئيسها أحسن رئيس، وهذا ما لا يرضاه كلّ الناس فضلاً عن الأمريكيين أنفسهم.
                    3- كأنّك نسيت أيّها الأخ وأنت تقرّر هذه المغالطة أنّ أحد إشكالات أهل السُنّة على أمير المؤمنين(عليه السلام) هو: القتال الذي نشب بين المسلمين أنفسهم، وتقلّص حركة الفتوحات في زمنه حتّى سجّله المؤرّخون الأوربيون على أنّه لولا هذا التقلص بسبب فعل معاوية لما نجت أوربا، وقد صرّحت أنت آنفاً بأنّ وحدة المسلمين قد انشقّت في زمانه، وتأتي الآن لتقول: فعل عليّ(رضي الله عنه) في خلافته وامتداد رقعة الإسلام وكثرة الفتوحات يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته!!! ألم تقرأ التاريخ أم ماذا؟!
                    ونحن الشيعة الإمامية لا نقيس الخلافة بهذا المقياس، فلا يرد الإشكال علينا أصلاً.
                    ثمّ لا يوجد أي مؤرّخ ولا خبير سياسي، أو اجتماعي، أو أي باحث يصبّ كلّ اللوم في انحطاط الأُمّة على آخر خلفاء بني العبّاس، وإنّما يتدرجون في ذلك السابق فالسابق، وهذا ما نفعله نحن إلى أن نوصله إلى أوّل من غصب الخلافة وبنى هذا البنيان على الباطل، حتّى وصل أمر المسلمين بمرور الزمن إلى الوضع الراهن، وإلى هؤلاء الحكّام المتسلّطين علينا الآن.
                    ومع ذلك فواقع المسلمين الآن لا يعطي ضابطة عقلية على أنّ كلّ من يتولّى فهو غير كفوء، أو لا دين له، أو... أو...، وإنّما يقوّمون حسب أفعالهم وسلوكهم الشخصي، ومدى قربهم أو بعدهم عن الإسلام، ثمّ يحكم عليهم.
                    فربّما وجد هناك الحاكم الذي تنطبق عليه الموازين الشرعية، ولكنّه لا يستطيع أن يفعل شيئاً مقابل الانحطاط الشامل للمسلمين وقوّة أعدائهم الكثيرين.
                    فالذي نريد أن نقوله: أنّ انحطاط المسلمين، وإن كان يعطي مؤشّراً عامّاً لواقع حكّام المسلمين على مرّ التاريخ، ولكنّه ليس ضابطة عقلية لا تتخلّف، تُطبّق على كلّ شخص شخص منهم، فإذا أردنا الحكم على كلّ واحد منهم بمفرده يجب أن نقيس أفعاله على مبادئ الإسلام وأحكامه، ولا يستثنى من ذلك أبو بكر أو غيره، وهل هذا إلاّ ما نفعله نحن وأنتم، ونتكلّم فيه منذ مئات السنين ولحد الآن، فيهدي الله من يهدي ويضلّ من يضلّ.
                    وقاعدة: الأثر يدلّ على المؤثر فعلاً، تُطبّق في كلّ النواحي لا في ناحية دون أُخرى! فإذا رأينا في موضع أو في وقت فعلاً من شخص مخالف لحكم الله جعلناه كأثر يدلّ على ماهية ودين ذلك الشخص، أي فاعله!! وإذا جئت بالتأويل هنا جئنا بالتأويلات هناك، وإذا ادّعيت العقل والمنطق والفطرة السليمة، ادّعينا العقل والمنطق والفطرة السليمة والبديهية وحكم العقلاء وعرف الناس والقرآن والسُنّة والإجماع وسنن الله وأفعال الأنبياء، وما شئت فعدد!!
                    الجواب عن السؤال التاسع من المغالطة:
                    1- بدورنا نسأل: هل هناك نصّ جليّ من القرآن على عدد ركعات الصلاة، أو فروض الزكاة، أو أفعال الحجّ، مثلاً؟
                    الجواب: لا.
                    وعليه: يعدّ المسلمون الصلاة من أركان الدين، فهل هذا الأمر العظيم الجليل تُرك ذكره في القرآن؟ لا يعقل هذا!!
                    فماذا تجيب؟!
                    نعم، إنّك أجبت: بأنّه ذكر وجوب الصلاة ووجوب الجهاد... الخ؛ وأيضاً أقررت بذكر وجوب وجود إمام على الأُمّة، ووجوب وجود وصيّ لكلّ نبيّ، وأنّه سُنّة من سنن الله، ولم يذكر كما ادّعيت أنت (وجوب اختيار الإمام)، ولا تأتي بآية: (( وَأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم )) (الشورى:38) حتّى لا تقع في التأويلات التي ترفضها وأنت لا تدري، مع أنّها أيضاً غير دالّة على مطلوبك حتّى بالتأويل، وتفسيرها في محلّه.
                    والجواب عن السؤال هو: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفصّل لنا الأحكام من عدد ركعات الصلاة، وأفعال الحجّ، وغيرها، ومثله أيضاً يبيّن الإمام المختار من قبل الله سبحانه وتعالى لا من قبل الناس.
                    فالسؤال الأساسي بيننا منذ مئات السنين هو: هل عيّن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خليفة أو لا؟ ولا داعي لما ذكرته أوّلاً من أسئلة، وقد سبقك أسلافك إليها، وأجاب عنها أئمّتنا بجوابهم المفحم.
                    وإليك الجواب:
                    ورد في (الكافي): ((عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)؟
                    فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهم السلام).
                    فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام) في كتاب الله عزّ وجلّ؟
                    قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم، حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعاً، حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم ))، ونزلت في عليّ والحسن والحسين - فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): في عليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه...) ))(22) الحديث.
                    2- وأمّا سؤالك عن الوصيّة، فسؤال سخيف! ألم تقل نحن لا نريد الدخول في التأويل والنقل، والبقاء على حكم العقل الفطري فقط، وهل سؤالك إلاّ رجوع إلى النقل والتأويلات؟!
                    ثمّ ألم تقرأ كتب الشيعة الإمامية وأهل السُنّة حتّى تعرف أدلّة الشيعة على إثبات الوصيّة، وأدلّة أهل السُنّة على نفيها؟ ثمّ تقول: أين الوصيّة، ولِم لَم تُكتب؟!! كأنّك تريد أن نعيد لك تراث المسلمين كلّه منذ مئات السنين ولحدّ الآن.
                    أيّها الأخ! العاقل يطّلع أوّلاً على ما كتب، ثمّ يأتي بسؤال جديد، ولا يجعل نفسه كمغفّل ويسأل سؤالاً أجيب عليه آلاف المرّات، ثمّ يدّعي التعقّل.
                    نعم، نحن نقول: إنّ هناك وصيّة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) بالخلافة، وأنّها مشهورة، وأنّه قالها أمام الناس، في عدّة مرّات، وبأساليب مختلفة، وبنصوص حديثية وصلت إلينا، وتسمّى بأسماء معروفة، كحديث الغدير والدار، والمنزلة، وغيرها.
                    ثمّ لا نعرف الربط بين الصحيفة والوصيّة! فإنّ أحد أدلّة الوصيّة عندنا: صحيفة أراد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكتبها قبل وفاته لعموم المسلمين، فمنعه من ذلك عمر (الذي من المفروض أنّه في جيش أُسامة)، لمّا فطن لما ستحويه.
                    ثمّ أوصى بها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أهل بيته خاصّة، ونقلتها الشيعة في كتبهم.
                    فقولك: أين هي؟ ما هو إلاّ تغابي ليس إلاّ!!
                    وقولك: لِم لَم تكتب وهي على تلك الدرجة من الخطورة؟
                    فنقول لك: ما قيمتها؟ بعد أن يجتمع المنافقون وزعماء قريش الذين قرّروا غصب الخلافة على أنّها هذيان من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - والعياذ بالله ــ! وهل سوف يبقى دليل حيّ مجسّد على هذيان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) غيرها؟ وبالتالي جواز هذيانه بالقرآن! فبطلان النبوّة فذهاب الإسلام! وهل غير هذا ما يريده عمر؟
                    فتركها الإنسان الكامل المسدّد من الله أفضل الأنبياء والرسل، حفاظاً على الإسلام ولم يكتبها أمامهم ووصى بها أهل بيته خاصّة.
                    المغالطة الثانية:
                    وفي الأخير نسأل: إذا كان آدم(عليه السلام) قد بيّن أحكام الله لولده وعرّفهم وصيّه فلماذا اختلفوا بعده؟ وكذا نوح وإبراهيم وبقية الأنبياء(عليهم السلام).
                    وإذا كان موسى(عليه السلام) قد بشّر بعيسى(عليه السلام)، وكذا بخاتم الأنبياء(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبشّر عيسى(عليه السلام) بمحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلماذا اختلف بنو إسرائيل بعده ولم يؤمنوا لا بعيسى ولا بمحمّد؟ ولم يؤمن النصارى بمحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
                    وإذا كان قد بيّن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمسلمين أحكام الإسلام وعقائده؟ فلماذا اختلفوا بعده؟
                    وإذا كان قد بيّن (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم أحكام الوضوء، بل أكثر من ذلك، كان يمارسه أمامهم كلّ يوم، فلماذا اختلفوا فيه بعده؟
                    وهل كان السبب في كلّ ذلك سوى الهوى والدنيا والأنا والكفر والطغيان.
                    إنّا لو قلنا: إنّ المقياس للحقّ هو: ((عدم الاختلاف))، لَما ثبت عندنا أحقّية نبوّة من النبوات، ولا كان هناك داعٍ لأن ينصّب الله للبشر حجّة وعلم على الحقّ، من رسل وأنبياء وأوصياء، فلا معنى لذلك، إذ يتفّق الناس على شخص فيكون هو الحقّ، ونبيّ أو وصيّ، ويختلفوا على آخر فيكون هو الباطل وليس نبيّاً ولا وصيّاً.
                    ومن ذلك نقول: إنّ أمر الإمامة، كالنبوّة، ليس للناس فيه نصيب إلاّ الطاعة؛ بل يكفينا أنّه توجد ثلّة من الناس تبقى مؤمنة بالحقّ وإن قلّوا، وأنّ الحجّة على دين الله قائمة فيها، آمن بها من آمن، وكفر بها من كفر.
                    وأمّا لماذا لم يذكر أسماء الأئمّة(عليهم السلام) في القرآن، فقد أجبنا عليه آنفاً فلا نعيد، بل ذكر الإمامة ووجودها في كلّ أُمّة، وبقائها مستمرّة، وذكر صفات الأئمّة، وأنّ الله هو الذي يصطفيهم، وأوكل أمر بيانهم بأشخاصهم وأسمائهم إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                    وإلى هنا نعتذر عن قصر الجواب، وعدم دعمه بالنصوص من القرآن والسُنّة، فإنّها مباحث طويلة الذيل. ونعتذر عن عدم التفصيل بالنقض والإبرام وإيراد الاستلزامات، فإنّ كلّ كلمة من كلامه يرد عليها إشكال، ولكن الطريقة واحدة، وعليك أنت أن تُفَرّع وتحشد ما شئت من الفروع والإلزامات.
                    ودمتم في رعاية الله
                    (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17/ 26/ 59 مسند أبي سعيد الخدري، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، صحيح مسلم 7: 123 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عليّ، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148 كتاب معرفة الصحابة، وغيرها.
                    (2) مسند أحمد بن حنبل 1: 111 مسند علي بن أبي طالب، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 211 خطبة (238) الناصعة، تفسير ابن أبي حاتم 9: 282 الحديث(16015)، تفسير الثعلبي 7: 182، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 486 الحديث (514)، السيرة الحلبية 1: 461.
                    (3) مسند أحمد بن حنبل 1: 170، 173 و175 و177 و179 و182 و185 و230 مسند سعد بن أبي وقّاص، وكذا مسند عبد الله بن عبّاس وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، وغيرها، صحيح البخاري 6: 3 في غزوة تبوك، صحيح مسلم 7: 120، سنن ابن ماجة 1: 55 في فضائل أصحاب النبيّ، سنن الترمذي 5: 302 أبواب المناقب مناقب علي بن أبي طالب، فضائل الصحابة للنسائي: 13، 14، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 2: 337 كتاب التفسير سورة البراءة، وغيرها.
                    (4) انظر: كتاب الغدير للأميني 1: 10 واقعة الغدير.
                    (5) انظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 2: 380 كتاب التفسير سورة طه آية 85 - 97.
                    (6) انظر: الملل والنحل للشهرستاني 1: 33 المقدّمة الرابعة.
                    (7) انظر: مسند أبي يعلى 1: 90 الحديث (90) مسند أبي بكر، سنن الدارقطني 2: 41 الحديث (1738) كتاب العيدين، باب التشديد في ترك الصلاة، الأحكام لابن حزم 3: 368 الباب (12)، الإصابة 2: 341 (2452) رقم ترجمة ذي الثدية.
                    (8) انظر: أُسد الغابة 2: 35 ترجمة حكم، المعارف لابن قتيبة: 353، تاريخ اليعقوبي 2: 164.
                    (9) انظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 469 كتاب معرفة الصحابة، المصنّف للصنعاني 3: 542 كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد وغسله، المصنّف لابن أبي شيبة 7: 606 كتاب الجهاد باب (41)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 45: 499 ترجمة عمرو بن الحمق.
                    (10) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 47 خطبة (26).
                    (11) تاريخ اليعقوبي 2: 126 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
                    (12) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 151 خطبة (3).
                    (13) الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري (تح الشيري) 1: 28 - 29 إباية عليّ كرّم الله وجهه بيعة أبي بكر.
                    (14) نهج البلاغة (تح صالح): 68 خطبة (26).
                    (15) علل الشرائع للصدوق 1: 148 الباب (122).
                    (16) انظر: صحيح البخاري 8: 141 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة، صحيح مسلم 1: 38 كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس.
                    (17) انظر: أُسد الغابة 4: 296 ترجمة مالك، كتاب الفتوح لابن أعثم 1: 19، كنز العمّال 5: 619 الحديث (14091).
                    (18) الاحتجاج للطبرسي 1: 279 احتجاجه (عليه السلام) في الاعتذار من قعوده عن قتال من تأمّر عليه من الأوّلين.
                    (19) مسند أحمد بن حنبل 1: 170، 173 و175 و177 و179 و182 و185 مسند سعد بن أبي وقّاص، وكذا مسند عبد الله بن عبّاس وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، وغيرها، صحيح البخاري 4: 208 كتاب بدء الخلق باب مناقب المهاجرين وفضلهم، صحيح مسلم 7: 120 كتاب فضائل الصحابة، سنن ابن ماجة 1: 43 الحديث (115)، سنن الترمذي 5: 302 الحديث (3808)، وغيرها.
                    (20) مسند أحمد بن حنبل 3: 72 مسند أبي سعيد الخدري، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 123 كتاب معرفة الصحابة، السنن الكبرى للنسائي 5: 154 الحديث (8541) كتاب الخصائص، مسند أبي يعلى 2: 341 الحديث (112)، صحيح ابن حبّان 15: 385 كتاب إخباره (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وغيرها.
                    (21) انظر: أُسد الغابة 2: 95 ترجمة مالك، كتاب الفتوح لابن أعثم 1: 19.
                    (22) الكافي 1: 286 - 278 كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً.



                    السؤال: هل خالف الإمام عليّ(عليه السلام) أمر الله له بالخلافة
                    لديّ سؤال بخصوص خلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)..
                    معتقداتنا نحن الشيعة أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) منصّب من قبل الله سبحانه وتعالى، فكيف يوصي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام عليّ(عليه السلام) بأن يصبر في حال غصب الخلافة منه.
                    وهل تنفيذ الإمام عليّ(عليه السلام) لوصيّة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعدّ خلافاً للأمر الإلهي لا سامح الله..
                    ولو كان الردّ هو: قلّة الناصر، فهل الله يأمر الإمام عليّ(عليه السلام) بشيء لا يستطيع أن يؤدّيه - عزّ الله عن ذلك -.
                    أرجو منكم الإفادة والتوضيح.
                    الجواب:

                    إنّ النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام) أمر أنزله الله وأًمر رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتبليغه إلى الناس، فعلى الناس أن يقبلوه، وقد حدّد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للإمام منهجاً للعمل في حال مخالفة القوم له، وعدم قبول إمامته، وعهد عليه عهداً أن لا يخالفه، وهو: أن لا يريق من أجل تطبيق إمامته دماً، بل عليه إن قَبِل القوم بإمامته أن يسعى إلى العمل بها، وإن رفضوها دعاهم إليها بالشكل الذي لا يوصله إلى محاربة القوم وتشتيت جمع المسلمين..
                    فإمامته التي حباه الله بها وقبلها لم تتعطّل بسبب الإمام، بل بسبب عدم قبول القوم لها، والأمر الذي جاء من الله وأمر رسوله بتبليغه كان يكلّف الناس بقبول هذه الإمامة وعدم رفضها, وإن رفضها القوم، فإنّ للإمام منهجاً محدّداً أُمر أن لا يخالفه، وهو: عدم استعمال السيف من أجل تطبيق الإمامة، فصار سبب تعطيل الإمامة هؤلاء القوم وليس الإمام..
                    فكانت الإمامة التي نصّ عليها الله مورداً للاختبار, اختباراً للقوم في قبولها وعدم قبولها، وقد فشل القوم في ذلك, واختباراً للإمام في عدم استعمال قدرته وشجاعته في تطبيق تلك الإمامة، وقد نجح الإمام في ذلك نجاحاً لا نظير له في التاريخ، من شخص يستطيع الوصول إلى الزعامة، وهو أهل لها، فيتركها للمصلحة العامّة ولأمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                    وبعبارة أُخرى: إنّ ما ذكرتيه هو مغالطة يوردها المتحذلقين من الوهابية في هذا الزمان؛ ظنّاً منهم أنّها تدخل على من يقول بالنصّ على أمير المؤمنين(عليه السلام)، لكنّها لا تعدو أكثر من وهم.
                    وذلك لأنّ الإمامة، كالنبوّة، اصطفاء من الله سبحانه وتعالى, ولا يقال: إنّ الله أمر أنبياءه أن يكونوا أنبياء، وكذا لم يأمر الأئمّة بأن يكونوا أئمّة، بل هذا يسمّى: اصطفاء، لا أمر، كما أنّ النصّ على أوصياء الأنبياء لا يقال له: إنّ النبيّ يأمر فلان بأن يكون وصيّاً له، بل يختاره بإذن الله, وهذا جارٍ في العرف العام بأن يختار الملك ولي عهده، وهو واضح.
                    ثمّ إنّ الله بعد أن يصطفي ويختار أنبياءه وأوصياءهم، يأمرهم بالقيام بالدعوى وحفظ الشريعة، أي أنّ للأمر ناحيتين: الأُولى هي: الاصطفاء، الثانية: الأمر بالمنهج والسلوك والرسالة, وفي المقابل يأمر الناس بالطاعة وسلوك هذا المسلك والتشريع.
                    فتنصيب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً(عليه السلام) خليفة عن أمر الله لا يقال له: أنّه أمره بأن يكون خليفة.
                    نعم، جاء الأمر بتنصيبه في غدير خمّ من الله إلى رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا الأمر يدخل في ناحية الأمر بالمنهج. ومن المنهج الذي أمر به الوصيّ والخليفة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، هو: الصبر ومداراة القوم إذا لم يجد ناصراً.






                    السؤال: توهّم نقوض على جعل الإمامة من الله وردّها
                    لقد وجدت هذا في أحد المنتديات, فما ردّكم عليه؟
                    *************************
                    إذا فرضنا أنّ الإمامة نص عليها الله تعالى, ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فنجد الآتي:
                    1- أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) رفض أن يصبح خليفة بعد استشهاد عثمان بن عفّان.
                    2- أنّ عليّاً(رضي الله عنه) أصبح وزيراً في عهد أبي بكر الصدّيق, فهذا يخالف النصّ.
                    3- أصبح عليّاً(كرّم الله وجهه) والياً عند فتح المقدس والشام في عصر عمر.
                    فماذا يعني لك النصّ في الولاية؟! هل تعتقد بمن استطاع أن يخترق بصره عرش الرحمن (والعياذ بالله) والثرى في الأرض, أن يعجز أن يأخذ الولاية؟
                    فماذا يعني لك النصّ بالولاية؟! هل تعتقد بمن فتح خيبر بضربة سيفه, حتّى عجز جبريل(عليه السلام) أن يمسك يده, لكي لا يصل سيفه إلى سابع أرض.. بعاجز أن يأخذ الخلافة؟!
                    فماذا يعني لك النصّ بالولاية؟! هل تعتقد أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) بعاجز؟!.
                    *************************
                    الجواب:

                    إنّ ما ذكرت فيه عدّة تساؤلات, أو إن شئت فسمّها إشكالات:
                    أوّلها: وهو لماذا رفض عليّ(عليه السلام) الخلافة بعد مقتل عثمان؟
                    وهذا ما سنأتي إلى تفصيله.
                    ثانيها: أنّ عليّاً(عليه السلام) أصبح وزيراً في عهد أبي بكر.
                    وهذا كذب محض لا يسنده أي شاهد تاريخي ضعيف، فضلاً عن أن يكون صحيحاً.. فعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لم يصبح وزيراً في يوم من الأيام لأبي بكر، أو عمر، أو عثمان, وهذه افتراءات وتقوّلات جاءت من أتباع ابن تيمية.
                    ثالثها: أصبح عليّ(عليه السلام) والياً لبيت المقدس عند فتحها في عهد عمر.
                    وهذا من المضحكات.. فهو مثل سابقه دعوى لا دليل عليها, وزوبعة كلام يتشدّق بها أتباع ابن تيمية, بلا سند أو عمد, كشيخهم الذي كثرت ادّعاءاته بدون سند ولا دليل.
                    الرابعة: الربط بين فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وخصوص الشجاعة منها، وبين عدم أخذه للسلطة ومغالبته عليها.
                    وبتعبير آخر: الاتّكاء على نظرية الاستبعاد؛ فإنّ من كان في الشجاعة ما يذكر له(عليه السلام) في الفتوحات والحروب, كيف يُغلب؟! وكيف يؤخذ حقّه في السلطة؟!
                    وهذا الاعتراض متوقّف على فهم الإمامة في القرآن الكريم والسُنّة المطهرة, والتي بنى عليها المذهب الشيعي الاثني عشري أُسسه, والأخ صاحب هذا المقال باعتبار كونه يعيش ذهنياً في نظرية مدرسة الخلفاء التي صوّرت الإمامة مساوية للحكومة والسلطة, فلأجل ذلك يحتاج تفهيمه إلى شرح ما, وبيان للموضوع.
                    أمّا التساؤل الأوّل: وهو لماذا رفض عليّ(عليه السلام) الخلافة بعد مقتل عثمان؟
                    الجواب: إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً وسرنا مع الأحداث, نعرف السبب الذي دعا عليّ(عليه السلام) أن يرفض.
                    وإليك بيان موجز من ذلك:
                    الإمامة التي يطرحها القرآن الكريم والسُنّة النبوية والتي سار عليها المذهب الاثني عشري, تعني رئاسة عامّة على أُمور الدين والدنيا, أي: القيومية الكاملة من قبل شخص، وهو الذي يسمّى إمام على سائر المخلوقات, وهو المتصرّف لأُمورهم الدينية والدنيوية, أي: هو العارف بالأحكام والمبيّن لها, والذي يسوس الرعية, وهو الذي يحملها على ما يراه, قال الله تعالى مخاطباً إبراهيم(عليه السلام): (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124), وقال تعالى: (( ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا )) (فاطر:32), وقال سبحانه وتعالى: (( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ )) (الزخرف:28), وقال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55), إلى غيرها من الآيات الكثيرة الناطقة بالولاية والإمامة والخلافة الإلهية.
                    ومن الواضح أنّ هذه الخلافة لا تساوي الحكومة بالمفهوم الذي فسّرته مدرسة الخلفاء للإمامة, وذلك واضح في القرآن الكريم, إذ أنّه جعل إبراهيم إماماً مع أنّه لم يكن حاكماً ولم يستلم حكومة بعد, فالإمامة لو كانت بمعنى الحكومة التي نفهمها الآن لَما كان إبراهيم إماماً، مع أنّه إمام ولم يكن حاكماً, فمن ذلك نفهم أنّ الإمامة القرآنية تعني: السلطة الواقعية على الكائنات والتصرّف في شؤونها الدينية والدنيوية, وأنّ الحكومة السياسية هي وظيفة من وظائف الإمامة، وشعبة من شعبها, فالإمام فيه اقتضاء وقابلية الحكومة، وأنّ المفروض على الرعية تسليم الأمر إليه..
                    ولهذا يظهر الفرق واضحاً بين الإمامة العامّة (المطلقة)، التي هي جعل من الله ولا دخل للإنسان فيها, بل هي من مختصّات حكومة الذات الإلهية المقدّسة؛ فالله هو المعيّن للإمام لا غير, وبين السلطة والحكومة؛ فإنّها تعني: التصرّف بشؤون الناس السياسية، فتحتاج إلى بيعة ومناصر، وتحتاج إلى مؤازر, ولأجل ذلك أخذ الرسول الأكرم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) البيعة لعليّ(عليه السلام) يوم غدير خمّ؛ فإنّ سرّ أخذ البيعة هو ذلك.
                    هذا مفهوم الإمامة عندنا, وبه يتّضح الفرق بين مذهب الشيعة الاثني عشرية ومذهب مدرسة الخلفاء؛ فإنّهم فسّروا الإمامة بما يساوي الحكومة التي نعرفها بمعناها اليوم.
                    وأمّا مصداق الإمامة, وأنّ مَن هو الإمام؟ فهذا تحدّده السُنّة النبوية المطهّرة, والسُنّة النبوية بيّنت أنّ الإمام بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: عليّ بن أبي طالب(عليه السلام), كما في حديث الغدير المتواتر، والذي يقول فيه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).
                    وكذلك في أحاديث أُخرى كثيرة, تشير إلى ما لا ريب فيه ولا مناقشة تعتريه, ومنها: ما أخرجه الحاكم في (المستدرك) وصرّح بصحّته(1).. وكذلك صحّحه الذهبي المتعصّب(2), والحديث هو: ((قال ابن عبّاس: وقال له رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة).. وكذلك ذكره الترمذي في سننه(3)
                    وصرّح الشيخ ناصر الدين الألباني بصحّته في كتابه (صحيح سنن الترمذي)(4), وأيضاً صرّح بطرق عديدة للحديث في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(5).
                    وهذا الحديث يقصم ظهور القوم؛ إذ لا يمكنهم تأويله بالمحبّة أو النصرة؛ لأنّ معنى ذلك: أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يحبّ المؤمنين وينصرهم بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), ولو على نحو السالبة الجزئية, أي: بعض المؤمنين يحبّهم وينصرهم بعد الرسول لا في حياته.. وهذا يشهد القرآن والسُنّة والتاريخ بكذبه؛ لأنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) كان وما زال، منذ بعث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يوم استشهاده، ناصراً ومحبّاً للمؤمنين.
                    هذا عرض موجز لمفهوم الإمامة الكلّي وشخصها الجزئي يمهّد لنا الدخول في الموضوع.
                    فبعد اتّضاح معنى الإمامة, وأنّها تنصيب من الله سبحانه, وأنّ الإمام إمام, تسلّم السلطة أو لا, كما في حديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المعروف في حقّ الحسن والحسين(عليهما السلام)؛ إذ قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(6).
                    فعلى ذلك, يأتي سؤال: لماذا رفض الإمام عليّ(عليه السلام) بيعة القوم بعد وفاة عثمان, مع أنّه منصّب من الله, وأنّ الظرف تهيّأ للحكم والسيادة؟
                    الجواب: إذا رجعنا إلى الفترة التي أعقبت وفاة النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم), نعرف ذلك.. فبعد أن ظهر قوله سبحانه وتعالى للعيان واتّضح: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيئاً وَسَيَجزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )) (آل عمران:144), وانقلب الأمر على آل بيت النبيّ, وصدق قول النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما يرويه عليّ(عليه السلام) حينما قال: (قال لي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي)(7), فأخذها أبو بكر وابن الخطّاب من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) مدّعين الشورى، وأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يوصِ، في حين لم يحضر الشورى كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، كعليّ(عليه السلام)، والعبّاس، وطلحة، والزبير، وعمّار، وأبو ذرّ، وسلمان، والمقداد، وغيرهم؛ إذ لم يحضرها من المهاجرين إلاّ ثلاثة نفر، فأخذ الأمر وزُحزح عن عليّ(عليه السلام) إلى أبي بكر.
                    فصار الإمام(عليه السلام) بين أمرين: إمّا أن يقاتلهم على الخلافة، التي هو أحقّ بها, أو يصبر.
                    ومن المعلوم أنّ الدخول معهم في معركة لم يكن صالحاً للإسلام, بل يقضى عليه وتذهب أتعاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام) خلال السنين السالفة هباءً منثوراً؛ وذلك لكثرة المنافقين في المدينة وحولها، قال الله تعالى: (( وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعلَمُهُم... )) (التوبة:101), وقال تعالى: (( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ... )) (المنافقون:1), وقال تعالى: (( وَمِنَ الأَعرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) (التوبة:98).
                    إذاً، المبرّر لسكوت عليّ(عليه السلام) هو: وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي, وكانوا بكثرة, ويشكّلون قوّة لا يُستهان بها, وهم يتربّصون بالمسلمين الفلتات والزلاّت.
                    ولو نازع أمير المؤمنين(عليه السلام) القوم لكان في ذلك فرصة لهم لضرب المجتمع الإسلامي والإسلام, وإرجاع الناس إلى الجاهلية الأُولى.. فحفاظاً على ذلك، لم يدخل أمير المؤمنين(عليه السلام) مع القوم في نزاع, وصبر على خلافة الأوّل, وعلى خلافة الثاني.
                    أضف إلى ذلك أنّه لم يدخل معهم في وزارة أو إمرة, بل كان معتزلاً عنها, ومن يدّعي أنّه تولّى أمراً أو استوزر من قبل الخليفة, فهو كاذب لا مستند تاريخي له.
                    إلى أن وصل الأمر إلى الثالث, وبوصولها إليه ابتعد المسلمون كثيراً عن الخط الذي رسمه النبيّ(عليه السلام), ووضح شرخ الانحراف داخل المجتمع، بخلافه على زمن الأوّل والثاني, فإنّ الانحراف لم يكن بالمستوى الذي وصل إليه في خلافة عثمان؛ لأنّ عثمان بن عفّان ولّى بني عمّه على الأمصار وعزل الصحابة الأخيار, وولّى الطلقاء الذين هم من المنافقين والذين لم يُسلموا, بل استسلموا خوفاً على دمائهم, لا رغبة في الإيمان, فهؤلاء عندما ولاّهم عثمان عاثوا في الأرض الفساد, واستعبدوا العباد, وغيّروا السُنّة, وبدّلوا الشريعة..
                    فلذلك رفض أمير المؤمنين(عليه السلام) البيعة؛ لأنّه لو كانت الخلافة جاءته بعد عمر لكان هناك مجال واسع لإصلاح الانحراف الذي خلفه أبو بكر وعمر, فلذلك دخل الأمير(عليه السلام) في الشورى, الذين عيّنهم عمر, وأمّا بعد تولّي عثمان الخلافة فإنّ الانحراف وصل إلى أوجِه, بحيث لا ينفع معه إصلاح ولا تعديل, فلذلك رفض أمير المؤمنين(عليه السلام) البيعة، وقال لهم: افعلوا بها كما شئتم, فكما قدّمتم الأوّل والثاني والثالث علَيَّ فالآن لا حاجة لي بها قدّموها إلى غيري, واطلبوا لها غيري يسايرها مع هذا الانحراف؛ لأنّه إذا أخذها عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لا تستطيعون أن تسيروا حسب ما يريد، ولا تطيقوا تعاليمه التي هي تعاليم القرآن؛ لأنّه غرس بنو أُمّية في نفوسهم تعاليم الجاهلية وأبعدوهم عن تعاليم الإسلام, فلذلك لا يستطيعون مسايرة الإمام واتّباعه, وهذا ما عرفه الأمير(عليه السلام) من البداية، فلذلك قال لهم: (دعوني والتمسوا غيري)(8).
                    وإليك هذان النصّان التاريخيان، يوضّحان ما قلناه ويشهدان عليه:
                    1- روي عن ابن عبّاس أنّه قال: ((دخلت على عمر يوماً فقال لي: يا بن العبّاس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياءً.
                    قلت: من هو؟
                    فقال: هذا ابن عمّك ـ يعني عليّاً ـ..
                    قلت: وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين؟
                    قال: يرشّح نفسه بين الناس للخلافة.
                    قلت: وما يصنع بالترشيح, قد رشّحه لها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فصُرفت عنه.
                    قال: إنّه كان شابّاً حدثاً فاستصغرت العرب سنّه، وقد كمل الآن, ألم تعلم أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلاّ بعد الأربعين.
                    قلت: يا أمير المؤمنين, أمّا أهل الحجى والنهى، فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملاً منذ رفع الله منار الإسلام, ولكنّهم يعدّونه محروماً مجدوداً.
                    فقال: أما أنّه سيليها بعد هياط ومياط, ثمّ تزلّ فيها قدمه, ولا يقضى فيها أربه, ولتكونّن شاهداً ذلك يا عبد الله, ثمّ يتبيّن الصبح لذي عينين, وتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الذين صرفوها عنه بادئ بدء))(9).
                    فانظر إلى قوله: ((سيليها بعد هياط ومياط)), أي: تصله مضطربة قد نخر فيها الفساد نخراً, وانحرفت أشدّ الانحراف, فلا يستطيع أن يصنع فيها شيء, فلذلك ستلفظه لعدم طاقتها له!!
                    2- لمّا ضرب عمر بن الخطّاب، قال الإمام(عليه السلام) لقوم من بني هاشم: (إن أطيع فيكم قومكم من قريش لم تؤمّروا أبداً).
                    وقال للعبّاس: (عدل بالأمر عنّي يا عمّ - يقصد عمر بن الخطّاب ــ).
                    قال: وما علمك؟
                    قال: (قُرن بي عثمان, وقال عمر: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف, فسعد - يعني سعد بن أبي وقّاص - لا يخالف ابن عمّه - يعني عبد الرحمن - وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان, فيولّيهما أحدهم الآخر, فلو كان الآخران معي لم يغنيا شيئاً).
                    فقال العبّاس: لم أدفعك إلى شيء إلاّ رجعت إلَيَّ مستأخراً بما أكره, أشرت عليك عند مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن تسأله عن هذا الأمر فيمن هو؟ فأبيت, وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة، فأبيت, وقد أشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى اليوم أن ترفع نفسك عنها ولا تدخل معهم فيها, فأبيت, فاحفظ عنّي واحدة؛ كلّما عرض عليك القوم الأمر فقل: لا, إلاّ أن يولّوك, واعلم أنّ هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الأمر حتّى يقوم لك به غيرك, وأيم الله لا تناله إلاّ بشرّ لا ينفع معه خير.
                    فقال عليّ: (أما إنّي أعلم أنّهم سيولّون عثمان, وليحدثنّ البدع والإحداث، ولئن بقي لأذكّرنّك، وإن قتل أو مات ليتداولنّها بنو أُمّية بينهم, وإن كنت حيّاً لتجدنّي حيث تكرهون), ثمّ تمثل:
                    حلفت بربّ الراقصات عشية ***** غدون خفافاً يتبدون المحصّبا
                    ليجتلبنّ رهط ابن يعمر غدوة ***** نجيعاً بنو الشداخ ورداً مصلّباً(10)
                    فكلمة: ((والله لا تناله إلاّ بشرّ لا ينفع معه خير...))، و(تداول بني أُمّية لها), هو الذي يوضّح سرّ رفض الأمير(عليه السلام) للبيعة.
                    وأمّا التساؤل الرابع, وهو: الاستبعاد، وأنّ مع شجاعة الأمير(عليه السلام) المشهورة، كيف يستطيع القوم أن يغلبوه بها؟
                    فالجواب: اتّضح جلياً أمره, وأنّ المسألة لم تكن مسألة شجاعة وإظهار القوّة, وإنّما مسألة بقاء الشريعة وذهابها, فهناك، كما أسلفنا، المنافقون من الصحابة, وهناك المحيطين بالمدينة من الأعراب المنافقين والذين يتربّصون الدوائر بالمسلمين, ويتحيّنون الفرصة التي يرون ضعف المسلمين بها حتّى ينقضّوا عليهم ويرجعوهم إلى الجاهلية.
                    فهنا ليس حرب مع المشركين كي يبرز لها عليّ(عليه السلام)، كما برز في الحروب والغزوات, بل هنا انحراف في داخل المجتمع, وهنا أنفس مريضة في داخل المسلمين والمجتمع المدني, فيحتاج التعامل معه إلى حنكة وخبرة أكثر ممّا يحتاجه من إبراز العضلات والضرب بالصمصام, فلذلك لم يكن بدّاً لأمير المؤمنين(عليه السلام) إلاّ الصبر أمام هذا الانحراف والتنازل عن الحقّ ما دام في ذلك حفظ بيضة الإسلام, وبقاء كلمة لا إله إلاّ الله على رؤوس الأشهاد ولمدى الأجيال.
                    وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو ربيب البيت النبوي, والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ربيب ربّه؛ إذ الله الذي قام بتربيته وتأديبه, فعليّ(عليه السلام) ينتهي أدبه وتعليمه إلى الله سبحانه وتعالى, وحاشاه أن يجبن أو يضعف, لكن الظروف حكمته والمجتمع المنحرف خان به, فلذلك لم يكن له طريق غير الصبر، كما أشار إليه في خطبته الشقشقية: (فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا)(11).
                    فالمسألة تحتاج قبل الحكم عليها إلى تأمّل ودراسة, ولا يكفي الجلوس خلف المنضدة وقراءة كتاب أو كرّاس, ثمّ الحكم على وقائع تاريخية مرّ عليها أربعة عشر قرناً, فإنّ العاقل الباحث لا يفعل ذلك, بل التأمّل ودراسة الأحداث بموضوعية هو الحلّ الوحيد.
                    فهناك مجتمع فتي في أوّل نشأته وأوّل ظهوره بعد جاهلية عمياء طالت قروناً من الزمن, لم تتعمّق في نفوس أفراده أثار التغيير الذي أحدثه النبيّ الأكرم في أفكاره وسلوكيّاته، وهذا المجتمع الناشئ فيه الكثير من المنافقين والذين في قلوبهم مرض, ومن حوله من الأعداء الذين يتربصون به السوء, وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لا ترتضيه قريش والقبائل الحليفة لها؛ لأنّه ضرب خراطيمهم حتّى أسلموا, وهو الذي أذلّهم بعد عزّهم, وهو الذي قتل فرسانهم ورجالاتهم, ففي أنفسهم عليه الأحقاد, كما أشار عمر بن الخطّاب إلى ذلك في الحديث المتقدّم الذي نقلناه.
                    فعلى ذلك، لا مفرّ من ركوب أمرين لا ثالث لهما، إمّا أن يقاتل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) على حقّه الشرعي, وفي ذلك تحطيم للمجتمع الذي جهد النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بنائه طيلة 23 سنة؛ لأنّ المنافقين وممّن حول المدينة سيجدون في اضطراب أهل المدينة الفرصة لتحقيق أهدافهم التي يصبون إليها منذ سنين, وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى ذهاب الإسلام وذهاب الحقّ الشرعي العلوي معه.
                    وإمّا أن يصبر على الظلم, ويكون بذلك حقّق شيئاً وخسر شيئاً, حقّق بقاء الإسلام، وأغلق الباب أمام المنافقين للانقلاب على المجتمع الإسلامي, وخسر خلافته ومنصبه الإلهي الذي كان به يحمل الناس على طاعة الله.
                    فالطريق الثاني، وهو الصبر، أولى؛ لأنّ فيه بقاء الإسلام الذي نافح وكافح عليّ(عليه السلام) طيلة حياته في تشييد دعائمه وإقامة أركانه, خلافاً للطريق الأوّل وهو القيام والمطالبة بالحقّ؛ فإنّ في ذلك هدم الإسلام وفتح الباب للمنافقين وغيرهم لضرب المجتمع الإسلامي، وهذا ما يكون فيه الوبال على الإسلام والمسلمين, الذين منهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام), فلذلك قال(عليه السلام): (فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجا)، أي: الصبر على غصب الخلافة وتحمّل الظلم أرجح عقلياً, وأشدّ صواباً.
                    ودمتم في رعاية الله
                    (1) المستدرك على الصحيحين 3: 134 كتاب معرفة الصحابة، وانظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 331 عن عبد الله بن العبّاس، مسند أبي داود الطيالسي: 360، المعجم الكبير للطبراني 12: 78، وغيرها.
                    (2) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 344 الحديث (4710).
                    (3) سنن الترمذي 5: 296 الحديث (3796) أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام).
                    (4) صحيح سنن الترمذي 3: 521 الحديث (3712) أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام).
                    (5) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 261 الحديث (2223).
                    (6) انظر: دعائم الإسلام للقاضي النعمان 1: 37 كتاب الولاية، ذكر إيجاب الصلاة على محمّد وآل محمّد، علل الشرائع للصدوق 1: 211 الباب (159)، كفاية الأثر للخزّاز: 38 باب ما جاء عن أبي ذرّ الغفاري، سنن الترمذي 5: 656 (هذان ابناي).
                    (7) المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 142 كتاب معرفة الصحابة.
                    (8) نهج البلاغة 1: 181 الخطبة (92).
                    (9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 12: 80.
                    (10) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 191 - 192، وانظر: تاريخ الطبري 3: 294 أحداث سنة (23) قصّة الشورى, الكامل لابن الأثير 3: 67, العقد الفريد لابن عبد ربّه 5: 29, تاريخ المدينة المنورة للنميري 3: 925.
                    (11) نهج البلاغة 1: 31 خطبة (3).



                    يتبع

                    تعليق


                    • #11
                      تعليق على الجواب (1)
                      يا إخواني! أدلّتكم على الإمامة من القرآن أدلّة لا يفهمها الإنسان العادي؛ لأنّها وردت بصيغة الجمع، أو نزلت في نبيّ سابق، ولم ترد الإشارة بأي حال من الأحوال لأبي الشهداء عليّ(عليه السلام) ورضي الله عنه، فلا يوجد إنسان عاقل واحد يصدّق أنّ الإمام عليّ يؤدّي الزكاة حال الركوع في الصلاة؛ لأنّه(رضي الله عنه) من أخشع الناس لربّه في صلاته، ويلزم هذا انقطاعه(رضي الله عنه) للصلاة دون غيرها.
                      أمّا بخصوص آيات المنافقين، فهي واضحة جليّة أنّها نزلت في بعض الأعراب، وبعض أهل المدينة، وقد وضّحت من قبل أنّ حركة المنافقين ظهرت في المدينة؛ وذلك لأنّ الإسلام أصبح قوّياً، فلم يستطع البعض الوقوف ضدّه فتظاهروا بالإيمان وأبطنوا النفاق.
                      أمّا أن نعمّم الحكم ونخالف المنطق برمي الصحابة الأوائل بالنفاق، فهذا غير مقبول عقلاً، وهذا لأنّه لا يعقل أن يترك إنسان حياة الشرك المرفّهة في قريش والدخول في دين جديد مضطهد، بل وأتباعه ينالهم كلّ تنكيل!
                      ومن هذا يتّضح لمن يستخدم المنطق: أنّ أبو بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة الأوائل هم أسياد الإسلام, وعن استدلال البعض بسؤال عمر لحذيفة عن كون اسمه من أسماء المنافقين، فو الله هذا دليل قاطع على التقوى التي يتمتّع بها الفاروق(رضي الله عنه)؛ لأنّه لو كان منافقاً لما اهتم أن يسأل..
                      الجواب:

                      إنّ هذا الاستبعاد العقلي لا يقف أمام الأدلّة النقلية التي تثبت أن الذي تصدّق في حال الركوع هو عليّ(عليه السلام)، وأنّ الآية نزلت لتثبت هذا الموقف، وهو: أنّ الذي يستحقّ الولاية هو عليّ(عليه السلام). وقد أوضحنا أدلّة ذلك بصورة مفصّلة في موضوع: (آية الولاية).
                      وأمّا قولك: إنّ الآيات التي نزلت في القرآن والتي تشير إلى الإمامة لا يفهمها الإنسان العادي.
                      فنحن نقول: لقد فهم الصحابة أنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو الذي يستحقّ الولاية، ولو كان ذلك بمعونة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك نحن إذا لم نفهم المراد من الآية لا بدّ أن نرجع إلى السُنّة النبوية الشريفة التي توضّح المراد من الآية، لا أن نرفض الآية ولا نقبلها لأنّ عقولنا لا تقبل ذلك, ومتى كانت عقولنا مستقيمة لا تتأثّر بالأهواء حتّى تدرك ذلك؟!
                      وأمّا ردّك على الآيات التي ذكرت المنافقين، وأنّهم قلّة من أهل المدينة، فهو غير صحيح.. بل إنّ بعض وجوه الصحابة كانوا من المنافقين، حتّى أنّ عمر كان يستفسر من حذيفة الذي كان يعرف أسماء المنافقين هل أنّه منهم أم لا؟!
                      وإنّ حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أنّ الصحابة سوف ترتدّ معناه الحكم عليهم بالنفاق، ذلك أنّهم بقوا يظهرون الإسلام، لكن الرسول يتكلّم عن سريرتهم، فحكم عليهم بالارتداد, وهل النفاق إلاّ أن يكون الباطن أسوأ من الظاهر؟ وهؤلاء كانوا هم الكثرة الكاثرة؛ إذ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ارتدوا على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم)(1)، وهو نص صريح بأنّ المنافقين أكثر، ولا يستزلك الشيطان وتكذّب الحديث، فتردّ على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)!
                      ودمتم في رعاية الله
                      (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 235 عن عبد الله بن العبّاس، 3: 28 عن أبي سعيد الخدري، صحيح البخاري 5: 192 كتاب التفسير، صحيح مسلم 1: 150 كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة، سنن ابن ماجة 2: 1016 الحديث (3057) كتاب المناسك، باب (76)، سنن الترمذي 4: 38 أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر، وغيرها.


                      تعليق على الجواب (2)
                      توجد شبهة لحديث: (أنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي ومؤمنة)، وهي: أنّ (من بعدي) ليس من الضرورة أن تكون بعدية بلحاظ الزمان، أي: لماذا تفرضونها بمعنى: بعد رحيل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقد يكون المعنى: أنت ناصر ومحبّ لكلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي بلحاظ الرتبة، أي: أنا ناصر ومحبّ للمؤمنين بالدرجة الأُولى، ثمّ أنت..
                      وفي هذه الحالة لا يترتّب على الحديث الالتزام بالولاية التي عند رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، وأيضاً لا ينتج عنه منزلة الإمامة الإلهية وأنّها نصّ.
                      وإثبات الشيء لا ينفي ما عداه؛ فبقية المؤمنين أولياء بعضهم البعض، وهذا الحديث جاء لرفع ودفع ما قاله أحد الصحابة حينما رأى الإمام أخذ من الخمس وظنّ أنّه أساء بذلك، فأخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأزال ما علق في الأذهان، وكما قلت: إنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، وإنّما غاية ما يمكن قوله: أنّها فضيلة للإمام عليّ(عليه السلام)، لا أنّ فيها النصّ الصريح بإمامته وأولويته على المؤمنين من أنفسهم..
                      وتمادى بالقول أنّ هذه الروايات والفضائل التي تروى في حقّ الإمام عليّ غاية ما يمكن القول فيها: أنّ فيها بيان أنّ هذه الشخصية جيّدة وصالحة ومرشّحة للقيادة والزعامة من بين قيادات أُخرى، أشاد بها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كسلمان وأبو ذرّ وغيرهم من كبار الصحابة الأفاضل، وليس فيها تنصيص وإخبار من الله بولايته وخلافته الإلهية على الناس، وأنّه يجب الاعتقاد بذلك بعد رحيل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                      الجواب:

                      في جواب الشبهة الأُولى نقول:
                      لأنّ المعنى الذي نقوله هو الظاهر، فإنّ البعدية تستعمل في كلام العرب للزمان وخلاف ذلك يحتاج إلى قرينة، فما نقوله من معنى هو المتعيّن.. وأمّا ما ذكر من تأويل للحديث فهو بعيد، ولا يمكن المصير إليه إلاّ مع القرينة؛ لأنّه خلاف الظاهر، ولا يصحّ المعنى المذكور إلاّ إذا كانت هناك صيغة تفضيل حتّى يكون عليّ(عليه السلام) بالرتبة الثانية بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاستعماله في معنى البعدية في الرتبة دون صيغة التفضيل خطأ، ولا يمكن الأخذ به.
                      ثمّ إنّ الأحاديث التي تضمّنت هذا النصّ (أي: البعدية) فيها قرينة على المعنى الذي نذكره للوليّ، وهو: كونه الحاكم بعده، فمثلاً: بعد أن يستخلفه على المدينة في غزوة تبوك يقول له: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي)، ثمّ يقول له: (إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي)(1)، فالبعدية هنا من خلال ملاحظة الزمان المذكورة في: (ليسَ بعدي نبيّ)، وكذلك: (أذهب وأنت خليفتي)، لا بدّ أن تكون زمانية، والذي يقول خلاف ذلك ما هو إلاّ مكابر!
                      وأمّا جواب الشبهة الثانية: من أنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، فإنّه بعد أن ثبت أنّ المراد بالبعدية هي: البعدية الزمانية، ثبت الاختصاص؛ إذ لا يمكن أن يشترك مع عليّ(عليه السلام) في ذلك غيره؛ لأنّه لا يتّسق مع البعدية الزمانية، فالاشتراك، لو كان، لا يفرق فيه زمان حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وزمان وفاته.
                      ثمّ إنّ الظاهر من هذه الشبهة الثانية، أن لا علاقة لها بالشبهة الأُولى، وإنّما جاءت على معنى الاشتراك بالولاية التي هي مثل ولاية المؤمنين، وإلاّ فإنّ التفضيل بالرتبة يناقض الاشتراك أيضاً.
                      وعلى كلّ حال، فالبعدية الزمانية تنفي أنّ المراد من الوليّ معنى: الناصر. والوليّ بمعنى: الأولى بالأمر بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي: الحاكم، ينفي الاشتراك في الولاية مع المؤمنين؛ فإنّ الأولى بالأمر واحد، ولا معنى لأن يكون اثنين فضلاً عن المؤمنين كلّهم.
                      وبغضّ النظر عن كلمة (بعدي) في الحديث، فإنّه لا يمكن أن يحتمل الاشتراك في الولاء مع المؤمنين في هذا الحديث؛ إذ عند ذلك لا يصلح أن يكون جواباً من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) دفاعاً عن عليّ(عليه السلام) لاختصاصه بأخذ الجارية، فإذا كانت الولاية مشتركة للمؤمنين فلماذا أخذ عليّ(عليه السلام) الجارية وحده؟!
                      وما معنى جواب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند ذاك؟ فإنّ لبريدة أن يقول للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): وأنا أيضاً وليّ المؤمنين، والبقية أيضاً أولياء، فلماذا أخذ عليّ الجارية؟!
                      فلا يصحّ دفاع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ إذا كان الوليّ هنا بمعنى الأولى بالأمر، وأنّكم لا أمر لكم معه بعدي، بل في حياتي أيضاً؛ لأنّ أخذ الجارية كان في حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فلاحظ وتأمّل!
                      ودمتم في رعاية الله
                      (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 331 مسند عبد الله بن العبّاس، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 133 باب فضائل عليّ بن أبي طالب.


                      تعليق على الجواب (3)
                      أنت قلت في جوابك الأوّل: ((فصار الإمام(عليه السلام) بين أمرين: إمّا أن يقاتلهم على الخلافة التي هو أحقّ بها, أو يصبر, ومن المعلوم أنّ الدخول معهم في معركة لم يكن صالحاً للإسلام, بل يقضي عليه وتذهب أتعاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام) خلال السنين السالفة هباءً منثوراً, وذلك لكثرة المنافقين في المدينة)).
                      سؤالي هنا: هل حاور الإمام عليّ(رضي الله عنه) أبو بكر(رضي الله عنه) حول أحقّيته بالإمامة، أو لم يتكلّم عنها أصلاً؟ أُريد دليل قاطع ومسند صحيح.
                      لماذا الإمامة انحصرت في نسل الحسين(رضي الله عنه) بعد استشهاد الإمام عليّ(كرّم الله وجهه)؟ لماذا لم تكن من نسل الحسن(رضي الله عنه)؟ هنا أيضاً أُريد دليل قاطع ومسند صحيح.
                      ما مصير الأُمّة بعد وفاة الإمام الحادي عشر؟ أي: كيف يكون حالها في غيبة الإمام المهدي؟ الذي صراحة لا أؤمن به حسب ما تذكرون في رواياتكم، بل أؤمن بالمهدي الذي يولد في زمانه.
                      الجواب:

                      أوّلاً: نعم، رفضه البيعة لمدّة ستّة أشهر فعل صريح في استحقاقه للإمامة دون غيره، ومع ذلك أتمّ الحجّة على أبي بكر بحديث المناشدة وغيره، وحديث المناشدة هو كما في كتاب (الخصال) للصدوق:
                      حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد الحسني، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن حفص الخثعمي، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدّثني أحمد بن التغلبي، قال: حدّثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدّثني حفص بن منصور العطّار، قال: حدّثنا أبو سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، قال:
                      لمّا كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، ويرى منه انقباضاً، فكبر ذلك على أبي بكر، فأحبّ لقاءه واستخراج ما عنده، والمعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأُمّة، وقلّة رغبته في ذلك وزهده فيه، أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، وقال له: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الأمر مواطاة منّي، ولا رغبة في ما وقعت فيه، ولا حرصاً عليه، ولا ثقة بنفسي في ما تحتاج إليه الأُمّة، ولا قوّة لي لمال، ولا كثرة العشيرة، ولا ابتزاز له دون غيري، فما لك تضمر علَيَّ ما لم أستحقّه منك، وتظهر لي الكراهة في ما صرت إليه، وتنظر إليَّ بعين السأمة منّي؟
                      قال: فقال له(عليه السلام): فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟
                      فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلال)، ولمّا رأيت اجتماعهم اتّبعت حديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، وأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.
                      قال: فقال عليّ(عليه السلام): أمّا ما ذكرت من حديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلال)، أفكنت من الأُمّة أو لم أكن؟
                      قال: بلى.
                      قال: وكذلك العصابة الممتنعة عليك، من سلمان، وعمّار، وأبي ذرّ، والمقداد، وابن عبادة، ومن معه من الأنصار؟
                      قال: كلّ من الأُمّة.
                      فقال عليّ(عليه السلام): فكيف تحتجّ بحديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للأُمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونصيحته منهم تقصير؟!
                      قال: ما علمت بتخلّفهم إلاّ من بعد إبرام الأمر، وخفت إن دفعت عنّي الأمر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدّين عن الدين، وكان ممارستكم إليَّ إن أجبتم أهون مؤونة على الدين وأبقى له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعوا كفّاراً، وعلمت أنّك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم.
                      قال عليّ(عليه السلام): أجل، ولكن أخبرني عن الذي يستحقّ هذا الأمر، بما يستحقّه؟
                      فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ورفع المداهنة والمحاباة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسُنّة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلّة الرغبة فيها، وإنصاف المظلوم من الظالم القريب والبعيد. ثمّ سكت.
                      فقال عليّ(عليه السلام): أنشدك بالله يا أبا بكر، أفي نفسك تجد هذه الخصال، أو فيّ؟
                      قال: بل فيك يا أبا الحسن.
                      قال: أنشدك بالله، أنا المجيب لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل ذكران المسلمين، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الأذان لأهل الموسم ولجميع الأُمّة بسورة براءة، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا وقيت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنفسي يوم الغار، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: أنشدك بالله، ألِيَ الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم، أم لك؟
                      قال: بل لك.
                      قال: أنشدك بالله، أنا المولى لك ولكلّ مسلم بحديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: أنشدك بالله، ألِيَ الوزارة من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمثل من هارون من موسى، أم لك؟
                      قال: بل لك.
                      قال: فأنشدك بالله، أبِيَ برز رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبأهل بيتي وولدي في مباهلة المشركين من النصارى، أم بك وبأهلك وولدك؟
                      قال: بكم.
                      قال: فأنشدك بالله، ألِيَ ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس، أم لك ولأهل بيتك؟
                      قال: بل لك ولأهل بيتك.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب دعوة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهلي وولدي يوم الكساء (اللّهمّ هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت وأهلك وولدك.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا صاحب الآية: (( يُوفُونَ بِالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيراً )) (الإنسان:7)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الفتى الذي نودي من السماء (لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ)، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي رُدّت له الشمس لوقت صلاته، فصلاّها ثمّ توارت، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي حباك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برايته يوم خيبر ففتح الله له، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي نفسّت عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كربته وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبد ودّ، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي ائتمنك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسالته إلى الجنّ، فأجابت، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: أنشدك بالله، أنت الذي طهّرك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من السفاح من آدم إلى أبيك بقوله: (أنا وأنت من نكاح لا من سفاح من آدم إلى عبد المطّلب)، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي اختارني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وزوّجني ابنته فاطمة وقال: (الله زوّجك)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، وأنا والد الحسن والحسين ريحانتيه اللذين قال فيهما: (هذان سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أخوك المزيّن بجناحين في الجنّة ليطير بهما مع الملائكة، أم أخي؟
                      قال: بل أخوك.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا ضمنت دين رسول الله وناديت في الموسم بإنجاز موعده، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي دعاه رسول الله لطير عنده يريد أكله فقال: (اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك بعدي)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي بشّرني رسول الله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين على تأويل القرآن، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ووليت غسله ودفنه، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي دلّ عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعلم القضاء بقوله: (عليّ أقضاكم)، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنا الذي أمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصحابه بالسلام عليه بالإمرة في حياته، أم أنت؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي حباك الله عزّ وجلّ بدينار عند حاجته، وباعك جبرئيل، وأضفت محمّداً(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأطعمت ولده؟
                      قال: فبكى أبو بكر، وقال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي حملك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على كتفيه في طرح صنم الكعبة وكسره، حتّى لو شاء أن ينال أفق السماء لنالها، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي قال له رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة)، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي أمر رسول الله بفتح بابه في مسجده حين أمر بسدّ جميع أبواب أصحابه وأهل بيته، وأحلّ له فيه ما أحلّه الله له، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك الله، أنت الذي قدّم بين يدي نجوى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) صدقة فناجاه، أم أنا، إذا عاتب الله عزّ وجلّ قوماً، فقال: (( أَأَشفَقتُم أَن تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُم صَدَقَاتٍ )) (المجادلة:13)، الآية؟
                      قال: بل أنت.
                      قال: فأنشدك بالله، أنت الذي قال فيه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة(عليها السلام): (زوّجتك أوّل الناس إيماناً، وأرجحهم إسلاماً)، في كلام له، أم أنا؟
                      قال: بل أنت.
                      فلم يزل(عليه السلام) يعدّ عليه مناقبه التي جعل الله عزّ وجلّ له دونه ودون غيره، ويقول له أبو بكر: بل أنت.
                      قال: فبهذا وشبهه يستحقّ القيام بأُمور أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                      فقال له عليّ(عليه السلام): فما الذي غرّك عن الله وعن رسوله وعن دينه، وأنت خلو ممّا يحتاج إليه أهل دينه؟
                      قال: فبكى أبو بكر، وقال: صدقت يا أبا الحسن، أنظرني يومي هذا، فأُدبّر ما أنا فيه وما سمعت منك.
                      قال: فقال له عليّ(عليه السلام): لك ذلك يا أبا بكر.
                      فرجع من عنده وخلا بنفسه يومه، ولم يأذن لأحد إلى الليل، وعمر يتردّد في الناس لِما بلغه من خلوته بعليّ(عليه السلام)، فبات في ليلته فرأى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في منامه متمّثلاً له في مجلسه، فقام إليه أبو بكر ليسلّم عليه، فولّى وجهه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هل أمرت بأمر فلم أفعل؟ فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): أردّ السلام عليك وقد عاديت الله ورسوله؟! وعاديت من والى الله ورسوله؟! رُدّ الحقّ إلى أهله.
                      قال: فقلت: مَن أهله؟
                      قال: من عاتبك عليه، وهو عليّ.
                      قال: فقد رددت عليه يا رسول الله بأمرك.
                      قال: فأصبح وبكى، وقال لعليّ(عليه السلام): ابسط يدك فبايعه وسلّم إليه الأمر.
                      وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأُخبر الناس بما رأيت في ليلتي، وما جرى بيني وبينك، فأخرج نفسي من هذا الأمر وأُسلّم عليك بالإمرة.
                      قال: فقال له عليّ(عليه السلام): نعم.
                      فخرج من عنده متغيّراً لونه، فصادفه عمر وهو في طلبه، فقال له: ما حالك يا خليفة رسول الله؟
                      فأخبره بما كان منه وما رأى، وما جرى بينه وبين عليّ(عليه السلام)، فقال له عمر: أنشدك بالله، يا خليفة رسول الله، أن تغتّر بسحر بني هاشم، فليس هذا بأوّل سحر منهم، فما زال به حتّى ردّه عن رأيه، وصرفه عن عزمه ورغّبه فيما هو فيه، وأمره بالثبات عليه والقيام به.
                      قال: فأتى عليّ(عليه السلام) المسجد للميعاد، فلم ير فيه منهم أحد، فأحسّ بالشرّ منهم، فقعد إلى قبر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمرّ به عمر، فقال: يا عليّ! دون ما تروم خرط القتاد. فعلم بالأمر، وقام ورجع إلى بيته(1).
                      ثانياً: لأنّ الإمامة جعل من الله سبحانه وتعالى، وقد حدّد النبيّ(صلى الله عليه واله وسلم) الأئمّة من بعده بأنّهم اثنا عشر، تسعة منهم من ذرّية الحسين(عليه السلام)، تاسعهم قائمهم.
                      ثالثاً: لقد ثبت عندنا بالدليل القاطع وجود الإمام الثاني عشر وولادته وغيبته، وعدم قناعتك لا تغيّر من الواقع شيئاً، فإنّ الحقائق لا تدور مدار قناعة الأشخاص.
                      ودمتم في رعاية الله
                      (1) الخصال: 548 - 553 أبواب الأربعين، الحديث (3).





                      السؤال: (الإمامة الإلهية لا يمكن سلبها من عليّ(عليه السلام)
                      سؤال وجدته في أحد منتديات الوهابية، وطلب كاتبه عرضه على أكبر مرجع شيعي.
                      فمن المعلوم قطعاً عندنا أنّ الله شاء أن يكون الإمام عليّ(عليه السلام) هو الخليفة والوصيّ، وكذا أبناؤه(عليهم السلام).
                      والسؤال البسيط كالتالي:
                      إن كان الله أراد الخلافة والإمامة للإمام عليّ(عليه السلام)، فكيف استطاعت إرادة أبي بكر أن تتغلّب على إرادة الله، وتأخذ الخلافة منه، فمن المعلوم أنّ إرادة الله لا تغلب، وهذا معناه أنّ الله لم يرد الإمام عليّ إمام ووصيّ وخليفة، وهو ما يتوافق مع النظرية السلفية.. وأصارحك أكثر: مع الفطرة!
                      الجواب:

                      هناك منصب إلهي أراده الله لعليّ(عليه السلام) هو: منصب الإمامة، وهو كمنصب النبوّة، لا يمكن لأحد أن يسلبه، فإذا أراد الله لأحد أن يكون نبيّاً أو إماماً لا يستطيع أحد أن يزيل هذه الصفة عن ذلك الشخص.
                      نعم، هناك لازم من لوازم تلك المرتبة الإلهية المعطاة، وهي: الرئاسة الدنيوية، والتي أيضاً أرادها الله للإمام, ولكن بالإرادة التشريعية؛ بمعنى: أنّ تحقّقها مرتبط بعدم سلب هذا الحقّ من الإمام، وإذا سلب، فإنّ الإمام يكون معذوراً في عدم تولّيه لهذا المنصب.
                      والفرق بين الرئاسة الدنيوية والإمامة الإلهية: أنّ الأُولى مرتبطة بالناس، ومن ضمن العوامل في تحقّقها:: اختيارهم لها, والثانية غير مرتبطة بالناس، فالإمام إمام رضي الناس أم لم يرضوا.
                      ففي كلامك، أو بالأصحّ كلام السلفي، خلط بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية؛ فإنّ الإرادة التكوينية تكون من دون واسطة، والإرادة التشريعية لله تكون بواسطة العبد، ولاختبار العبد دخالة في تحقّقها؛ فلاحظ، ولا يغرّنك قول الجاهلين!





                      السؤال: هل يعارض قوله تعالى (( اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) النصّ على الإمامة؟
                      يقول الفخر الرازي في (التفسير الكبير) عند تفسير آية:‎ (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم... )) (المائدة:3): ((فلو كانت إمامة عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) منصوصاً عليها من قبل الله تعالى، وقبل رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّاً واجب الطاعة، لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيساً من ذلك بمقتضى هذه الآية, فكان يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النصّ وعلى تغييره وإخفائه, ولمّا لم يكن الأمر كذلك, بل لم يجر لهذا النصّ ذكر, ولا ظهر منه خبر ولا أثر...)).
                      فما هو الردّ على هذه الشبهة‎ التي طرحها؟
                      الجواب:

                      إنّ ما ذكره الرازي متناقض في نفسه؛ فقد قال: ((المسألة الثالثة: قال أصحابنا: هذه الآية دالّة على بطلان قول الرافضة؛ وذلك لأنّه تعالى بيّن أنّ الذين كفروا يأسوا من تبديل الدين، وأكّد ذلك بقوله: (( فَلاَ تَخشَوهُم وَاخشَونِ ))، فلو كانت إمارة عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) منصوصاً عليها من قبل الله تعالى...))(1).
                      فهو يؤكّد نص القرآن الكريم في الآية السابقة (( اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم ))، بأنّ الكافرين يأسوا من تبديل الدين، ثمّ يقول: ((فكان يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص))(2)، فأين الكافرين من الذين دخلوا الدين وكانوا من ضمن المسلمين وإن كانوا منافقين؟! والقرآن الكريم ذكر (( الَّذِينَ كَفَرُوا ))، ولم يذكر الذين نافقوا، والفرق واسع بين الكافرين والمنافقين!
                      ولذا فإنّ ما نقوله في تفسير الآية غير ما تخرّصه الرازي من تفسيرها, وجعل ما ذكره هنا أحد المسائل في تفسيرها, فنحن نقول، كما في (تفسير الميزان):
                      فالآية، أعني: قوله: (( اليَومَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُم فَلاَ تَخشَوهُم وَاخشَونِ * اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:2-3) تؤذن بأنّ دين المسلمين في أمن من جهة الكفّار, مصون من الخطر المتوجّه من قبلهم, وأنّه لا يتسرّب إليه شيء من طوارق الفساد والهلاك، إلاّ من قبل المسلمين أنفسهم, وأنّ ذلك إنّما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامّة [أي: الولاية] ورفضهم هذا الدين الكامل المرضي [بتنصيب عليّ(عليه السلام)] ويومئذ يسلبهم الله نعمته ويغيّرها إلى النقمة, ويذيقهم لباس الجوع والخوف, وقد فعلوا، وفعل(3).
                      ودمتم في رعاية الله
                      (1) تفسير الرازي 11: 139 قوله تعالى: ((اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم...)).
                      (2) تفسير الرازي 11: 139 قوله تعالى: ((اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم...)).
                      (3) تفسير الميزان 5: 178 - 179.






                      السؤال: الإمامة منصب إلهي
                      ارجو الرد من قبل سماحتكم على كلام هذا المدعي:
                      *************************
                      إنّ الاختلاف بيننا وبين الشيعة, ليس اختلافاً مذهبياً, بل هو اختلاف عقدي, ولو قرأ أحد عن التشيّع بصدق, ونفس تطلب الحقّ, لعلم ما أقصد.
                      إليكم بعضاً من فقه الشيعة, اقرؤا واحكموا بأنفسكم, هل ما تقرؤونه من الإسلام في شيء؟ هذا مع العلم أنّ جرائم الشيعة في مسائل العقيدة أشنع من ذلك وأفظع.
                      الإمامة عند الرافضة:
                      الإمامة منصب إلهي. الله يختار النبيّ وينصّ عليه، فكذلك يختار الإمام وينصّبه (أصل الشيعة وأُصولها: 58). فاختار الله عليّاً، ولكن عليّاً اختار أن يقول: (دعوني والتمسوا غيري، فإنّي لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً).
                      ثمّ اختار الله الحسن، فسلّمها الحسن إلى ألدّ أعداء الشيعة معاوية. ناسفاً بذلك هو وأبوه بنيان عقيدة الإمامة من القواعد
                      *************************
                      الجواب:

                      نعم، الإمامة منصب إلهي واختيار ربّاني، لا يأتي بالشورى، ولا بولاية عهد رجل يهجر! ويغمى عليه(1)! ولا بجبر وإكراه المسلمين عليه! ولا بملك عضوض(2)، ولا بملك جبري، ولا بخلفاء لم تتوفّر بهم الشروط من عدالة أو قرشية أو حرّية أو اجتهاد... هؤلاء أئمّتهم وهذه طريقتهم في قبال طريقة الله واختيار الله تعالى علاّم الغيوب، وعالم السرّ والنجوى، والذي اصطفى واجتبى واختار بني هاشم على قريش وفضّلهم عليهم وعلى سائر العرب والعجم، بنص أحاديثهم.
                      وأمّا الإمام عليّ(عليه السلام)، فهو الخليفة الشرعي بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، شاء الناس أم أبوا، كما نصّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ذلك بقوله: (إنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو وليّكم من بعدي)(3)، صحّحه الألباني وغيره(4).
                      وقول الإمام(عليه السلام) هذا القول - الذي نقله المستشكل - للناس كان بعد حدوث الفتن وقتل عثمان، ومعرفته بما سيجري من أحداث، كما أخبره رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك، وهذا ما جعله يرفض إنفاذ حكومته(عليه السلام) عليهم، ورفض اختيارهم له، حتّى يلقي عليهم المعاذير، ويلزمهم الحجج، فيقودهم بعد ذلك بسهولة وتسليم وإذعان، دون ما إذا قَبلَ ولايتهم رأساً حينما اختاروه، وكأنّه حريص على إمارتهم وهم متفضّلون عليه بها!
                      وكذلك فالإمام(عليه السلام) قد قال حقّاً؛ لأنّه يعلم ثقل أوامره عليهم، وعدم تطبيقهم لها والتملّص منها، حينما يكون أميراً، وأمّا في السنين السابقة فكان الخلفاء يستشيرونه مجبرين ويأخذون كلامه منقادين، وينفذّونه مباشرة، على رغم إرادة الناس؛ لأنّهم مضطرّين إلى علمه، فحصل بتطبيق أوامره الخير.
                      والإمام(عليه السلام) لا يجبر الناس على الانقياد له، وإنّما كان يتوسّع عليهم رحمة لهم، فبعد لزوم البيعة في أعناقهم ستكون الحجّة أقوى عليهم؛ لأنّه يعلم عدم انقيادهم له، وتظاهرهم عليه حينما يكون أميراً عليهم، فيكون نفعه لهم وهو وزير، كما قال لهم، خيراً لهم منه أميراً، ولا علاقة لهذا كلّه بمسألة أصل الإمامة الإلهية.
                      وكذلك الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)؛ فإنّه اختار إكمال ما بدأ به أبوه أمير المؤمنين(عليه السلام) من إعادة الإسلام إلى أصله وحقيقته، ولكنّه وجد أنّ جيشه قد خذله وبدأ يتمرّد ويحاول اغتياله والاعتداء عليه، حتّى طعنوه وسرقوا سرادقه، حتّى نازعوه بساطاً كان تحته.
                      ونصّ عبارة الطبري: ((فلمّا رأى الحسن(عليه السلام) تفرّق الأمر عنه، بعث إلَيَّ معاوية يطلب الصلح... في أشياء اشترطها، ثمّ قام الحسن في أهل العراق، فقال: (يا أهل العراق إنّه سخى بنفسي عنكم ثلاثٌ: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي...) ))(5).
                      ورواه ابن كثير في البداية والنهاية أيضاً، فقال فيه: ((ولمّا رأى الحسن بن عليّ تفرّق جيشه عليه، مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان... يراوضه على الصلح بينهما... فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، وأن يكون خراج دار أبجرد له، وأن لا يسبّ عليّ وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية))(6).
                      وفعل الإمام الحسن(عليه السلام) كفعل أبيه(عليه السلام) من قبل؛ فقد روى البخاري عن عائشة، أنّها قالت: ((فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن آئتنا ولا يأتنا أحد معك، كراهية لمحضر عمر... (وممّا قال الإمام(عليه السلام) لأبي بكر): ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنّك استبدَدتَ علينا بالأمر، وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصيباً حتّى فاضت عينا أبي بكر...
                      فقال عليّ لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة... ثمّ استغفر وتشهد عليّ فعظَّم حقَّ أبي بكر، وحدّث أنّه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضّله الله به، ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبدّ علينا، فوجدنا في أنفسنا، فَسرَّ بذلك المسلمون: وقالوا: أصبت، وكان المسلمون إلى عليّ قريباً حين راجع الأمر بالمعروف))(7). على ما في عبارات هذه الرواية من مناقشة لا غرض لنا في ذكرها هنا!
                      فالإمامان عليّ والحسن(عليهما السلام) تركا الخلاف وبايعا غيرهما بعد كراهة الناس لإمامتهم وعدم دعمهم لهم، فلا تتمّ المصلحة في إجبار الناس على تنفيذ الإمامة الإلهية مع أُناس غير منقادين لها، ولذلك بايعا أبا بكر ومعاوية، وفرح الناس بذلك مع اضطرار الأئمّة(عليهم السلام) لذلك.
                      فانظر أيّها القارئ كلمة: ((استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته))!
                      وانظر إلى قول الطبري: ((فلمّا رأى الحسن تفرّق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح))!
                      وقول ابن كثير أيضاً: ((ولمّا رأى الحسن بن عليّ تفرّق جيشه عليه، مقتهم، وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان يراوضه على الصلح بينهما))!
                      فلم ينسف الإمامان العظيمان عقيدة الإمامة من القواعد أبداً؛ فافهم هداك الله!!
                      ودمتم في رعاية الله
                      (1) الرياض النضرة في مناقب العشرة للطبري 3: 51 الباب الثالث، الفصل العاشر، تاريخ المدينة لابن شبة 2: 667 ذكر عهد أبي بكر إلى عمر، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 39: 185 عثمان بن عفّان.
                      (2) السنن الكبرى للبيهقي 8: 159 الحديث (16630) كتاب قتال أهل البغي، مسند أبي يعلى 2: 177 الحديث (873) مسند أبي عبيدة، المعجم الكبير للطبراني 1: 157 الحديث (367).
                      (3) انظر: مسند أحمد بن حنبل 5: 356 حديث بريدة الأسلمي، السنن الكبرى للنسائي 5: 133 الحديث (8474، 8475) كتاب الخصائص، المعجم الأوسط للطبراني 6: 163.
                      (4) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 261 رقم الحديث (2223) من فضائل عليّ، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي 9: 109 كتاب المناقب، باب منه جامع فيمن يحبّه، تحفة الأحوذي 10: 146.
                      (5) تاريخ الطبري 4: 122 أحداث سنة (40).
                      (6) البداية والنهاية لابن كثير 8: 16 خلافة الحسن بن عليّ.
                      (7) صحيح البخاري 5: 83 كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.




                      يتبع

                      تعليق


                      • #12
                        تعليق على الجواب (1)
                        سأبدأ معك بسؤال واحد فقط، إذا كنت رجل أثبت أنّ النصّ الذي كذبته على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّكم من بعدي)، بذكرك أنّه قد صحّحه الألباني(رحمه الله) هو من كتب الألباني، وأتحدّاك أن تخرجه من كتبه، وتذكر رقم الصفحة، واسم الكتاب، وإلاّ تكون مدّعي، أو أنّك تهرف بما لا تعرف. وانتظر جوابك على ذلك.
                        أمّا باقي الأدلّة، فإنّها لا تلزمنا، فكلّها من مناقب وفضائل عليّ(رضي الله عنه)، ويكفي لخزي مذهبكم أنّكم تستندون بذكر فضائله من كتبنا وطرقنا.
                        وعلى كلّ، فإنّ كلامك هذا يردّه عليّ(رضي الله عنه) حينما بايع أبا بكر وعمر وعثمان(رضي الله عليهم)، فأنت بذلك جعلت عليّ(رضي الله عنه) وقع في دائرة الكفر حينما بايع كفّار، وحينما تخلّى عن أمر الله، (( إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ )) (الأحزاب:36).
                        وبذلك يستلزم من قولك هذا: أنّ الله لم يستطيع أن يجري أمره على عباده، وهذا كفر صريح؛ لأنّه يفهم من كلامك عدم نفاذ الرسالة واكتمال الدين.
                        وأرجو أن تردّ ردّاً أكاديمي، وإلاّ والله سأفضحكم في الإنترنيت، وأقول تهرّبوا من الإجابة.
                        الجواب:

                        نقول: من العيب أن يعرّف الإنسان نفسه برتبة علمية يظنّ الناس بصاحبها أنّه من أهل العلم والدراية، وفي واقع الأمر تراه لا يحسن صغائر الأُمور التي يحسنها الطلبة المبتدئين من طلبة العلوم الدينية، بل غير الدينية، وأمثال هكذا أشخاص - وصفهم القرآن الكريم: - (( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَم يَجِدهُ شَيئاً... )) (النور:39).
                        وإلاّ ألم يكن بإمكانك - أيّها المرعد المزبد - أن ترجع إلى سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، الجزء الخامس الصفحة (262) برقم (2223)، طبعة مكتبة المعارف، لتجد ذكره لهذا الحديث، وتصريحه بأنّه ممّن أخرجه أحمد في مسنده (5/356).
                        وقوله بعد ذلك بأنّ: ((إسناده حسن، ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير الأجلح، وهو ابن عبد الله الكندي)). ثمّ قوله: ((أنّه مختلف فيه، وفي (التقريب): صدوق شيعي)).
                        ثمّ قال - أي: الألباني -: ((فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي آخر، وهو: جعفر بن سليمان، أفلا يعتبر ذلك طعناً في الحديث، وعلّة فيه؟!
                        فأقول - والكلام للألباني -: كلاّ؛ لأنّ العبرة في رواية الحديث إنّما هو الصدق والحفظ، وأمّا المذهب فهو بينه وبين ربّه، فهو حسيبه، ولذلك تجد صاحبي (الصحيحين) وغيرهما، قد أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين، كالخوارج والشيعة، وغيرهم)). (انتهى ما أفاده الألباني).
                        وقال الألباني في تعليقته على كتاب السُنّة لابن أبي عاصم: ((إسناده جيّد، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أجلح، وهو: ابن عبد الله بن جحيفة الكندي، وهو شيعي صدوق))(1).
                        نقول: وممّن علّق على هذا الحديث أيضاً: المناوي الشافعي، إذ قال في (فيض القدير) ما نصّه: ((قال جدّنا للأُمّ، الزين العراقي: الأجلح الكندي وثّقه الجمهور، وباقيهم رجاله، رجال الصحيح))(2). انتهى.
                        وهذا الحديث كان الألباني قد أخرجه في سياق ذكره لجملة من الشواهد على الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد وغيرهم من طريق جعفر بن سليمان، وهو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي).
                        صحّحه الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(3)، وفي تعليقته على كتاب السُنّة لابن عاصم: إسناده صحيح، ورجاله ثقات على شرط مسلم(4).
                        فراجع أيّها الأخ قبل أن تتوعّد وتتحدّى، فالجنّة لا تنال بالعصبية والجهل.. واحتط لدينك؛ فإنّ أمامك يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، (( يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ )) (عبس:34-36).
                        وأمّا قولك: ((أمّا باقي الأدلّة فإنّها لا تلزمنا، فكلّها من مناقب وفضائل عليّ(رضي الله عنه) ))، فإنّا لم ننقل فضائل عليّ(عليه السلام) ومناقبه، وإنّما نقلنا أقوال علمائكم في كتبهم الروائية والتاريخية؛ استدلالاً على ما سردناه من وقائع لكيفية بيعة عليّ(عليه السلام) لأبي بكر، وما وقع في عهد الحسن الذي اضطرّه للصلح.
                        وقولك: ((ويكفي لخزي مذهبكم أنّكم تستندون بذكر فضائله من كتبنا وطرقنا))، فقد ذكرنا لك أنّنا لم نقل في الجواب فضائل الإمام عليّ(عليه السلام) أصلاً، ومع ذلك فإنّ الاستناد إلى ما يعترف به الخصم من أصحّ أساليب المناظرة؛ إلزاماً له، ودفعاً لتهرّبه بإنكاره وتكذيبه، ممّا لا يصبح بعد ذلك، لو أصرّ على الإنكار، إلاّ معانداً.
                        ونقلنا ما يدعم مذهبنا من كتبكم وطرقكم ليس فيه الخزي أبداً، بل هو دلالة على قوّته وأحقّيته، بحيث يثبت مدّعياته من كتب خصومه؛ فأيّ حقّ ووضوح في مذهب تكون أدلّته مدعومة بما ينقله ويقرّ به خصومه، فضلاً عمّا موجود في تراثه ممّا ثبت صحّته وتواتره؛ فافهم!
                        وأمّا قولك: ((وعلى كلّ فإنّ كلامك هذا يردّه عليّ(رضي الله عنه) حينما بايع أبا بكر وعمر وعثمان...))، فإنّ البيعة الواقعة عن إكراه واضطرار ليست بشرعية، ولا دلالة فيها على أحقّية وصحّة منصب من استدعاها وأخذها، ولم يقع الإمام عليّ(عليه السلام) في مبايعته مكرهاً في إثم أو محذور شرعي؛ لأنّ له المندوحة والمجال الواسع والإذن الشرعي بعد الإكراه والاضطرار، ولم يكن الثلاثة معلني الكفر، ولا نحكم نحن الشيعة بكفرهم، بل كانوا على ظاهر الإسلام، والباطن حسابه على الله يوم القيامة، وهو (عليه السلام) لم يتخلّى عن أمر الله، (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم )) (الأحزاب:36)، بل غصبوه حقّه عن غير اختيار، ومن تخلى عن قضاء الله ورسوله هو: من بادر إلى البيعة في السقيفة خلافاً على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما عقده من بيعة لعليّ(عليه السلام) يوم الغدير.
                        وأمّا قولك: ((وبذلك يستلزم من قولك هذا: أنّ الله لم يستطيع أن يجري أمره على عباده، وهذا كفر صريح؛ لأنّه يفهم من كلامك عدم نفاذ الرسالة واكتمال الدين))، فإنّ الظاهر منه أنّك تعتقد أنّ أمره تعالى هنا حتم وقضاءه مبرم ولا تفرّق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية!
                        فإنّ أوامر الله التشريعية، ومنها كلّ الشرائع الإلهية، يكون الأمر فيها موجّه للعبد أن يفعل ما أمر به باختياره لا بالإجبار، وإلاّ بطل التكليف؛ فما توهّمته هو الذي يلزم منه الكفر لا ما نعتقده!
                        كما أنّ قولك هذا، يتعدّى إلى كلّ الأنبياء والرسل الذين لم يؤمن بهم قومهم وردّوا نبوّتهم ورسالتهم؛ إذ بحسب قولك أنّ الله لم يستطع أن يجري أمره على عباده بإرسال هؤلاء الأنبياء والرسل!
                        ويلزم منه أيضاً: أنّ كلّ معصية وكلّ خلاف يقع في هذه الأُمّة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيكون مؤدّاه عدم نفاذ الرسالة وإكمال الدين، وهذا ما لا يعتقده مسلم؛ فلاحظ وافهم!
                        وأخيراً؛ نرجو منك على الأقل احتراماً لنفسك أن تعلن عن خطئك على الانترنت، كما هددتنا بأنّك ستفضحنا إذا لم نجبك، وها نحن قد أجبناك، فكن صادقاً مع نفسك.
                        ودمتم في رعاية الله
                        (1) كتاب السُنّة لابن أبي عاصم (ومعه ظلال الجنّة في تخريج السُنّة للألباني): 551 الحديث (1187).
                        (2)
                        فيض القدير 4: 471 الحديث (5595) حرف العين.
                        (3)
                        سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 261 الحديث (2223).
                        (4)
                        كتاب السُنّة لابن عاصم: 559 (ومعه ظلال الجنّة في تخريج السُنّة للألباني): 550 الحديث (1187).






                        السؤال: القرآن والتصريح باسم علي عليه السلام
                        كما تعلمون كثرت في الآونة الأخيرة الفتن المذهبية على القنوات الفضائية، وبغضّ النظر عن التعصّبات البادية والمغالطات التي يراوغون بها ويلوّحون بها للناس، لكن من الشبهات التي طرحت، وإلى الآن لا زالوا يشهرونها بفنون التعابير والأساليب، الشبهة التالية، ولم يجبهم أحد جواباً ولو نقضياً، حتّى الشيخ الكوراني(حفظه الله) الذي يعدّ من المتمرّسين والمتخصّصين في الشبهات الوهابية:
                        بناء على القول بأنّ الإمامة من أُصول الدين عندنا, لماذا لم يأت بها نصّ صريح في القرآن؟
                        أمّا ما يجيب به بعض السادة العلماء من أنّه لو ذكر اسم عليّ في القرآن لمزّقوا القرآن وحرّفوه, وأنّ قريشاً لا ترتضي أن تكون النبوّة والإمامة في بني هاشم, فهو وإن أمكن أن يكون حقّاً، إلاّ أنّه لا يكفي جواباً ولا يشفي غليلاً, وذلك لأنّ أصل الدين لا مراودة عليه, ولا مماراة ومحاباة فيه، فلا بدّ من الجهار فيه والإصرار عليه.
                        ولا بأس بالتذكير بما قالوه: بأنّ الشيعة يقولون بأنّ الإمامة عبّر عنها في القرآن بالكناية, فأُصول الدين وإن عبّر عنها أحياناً بالكناية في القرآن الكريم إلاّ أنّه وردت فيه بعض التعابير الصريحة لا كناية ولاستعارة ولا مجازاً.
                        فهل لكم أن تجيبونا الجواب الشافي مأجورين؟
                        ثمّ نريد أن نسأل السادة المعنيين في مركز الأبحاث العقائدية: ماذا أعدّوا لهذه الهجمات الشرسة ضدّ المذهب الحقّ درءاً للشبهات عن أيتام آل محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم أصحاب التخصص في هذا المجال؟
                        نشير أخيراً إلى أنّنا لا نمل من التفصيل والتطويل؛ فأرشدونا لو أمكن للمصادر والمراجع في هذا المجال مهما بلغت.
                        الجواب:

                        نحن نذكر لك الروايات التي تذكر أنّ عليّاً(عليه السلام) مذكور اسمه في القرآن:
                        فمن تلك الروايات، ما ذكره محمّد بن أحمد القمّي، المعروف بـ(ابن شاذان) في كتابه (مائة منقبة): ((حدّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه(رحمه الله), قال: حدّثني علي بن الحسن النحوي، قال: حدّثني أحمد بن محمّد, قال: حدّثني منصور بن أبي العبّاس, قال: حدّثني علي بن أسباط, عن الحكم بن بهلول, قال: حدّثني أبوهما، قال: حدّثني عبد الله بن أُذينة, عن جعفر بن محمّد, عن أبيه, عن علي بن الحسين, عن أبيه، قال: قام عمر بن الخطّاب إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: إنّك لا تزال تقول لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون [من موسى] وقد ذكر [الله] هارون في القرآن ولم يذكر عليّاً(عليه السلام)؟ فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا غليظ يا أعرابي! أما تسمع قول الله تعالى: (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ )) (الحِجر:41) ))(1).
                        وفي كتاب (بصائر الدرجات)، قال: ((حدّثنا أبو محمّد، عن عمران بن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن أسباط، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله(عليه السلام): (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ )), قال: (هو والله عليّ، هو والله عليّ الميزان والصراط) ))(2).
                        وفي (بحار الأنوار): ((الكافي: أحمد بن مهران، عن عبد العظيم الحسني، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: (هذا صراط عليّ مستقيم).
                        بيان: قرأ السبعة الـ(صراط) مرفوعاً منوّناً, و(علي) بفتح اللام, وقرأ يعقوب وأبو رجاء وابن سيرين وقتادة والضحاك ومجاهد وقيس بن عبادة وعمرو بن ميمون (علي) بكسر اللام ورفع الياء منوّناً على التوصيف, ونسب الطبرسي هذه الرواية إلى أبي عبد الله(عليه السلام)، فإن كان أشار إلى هذه الرواية، فهو خلاف ظاهرها, بل الظاهر أنّه (علي) بالجرّ، بإضافة الصراط إليه.
                        ويؤيّده: ما رواه في (الطرائف)، عن محمّد بن مؤمن الشيرازي بإسناده، عن قتادة، عن الحسن البصري، قال: كان يقرأ هذا الحرف: (هذا صراط علي مستقيم)، فقلت للحسن: ما معناه؟ قال: يقول: هذا طريق عليّ بن أبي طالب, ودينه طريق ودين مستقيم، فاتبعوه وتمسّكوا به؛ فإنّه واضح لا عوج فيه))(3).
                        وقال المازندراني في (شرح أُصول الكافي): ((قوله: (( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ ))، لعلّه إشارة إلى أنّ قراءة قوله تعالى في سورة الحجر: (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ )) بتنوين صراط وفتح اللام في (علي) تصحيف، وأنّ الحقّ هو الإضافة وكسر اللام, يعني: أنّ الإخلاص أو طريق المخلصين طريق عليّ مستقيم لا انحراف عنه ولا اعوجاج فيه يؤدّي سالكه إلى المقصود, وقرئ (علي) بكسر اللام من علوّ الشرف، كما صرّح به القاضي وغيره, وفيه خروج عن التصحيف في الجملة وإخفاء للحقّ..
                        ولا ينفعهم ذلك بعد تصريح شيوخهم به، على ما نقله صاحب (الطرائف)؛ قال: روى الحافظ محمّد بن مؤمن الشيرازي بإسناده إلى قتادة، عن الحسن البصري، قال: كان يقرأ هذا الحرف (صراط علي مستقيم)، فقلت للحسن: وما معناه؟ قال: يقول هذا طريق عليّ بن أبي طالب ودينه طريق ودين مستقيم، فاتّبعوه وتمسّكوا به؛ فإنه واضح لا عوج فيه))(4).
                        وفي (تفسير العيّاشي): ((عن أبي جميلة، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أخيه، عن قوله: (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ ))؟ قال: هو أمير المؤمنين(عليه السلام) ))(5).
                        وفي (بحار الأنوار): ((تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد معنعناً، عن سلام بن المستنير، قال: دخلت على أبي جعفر(عليه السلام)، فقلت: جعلني الله فداك! إنّي أكره أن أشقّ عليك، فإن أذنت لي أن أسألك سألتك؟ فقال: سلني عمّا شئت. قال: قلت: أسألك عن القرآن؟ قال: نعم, قال: قلت: ما قول الله عزّ وجلّ في كتابه قال: (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ ))؟ قال: صراط عليّ بن أبي طالب(عليه السلام). فقلت: صراط عليّ(عليه السلام)؟ قال: صراط عليّ(عليه السلام) ))(6).
                        هذا كلّه في ما يتعلّق بقوله تعالى: (( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُستَقِيمٌ )).
                        أمّا قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيّاً )) (مريم:50)، فورد فيها:
                        في كتاب (ألقاب الرسول)، قال: ((وبالإسناد عن محمّد بن أبي ثلج، نا يوسف بن موسى العطار، عن وكيع بن الجراح الجناح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (قال لي ربّي تبارك وتعالى: إنّي أنا العليّ الأعلى، اشتققت اسم عليّ من اسمي فسمّيته: عليّاً، ثمّ أنزل علَيَّ بعقب ذلك: (( وَوَهَبنَا لَهُم مِن رَحمَتِنَا وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيّاً )) ) ))(7).
                        وفي كتاب (الثاقب في المناقب) لابن حمزة الطوسي: ((...فقال سلمان(رض): هذا وصي رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)... هذا الذي قال الله تعالى فيه: (( وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيّاً )) ))(8).
                        وفي (تفسير القمّي): (( (( وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيّاً ))، يعني: أمير المؤمنين(عليه السلام)؛ حدّثني بذلك أبي عن الحسن بن عليّ العسكري(عليه السلام) ))(9).
                        وأمّا قوله تعالى: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) (الزخرف:7)، فقد ورد فيها:
                        في (معاني الأخبار) للشيخ الصدوق: ((حدّثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم - رحمه الله - قال: حدّثنا أبي, عن جدّي, عن حمّاد بن عيسى, عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )) (الفاتحة :6)؟ قال: هو أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعرفته, والدليل على أنّه أمير المؤمنين(عليه السلام): قوله عزّ وجلّ: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ))، وهو أمير المؤمنين(عليه السلام) في أُمّ الكتاب في قوله عزّ وجلّ: (( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )) ))(10).
                        وفي كتاب (تأويل الآيات الظاهرة) للاسترآبادي: ((ما رواه محمّد بن العبّاس(ره)، عن أحمد بن إدريس، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن موسى بن القاسم، عن محمّد بن علي بن جعفر، قال: سمعت الرضا(عليه السلام) يقول: قال أبي(عليه السلام) وقد تلا هذه الآية: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ))، قال: هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ))(11).
                        وفي كتاب (شرح الأخبار) للقاضي النعمان: ((العلا, قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام) عن قول الله تعالى: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) ؟ قال: هو أمير المؤمنين عليّ (صلوات الله عليه)، أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وورث علم الأوّلين، وكان اسمه في الصحف الأُولى، وما أنزل الله تعالى كتاباً على نبيّ مرسل إلاّ ذكر فيه اسم رسوله محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسمه، وأخذ العهد بالولاية له(عليه السلام) ))(12).
                        وفي (المزار) للمشهدي: ((السلام على أمين الله في أرضه وخليفته في عباده, والحاكم بأمره, والقيّم بدينه, والناطق بحكمته, والعامل بكتابه, أخي الرسول, وزوج البتول, وسيف الله المسلول, السلام على صاحب الدلالات والآيات الباهرات والمعجزات القاهرات, المنجي من الهلكات, الذي ذكره الله في محكم الآيات, فقال تعالى: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) ))(13).
                        وفي زيارة أُخرى: ((قال(عليه السلام): أيّها النبأ العظيم، السلام عليك يا من أنزل الله فيه: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) ...))(14).
                        وفي دعاء يوم الغدير كما في (المزار): ((وأشهد أنّه الإمام الهادي الرشيد أمير المؤمنين الذي ذكرته في كتابك، فإنّك قلت، وقولك الحقّ: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) ))(15).
                        وفي (بحار الأنوار): (((كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة): الحسن بن أبي الحسن الديلمي، بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام) وقد سأله سائل عن قول الله عزّ وجلّ: (( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )) ؟ قال: هو أمير المؤمنين))(16).
                        ودمتم في رعاية الله
                        (1) مائة منقبة:160 المنقبة (85)، كذا مناقب آل أبي طالب 2: 302.
                        (2)
                        بصائر الدرجات للصفّار: 532 الباب (18) النوادر في الأئمّة(عليهم السلام).
                        (3)
                        بحار الأنوار 24: 23، وانظر: الكافي للكليني 1: 424 باب نادر.
                        (4)
                        شرح أُصول الكافي 7: 91 باب ما فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية.
                        (5)
                        تفسير العيّاشي 2: 242 في تفسير الآية.
                        (6)
                        بحار الأنوار 35: 372، تفسير فرات الكوفي: 225 (302) سورة الحجر.
                        (7)
                        ألقاب الرسول: 20 في ميلاد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وانظر: شواهد التنزيل للحسكاني 1: 463 الحديث (488).
                        (8)
                        الثاقب في المناقب: 130 الحديث (127)، الباب الثاني، فصل (2) في ذكر نوح وهود وصالح.
                        (9)
                        تفسير القمّي 2: 51 سورة مريم.
                        (10)
                        معاني الأخبار: 32 - 33 باب معنى الصراط، تفسير القمّي 1: 28 سورة الفاتحة.
                        (11)
                        تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة 2: 552 الحديث (2) سورة الزخرف.
                        (12)
                        شرح الأخبار 1: 244 ولاية عليّ(عليه السلام).
                        (13)
                        المزار: 218 زيارة أُخرى لأمير المؤمنين والحسين(عليهما السلام).
                        (14)
                        المزار: 259 زيارة أُخرى له (عليه السلام).
                        (15)
                        المزار: 91 باب الصلاة يوم الغدير، الغارات 2: 894.
                        (16)
                        بحار الأنوار 23: 210 أبواب الآيات النازلة فيهم، باب (11): إنّهم عليهم السلام آيات الله وبيّناته.


                        تعليق على الجواب (1)
                        ممكن تصححون رواية من الروايات التي نقلتموها الان لاني لاحضت بعض الروايات فيها ضعف كاحمد بن علي ابن ابراهيم الذي لم يوثق, وتفسير فرات الذي مختلف فيه. فهل ممكن رواية صحيحة بشروط الامامية؟ ثانيا في ردكم على سؤال اخر ورد, اجبتم باجابة تختلف بان اسم علي لم يرد في القران وانما فقط الامامة فكيف التوفيق بين الاجابتين وشكرا.
                        الجواب:

                        لم نشترط على أنفسنا عند جمع هذه الأحاديث ان نذكر الأحاديث الصحيحة السند فقط بل جمعنا ما وجدناه في كتب الحديث لان الحديث الضعيف يمكن ان يكون شاهدا ومقويا للأحاديث الأخرى والأحاديث الضعيفة بمجموعها يمكن ان يقال ان بعضها يطمئن بصدوره بحساب الاحتمالات وانما ذكرنا اكثر من اجابة لان ما ذكرناه هنا لا يصلح حجة على المخالفين لان ما ذكرناه كان من مصادرنا فسلكنا طريقا اخر لإيضاح هذا الامر فما ذكر في بعض الإجابات كان موجها للمخالفين .





                        السؤال: عدم ورود اسم عليّ(عليه السلام) في القرآن
                        إذا كانت الإمامة بالأهمية التي أعطيتموها لها، لماذا ذكرت مرّة واحدة في القرآن، وليست بنصّ صريح، لسيّدنا عليّ(كرّم الله وجهه)؟
                        الجواب:

                        لقد ورد تناول موضوع الإمامة في القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، وببيانات مختلفة، يعرفها المتتبّع لمعاني القرآن الكريم وأسباب النزول، وقد ألّف أحد علماء الإمامية وهو العلاّمة الحلّي كتابه (الألفين) الذي تعهّد فيه بإيراد ألف دليل عقلي، وآخر قرآني على الإمامة، يمكنكم مراجعته لتلاحظوا تلك الأدلّة فيه، مع أنّ المطبوع المتداول الآن قد ذكر فيه ألف وثمان وثلاثون دليلاً فقط.
                        ويمكنكم أيضاً ملاحظة الآيات الواردة في الإمامة في مناقشة الشيخ محمّد حسن المظفّر لابن روزبهان في كتابه الموسوم (دلائل الصدق لنهج الحقّ)، لتطالعوا عشرات الآيات القرآنية التي تعد من الآيات الواردة في الإمامة مع بيان المصادر السُنّية في أسباب نزولها ودلالتها..
                        وأمّا عدم التصريح باسم أمير المؤمنين(عليه السلام) في القرآن الكريم، فجوابه نقضاً وحلاًّ.
                        هو: أنّ القرآن الكريم ذكر وجوب الصلوات الخمس ولم يبيّن عددها وما يجب فيها وما لا يجب من أجزاء وشرائط وأفعال، بل كان المتكفّل ببيان ذلك كلّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في سُنّته الشريفة المباركة، التي أوجب المولى سبحانه المؤمنين بالأخذ بها في قوله تعالى: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ )) (الحشر:7), وقد تكفّل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببيان شخص الإمام، وأرشد المؤمنين إلى وجوب موالاته والاهتداء بهديه ولزوم طاعته، كما هو المعروف المعلوم من أحاديث الغدير والثقلين والسفينة، وغيرها.
                        والقرآن الكريم صرّح بأسماء بعض الشخصيات السالفة؛ للتذكير، والإشادة بها، وأخذ العبرة منها، ولم يذكر اسم أيّ شخصية مستقبلية! وربمّا كان السبب في ذلك هو: حكمة التكليف والابتلاء والامتحان؛ قال تعالى: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لاَ يُفتَنُونَ )) (العنكبوت:2).




                        السؤال: علّة عدم ذكر عليّ(عليه السلام) بالنصّ في القرآن
                        لماذا لم يذكر القرآن صراحة اسم الإمام عليّ(عليه السلام)؟ ولم يذكر أنّ الخلافة تؤول له مباشرة بعد الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
                        الجواب:

                        إنّ القرآن الكريم تكفّل أُموراً كثيرة تصدّى في تبليغها وإيضاحها, وأجمل أُموراً أُخرى لم يفصّلها، فجعلها في عداد المتشابه التي يرجع بها إلى الراسخين في العلم؛ إذ كانت المصلحة الإلهية تفصيل أُمور وإجمال أُخرى، لمصلحة لا يعلمها إلاّ هو جلّ شأنّه وعظمت قدرته..
                        قال تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ )) (آل عمران:7)، فقد تبيّن أنّ القرآن الكريم تبنّى إيضاح بعض الأحكام وترك الباقي إلى النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأهل بيته(عليهم السلام).
                        وخذ مثالاً على ذلك: فإنّ القرآن قد أمرنا بوجوب الصلاة، إلاّ أنّه لم يذكر تفاصيل ذلك، وعدد ركعاتها، وكم هي صلاة الفجر، وصلاة الظهريين والعشاءين، بل ترك تفصيل ذلك إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهكذا أوجب الصوم إلاّ أنّه لم يبيّن أحكامه, وهكذا في باقي الأحكام، كالحجّ والخمس والزكاة، وغير ذلك، فإنّ تفاصيلها متروكة إلى مهمّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وذلك لمصلحة تقتضيها الحاجة لا يعلمها إلاّ الله تعالى.
                        ومن ذلك: تعيّن أشخاص الأئمّة(عليهم السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فإنّ القرآن أشار إلى صفة الإمام بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعرض عن اسمه، تاركاً ذلك إلى تصريح النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والنصّ عليه من قبله، تماماً كما أشار إلى الصلاة وترك باقي تفاصيلها إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                        ففي معرض إشارته إلى الإمام قال تعالى: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55). فأشار القرآن إلى صفة الإمام دون ذكر اسمه، وعلمنا من الخارج ـ. أي: من روايات صحاح - أنّ المؤمنين الذين صفتهم هكذا منحصرة في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، كما أخرج ذلك السيوطي في تفسيره للآية: عن الخطيب البغدادي في (المتّفق)، عن ابن عبّاس، قال: ((تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع, فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للسائل: (من أعطاك هذا الخاتم)؟ قال: ذاك الراكع, فأنزل الله: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ... )) ))(1).
                        وأخرج عبد الرزّاق: عن ابن عبّاس، في قوله: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ... ))، قال: ((نزلت في عليّ بن أبي طالب))(2).
                        وأخرج الطبراني في (الأوسط): عن عمّار بن ياسر، قال: ((وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع, فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأعلمه ذلك, فنزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الآية: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))، فقرأها رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أصحابه، ثمّ قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ والي من والاه وعاد من عاداه) ))(3).
                        وهكذا تعهد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) النصّ على عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) دون أن يتعرّض القرآن الكريم إلى اسمه، لمصلحة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ ففي نهج مطّرد ذكر في القرآن أسماء بعض من مضى من الأنبياء والصالحين والجبابرة دون ذكر من سيأتي في مستقبل أُمّة الإسلام بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
                        ومن يدري؟! فلعلّ مصلحة عدم التعرّض إلى اسم الإمام(عليه السلام) كان صوناً للقرآن من أن يتعرّض إلى التحريف، أو الإنكار من قبل قوم أنكروا مئات الأحاديث في النصّ على إمامته(عليه السلام)، وكانوا شهوداً في ذلك, ولعلّهم سينكرون نزول هذا القرآن من قبل الله تعالى لمصالحهم السياسية التي دفعتهم إلى أن ينكروا ما شاهدوه.
                        ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.
                        ودمتم في رعاية الله
                        (1) الدرّ المنثور 2: 293، المتّفق والمختلف 1: 258 (106) ترجمة إبراهيم بن أبي يحيى.
                        (2)
                        الدرّ المنثور 2: 293، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 209 (216)، وغيره.
                        (3)
                        الدرّ المنثور 2: 293، المعجم الأوسط 6: 218.


                        يتبع

                        تعليق


                        • #13
                          السؤال: لماذا لم يذكر اسم عليّ(عليه السلام) في القرآن بالنصّ
                          الإمام عليّ(عليه السلام) ذكر في القرآن كثيراً، ولكن لماذا لم يذكر بالاسم؟
                          الجواب:

                          أوّلاً: نزل القرآن الكريم على خطاب (إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة)، أي: على الاستعمال المجازي والكنائي؛ فإنّ الكناية أبلغ من التصريح, فذكر أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) وكذلك الأئمّة(عليهم السلام) من بعده في بعض آي القرآن الكريم كناية ومجازاً.
                          ثانياً: من ثقافة القرآن الكريم أنّه: يبيّن القوانين العامّة.. كما هو متعارف في كتب الدستور لكلّ دولة، إلاّ أنّه يلحق به التبصرات والأبواب الأُخرى لتفسّر الكليّات في الدستور, فالقرآن يبيّن الأصل الكلّي للإمامة التكوينية والتشريعيّة, وأنّ الأئمّة على قسمين: أئمّة ضلال، وأئمّة هدى يهدون بأمر الله، ثمّ بيّن أوصافهم المنحصرة فيهم، الدالّة على أنّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) منهم، كما في: آية إكمال الدين, وآية التطهير, وآية الإطاعة, وآية الولاية, وأنّ الوليّ هو: من أعطى الزكاة في صلاته - أي: تصدّق بالخاتم - ولم يكن ذلك إلاّ الإمام عليّ(عليه السلام)، كما اتّفق عليه المفسّرون السُنّة والشيعة.
                          فالقرآن الكريم يتكلّم بنحو عام، والسُنّة الشريفة هي التي تبيّن المصاديق والجزئيات؛ فإنّ القرآن يقول: (( أَقِمِ الصَّلاَةَ )) (هود:114)، والسُنّة تقول: صلاة الصبح ركعتين.. وهكذا باقي الموارد.
                          والرسول الأعظم، في روايات كثيرة جدّاً نقلها الموافق والمخالف، نصّ على إمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام), كما في حديث الغدير، المتواتر عند الفريقين, إلاّ أنّ الناس ارتدّوا بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الولاية ولم ينصروا عليّاً(عليه السلام), وأعرضوا عن الأحاديث النبويّة التي قالها في شأنّه وخلافته، فلو كان اسمه مذكوراً في القرآن الكريم، لأدّى ذلك إلى إنكارهم القرآن أيضاً، ولعلّهم يقولوا: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يهجر، كما قالها بعضهم في مرض النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما طلب منهم الدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده, وهذا يعني: إنكار الدستور الإسلامي وإنكار الإسلام كلّه.. وهذا يتنافى مع الحكمة الإلهية, فاقتضت الحكمة أن لا يذكر اسم عليّ(عليه السلام) في القرآن, وإنّما يذكر في ترجمانه وفي عدل القرآن، أي: السُنّة الشريفة, ليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر، فما ذلك لله بضار!
                          وما أكثر الأحاديث والمصادر من طرق السُنّة التي تدلّ على إمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)..
                          جاء في (الكافي) بسند صحيح عن أبي بصير، قال: ((سألت أبا عبد الله(عليه السلام): عن قول الله عزّ وجلّ: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)؟
                          فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهما السلام).
                          فقلت له: إنّ النّاس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام) في كتاب الله عزّ وجلّ؟
                          قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً, حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم..
                          ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهمٌ, حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم.
                          ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أُسبوعاً حتّى كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي فسّر ذلك لهم..
                          ونزلت: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) - ونزلت في عليّ والحسن والحسين - فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عليّ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه). وقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإنّي سألت الله عزّ وجلّ أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض, فأعطاني ذلك). وقال: (لا تعلّموهم فهم أعلم منكم). وقال: (إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى, ولن يدخلوكم في باب ضلالة)؛ فلو سكت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم يبيّن مَن أهل بيته, لادّعاها آل فلان وآل فلان, لكنّ الله عزّ وجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33)، فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام), فأدخلهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة, ثمّ قال: (اللّهمّ ّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي. فقالت أمّ سلمة: ألست من أهلِك؟ فقال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي...) ))(1).
                          ودمتم في رعاية الله
                          (1) الكافي 1: 286 كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحداً.





                          السؤال: تفاصيل الإمامة وذكر اسم عليّ(عليه السلام) أُنيط بالرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
                          شبهة طرحت في احد المنتديات السنية تقول :
                          *************************
                          قال الله: (( وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكُلِّ شَيءٍ )) (النحل:89).
                          فلمّا كان القرآن يبيّن كلّ شيء، إذاً لو كانت خلافة عليّ وأولاده المعصومين(عليهم السلام) بعد النبيّ، فلماذا لا يذكرهم القرآن بالصراحة الكاملة؟
                          في حين أنّه يذكر قصّة زيد في القرآن، وكيفية الوضوء، وغيره من الواجبات، ولا يذكر خلافة عليّ في القرآن؟
                          *************************
                          الجواب:

                          بالنسبة لسؤالكم بعدم التصريح بذكر عليّ(عليه السلام) في القرآن، وأنّه الخليفة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أنّ القرآن الكريم قد ذكر أن فيه تبيان لكلّ شيء.. نقول:
                          نعم، القرآن فيه تبيان لكلّ شيء من حيث الأُسس والقواعد العامّة لكلّ ما يمكن أن يسأل عنه ويهتم به الإنسان في أُموره العقائدية والعملية، إلاّ أنّ القرآن الكريم ليس فيه تفصيل لكلّ شيءٍ؛ ففرق بين التبيان والتفصيل!
                          فالتبيان: هو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية، وقد بيّن القرآن الكريم أساس كلّ مقصد يهتم به الإنسان في عقائده وعباداته ومعاملاته، ولم يترك في هذا الجانب شاردة أو واردة إلاّ وقد وضع لها قاعدة عامّة أو أساساً ترجع إليه من الكتاب الكريم، وهذا المعنى لا يدركه ولا يعلم به إلاّ أهله العارفون بعلوم القرآن وبياناته.. فإنّك مثلاً تجد أنّ المولى سبحانه قد ذكر وجوب أداء الصلاة على المؤمنين، وأنّها كتاباً موقوتاً، أي: ثابتاً، عليهم أداؤه والالتزام به، لكنّه سبحانه لم يبيّن لهم عدد ركعات الصبح أو ركعات الظهر أو العصر، ولم يبيّن لهم ما يقولون في هذه الركعات، أو كيف يركعون، أو يسجدون، أو كيف يتشهّدون، أو يسلّمون، أو ماذا يفعلون إذا أصابهم سهو أو شكّ في الصلاة.. الخ من الأُمور الكثيرة التي يُبتلى بها المكلّف في صلاته، وهي ليس لها بيان أو ذكر في القرآن الكريم، وإنّما ذكر القرآن فقط ما يستفاد منه الأمر بوجوب أداء الصلاة، ولكن كان التفصيل هو مهمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحسب ما جاء في القرآن الكريم: (( وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم )) (النحل:44)، وأيضاً بحسب الأمر الإلهي الوارد في الأخذ بكلّ ما جاء عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أقوال وأفعال، كما هو المستفاد من قوله تعالى: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ )) (الحشر:7). وهكذا تجد أنّ مهمة التفصيل قد أُنيطت بالرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                          وأمّا مهمة البيان أو التبيان للأُسس والأُصول فهي موكولة للقرآن الكريم، وقد تكفّل بها، كما تشير إليه الآية الكريمة موضع الكلام..
                          ومن هنا نقول: قد بيّن المولى سبحانه ما يتعلّق بالإمامة من حيث شروطها وصفات شخوصها ما يمكن استفادته في آيات كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:
                          أولاً: قوله تعالى: (( إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة :55)، فهذه الآية الكريمة نزلت بحقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه على السائل في مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد أثبت ذلك بسند صحيح ابن أبي حاتم في تفسيره وغيره، وهي صريحة في حصر الولاية بالله والرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؛ لموقع (إنّما) التي تفيد الحصر في الكلام، ولا يمكن لنا أن نتصوّر المعنى الذي يمكن أن تحصر فيه الولاية من معنى (الوليّ) في الآية سوى: ولاية الأمر، دون معنى المحبّة، أو النصرة، أو ما شابه ذلك، التي لا مجال لتصوّرها في المقام(1).
                          ثانياً: قوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)، فقد استفاد العلماء من هذه الآية شرط العصمة في ولاة الأمر، وذلك لمحلّ الطاعة المطلقة التي افترضها الأمر الإلهي في الآية الكريمة، ولا يمكن لنا أن نتصوّر الإطاعة المطلقة لشخص إلاّ أن يكون معصوماً، وإلاّ - أي: في مورد احتمال الخطأ، وهو: أن يكون الشخص غير معصوم - يكون ذلك تجويزاً وترخيصاً باتّباع الخطأ أو الباطل، وهو لا يمكن صدوره من الحكيم سبحانه وتعالى، وهذا يعني: لا بدّ من عصمة (ولاة الأمر)؛ ليصحّ ورود الأمر بإطاعتهم المطلقة على المسلمين(2).
                          وهذا المعنى بعينه ولفظه استفاده الفخر الرازي عند تفسيره للآية الكريمة في تفسيره الكبير(3)..
                          ونحن إذا عرفنا ذلك من الآية الكريمة فيكون معناها هو: التكليف بإطاعة المعصومين في الأُمّة، وإذا قلنا أنّ المعصومين غير موجودين، فهذا معناه: التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال محال على المولى، فلا بدّ إذاً أن نعرف من هو المعصوم في الأُمّة لنطيعه، وهو الذي يستحقّ أن يكون وليّ الأمر؛ لتوفّر شرط الطاعة فيه، وهو: العصمة.
                          ومن خلال القرآن والحديث الشريف الصحيح نستطيع أن نثبت عصمة أشخاص معينين كانت تدور رحى الطاعة عليهم، وهم أهل البيت(عليهم السلام)، الذين خصّهم المولى سبحانه بالتطهير ورفع الرجس عنهم، (كما هو مفاد آية التطهير في سورة الأحزاب الآية33)، وأيضاً مفاد حديث الثقلين المشهور المتواتر، الذي يستفاد منه عصمة أهل البيت(عليهم السلام)؛ لعدم افتراقهم عن القرآن - كما أخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك - وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
                          ودمتم في رعاية الله
                          (1) تقدّم التفصيل في دلالة الآية وسبب النزول في عنوان (آية الولاية) في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة؛ فليراجع.
                          (2) تقدّم التفصيل في دلالة الآية ومفادها في عنوان (آية ولاية الأمر) في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة؛ فليراجع.
                          (3) تفسير الرازي 10: 144 قوله تعالى: ((أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...)).







                          السؤال: الأدلّة النقلية وضّحت الآيات النازلة في عليّ(عليه السلام)
                          لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة الدنيا والآخرة، لدرجة أحكام الحيض حسب هذا المفهوم, ومن وجهة نظركم: أليس أولى من حكم الحيض أن يكون القرآن قد أمر باتّباع الأئمّة بشكل واضح وصريح ودون لبس، حتّى لا يكون هناك أدنى شكّ لما تؤمن به الشيعة؟
                          فحسب فهمي للقرآن، ليس هناك أيّ آية تدعو إلى اتّباع عليّ أو أي من أبنائه بشكل مباشر, ولن أقبل أي تفسير يقول بالإشارة، أو المقصود بالآية هو كذا وكذا, فعندما أمرنا الله باتّباع محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قالها صريحة وواضحة ودونما إشارات: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ... )) (الفتح:29) إلى آخر الآية، و(( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ )) (آل عمران:144).
                          أمّا في المقابل، فإنّ الله لم يأمر في كتابه لا بولاء عليّ، أو أيّ من أبنائه، ولم يذكر أيّ منهم في كتابه.. وإن كان شأنهم أعلى من أنبياء الله، كما تزعمون في مذهبكم، لكان أولى ذكرهم بأسمائهم، كما ذكر آدم ونوح وإبراهيم و... إلى آخر من ذكر من أنبياء الله في القرآن العظيم.
                          وهل يعقل أن يذكر الله اسم سيّدنا (زيداً) في كتابه حتّى يبيّن لنا حكما هامّاً من أحكام الله ولم يذكر اسم عليّ بن أبي طالب(كرّم الله وجهه) إذا كان اتّباعه وولايته من بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ركناً من أركان الإسلام كما يدّعي علماء الشيعة؟
                          أرجو أن يكون جوابكم مقنعاً وبعيداً عن الفلسفة العقلية، بل بالنصوص الأكيدة؛ يقول الله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ )) (الأنعام:28)، صدق الله العظيم.
                          الجواب:

                          قد تقدّم منّا الجواب على الموضوع في أجوبتنا السابقة؛ فراجع!
                          ولكن قولك: ((لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة الدنيا والآخرة لدرجة أحكام الحيض حسب هذا المفهوم))، كذب صريح.. فإنّ أكثر أحكام الإسلام جاءت مجملة في القرآن مفصّلة في السيرة، كأحكام الصلاة والزكاة والحجّ والصوم، وغيرها.
                          ثمّ قولك بأنّك لن تقبل أي تفسير يقول بالإشارة أو المقصود بالآية هو كذا، فإنّ تفسير القرآن لا يكون بالإشارة وإنّما يكون بالأدلّة اللازمة سواء عقلية أو نقلية.
                          ولكن نقول لك: هلاّ طبّقت هذه القاعدة - لو سلّمنا معك بقبولها وصحّتها - على كلّ أحكام الإسلام؟ ولنرمي السُنّة خلف ظهورنا، كما أراد عمر بن الخطّاب، عندما قال: ((إنّ الرجل - أي: النبيّ - ليهجر... حسبنا كتاب الله))(1).
                          وإن لم تقبل، ولا نعتقد أنّك تقبل! لأنّه سوف يذهب الإسلام.
                          فنقول: لماذا تطالب بذلك عند الكلام عن ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) وتريد نصّاً من القرآن ولا تقبل بالظاهر منه، والتفسير، والأحاديث الموضّحة له؟! ولا تريد ذلك في غيره من عقائد وأحكام الإسلام؟! فهل هو إلاّ الهوى والتعصّب؟!!
                          نعم، ذكر القرآن الكريم اسم زيد(رضي الله عنه)، ولكنّه لم يذكره بشيء يتعلّق بمستقبل الأُمّة، وإنّما ذكره في سياق قضية تتعلّق بالنبيّ وبيان حكم من الأحكام؛ فإنّ المنهج القرآني مطّرد في ذكر كبار شخصيات الأُمم السابقة من صالحين وطالحين، لأخذ العبرة والاتّعاظ، ولم يذكر من أشخاص هذه الأُمّة، سواء الهادين أو المضلّين المستقبليين إلى يوم القيامة، حتّى المهدي أو الدجّال، ولعلّ ذلك كان لحكمة الابتلاء والامتحان لهذه الأُمّة.
                          وهناك شيء آخر: كأنّك تعني أنّ الله جلّ جلاله لم ينزّل كلّ الأحكام التي تحتاجها الأُمّة على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ الرسالة ناقصة غير كاملة، على الأقل في هذا المورد؛ فإنّك تدّعي بأنّه لا يوجد نصّ في القرآن على حكم الإمامة هل هي بالنصّ أو بالاختيار من الأُمّة؟ وأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يبيّن لنا في ذلك شيء؟
                          قلنا: فما عدا ممّا بدا! ألم تقل: ((لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة الدنيا والآخرة))؟!!
                          فإن قلت: إنّي لم أنكر النصّ على حكم الإمامة في القرآن، وإنّما أنكرت النصّ على عليّ(عليه السلام) صريحاً في القرآن.
                          فنقول: هو كذلك لم ينصّ على عليّ(عليه السلام) صريحاً في القرآن، ولكنّه نصّ على حكمها فيه، وأنّ الإمامة بالنصّ لا بالاختيار، وأنّ لها أفراداً مخصوصين موصوفين بمواصفات خاصّة مذكورة في القرآن.
                          فإن قلت: لا، إنّه نصّ على حكمها في القرآن بأنّها حقّ للأُمّة وهي تختار إمامها، فهي: شورى.
                          قلنا: أوّلاً لا نسلّم ذلك، من أنّ المستفاد من آية الشورى أنّها في الإمامة! ثمّ ما بالك تمسّكت هنا بالإشارة دون النصّ وتطالب في عليّ(عليه السلام) بالنصّ دون الإشارة!!
                          فإن قلت: قد بيّن ذلك النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنّه وضّح المراد ممّا جاء بالقرآن، وأوضح في أحاديثه أنّ الأمر للأُمّة.
                          قلنا: ما عدا ممّا بدا!! ألم نقل نحن ذلك، وقلنا: أنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيّن القرآن، وأوضح أنّ المراد بالآيات المتعلّقة بالإمامة هو: عليّ(عليه السلام)، فلم تنكر علينا ما تقبله أنت؟!
                          ثمّ إنّ الكلام في الأحاديث التي يدّعى فيها أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوضح أنّ الأمر يعود للأُمّة، فنحن لا نسلّم بمثل هذه الأحاديث، أو لا وجود لها في البين؛ فتأمّل!
                          فإذا تبيّن أنّ الرسالة كاملة, وأنّه لا يمكن أن يترك الله الناس دون أن يبيّن لهم الأمر في الإمامة: هل هي بالنصّ أم بالاختيار، وأنّه لا بدّ لها في الإسلام من حكم.. وعرفنا أنّ الله أنزل كلّ شيء في القرآن, ولكن فيه المحكم والمتشابه, وقد بيّن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتشابه لنا، فالأحكام بصورة كلّية نأخذها من القرآن والسُنّة، فلا يبقى هنا مجال للاعتراض على الله عزّ وجلّ بأنّه لماذا لم يذكر هذا الحكم أو ذاك الحكم صريحاً في القرآن بعد أن بيّنه لنا الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأوضح لنا ما تعلّق به من آي القرآن المتشابه، فالله لا يُسأل عمّا يفعل وله الحكمة في كلّ ذلك، وعلينا السمع والطاعة، سواء جاءنا الأمر من القرآن أو من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                          وهذا هو قول الشيعة الإمامية؛ فإنّهم يقولون: أنّه يوجد في القرآن آيات تخصّ الإمامة وتبيّن مصاديقها، بعضها محكمة وبعضها متشابه، بيّنها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد فسّر لنا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلا القسمين من الآيات صريحاً، وذكر لنا الأسماء التي هي مصاديق هذه الآيات، فليس لنا إلاّ الطاعة والقبول والتسليم، وهذا هو الإيمان والإسلام الصحيح.
                          ودمتم في رعاية الله
                          (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 222 مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم، باب كتابة العلم، و7: 9 كتاب المرضى، باب قول المريض قوموا عنّي، صحيح مسلم 5: 75 كتاب الوصية، باب ترك الوصية، وغيرها.





                          السؤال: لماذا ذكر القرآن من هاجر مع الرسول ولم يذكر الوصي بعده الذي بات على فراشه
                          ممكن الإجابة على سؤال، والذي طرح من طرف أحد الإخوة من أهل السُنّة، مشكورين.. وجزاكم آلله خيراً.
                          (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ )) (الأنعام:38) ، لماذا ذكر الله تعالى صحبة الرجل الآخر للرسول بالهجرة في القرآن، ولم يذكر نومة عليّ بن أبي طالب في نفس القرآن أبداً، لا بالتصريح ولا بالتلميح؟
                          فأيّهما أولى عند الله تعالى، الرجل الآخر أم الوليّ والوصيّ بعد الرسول؟
                          الجواب:

                          إيراد المستشكل قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، إن كان قصد به؛ حسب ما يدّعيه من دلالة ظاهر الآية على وجود نصّ مفصّل لكلّ شيء في القرآن، وبالتالي عدم ورود مثل هكذا نص يصرّح باسم عليّ(عليه السلام) فيه، وهو دليل على: عدم وجود دليل على إمامته في القرآن الكريم، فهو مدخول من جهة خطأهم في فهم الآية، والاقتصار على رأيهم في معناها دون الرجوع إلى ما ورد في تفسيرها، وهذا دأب الخوارج.. إذ يفهمون ظواهر بعض الآيات حسب هواهم، فيكوّنون مفهوماً عامّاً وحكماً نهائياً دون الرجوع إلى آيات أُخرى، أو تفاسير، أو أسباب نزول.
                          ففي موردنا هذا، قد ذكر المفسّرون معنيين لهذه الآية على أعلى التقادير، وهما لا ينفعا استدلال هؤلاء بالآية شيئاً البتة.
                          والقولان هما كما قال ابن الجوزي في (زاد المسير): ((قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، في الكتاب قولان:
                          أحدهما: أنّه اللوح المحفوظ؛ روى ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ما تركنا شيئاً إلاّ وقد كتبناه في أُمّ الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة وابن زيد.
                          والثاني: أنّه القرآن؛ روى عطاء عن ابن عبّاس: ما تركنا من شيء إلاّ وقد بيّناه لكم)).
                          قال ابن الجوزي: ((فعلى هذا يكون من العام الذي أُريد به الخاص؛ فيكون المعنى: ما فرّطنا في شيء بكم إليه حاجة إلاّ وبيّناه في الكتاب، إمّا نصّاً، وإمّا مجملاً، وإمّا دلالة))(1). انتهى كلام ابن الجوزي.
                          ومنه يتبيّن بأنّ هذه الآية لا تعني أنّ كلّ شيء منصوص تفصيلاً في القرآن.
                          ونصّ القرطبي على ما قاله ابن الجوزي، بل بأوضح منه، فقال في تفسيره: ((قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، أي: في اللوح المحفوظ؛ فإنّه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلاّ وقد دللنا عليه في القرآن، إمّا دلالة مبيّنة مشروحة، وإمّا مجملة يتلقّى بيانها من الرسول(عليه الصلاة والسلام)، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنصّ الكتاب، قال الله تعالى: (( وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيءٍ )) (النحل:89)، وقال: (( وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم )) (النحل:44)، وقال: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا )) (الحشر:7).
                          فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه ممّا لم يذكره, فصدق خبر الله بأنّه ما فرّط في الكتاب من شيء إلاّ ذكره, إمّا تفصيلاً، وإمّا تأصيلاً، وقال: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم )) (المائدة:3) ))(2). انتهى كلام القرطبي.
                          فالآية لا تدلّ على التصريح والتفصيل في ذكر أحكام الدين وعقائده؛ فأين تفاصيل الصلاة وعدد الركعات؟ وأين النصّ على عذاب القبر؟ وأين ذكر الحوض؟ وأين ذكر الإيمان بالقدر خيره وشرّه من الله، الذي يعتبره السُنّة من أركان الإيمان وأُصول الدين؟!
                          هذا.. ولو أرجعت أيّها الأخ العزيز هذا المستشكل إلى عناوين ما ذكرناه من أجوبة على الأسئلة، لرأيت بأنّا ذكرنا الكثير من الآيات التي نزلت في ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) ووجوب طاعته وفضائله، وقد بيّن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، ونقله أهل السُنّة في تفاسيرهم ومسانيدهم وكتبهم، ولكنّهم خالفوه ونقلوا ما وضع في مقابله، تعمية للحقّ؛ فأصبح الحقّ ضائعاً عندهم بين ركام الباطل الموضوع، والذي يجب أن ينفضه ويزيله من أراد الحقّ وطلبه، ليخرج الحقّ ويجلي عنه ما خالطه وغطّاه من هذا الركام، حتّى ينير طريقه في ظلام باطل ما لفّقوه.
                          ولا يسعنا هنا أن نورد جميع الآيات التي نزلت في حقّه (عليه السلام)، فله أن يراجع ما أوردناه تحت ما أوعزنا إليه من العناوين في مواضيعها المفهرسة حسب الحروف.
                          ولكن نريد أن نذكر آية نزلت في المورد الذي أشار إليه من نوم عليّ(عليه السلام) في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى نرد عليه ادّعائه بالنقض، وهي: قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ )) (البقرة:207)..
                          فقد روى الحاكم في (مستدركه)، عن ابن عبّاس، قال: ((شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألبسه بردة، وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجعلوا يرمون عليّاً ويرونه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)... الحديث.
                          هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
                          وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوّانة بزيادة ألفاظ))(3).
                          وروى بعده عن عليّ بن الحسين، قال: (إنّ أوّل من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب)(4)؛ ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث الأوّل عن ابن عبّاس(5).
                          وقد أورد الثعلبي في تفسيره نزولها بحق عليّ(عليه السلام)(6)، وأخرج الحاكم الحسكاني عدّة روايات في أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام)(7)، وكذا أورده غيرهم، فلا نطيل.
                          وإن قال هذا المستشكل بأنّه لم يرد اسم عليّ(عليه السلام) في هذه الآية، كان جوابنا: أنّه لم يرد أيضاً اسم أبي بكر في آية الغار.. على أنّا لا نسلّم أنّ المعنيّ في آية الغار هو: أبو بكر؛ فإنّ ذلك لم يرويه إلا مريديه، وبعد مدّة، مع أنّ دلالة الآية على الذمّ أولى من المدح، وبيانه أوردناه في موضعه؛ فراجع!
                          ودمتم في رعاية الله
                          (1) زاد المسير 3: 26 سورة الأنعام، قوله تعالى: ((مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ)).
                          (2) تفسير القرطبي 6: 420 سورة الأنعام، قوله تعالى: ((مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ)).
                          (3) المستدرك على الصحيحين 3: 4 كتاب الهجرة.
                          (4) المستدرك على الصحيحين 3: 4 كتاب الهجرة.
                          (5) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 228 هامش الحديث (4316) كتاب الهجرة.
                          (6) الكشف والبيان في تفسير القرآن 2: 125، 126 قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ)).
                          (7) شواهد التنزيل 1: 123 - 131 الحديث (133 - 142).







                          السؤال: المقارنة بين إمامة عليّ(عليه السلام) وطالوت(عليه السلام)
                          بسم الله الرحمن الرحيم
                          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
                          وبعد، قامت عقيدة الشيعة - الرافضة - على أنّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) قد تمّ تنصيبه من قبل الله تعالى, فاعتقادهم: أنّ هذا منصب إلهي لا تجوز الشورى فيه، ويجب على الناس التسليم به, ثمّ طرح سُنّة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالكامل بحجّة سقوط عدالة ناقليها بسبب عزوفهم عن نصرة وبيعة الإمام الإلهي؟!
                          لكن...لأنّ الله تعالى قد أنزل كتابه وجعله هدى ونور, فقد ضرب لنا مثلاً بحادثة فريدة وقعت مع أُمّة سابقة لنا من بني إسرائيل, حيث طلبوا من نبيّ لهم - لم تسمّيه الآيات - أن يبعث لهم ملك يسوقهم لقتال عدوهم, وقد كان, لكن هذا الملك لم يكن عن اختيار من النبيّ بل كان اختياراً واصطفاءً من الله تعالى، كان حسب تعبير الشيعة... ملك مُنصّب من قبل الله تعالى.
                          فكيف نصّب نبيّهم هذا الملك عليهم؟
                          وكيف قطع الله حجّة من نازعه؟
                          وهل أثر على ملكه معارضة قومه وتخلّيهم عنه عند القتال؟
                          تعالوا بنا نقرأ الآيات الآتية من سورة البقرة: (( أَلَم تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُم نِبِيُّهُم إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَن يَأتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحمِلُهُ المَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُم إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَّم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَومَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبراً وَثَبِّت أَقدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَولاَ دَفعُ اللّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضلٍ عَلَى العَالَمِينَ * تِلكَ آيَاتُ اللّهِ نَتلُوهَا عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ )) (البقرة:246-252).
                          والآن لي هذه الملاحظات:
                          1- أنّ تنصيب طالوت وجعله ملكاً على بني إسرائيل كان بخطاب نبويّ واضح وصريح وموجز يؤكّد حقيقتين:
                          أ - أنّ طالوت ملك.
                          ب - أنّ الله تعالى هو الذي نصّبه.
                          فكان الخطاب النبويّ بليغ وبسيط بجملة قصيرة: (( إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً ))، وهذه جملة بسيطة وبليغة للحدّ الذي لا يستطيع أحد أن يضع لها تفسيرين أو احتمالين, وبالتالي فإنّ جدال بني إسرائيل الذي وقع بعد هذه الجملة لم يكن أبداً حول معناها أو مراد النبيّ بها, لا, بل كان على اختيار طالوت بالذات ليكون ملكاً عليهم مع افتقاده لمؤهّلات الملك بنظرهم وتوفّرها في غيره.
                          2- كان ردّ نبيّ بني إسرائيل على اعتراضهم بتأكيد حقيقة أنّ طالوت مُختار من قبل الله تعالى وليس من قبل النبيّ، فقال لهم: (( إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم )) و (( وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ )).
                          3- تدخّل المولى عزّ وجلّ لإثبات صدق نبيّه ولإثبات أنّ طالوت منصّب بتنصيب إلهي, فأرسل لهم آية واضحة معجزة قطعت جدالهم واعتراضهم, (( إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَن يَأتِيَكُمُ التَّابُوتُ )).. وبعدها لم يكن هناك اعتراض أو جدال, فسلّم بنو إسرائيل أمرهم للملك الجديد وساروا ورائه لملاقاة عدوّهم.
                          4- حارب طالوت عدوّه وانتصر عليه بالرغم من كونه أضعف جنداً, ولم يكن هذا النصر لولا تأييد الله له، (( فَهَزَمُوهُم بِإِذنِ اللّهِ ))، وبذلك النصر قد أكّد طالوت على أنّه ملك منصورٌ, لم تفلح معه معارضة بنو البشر, أي: أنّ معارضة قومه وتخلّي الكثرة عنه لم يكن مبرّراً أو سبباً يدعو إلى فشله.
                          وعند مناقشة عقيدة الشيعة في ضوء هذه الآيات البيّنات, نفاجأ بالتالي:
                          1- افتقادهم لنصّ يقول صراحة أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب هو الذي يجب أن يتولّى الحكم بعد الرسول الكريم مباشرة.
                          2- افتقادهم لنصّ يقول أنّ تنصيب الإمام عليّ للحكم كان بأمر مباشر من الله - أي: كان تنصيب إلهي وليس اختيار بشري ــ.
                          3- افتقادهم لوجود آية إلهية تؤكّد كون الإمام عليّ بالذات هو الذي اختاره الله تعالى لتولّي الحكم خلفاً للرسول، وافتقادهم هذا خطير بالدرجة التي يصبح معتقدهم معها عبارة عن طعن مستتر في الله تعالى وفي رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                          الطعن في رسول الله:
                          إذ لو كان عليّ بن أبي طالب مُنصّب حاكماً عامّاً على المسلمين من قبل الله تعالى, وفي نفس الوقت ما قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّ عليّ بن أبي طالب حاكم, ولا قال: أنّ الله تعالى هو الذي ولاّه حكم المسلمين من بعده, وهي الحقائق البليغة التي أدّتها جملة بسيطة من نبيّ بني إسرائيل عندما قال: (( إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً ))، بل عدل رسولنا إلى جملة أُخرى تفيد أكثر من احتمال, وأثارت جدالاً لم ينته إلى الآن، منذ أن برزت للوجود فرق الشيعة واحتجّت بـ(مَن كنت مولاه فعلي مولاه)، فأخذ الناس يفسّرون (مولاه) كلاًّ حسب التفسير الموافق لمذهبه!
                          الشاهد: أنّ مقارنة نصّ نبيّنا مع نصوص نبيّ بني إسرائيل (( إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً ))، و(( إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم )) (و) (( وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ )) (و) (( إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ )) تجعل نتيجة المقارنة في غير صالح الرسول الكريم.
                          وهذا بالطبع تُعدّ طعناً في بلاغ الرسول إن أُريد به ما ذهبت إليه الشيعة؛ لكونه بلاغ عاجز عن قصر وحصر مراده وهدفه, ولكون بلاغ مَن قبله من أنبياء بني إسرائيل أبلغ منه وأفصح وأنصح لقومهم من رسولنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وهذا محال عقلاً وشرعاً.
                          ولا يقتصر الطعن على العجز عن التبليغ فقط, بل يتعدّاه إلى استيعاب وفهم الرسول عليه الصلاة والسلام لما يتلوه ويُبلّغه من آيات الكتاب المُنزّلة عليه؛ إذ أنّ الذي بلّغ لنا حادثة بني إسرائيل السابقة هو الرسول نفسه, وبالتالي فإنّ المثل الذي ضربه الله تعالى لرسولنا الكريم عن تبليغ نبيّ بني إسرائيل لهذا الأمر يلزم منه - حسب معتقد الشيعة - عدم استيعاب رسولنا الكريم له وعدم انتفاعه به.. حاشا لله.
                          ولا يُخرج الشيعة من هذا الطعن في رسول الله إلاّ بـ:
                          1ـ وجود نصّ آخر عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول فيه صراحة أنّ عليّ بن أبي طالب حاكم عامّ على المسلمين مُنصّب من قبل الله تعالى.. نصّ لا يقلّ صراحة ووضوحاً عن نصّ تنصيب طالوت, فإن كان هذا النصّ موجوداً، فليأتوا به, وإن لم يكن موجوداً، فالزعم بتنصيبه لا يعني إلاّ الطعن المزدوج في بلاغ الرسول وفي استيعابه للقرآن الكريم معاً.
                          2ـ أن يخرج تولّي الحكم (المُلك) من مهام الإمام.. وبالتالي يكون هذا هو المبرّر المنطقي لحيدة الرسول الكريم عن مثل نصّ يقرّر صراحة أنّ عليّ بن أبي طالب هو الذي يجب أن يتولّى الحكم بعده, وهذا لا يسع الشيعة بحال؛ إذ سيوقعهم في ورطة كبيرة، تعني هدم دينهم بالكامل.
                          ومن نافلة القول أن نقول: أنّ طعنهم للرسول عليه الصلاة والسلام يمتد, فيشمل كون رسولنا الكريم قد فشل في ما نجح فيه نبيّ سابق له.. نبيّ لم يذكر القرآن الكريم حتّى اسمه!!
                          فأين المخرج, وما العمل يا شيعة؟
                          الطعن في الله تعالى:
                          مع التسليم بأنّ الآية الإلهية لتنصيب طالوت على قومه قد قطعت أيّ جدال حوله, وجعلت قومه ينساقون وراءه بدون نزاع, فإنّ الزعم بكون الإمام عليّ مُنصّب من قبل الله تعالى مع فقده لنظير هذه الآية, يعني ببساطة أنّ الله تعالى لم يعامله نفس معاملة طالوت؛ فهو سبحانه لم يؤيّده بآية إلهية, وليس هذا فقط, بل لم ينصره على من نازعه الإمامة، ولا على من حاربه أيضاً, ممّا أدّى في النهاية لفشل الإمام الإلهي في تولّي الحكم وتأدية مهمّته الإلهية؟
                          فهل طالوت أعزّ على الله تعالى من الإمام عليّ، بالرغم ممّا تنسبه له الشيعة من جاه وولاية كونية؟
                          أم أنّ الحكم وتولّي شؤون البلاد خارج عن مهام وعمل الإمام؟
                          ببساطة شديدة.. يُعزى فشل الإمام في تولّي الحكم لانعدام التأييد الإلهي له, وفشل الإمام بالتالي سيؤدّي إلى ضلال الناس والعباد، فكيف يصحّ هذا مع حرص الربّ العليّ العظيم على هداية الناس، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتأييد رسله بالمعجزات، واستخلاف أولياءه في البلاد.
                          سبحانك هذا بهتان عظيم!
                          ولا أظنّ الشيعة تجرؤوا على الزعم بوجود آية إلهية على غرار الآية التي نصرت طالوت على قومه, فمثل هذه الآية لا ذكر لها في أحوج المواقف لذكرها؛ فقد سبق الإمام عليّ ثلاثة خلفاء لم يعترض أحد عليهم أبداً بمثل هذه الآية, بل إنّ النزاع على من يتولّى الأمر انحصر في رجال لم يكن من بينهم من زعموا بأنّه مُنصّب تنصيب إلهي؟!
                          فسبحان الله! كيف لم ينازع في تولّي الأمر من أُيّد بنصّ وآية إلهية, ونازع فيه غيره ممّن يفتقر إلى مثل ذلك؟
                          فهل يا تُرى نزلت هذه الآية فغفل عنها الناس، أم أنّها لم تنزل أصلاً؟
                          لا ريب أنّ مثل هذه الآية لم تكن ولم تنزل من أساسه, والدليل القاطع على ذلك هو: أنّ الإمام عليّ نفسه لم يحتجّ بوجود مثل هذه الآية أبداً.
                          الإمام عليّ مُنصّب من قبل الله تعالى... سبحانك هذا بهتان عظيم..
                          الجواب:

                          إنّ روح الاستدلال في هذه المناقشة منصب على مسألة واحدة، وهي: عدم وجود آية صريحة تنصّ على خلافة عليّ(عليه السلام) وإمامته بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل, كما هو الحال (المدّعى) في تنصيب طالوت الذي جاء خبره في القرآن الكريم.. ونحن سنجيب عن هذا الاستدلال مباشرة, وأيضاً سنجيب عن بقية المداخلات التي بثّها المناقش في استدلاله بغية إيقافه على الحقّ الحقيق في هذه القضية:
                          أمّا دعوى عدم وجود آية صريحة تنصّ على تنصيب الإمام عليّ(عليه السلام) بالاسم, فهذا نسلّم به، ولكن ندّعي بوجود نصّ صريح على تنصيب عليّ(عليه السلام) في القرآن بالصفة، كما سيأتي, وبالتالي فهذه الدعوى لا تعني أنّه لا يوجد دليل على تنصيبه وإمامته! فهذا جهل فاضح لمن يدّعي مثل الكبرى الكلّية التي يكون مفادها: عدم التصريح دليل على التصريح بالعدم..
                          فهل عدم النصّ والتصريح في القرآن الكريم بكون صلاة الصبح ركعتين معناه لا حجّية لما صرّح به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبيّنه من عدد ركعات هذه الصلاة وبقية الصلوات؟!
                          هل ترى أحداً يقبل بذلك ويعمل به من علماء وفقهاء، بل من عوام الناس وبسطائهم؟! فهذا النقض كافٍ لوحده في نسف هذا الاستدلال من أساسه، وعدم إتعاب النفس في تجشّم عناء الردّ عليه؛ لأنّه مبتنٍ على تصوّر خاطئ في بيان حجيّة الأدلّة.
                          إذ من الثابت أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود, وعدم التصريح لا يدلّ على التصريح بالعدم.. فكيف ساغ لصاحبنا سوق هذا الاستدلال وهو على شفا جرفٍ هار؟!
                          ومع ذلك نقول: توجد أدلّة قرآنية على إمامة عليّ(عليه السلام) كما هو الشأن في الأدلّة القرآنية الدالّة على وجوب الصلوات والزكاة والخمس والحجّ والكثير من الأحكام.
                          بل نقول: هناك دليل على إمامة عليّ(عليه السلام) أوضح من أدلّة الأحكام التي أشرنا إليها, وهو بمعونة القرائن المقالية والحالية - أي: ما وقع في الخارج فعلاً - يكون كالنصّ في الدلالة على إمامة عليّ(عليه السلام), ونعني بذلك: آية الولاية، الواردة في سورة المائدة، والتي جاء فيها: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))، فهذه الآية الكريمة قد دلّت على حصر الولاية - لمحلّ (إنّما) التي تفيد الحصر بالإجماع - بموارد ثلاث: الله، ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمؤمنون الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون, ومن المعلوم أنّه لا يتصوّر الإنشاء في هذه الآية، لأنّه ينافي دعوى الحصر في الآية أوّلاً... وينافي مناسبات الحكم والموضوع ثانياً.
                          لأنّ منصب الولاية الخطير، الذي يعني: القيادة والزعامة الدينية - والتي تدخل ضمنها الزعامة الدنيوية بالأولى - لا يُتصوّر أن يبيحه الله سبحانه هكذا لمن يقيم الصلاة ويأتي الزكاة وهو راكع, فهذا المعنى من الولاية يمكن أن يدّعيه أي شخص يفعل ذلك، وبالتالي من حقّه أن يصرّح - بموجب هذه الآية - أنّني ولّي المؤمنين، وولايتي كولاية الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), فهل يعقل هذا؟!
                          فكون المراد من الآية المعنى الإنشائي أمر غير متصوّر في المقام.. فالآية تدلّ على الإخبار عن واقعة معيّنة حصلت في الخارج، كانت مصداقاً للولاية، تضاهي ولاية الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
                          وهذه الحادثة بإجماع المفسّرين كانت في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام) دون غيره، وقد ورد في شأنها من الأسانيد الصحيحة والحسنة والطرق المختلفة.. ما يتحصّل منه التواتر.
                          فمثلاً: تجد مثل ابن أبي حاتم يروي في تفسيره - الذي يصرّح ابن تيمية بأنّه لا يروي الموضوعات - يرويه بطرق، ومن طرقه: أبو سعيد الأشجّ, عن الفضل بن دكين, عن موسى بن قيس الحضرمي, عن سلمة بن كهيل - وهؤلاء كلّهم ثقات - بأنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)(1).
                          وأيضاً يروي الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) بسند صحيح نزول هذه الآية في حقّ عليّ(عليه السلام)(2), وكذلك يروي السيوطي في (الدرّ المنثور) عن عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي نعيم، وغيرهم، نزول هذه الآية في حقّ عليّ(عليه السلام)(3).
                          وقال الجصّاص في (أحكام القرآن): ((روي عن مجاهد، والسدّي، وأبي جعفر، وعتبة بن أبي حكيم: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب حين تصدّق بخاتمة وهو راكع))(4).
                          وذكر ذلك أيضاً: الواحدي في (أسباب النزول)(5), والسيوطي في (لباب النقول في أسباب النزول) يرويه عن الطبراني, ثمّ ذكر شواهد، وقال بعدها: ((فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضاً))(6). وأيضاً: ابن كثير في تفسيره يرويه بعدّة طرق، ومنها: الطريق الصحيح المتقدّم عن ابن أبي حاتم(7), وأيضاً ذكر ذلك: القرطبي في (جامع أحكام القرآن)(8), والنحّاس في (معاني القرآن)(9).
                          ولعلك تسأل وتقول: كيف صحّ أن يكون المراد بالذين آمنوا: عليّاً(عليه السلام) واللفظ لفظ جماعة؟
                          نقول: يجيبك عن ذلك ذوي الاختصاص من أهل البلاغة؛ قال الزمخشري في تفسيره (الكشّاف) - الذي اعتمده لبيان أسرار بلاغة القرآن الكريم - عن هذا المعنى بالذات, وفي خصوص الآية الكريمة نفسها: ((جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغّب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه))(10).
                          فهذه الآية مع الاطّلاع على أسباب النزول ألا تُعدّ نصّاً صريحاً في ولاية عليّ(عليه السلام) المساوقة لولاية الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حصراً، والتي تعني القيادة والزعامة وولاية الأمر؟!
                          وأيضاً حديث الغدير الوارد فيه: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) لا يُعدّ حديثاً مجملاً، أو أنّه يراد بكلمة (مولاه) المحبّة والنصرة, بل هو حديث محكم واضح المراد، واستعمال اللفظ المشترك فيه كان مع معونة القرينة اللفظية، بل المقامية والحالية، الدالّة على ولاية الأمر دون المعاني كلّها.. فهل تراه يعقل أن يقال: في حقّ سيّد البشرية وإمام العقلاء والمتّقين النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه جمع الناس في ذلك اليوم القائظ الموصوف بشدّة الحرّ وقد أمر بحبس الحاضر وإرجاع المسافر، ثمّ يقوم خطيباً فيهم ليقول لهم كلاماً مجملاً لا يفهمون منه ما يريده رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟!
                          هل يعقل ذلك؟! إنّ هذا المعنى يرفضه العقلاء على مستوى الجماعة الصغيرة؛ فربّ الأُسرة الذي يستدعي بضعة أفراد من أسرته ويطلبهم لاجتماع خاص, ثمّ يكلّمهم بكلام لا يفهمون منه ما يريده.. فهذا لا يقبله العقلاء في حقّ أبسط الناس، فكيف بسيّد الكائنات وأفصح من نطق بالضاد؟!
                          فالقرينة المقامية توجب أن يكون الاجتماع والخطاب لأمر هامّ، ولا تنصرف سوى إلى مسألة تثبيت الخلافة وولاية الأمر من بعده.. فهذا هو الأمر الوحيد المتبقّي من القضايا التي كان على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) توضيحها وتبيينها للأُمّة, وخاصّة وقد اقترب موعد الرحيل والفراق..
                          بل القرينة اللفظية حاكمة بهذا المعنى؛ فراجع النصوص التي روت هذه الحادثة - أي: حادثة خطبة الغدير - لتجد قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل النص المتقدّم (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه): (ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).. فهذه قرينة لفظية واضحة في بيان المعنى المراد من كلمة (مولى) في الحديث المذكور - فمعنى: أولى بكم من أنفسكم، هو: ولاية الأمر.. وهو يعني في بيان الحديث: من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه...
                          وهذا معنى واضح يلاحظه المتتبّع المنصف المتجرّد من الأُمويات والرواسب الاجتماعية التقليدية, الراغب في الوصول إلى الحقيقة دون غيرها.
                          وأيضاً إضافة لما ذكرناه، نقدّم دليلاً آخر، هو: نصّ نبوي ساطع كالشمس في رابعة النهار في خلافة عليّ(عليه السلام)، وقيادته للأُمّة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وهو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): (أنت يا عليّ وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة)..
                          وهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي رواها أحمد في (مسنده)(11), والحاكم في (المستدرك)(12)، والذهبي في (التلخيص)(13), وأبو داود الطيالسي في (مسنده)(14), والطبراني في (المعجم الكبير)(15), وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)(16), وابن حجر في (الإصابة)(17), وابن كثير في (البداية والنهاية)(18)، وهكذا غيرهم الكثير الكثير..
                          ولصحّة سنده لم يناقش ابن تيمية فيه من هذه الناحية - على خلاف عادته من التشكيك حتّى في المتواترات، وخاصّة في ما يتعلّق بفضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) ومناقبه - وإنّما ناقش في المتن، ولكن بطريقة عجيبة وغريبة! تنمّ عن احتقان واضح لما يحمله هذا الرجل في سريرته تجاه أمير المؤمنين(عليه السلام) واتّجاه شيعته. ولمناقشته في قوله مكان آخر.
                          وقال المباركفوري في شرحه على الترمذي في خصوص هذا الحديث: ((وظاهر أنّ قوله: (بعدي) في هذا الحديث ممّا يقوى به معتقد الشيعة))(19).. وهذا الكلام تامّ وصحيح. فهنا لا يستقيم تفسير أو تأويل كلمة (وليّ) بأيّ معنى من معانيها المتصوّرة من المحبّة والنصرة أو غيرها، سوى معنى واحد، هو: ولاية الأمر؛ لأنّ المحبّة والنصرة - وهما أقوى ما يمكن ادّعاءه في تفسير هذه الكلمة هنا - لا وجه لتحديدهما بزمان كما هو المستفاد من كلمة (بعدي) في الحديث, فلم يبقَ إلاّ ولاية الإمرة, فهي المعنى الوحيد الذي يناسب توجيه هذا الحديث الصحيح الصادر عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما يشير إليه المباركفوري..
                          فهل ترى أنّ هذا الحديث لا يُعدّ نصّاً صريحاً في خلافة عليّ(عليه السلام)، وهو محاط بقرائن لفظية تعيّن المراد منه؟!! نترك الإجابة لمن يتمكّن منها..
                          هذا كلّه بالنسبة للنصوص الصريحة التي تدلّ على خلافة عليّ(عليه السلام) وإمامته..
                          أمّا بالنسبة للتعليق على ما ورد في كلامك، فنقول:
                          1- إنّ السبب في عدم قبول أقوال بعض الصحابة ليس بسبب اعتقادهم في الإمامة، بل بسبب كونهم غير ثقات؛ ففي علم الرجال يذكرون أنّ السبب في عدم قبول قول الراوي هو: لعدم الثقة بقوله، لا بسبب معتقده، ولذلك صار عندنا قسم من الحديث يسمّى: الموثّق، وهو: من يكون صاحبه مخالفاً في الاعتقاد مع كونه ثقة, ولعلّه لا أحد يناقش في عدم قبول قول غير الثقة.
                          2- إنّ هناك وجه للتشابه بين ملك طالوت وإمامة عليّ(عليه السلام)، فالآية تشير إلى أنّ نبيّهم هو الذي بلّغ قومه بملوكية طالوت، فقد قال تعالى: (( وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً )).
                          وكذلك نقول نحن: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي قال بإمامة عليّ(عليه السلام) وولايته، فقال بنصّ صريح: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، حتّى قال عمر للإمام عليّ(عليه السلام): ((هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة))(20)، وأنّ دلالة كلمة (المولى) واضحة في الزمن الأوّل للرسالة، وإلاّ لما قال أبو بكر: (أنا وليّ رسول الله)، ولما قال عمر: (أنا وليّ أبي بكر)(21).
                          وإذا قلت: إنّ ملك طالوت ورد في القرآن.
                          فنحن نقول: إنّ القرآن يصرّح: أنّ الذي أخبر قومه هو نبيّهم، ولم يقل القرآن أنّ ذلك ورد في الكتب المنزّلة عليهم؛ ففي كتبهم لم يصرّح بذكره، وأمّا ذكره في القرآن فهو كتاب ينقل لنا ما ورد في الأقوام السابقة لنتّعظ بها؛ فذكره جاء موعظة لنا لا حجّة على بني إسرائيل؛ فهم لا يعترفون بالقرآن.
                          3- هناك تشابه آخر، وهو: أن حكم كلّ من عليّ(عليه السلام) وطالوت لا بدّ أن يكون بنصّ منه تعالى، وأنّ تبليغ ذلك كان عن طريق النبيّ, فالمُلك الذي هو أحد شؤون الإمامة لم يرتضه سبحانه إلاّ أن يكون من شأنه، فكيف الحال بالإمامة؟ فعند اعتراف قوم طالوت بقولهم: (( أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ... ))، أجابهم بـ(( إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ )).
                          وكذلك عليّ(عليه السلام) كان يفوق الجميع في العلم وفي قواه الجسمية.
                          4- التشابه الثالث هو: على الرغم من الصراحة التي نصّب بها طالوت، وكذلك عليّ(عليه السلام) برفع يده في بيعة الغدير ومبايعة أكثر من مئة ألف، إلاّ أنّه مع ذلك حصل الاعتراض على شخصه كما حصل الاعتراض على شخص طالوت.
                          5- كما حصل التأييد الإلهي لإثبات ملك طالوت، كذلك حصل التأييد الإلهي لردّ الاعتراض على إمامة عليّ(عليه السلام)؛ إذ قال تعالى: (( بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ )) (المائدة:67).
                          6- كما كانت هناك آيات تدلّ على ملك طالوت وهي ليست آيات نزلت في كتبهم بل هي من قول نبيّهم؛ إذ قال تعالى: (( وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم )), وكانت آية التابوت، فكذلك ظهرت من المعاجز لعليّ(عليه السلام) ما ثبت تفوّقه على غيره، إذ رُدّت له الشمس، وكان يكلّم الموتى، وردّ عليه أصحاب الكهف, وغير ذلك من الكرامات.
                          7- كما أيّد الله تعالى طالوت بالنصر على أعدائه، كذلك أيّد عليّاً(عليه السلام) في حياة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعد مماته بالنصر، فشارك في أغلب معارك الرسول وانتصر فيها، وكذلك انتصر في كلّ المعارك بعد ممات الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهزم الناكثين والمارقين والقاسطين, وكما قتل طالوت جالوت قتل عليّ(عليه السلام) عمرو بن ودّ، ومرحب، وطلحة، والزبير، وغيرهم.
                          8- كما لم يؤثـّر قلّة أنصار طالوت على بقاء ملكه، كذلك لم يؤثـّر قلّة المتابعين لإمامة عليّ(عليه السلام) في استمرار إمامته، فهو على الرغم من قلّة الناصرين في زمن من غصب حقّه بقي إماماً، ومارس إمامته حتّى بويع أخيراً ورجع الحقّ إلى أهله، فصار له الحكم، لتتمّ بذلك إمامته الدينية والدنيوية.
                          9- نحن نقول: إنّ النصّ القاطع موجود على إمامته، سواء من القرآن أو السُنّة النبوية، وقد ذكرنا بعضها في أوّل كلامنا، ومن تلك النصوص أيضاً: قوله تعالى: (( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )), وقوله تعالى: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3).. ومن السُنّة: حديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث اثني عشر خليفة، وحديث الدار، وحديث المنزلة، وغيرها.
                          10- ليس هناك طعن في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنّ الرسول بلـّغ ما أُنزل إليه في مواطن عديدة، وأشار إلى إمامة عليّ(عليه السلام) في أكثر من واقعة، من يوم الدار إلى يوم الغدير، وذكر فضائل لعليّ(عليه السلام) في أقوال متعدّدة، لا نبالغ إن قلنا العشرات، بل المئات، وبنصوص صريحة، وإنّما ناقش فيها من أراد أن يحرف كلام رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن مراده.
                          11- إنّ من مهام الإمام: الحكم، وقد أكّد على ذلك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وقعة الغدير؛ إذ قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)؟ فقالوا: بلى، حيث أقرّوا لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ له السلطة والولاية عليهم، فقال عندها: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، فمعناه: أنّ الولاية الثابتة لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ومنها: السلطة - هي نفسها ثابتة لعليّ(عليه السلام).
                          12- أنت تفترض أنّ آية ملك طالوت نزلت لتوضّح لبني إسرائيل ملكه، في حين نحن قلنا: إنّ البلاغ لبني إسرائيل جاء عن طريق نبيّهم، وسبب وضوح الآية هو: الأخبار عن واقعة تاريخية حصلت سابقاً، وليس فيها منازع، ولو كان هناك منازع لجعل عليها ألف إشكال وإشكال.
                          13- لم يحصل أيّ فشل في تنصيب عليّاً(عليه السلام) للحكم؛ لأنّ حكمة الباري عزّ وجلّ أرادت أن يكون حكمه عن اختيار وقبول من قبل الصحابة، وإذا لم يحصل القبول وحصل اغتصاب الخلافة، فإنّ لله حكمة في ذلك أيضاً، وهي: اختبار القوم وإبراز الظالم منهم وإظهار صبر المظلوم. وليس تنصيب الولي حكم تكويني حتّى لا يتخلّف ويكون حتمي الوقوع، وإنّما حكم تشريعي يطلب من المكلّفين تنفيذه بالاختيار لا بالإجبار، وإلاّ سقط التكليف.
                          14- إنّ اختبار الإمام عليّ(عليه السلام) باعتباره الأفضل من بقية الأوصياء يكون بدرجة أعلى، فإذا جاء له الحكم بعد ثلاثين سنة، فلأجل أنّه أعلى رتبة؛ إذ استطاع قبول هذا الاختبار والصبر على ذلك.
                          15- إنّ عدم قبول الناس للإمام ليس بسبب عدم التأييد الإلهي للإمام، بل الإمام مؤيّد ومسدّد من قبل الله دائماً، وإنّما السبب في ذلك هو: إصرار الظلمة على ظلمهم، نعم، يستطيع الباري عزّ وجلّ إجبارهم على قبول إمامته، لكن حكمة الباري عزّ وجلّ اقتضت عدم الجبر وإلاّ لما تميّز الخبيث من الطيب.
                          16- على الرغم من الآية الواضحة التي تقولها بحقّ طالوت، نقول: لو سلّمنا أنّ قول الله سبحانه وتعالى بالآيات التي نزلت على نبيّ طالوت(عليه السلام) كان واضحاً، أو قول نبيّهم لهم كان واضحاً، فمع ذلك لم يؤمن به إلاّ قليل؛ والدليل قوله تعالى: (( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَّم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم )) .
                          17- لقد نازع الإمام عليّ(عليه السلام) في مواقف متعدّدة حقّانيته بالخلافة، والحكم منها، حين اجتمع الستّة لاختيار خليفة بعد عمر، وكذا في حديث المناشدة في الرحبة، وبعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع فاطمة(عليها السلام) حين داروا على بيوت الأنصار، وغير ذلك، فما تزعمه من أنّ صاحب الشأن لم يحتجّ على غيره بحقّه كلام غير صحيح.
                          ودمتم في رعاية الله
                          (1) تفسير ابن أبي حاتم 4: 1162 الحديث (6551).
                          (2) شواهد التنزيل1: 212 الحديث (221)، وانظر: عنوان آية الولاية في هذه الموسوعة.
                          (3) الدرّ المنثور 2: 293, 294 قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (4) أحكام القرآن 2: 557 باب العمل اليسير في الصلاة.
                          (5) أسباب النزول: 133 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (6) لباب النقول في أسباب النزول: 81 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (7) تفسير ابن كثير 2: 74 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (8) جامع أحكام القرآن 6: 221 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (9) معاني القرآن 2: 325 (111) قوله تبارك اسمه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (10) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل 1: 624 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...)).
                          (11) مسند أحمد 1: 331 مسند عبد الله بن عبّاس، و4: 438 حديث عمران بن حصين.
                          (12) المستدرك على الصحيحين 3: 134 كتاب معرفة الصحابة.
                          (13) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 344 الحديث (4710).
                          (14) مسند أبي داود: 111، و360.
                          (15) المعجم الكبير 12: 78، و 18: 129.
                          (16) تاريخ مدينة دمشق 42: 100, 199 ترجمة الإمام عليّ.
                          (17) الإصابة 4: 467.
                          (18) البداية والنهاية 7: 374، و381 أحداث سنة (40).
                          (19) تحفة الأحوذي 10: 146 أبواب المناقب عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، باب مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
                          (20) انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 281 حديث قيس بن أبي عرزة, المصنّف لابن أبي شيبة 7: 503 كتاب الفضائل، باب (18) الحديث (55), تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 221 ترجمة الإمام عليّ, البداية والنهاية لابن كثير 5: 229، تفسير الثعلبي 4: 92، وغيرها.
                          (21) انظر: صحيح البخاري 4: 44 باب الصلاة إذا قدم من السفر، مسند أحمد بن حنبل 1: 60 مسند عثمان بن عفّان.





                          يتبع

                          تعليق


                          • #14
                            السؤال: الآثار المترتّبة على عدم تولّي الإمام الخلافة
                            ما هي الآثار السلبية المترتّبة على الإسلام بسبب عدم تولّي الإمام عليّ(عليه السلام) خلافة المسلمين؟
                            الجواب:

                            إنّ من أهم الآثار السلبية المتولّدة عن عدم تولّي الإمام عليّ(عليه السلام) للخلافة، هو: الانحراف والتشتّت والضلال الذي حصل في الأُمّة الإسلامية؛ إذ ابتعد الناس عن الهداية وجادة الحقّ، لابتعادهم عن أهل البيت(عليهم السلام)، كما قالت الزهراء(عليها السلام): (وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أمناً من الفرقة)(1).
                            ومن الجدير الإشارة إلى أنّ تولّي الإمام عليّ(عليه السلام) وحده للسلطة وقيامه بواجبات الإمامة دون غيره من المعصومين لا يكفي في هداية الناس ما لم يستمر حكم السلسلة الطاهرة، وما لم يكن هناك تفاعل من قبل الناس متمثّلاً بالطاعة وتولّي المعصوم.
                            دمتم في رعاية الله
                            (1) انظر: بلاغات النساء لابن طيفور: 160 كلام فاطمة وخطبتها، وغيره.





                            السؤال: مصير مغتصبي الخلافة
                            هل هناك روايات صحيحة تشير إلى مصير مغتصبي الخلافة من الإمام عليّ(عليه السلام) في الآخرة؟
                            الجواب:

                            هناك روايات كثيرة يستفاد من مجموعها أنّ بعضاً ممّن اغتصب الخلافة سيرد النار، أو أنّه موعود بها، ولكثرة تلك الروايات لا نحتاج إلى البحث عن سندها، وهذه بعضاً منها:
                            أوّلاً: في (كتاب سليم بن قيس): ((فقال عليّ(عليه السلام):... سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إنّ تابوتاً من نار فيه اثنا عشر رجلاً، ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين، في جبّ في قعر جهنّم في تابوت مقفل، على ذلك الجبّ صخرة. فإذا أراد الله أن يسعّر جهنّم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاستعرت جهنّم من وهج ذلك الجبّ ومن حرّه.
                            قال عليّ(عليه السلام): فسألت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنهم - وأنتم شهود به - عن الأوّلين؟ فقال: أمّا الأوّلون: فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة... وفي الآخرين: الدجّال، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة والكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه، وتعاقدوا على عداوتك يا أخي، ويتظاهرون عليك بعدي، هذا وهذا، حتّى سمّاهم وعدّهم لنا))(1).
                            ثانياً: وفي كتاب (الخصال) للصدوق: عن أبي ذرّ: قال رسول لله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (شرّ الأوّلين والآخرين اثنا عشر، ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين.. وأمّا الستّة من الآخرين: فالعجل وهو نعثل، وفرعون، وهو: معاوية, وهامان هذه الأُمّة، وهو: زياد، وقارونها، وهو: سعيد، والسامري، وهو: أبو موسى عبد الله بن قيس؛ لأنّه قال كما قال سامري قوم موسى: لا مساس، أي: لا قتال، والأبتر، وهو: عمرو بن العاص)(2).
                            ثالثاً: وفي (الخصال) أيضاً: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إنّ في التابوت الأسفل ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين... والستّة من الآخرين: فنعثل، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري)، ونسي المحدّث اثنين(3).
                            رابعاً: وفي كتاب (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم المنقري، قال: ((عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمر، قال: إنّ تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأنّ فرعون قال: أنا ربّكم الأعلى))(4).
                            خامساً: وفي (تفسير العيّاشي): بإسناده عن أبي بصير، عن جعفر بن محمّد(عليه السلام)، قال: ((يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب، بابها الأوّل للظالم، وهو: زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك.... فهم أبواب لمن تبعهم))(5).
                            سادساً: وفي (تفسير العيّاشي) أيضاً: عن الثمالي، عن علي بن الحسين(عليهما السلام)، قال: (ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: من جحد إماماً من الله، أو ادّعى إماماً من غير الله، أو زعم أنّ لفلان وفلان في الإسلام نصيباً)(6).
                            هذه مجموعة صغيرة من الأحاديث، وهناك كثير من الأحاديث، فراجع كتب الأحاديث تجدها مسطّرة هناك.
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) كتاب سليم بن قيس: 161 الحديث (4).
                            (2)
                            الخصال: 458 أبواب الاثني عشر.
                            (3)
                            الخصال: 485 أبواب الاثني عشر.
                            (4)
                            وقعة صفّين: 219 ما ورد من الأحاديث في شأن معاوية، بحار الأنوار 33: 189كتاب الفتن.
                            (5)
                            تفسير العيّاشي 2: 243 تفسير سورة الحجر، بحار الأنوار 21: 603.
                            (6)
                            تفسير العيّاشي 1: 178 تفسير سورة آل عمران، بحار الأنوار 21: 605.




                            السؤال: الإمامة وفاطمة الزهراء(عليها السلام)
                            إنّ آية التطهير تدلّ على العصمة وعلى الإمامة, وسؤالي عن الإمامة‎: هل فاطمة الزهراء(عليها السلام) تكون إماماً؟! لأنّ حديث الثقلين مربوط بآية التطهير، وبيّن النبيّ من هم أهل البيت في حديث الثقلين من خلال آية التطهير، وحديث الاثني عشر خليفة.. وأراد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يفهمنا من خلال هذه الآية وحديث اثنى عشر خليفة على أنّهم أئمّة وخلفاء.
                            لكن فاطمة الزهراء(عليها السلام) رغم وجودها في آية التطهير هل هي إمام، أم هي تستخلف النبيّ من بعده؟
                            فنرجو من سماحتكم التوضيح.
                            الجواب:

                            هناك فرق بين الإمامة والعصمة، فهما مفهومان لا واحد.. فإنّ العصمة شرط من شروط الإمامة، وهناك تلازم بين الإمامة والعصمة، ولكن التلازم من طرف الإمامة لا من الطرفين، فالإمامة مستلزمة للعصمة، فكلّ إمام معصوم، وليس كلّ معصوم إمام، فدائرة العصمة أوسع من دائرة الإمامة.
                            نعم، إذا تحقّقت بقية الشروط مع العصمة في شخص بحيث تساوت دائرة الإمامة مع دائرة العصمة وانحصرت فيه، فلا بدّ أن يكون الإمام.
                            وقد دلّت الأدلّة وإجماع الأُمّة على أنّ المرأة لا تكون نبيّة ولا إماماً، فإذا دلّت آية التطهير على طهارة فاطمة الزهراء(عليها السلام) وعصمتها، فهذا لا يدلّ على إمامتها, وآية التطهير لا تدلّ على الإمامة حتّى تكون فاطمة(عليها السلام) إماماً لدخولها فيها، بل تدلّ على إذهاب الرجس والتطهير، أي: العصمة، وهي أعمّ من الإمامة، فتشمل فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ويترتّب على عصمتها: صدق قولها، وصحّة ادّعائها؛ فإنّها ادّعت الإمامة لزوجها عليّ(عليه السلام)، ولم تدّع ذلك لنفسها، لو قلنا بصحّة مثل هذا الادّعاء من النساء.
                            ثمّ إنّ التمسّك المطلوب بالثقلين أيضاً أعمّ من التمسّك بالأئمّة؛ فيشمل التمسّك بفاطمة الزهراء(عليها السلام).
                            إلاّ أنّ عدم دخول السيّدة الزهراء(عليها السلام) ضمن الأئمّة لا يقلّل من شأنها؛ لأنّها(عليها السلام) عصمة الله الكبرى، وحجّة الحجج، أي: أنّ ولايتها تشمل جميع الأئمّة، وهي(عليها السلام) حجّة على كلّ الأئمّة.




                            السؤال: العلّة التي من أجلها جعلت الإمامة في ولد الحسين(عليه السلام) دون ولد الحسن(عليه السلام)
                            لماذا التسعة المعصومين جاؤوا من نسل الإمام الحسين(عليه السلام) ولم يأتوا من نسل الإمام الحسن(عليه السلام)؟
                            الجواب:

                            قال الله تعالى: (( اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ )) (الأنعام:124)، فالاختيار للأنبياء والأوصياء شأن تكفّل به المولى سبحانه ولا يخضع لأيّة اعتبارات يمكن أن نتصوّرها في هذا الشأن سوى علمه وحكمته سبحانه.
                            نعم، قد وردت بعض الروايات، ذكرها الشيخ الصدوق(رحمه الله) في (علل الشرائع)(1)، تشير إلى بعض المعاني التي جعلت الإمامة بسببها في ولد الحسين(عليه السلام) دون ولد الحسن(عليه السلام)، وهي لا تعدو أن تكون جوابات إقناعية لهذا السؤال الذي كان يسأله الناس للأئمّة(عليهم السلام).
                            وهناك جواب للسؤال نفسه حين سأله محمّد بن أبي يعقوب للإمام الرضا(عليه السلام)، قال: ((سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)، قلت له: لأيّ علّة صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن(عليهما السلام)؟
                            قال(عليه السلام): لأنّ الله عزّ وجلّ جعلها في ولد الحسين، ولم يجعلها في ولد الحسن، والله لا يسأل عمّا يفعل))(2).
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) علل الشرائع 1: 205 الباب (156).
                            (2)
                            علل الشرائع 1: 208 الباب (156).





                            السؤال: علّة حصول الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)(1)
                            لماذا أصبح الأئمّة المعصومين من ذرّية الإمام الحسين(عليه السلام) وليس من ذرّية الإمام الحسن(عليه السلام)؟ ما علّة ذلك؟
                            الجواب:

                            لا بدّ من الإشارة هنا إلى مسألة تعدّ من المسلّمات في الأديان الإلهية، هي: أنّ اختيار الأنبياء والأوصياء يكون بيد الله وحده؛ إذ هو جلّ جلاله المطّلع على كمالات وقابليات خلقه، فيصطفي منهم من يشاء، والآيات القرآنية صريحة في ذلك.
                            فإذا عرفنا أنّ مقام النبوّة والرسالة والإمامة هي مراتب كمالية في هذه الوجودات النورانية، سهل علينا فهم وجه اختيارهم مصاديق للّطف الإلهي، مع ملاحظة أنّ الذي يعرف قابليات هذه المراتب الكمالية هو الله جلّ جلاله، وإن كنّا قد نعرفها بالجملة بعد اختيارهم(عليهم السلام) في الدنيا.
                            إذا عرفت هذا.. نودّ أن نذكر بعض الروايات التي تشير إلى ما في السؤال من أبعاد مختلفة:
                            فمنها: ما رواه الكليني في (الكافي) من أنّ جبرئيل بشّر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولادة الحسين، وأنّه ستقتله أُمّته، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا جبرئيل، وعلى ربّي السلام، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أُمّتي من بعدي).
                            ثمّ هبط جبرئيل في مرّة أُخرى وبشّر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولادة الحسين(عليه السلام)، وأنّ الله جاعل في ذرّيته الإمامة والولاية والوصاية(1).
                            وهذه الرواية ربّما تشير إلى البعد والأثر التكويني في تضحية الحسين(عليه السلام) الذي جعل الوصاية تكون في ولده.
                            أمّا كيفية تأثير الشهادة في هذا البعد، وعلاقتها بجعل الأئمّة من ولد الحسين(عليهم السلام) غير ظالمين، حتّى يكونوا وعاءً لمرتبة الولاية المستجابة من ربّ العزّة والجلال، لدعاء إبراهيم(عليه السلام) عندما سأله ذلك بــ(( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، فعلمه عند الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة من ولده(عليهم السلام).
                            ومنها: ما في جواب الصادق(عليه السلام) لأبي بصير من أنّ الآية: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33) نزلت في أصحاب الكساء، فبعد عليّ(عليه السلام) كان الحسن(عليه السلام)؛ لأنّه من أصحاب الكساء، وبعد الحسن(عليه السلام) كان الحسين(عليه السلام): لأنّه منهم، ولو أراد الحسن(عليه السلام) أن يجعلها في ولده وما كان ليفعل، لقال له الحسين(عليه السلام): لقد أنزل الله فيّ كما أنزل فيك - أي: آية التطهير ــ..
                            وأمّا بعد شهادة الحسين(عليه السلام) فلم يكن أحد يدّعي مثل ما يدّعي الحسن والحسين(عليهما السلام) بأنّهم من أصحاب الكساء، فجرى قول الله عزّ وجلّ في أولاد الحسين(عليه السلام): (( وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ )) (الأنفال:75)، فكانت الإمامة في عليّ بن الحسين(عليه السلام)، وبعده في محمّد بن عليّ، وهكذا إلى الحجّة(عجل الله تعالى فرجه الشريف)(2).
                            وهذه الرواية جاءت بالجواب عن البعد التشريعي والاستدلال بالقرآن والسُنّة، وربّما هناك روايات أُخرى تشير إلى أبعاد أُخرى لا يعدمها المتتبّع لمتون رواياتنا، يستطيع السائل أن يبحث عنها في كتبنا الحديثية.
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) الكافي 1: 464 أبواب التاريخ، باب مولد الحسين(عليه السلام) الحديث (4).
                            (2)
                            انظر: الكافي 1: 286 كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً حديث (1).






                            السؤال: علّة حصول الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)(2)
                            لماذا أصبحت الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)، وليست في نسل الحسن(عليه السلام)؟
                            الجواب:

                            إنّ أسماء الأئمّة(عليهم السلام) منصوص عليها في خبر اللوح الذي نزل على فاطمة الزهراء(سلام الله عليها)، الذي يرويه جابر بن عبد الله الأنصاري(1).
                            فأسماء الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلم) مثبّت في ذلك اللوح، والحكمة من ذلك بحسب الروايات موجودة هي: أنّ الحسين(عليه السلام) لمّا قتل جعل الله تعالى الأئمّة من ذرّيته، والدعاء تحت قبّته، والشفاء في تربته(2).
                            ولا يخفى عليك أنّ هذه الأُمور مقدّرة، وأنّ الله تعالى عالم بما يقع في المستقبل، ويقرّر ما هي المصلحة على ضوء ما سيقع, فقرّر أن يكون بقيّة الأئمّة(عليهم السلام) من نسل الحسين(عليه السلام) لسبب تضحيته وقتله يوم عاشوراء.
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) الكافي للكليني 1: 534 كتب الحجّة أبواب التاريخ باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، الهداية الكبرى للخصيبي: 364 الباب (14)، فرائد السمطين 2: 136 الباب (32) الحديث (432 - 435).
                            (2)
                            انظر: المزار للمشهدي: 497 الباب (18) الزيارة التاسعة.





                            السؤال: فكرة الفداء وكون الإمامة من نسل عليّ ومن الحسين دون الحسن(عليهم السلام)
                            هل من الممكن أن تكون فكرة الفداء التي قام بها الإمام عليّ للرسول في الهجرة رمزاً بأن يكون النسل المبارك من ولده، وكذلك فداء الإمام الحسين للإسلام رمزاً بأن يكون النسل منه لا من الحسن؟
                            لأنّه عند أهل الكتاب كانت فكرة الفداء تدلّ على النسل المبارك، كما فعل إبراهيم مع إسماعيل، وقال الله تعالى: (( فَلَمَّا أَسلَمَا وَتَلَّهُ لِلجَبِينِ )) (الصافات:103)، أي: أنّه بيّن أنّ هذا الفداء كان رمزاً للإسلام، وخروج نبيّ الإسلام من نسل إسماعيل..
                            وهل أشار أحد من الأئمّة أو علماء الشيعة لهذه الفرضية؟
                            الجواب:

                            مسألة جعل الإمامة في نسل عليّ(عليه السلام) وفي نسل الحسين(عليه السلام) دون الحسن(عليه السلام) تعود للاختيار الإلهي المستند إلى علمه وحكمته تعالى، ولا توجد علل حقيقة في هذه المسألة سوى ما أشرنا إليه، قال تعالى: (( اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ )) (الأنعام:124).
                            نعم، يوجد في الآيات والروايات دلالة على أنّ الاصطفاء لا يكون إلاّ بعد الابتلاء للنبيّين والأوصياء، ولعلّه يكون لما ابتلي به الحسين(عليه السلام) وصبر عليه تأثير أيضاً في جعل الإمامة في نسله، وتوجد إشارة في بعض الروايات إلى هذا(1).
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) علل الشرائع للصدوق 1: 205 الباب (156).






                            السؤال: صغر السنّ لا يقدح بالإمامة
                            ما هو الدليل على إمامة الإمام الجواد(عليه السلام) مع أنّه كان صغير السن؟
                            الجواب:

                            إن كان الإشكال في صغر السن، فقد ثبت عدم دخالة العمر في شرط الإمامة والقيادة، عقلاً ونقلاً..
                            أمّا عقلاً: فلا دليل على استحالة ذلك؛ فيكون من الممكنات.
                            وأمّا نقلاً: فهنالك آيات وروايات كثيرة ثبت من خلالها إمكان بل وقوع النبوّة والتبليغ والإمامة والقيادة للأُمّة بسنّ صغيرة، وهذا عيسى(عليه السلام) يشهد له القرآن بذلك؛ إذ يقول: (( قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً )) (مريم:29-30) ، وكذلك تحدّث عن يحيى(عليه السلام)، فقال: (( يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً )) (مريم:12).
                            وإن كان الإشكال في شيء آخر، فأخبرنا ونحن لك من الشاكرين..





                            السؤال: إمام هذا الزمان
                            من هو إمام هذا الزمان؟
                            الجواب:

                            إمام هذا الزمان هو: الإمام المهدي(عليه السلام), واسمه الكامل محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ السجّاد بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(صلوات الله عليهم أجمعين).
                            وهو الإمام الثاني عشر من هذه السلسلة المباركة بالإضافة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)، التي أشار إليها النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أحاديث متواترة مشهورة عند الفريقين: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة, أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة, كلّهم من قريش)، رواه مسلم وأحمد(1), ولا يوجد أي بيان صحيح لهذه الأحاديث، أي: أحاديث الخلفاء الاثنا عشر، في كتب أهل السُنّة سوى ما أشرنا إليه أعلاه..
                            والبيان المتقدّم بأنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم الخلفاء الاثنا عشر الوارد ذكرهم في الأحاديث النبوية، يتوافق تماماً مع أحاديث نبوية أُخرى صحيحة وردت في هذا المعنى، نذكر منها: الحديث الصحيح المتواتر المسمّى: (حديث الثقلين)..
                            وهو: قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً, وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)، رواه الترمذي والحاكم وابن أبي عاصم، وغيرهم(2).
                            فهذا الحديث الشريف يثبت استمرار إمامة أهل البيت(عليهم السلام) إلى يوم القيامة، وقد نصّ على هذا المعنى (المستفاد من الحديث) عدّة من علماء أهل السُنّة، كابن حجر في (الصواعق)(3)، والسمهودي الشافعي في (جواهر العقدين)(4)، والزرقاني في (شرح المواهب)(5)، وغيرهم.
                            والحديث الصحيح: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(6), فهو دالّ على وجود إمام لكلّ زمان ينبغي معرفته واتّباعه, ولا تجد لهذا الحديث تفسيراً واضحاً عند أهل السُنّة, سوى حديث الخلفاء الاثني عشر الذين تستمر إمامتهم إلى يوم القيامة, ولا يُفسّر حديث الخلفاء الاثنا عشر تفسيراً صحيحاً إلاّ بحديث الثقلين، الموافق له في المضمون والمعنى..
                            فتعيّن: أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم الخلفاء الذين منهم إمام زماننا(عجّل الله فرجه).
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) مسند أحمد بن حنبل 5: 86 - 108 حديث جابر بن سمرة، صحيح البخاري 8: 127 كتاب الأحكام، صحيح مسلم 6: 3، 4 كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه, سنن أبي داود 2: 309 الحديث (4279) كتاب المهدي, سنن الترمذي 3: 340 الحديث(2323) أبواب الفتن، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 617 كتاب معرفة الصحابة.
                            (2)
                            مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، كتاب السُنّة لابن أبي عاصم: 629 الحديث (1551 - 1558)، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148، السنن الكبرى للبيهقي 2: 148 جماع أبواب صفة الصلاة.
                            (3)
                            الصواعق المحرقة2: 439.
                            (4)
                            جواهر العقدين في فضل الشرفين 1: 94 القسم الثاني، الرابع، التنبيه الثالث.
                            (5)
                            شرح الزرقاني على المواهب اللّدنية بالمنح المحمّدية 9: 250 المقصد السابع، الفصل الثالث.
                            (6)
                            انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 96 حديث معاوية، صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين، السنن الكبرى للبيهقي 8: 156 كتاب قتال أهل البغي، باب الترغيب في لزوم الجماعة، مسند أبي داود الطيالسي: 259، كتاب السُنّة لابن أبي عاصم: 489 الحديث (1057)، مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، صحيح ابن حبّان 10: 434 كتاب السير، وغيرها.


                            تعليق على الجواب (1)
                            أشرتم في جوابكم: أنّ إمام الزمان: المهدي، وهو المطلوب معرفته واتّباعه، فكيف تتّبع إنساناً لا تراه؟! وما هو مفهوم الطاعة عندكم؟
                            الذي نعرفه أنّ الطاعة هي: الامتثال للإرادة, فكيف يمكن من الناحية العملية أن تطيع أو تتّبع الإمام المهدي؟
                            فأغلب المسلمين متساوين من هذه الناحية, فأغلبهم يعرفون الإمام المهدي, أمّا الحديث المشار إليه، فإنّ (الهاء) في كلمة (زمانه) تعود إلى المكلّف - أي: زمان المكلّف - أي: ضرورة وجود إمام مختصّ لكلّ زمان.
                            وبالإضافة إلى ذلك، فإنّي سمعت محاضرة لأحد العلماء الشيعة قال فيها: إنّ إمام الزمان لا يقصد به الإمام المهدي!
                            الجواب:

                            لقد دلّت الأحاديث على وجود اثني عشر إماماً، أو خليفة، أو أميراً, بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتولّون شؤون المسلمين وقيادتهم إلى قيام الساعة، كما ذكرنا ذلك لك في الجواب السابق, ومن المصادر المعتبرة عند أهل السُنّة قبل الشيعة..
                            وقد قلنا: أنّ هذه الأحاديث لا يوجد تفسير صحيح لها سوى تطبيقها على أئمّة العترة النبوية الطاهرة من الأئمّة الاثني عشر المعصومين(عليهم السلام)..
                            وهذا ما يستفاد أيضاً من حديث التمسّك بالثقلين - الكتاب والعترة - المتضافر المشهور, الذي دلّ على وجود إمام من أهل البيت(عليهم السلام) يجب التمسّك به مع القرآن الكريم إلى يوم القيامة؛ لأنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال هذا الحديث: (وإنّهما - الكتاب والعترة - لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض), وقد استفاد ما ذكرناه أيضاً بعض علماء الجمهور، كالسمهودي الشافعي، في ما نقله عنه الإمام الزرقاني المالكي في (شرح المواهب)؛ إذ قال: ((هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من عترته في كلّ زمن إلى قيام الساعة، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور على التمسّك به، كما أنّ الكتاب كذلك))(1).
                            فالإمام الثاني عشر, حسب حديث الثقلين, موجود حيّ، لا يفارق القرآن ولا يفارقه، إلى يوم وفاته(عليه السلام) وهو قبل قيام الساعة.. فالمعلوم أنّ الأئمّة الأحد عشر من آبائه(عليهم السلام) قد توفّوا، وهذا ثابت مشهور, وبقي هو (عليه السلام) حيّاً غائباً، قد دلّت على ذلك نصوص كثيرة متضافرة عندنا, وأثبتت أيضاً أمر ولادته، وأنّه ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).
                            أمّا سؤالك عن كيفية اتّباعه وهو غائب، أو عن كيفية إطاعته..
                            فنقول: لقد وردت الروايات الصحيحة عندنا التي توجّه المسلمين، الذين يعتقدون بإمامة الأئمّة الاثني عشر, ويتّبعون الرسول الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ما ذكره في هذا الجانب, إلى العودة إلى الفقهاء الذين يروون أحاديث أهل البيت(عليهم السلام), وقد ورد عن الإمام المهدي(عليه السلام) نفسه قوله: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)(2)..
                            وهذا الحديث الوارد عنه(عليه السلام) هو السبيل لطاعته في زمن الغيبة, أي: بالعودة إلى الفقهاء ومراجع الدين، الذين يروون أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) وتقليدهم في العبادات والمعاملات..
                            ومفهوم الإطاعة والاتّباع لا ينحصر بالتلقّي المباشر من المطاع, بل له طريق آخر، وهو: من خلال نوّابه، أو من يوصل أوامره، وإلاّ كيف تفسّر كوننا مسلمين ونتّبع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا الزمن؟!
                            وأمّا ما ذكرته عن كلام العالم الشيعي، فلم نطّلع عليه! وإن كان النص الكامل لكلامه موجوداً عندك, فزودنا به ولكم الشكر..
                            وعلى أيّة حال لا يوجد خلاف بين علماء الإمامية، متقدّمهم ومتأخّرهم، في أنّ إمام الزمان في عصر الغيبة الكبرى هو: المهدي المنتظر(عليه السلام), بل عُدّ من ألقابه لقب: (صاحب العصر والزمان)، الذي يعني: مصاحبته للزمان كلّ هذه المدّة الطويلة من حياته الشريفة، عجّل الله تعالى ظهوره المبارك, وأنقذ المسلمين بطلعته البهية؛ إذ به يتحقّق حلم الأنبياء والمؤمنين بإقامة دولة العدل الكبرى.
                            ودمتم في رعاية الله
                            (1) شرح الزرقاني على المواهب اللّدنية 9: 250 المقصد السابع، الفصل الثالث.
                            (2)
                            انظر: إكمال الدين للصدوق: 484 الباب الخامس والأربعون: ذكر التوقيعات (4).





                            السؤال: كيفية الإيمان بالإمام المهدي(عجّل الله فرجه)
                            أُريد أن أعرف إمامي؛ لأنّي لم أُولد في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي وصلتني رسالته عبر الكتاب وسُنّته، وعبر الفاتحين باعتباره خاتم الرسل، ولست مضطرّاً إلى أن أبحث عنه في الكتب؛ لأنّه موجود وحاضر - أعني: الإمام - فعليه جزاه الله خيراً أن يدلّني عليه، أو يدلّ غيري ليدلّني من أجل بيعته؛ لأنّي سأُسأل عنه يوم القيامة، لخوفي من الخلود في النار.
                            الجواب:

                            طرق المعرفة لا تنحصر بمشاهدة المعلوم ورؤيته، وإلاّ كيف لك أن تثبت وجود الله مع أنّك لم تره وتحسّ به بحواسّك الخمس؟!
                            وكذلك إيمانك بوجود البلدان ومدن العالم؛ فإنّك تؤمن مثلاً بوجود مدن، مثل: لندن، وباريس، وموسكو، مع أنّك - على فرض - لم ترَ هذه المدن، وليس لك سبيل إلى إنكارها أمام الناس بحجّة أنّك لم ترَها، أو تزرها وتشاهد أهلها، وتتكلّم معهم، وليس ذلك إلاّ لأنّ إيمانك بوجود هذه المدن إنّما حصل من طريق التواتر، الذي منشأه: كثرة النقل، وثبوت هذه الأُمور بما تسمعه وينقله الناس عنها، فتؤمن وأنت الجالس في بيتك، والبعيد عن هذه المدن بوجودها وحقيقتها.
                            فكذلك مسألة وجود الإمام المهدي(عليه السلام)؛ فبعد تواتر أمر ولادته عندنا وثبوت وجوده المبارك بين ظهرانينا، فنحن مسلّمون بذلك ومذعنون له، بحكم حجيّة العلم والقطع، التي لا يخالفها إلاّ من حكم بعدم وجود عقله، وأنّه لا حجّية للعلم عليه.
                            وأمّا مسألة مبايعة الإمام(عليه السلام)، فهي لا تقتضي مشاهدته والمصافقة على يديه(عليه السلام)، كما يتصوّر البعض، بل يكفي الاعتقاد بإمامته ووجوده، وعقد القلب على هذه العقيدة، ولا حاجة إلى تلك البيعة الصورية... وهذا المعنى في المعرفة بالإمام(عليه السلام) كافٍ في أن لا تموت ميتة جاهلية، طبقاً لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).




                            السؤال: لماذا يقال للائمة (عليهم السلام) بدلا (رحمهم الله)
                            لماذا الشيعة يستفيدون من كلمة "عليه السلام" للأئمة بدلاً من "رحمه الله"
                            لقد قال هذا احد السنة ان كلمة "عليه السلام" مختصة بالانبياء
                            الجواب:

                            1- ليست العبارة هذه مختصة بالانبياء (عليهم السلام) كيف وان الائمة اعلى شأنا من الانبياء عدا نبينا الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) .
                            2- ليس الشيعة فقط من يذكر عبارة (عليه السلام) بعد ذكر الائمة، فقد راينا البخاري يذكر في صحيحه عبارة (عليه السلام) بعد اسم الامام علي وعبارة (عليها السلام) بعد ذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء في عدة احاديث :
                            في كتاب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لمحمد بيومي ص 19قال:
                            وهكذا رأينا الامام البخاري مثلا، يذكر في صحيحه عبارة عليه السلام بعد اسم الإمام علي وعبارة عليها السلام بعد ذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء في عدة أحاديث فأما عن السيدة فاطمة الزهراء فقد جاء في باب مناقب علي من حديث ابن أبي ليلي قال : حدثنا علي ان فاطمة عليها السلام، شكت ما تلقى من اثر الرحا... (صحيح البخاري 5 / 24) وفي باب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 5 / 25) .
                            ومن حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن فاطمة عليها السلام، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 5 / 25) وفي ( باب عمرة القضاء من حديث أنس ( فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فاخذ بيدها وقال لفاطمة عليها السلام : دونك ابنة عمك... (صحيح البخاري 5 / 180) وفي باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم من حديث انس قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليها السلام : واكرب أباه فقال لها : ليس على أبيك كرب بعد اليوم (صحيح البخاري 6 / 18).
                            وأما عن علي بن أبي طالب فلقد عنون البخاري بعثه على اليمن كالتالي بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه، إلى اليمن قبل حجة الوداع ( صحيح البخاري 5 / 206 وروى البخاري في صحيحه بسنده عن انس، رضي الله عنه اتى عبيد الله بن زياد براس الحسين عليه السلام، فجعل في طست فجعل ينكث... الحديث (صحيح البخاري 5 / 33) .


                            السؤال: استخدام الائمة للتعبير (عليه السلام) عند ذكر الامام
                            تعارفت الشيعة على ألصاق لفظ (عليه السلام) بعد ايراد أسم المعصوم، ولكن نريد ان نسأل هل كان المعصوم نفسه يورد هذا اللفظ عندما يذكر اسم معصوم اخر ؟ مثلا عندما يتكلم الامام الحسين (عليه السلام) عن ابيه امير المؤمنين (عليه السلام) فهل كان يقول (عليه السلام) ؟ اذا نعم نرجو منكم ذكر الادلة الروائية المعتبرة في كتبنا الحديثية (ويا حبذا لو كان الدليل من الكتب الاربعة)، ام ان الراوي هو من كان يلصق هذا اللفظ بعد ذكر اسم المعصوم ؟
                            الجواب:

                            ورد عن الائمة عليهم السلام لفظ (عليه السلام) عندما يتكلم عن امام اخر ومن ذلك :
                            أولاً: قال الصادق (عليه السلام) : (كان ابي (عليه السلام) اذا احزبه امر جمع النساء والصبيان ثم دعا وامنوا) / الدعوات ص29 قطب الدين الراوندي :
                            ثانياً: روى عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) : (كانت امي قاعدة عند جدار فتصدع الجدار وسمعنا هدة شديدة فقالت بيدها : (لا) وحق المصطفى ما اذن الله لك في السقوط، فبقي معلقا حتى جازته فتصدق عنها ابي (عليه السلام) بمائة دينار) / الدعوات ص69.
                            ثالثاً: روى الشيخ الصدوق في الفقيهح1ص189 ح903 لما قبض النبي صلى الله عليه وآله امتنع بلال من الاذان وقال : لا أؤذن لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن فاطمة عليها السلام قالت ذات يوم : إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي عليه السلام بالاذان ...).
                            رابعاً: روى الشيخ الكليني في الكافي ج1 ص321 / باب الاشارة والنص على ابي جعفر الثاني(عليه السلام) أحمد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن الجهم قال : كنت مع أبي الحسن عليه السلام جالسا، فدعا بابنه وهو صغير فأجلسه في حجري، فقال لي : جرده وانزع قميصه، فنزعته فقال لي : انظر بين كتفيه، فنظرت فإذا في أحد كتفيه شبيه بالخاتم داخل في اللحم، ثم قال : أترى هذا ؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي عليه السلام) .
                            خامساً: جاء في وسائل الشيعة للحر العاملي ج14 ص381 باب استحباب اختيار زيارة امير المؤمنين(عليه السلام) /ح1943/ عن عمر بن عبدالله بن طلحة النهدي عن ابيه قال: ( دخلت على ابي عبدالله(عليه السلام) فقال : ياعبدالله بن طلحة ما تزور قبر ابي الحسين؟ قلت: بلى انا لنأتيه, قال: تأتونه في كل جمعة؟ قلت: لا, قال: فتأتونه في كل شهر؟ فقلت: لا,فقال : ما اجفاكم ان زيارته تعدل حجة وعمرة وزيارة ابي علي(عليه السلام) تعدل حجتين وعمرتين ).
                            سادساً: جاء في امالي الطوسي ج2 ص114-113 عن الامام زين العابدين(عليه السلام) كنت امشي خلف عمي الحسن وابي الحسين عليهما السلام....).
                            سابعاً: جاء في الخرائج ج1 ص 299 الباب السابع في معجزات الامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) ومنها ان ابا الصلت الهروي روى عن الرضا(عليه السلام) انه قال: قال لي ابي موسى(عليه السلام) : كنت جالسا عند ابي(عليه السلام) اذ دخل عليه بعض اوليائنا ...)
                            وهناك رويات عدة في هذا المجال .







                            السؤال: اطلاق لفظ الامام قبل التسلم الفعلي للإمامة
                            هل كان الناس في زمن الرسول(ص) يسمون علي(عليه السلام) بالإمام علي قبل وفاة الرسول(ص)؟ وهل كانوا يسمون الحسن والحسين(عليهما السلام) في زمان ابوهما أئمة؟
                            وهل من الجائز تسمية الحجة قبل ان يستلم الإمامة على نحو الاستقلال بـ(الإمام) قبل وفاة الحجة المستلم للإمامة؟
                            الجواب:

                            لقد ورد في بعض الاحاديث تسمية علي بالامام وكذلك سمى الحسنان بالامامين ففي حديث المعراج ان الله سبحانه وتعالى سمى عليا بالامام ففي الامالي للصدوق ص434 حيث قال : ان عليا امام المتقين وقائد الغر المحجلين ويعسوب المؤمنين وعن الحسن والحسين ورد انهما امامان قاما او قعدا وفي حديث الامام الصادق حيث سأل من قبل زرارة تكون الارض وفيها امامان قال لا الا امامان احدهما صامت لا يتكلم ويتكلم الذي قبله والامام يعرف الامام الذي بعده فالامام الصادق عبر عن كليهما بالامامين لكن وصف احدهما بانه صامت .

                            تعليق

                            يعمل...
                            X