السؤال: هل تثبت إمامة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بآية: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) ؟
هل الرسول لم يكن إماماً قبل هذه الآية: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، فهذه الآية هي التي نصّبته إماماً، فهل قبلها لم يكن إماماً؟
الجواب:
إنّ البحث في ثبوت إمامته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولايته العظمى المطلقة في مرتبة عالم الثبوت والواقع، ممكن أن يُحصّل بالقول: أنّها ثابتة له(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوّل خلقته النورية؛ فهو أوّل من خلقه الله، خلقه نوراً ثمّ اشتقّ منه نور عليّ(عليه السلام)، وفاطمة(عليها السلام)، والحسن والحسين والتسعة المعصومين(عليهم السلام)، وجعلهم أنواراً محدقين حول العرش، فأوّليتهم الصدورية وكونهم واسطة الفيض، مقتضٍ لثبوت الولاية العظمى المطلقة لهم، أي: بجميع مراتبها التشريعية والتكوينية.
وأمّا البحث في مرتبة الجعل التشريعي والاعتبار الشرعي للإمامة، والذي هو مورد السؤال ظاهراً؛ إذ من الواضح أنّها من هذه الجهة مقام جعلي وإعطاء شرعي، تحتاج إلى جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه الولي المطلق الحقّ.
ولا محال تكون هذه الولاية المعطاة تكون على نحو الطولية، لا العرضية؛ لأنّه مستحيل وباطل، فهي نوع من التفويض غير الاستقلالي الذي لا بدّ فيه من النصب والجعل، وذلك واضح من ظاهر الآيات القرآنية، قال تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ )) (ص:26)، وقال تعالى في حقّ إبراهيم(عليه السلام): (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124) ، وغيرها من الآيات.
وكذلك يتّضح أيضاً في التحقيق أنّ الولاية والإمامة من الأُمور التشكيكية ذوات المراتب، كالنبوّة، كما أنّها قد تأتي لاحقاً على مرتبة النبوّة والرسالة، كما هو ثابت بالنسبة لإبراهيم(عليه السلام) في قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) .
وأمّا الكلام في وقت ثبوتها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم نعثر عليه محصلاً في كتب علماء المسلمين، اللّهمّ إلاّ في الاستدلال على ثبوتها القطعي له(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأمّا بخصوص أنّ وقت ثبوتها وتشريعها هل كان بنزول قوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، أو قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36)؛ فإنّا نقول:
النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما أسّس دولة بعد هجرته كان إماماً وقائداً للمسلمين بشكل واضح وعمليّ، وما من أحد يشكّ في ذلك أو يجهله، ولم يكن ملكاً كسليمان أو طالوت(عليهما السلام)، وكان ذلك قبل نزول هذه الآية من سورة الأحزاب بعدّة سنوات، فلا يمكن التسليم معك بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصبح إماماً للمسلمين بعد نزول هذه الآية الكريمة، بل هذه الآية كاشفة ومخبرة عن ذلك ولو بعد حين؛ لأنّها ليست مقتصرة في الكلام عن ولاية وأولوية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمؤمنين من أنفسهم، وإنّما تتكلّم الآية عن نساء النبيّ وتجعلهنّ أُمّهاتٍ للمؤمنين، وتبيّن أحكام الميراث عموماً؛ فالآية إخبارية وكاشفة ومؤكّدة لولاية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أُمّته، لا إنشائية جعلية.. ومثله الكلام في الآية الثانية.
هذا، كما أنّه يمكن أن يقال: أنّ مراتب الولاية العظمى ثبتت للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتدريج، فقد قال تعالى: (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)، وقال تعالى: (( وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا )) (الأنعام:92)، وقال تعالى: (( قُل إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ )) (ص:65)، ثمّ نزل قوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )) (المائدة:555)، فقد تكون الولاية على الأنفس مرتبة من مراتب الولاية العظمى ثبتت لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وقت من أوقات سنيّ بعثته؛ إذ يمكن أن يكون النبيّ إماماً منذ مدّة طويلة دون هذه الأولوية، ثمّ جعلها الله تعالى له، وهو بدوره جعلها لأمير المؤمنين والأئمّة من بعده بأمر الله.
فالانفكاك بين الإمامة في مرتبة من المراتب والأولوية من أنفس المؤمنين ليس محالاً، بل يمكن تعقّل ذلك، لأنّها من الجعل التشريعي، خصوصاً ونحن في وقت التشريع وزمن التدرّج، كما هو معلوم، ولم تكن الأحكام قد تمّت واكتملت بعد، ولكن ليس على هذا القول دليل يمكن الركون إليه!
وهناك من قال من المحقّقين: أنّ ولايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثابتة من أوّل البعثة؛ إذ أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طلب في حديث الدار من يؤازره على أمره على أن يكون وزيره وخليفته من بعده، ثمّ بعد أن قام عليّ(عليه السلام) قال لهم: (فاسمعوا له وأطيعوا...)، والطاعة هنا جاءت مطلقة شاملة، وهي تساوي الولاية، ولازم ذلك: ثبوتها قبلاً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتّى يمكن له أن يعطيها لوزيره وخليفته من بعده في ذلك الوقت، والله العالم.
السؤال: لماذا لا نخاطب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإمامة مع أنّها أفضل من النبوّة؟
إذا كانت الإمامة أفضل من النبوّة لماذا لا نقول: الإمام رسول الله؟! والأفضل أن ننادي الرسول بالأعلى رتبة لا بالأدنى رتبة!
الجواب:
بين النبيّ والإمام عموم وخصوص من وجه، فيجتمع النبيّ والإمام في مثل إبراهيم(عليه السلام) ومحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويفترق النبيّ عن الإمام في مثل يونس ولوط وصالح(عليهم السلام) وغيرهم، ويفترق الإمام عن النبيّ في مثل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
وحينئذٍ إطلاق لفظ الإمام على الرسول وإن كان يصحّ اصطلاحاً ومفهوماً، إلاّ أنّه لا يحصل به الجزم بأنّه رسول أم لا، ولا إثبات صفة الرسالة له؛ لأنّ في الأئمّة من هو إمام وليس رسول. فالرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن كان نبيّاً ورسولاً وإماماً في نفس الوقت، إلاّ أنّ لفظ النبيّ أو الرسول يميّزه عن سائر الأئمّة(عليهم السلام). والمقصود من مخاطبته بهذه الرتبة إنّما هو لتحصيل تمييزه عن غيره ممّن يشترك معه في رتبة الإمامة والتي بها صار أفضل من غيره، ولبيان أنّه رسول مثل باقي الرسل الماضين.
ثمّ إنّ من سمّاه رسولاً هو الله تعالى في القرآن الكريم، والمسلمون في زمانه لم يكونوا يفرقون بين المصطلحين والوظيفتين؛ إذ كان الأمر واحد في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا سمّوه بما سمّاه به القرآن.
السؤال: فائدة معرفة خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
معلوم أنّ كلّ عقيدة من عقائد الإسلام لها أثر في سلوك الفرد المسلم، فمثلاً: حين اعتقد أنّ الله مطّلع علَيَّ، لا أعصية.. وحين أؤمن باليوم الآخر، فسوف اجتهد في العبادة، وأترك المعاصي.. فما أثر الاعتقاد والإيمان بأنّ الخليفة بعد النبيّ هو الإمام عليّ أو غيره في سلوكي؟
الجواب:
المهم في هذا الأمر هو: أن تعرف أنّ الحقّ مع عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو المنصوص عليه بالإمامة, وأنّ غيره ممّن اجترأ على تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأنّه جلس في منصب خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو على باطل؛ لأنّ عنوان الخلافة الذي أتاح له ذلك هو عنوان غير شرعي له، بل مغتصب من الخليفة الذي عيّنه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمعيّن هو الأحقّ ببيان أحكام الله وإبراز العقيدة الصحيحة.
والحصيلة: أنّ المسلمين اليوم يختلفون في أخذهم للسُنّة الصحيحة، فبعضهم يأخذ من أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّهم هم أهل الحقّ، وأنّ المسلمين مأمورون بالأخذ عنهم، كما في حديث الثقلين. وقسم آخر من المسلمين يأخذون أحكام وتعاليم دينهم من أذناب السلطة الحاكمة. فإن عرفنا الخليفة الحقّ عرفنا إذاً ممّن نأخذ معالم ديننا، وكفى بهذا فائدة.
وهناك جواب نقضي إذا لم يقنع الجواب الحلّي، وهو: أنّا مأمورون بالإيمان بالأنبياء السابقين كلّهم والملائكة، فما فائدة هذه العقيدة؟
فما يقال هناك، يقال هنا.
ولك أن تعرف: أنّ الإيمان بحجج الله من آدم(عليه السلام) إلى آخر حجّة، وهو: المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فائدته: الإقرار بالحاكمية لله سبحانه وتعالى، والالتزام بشرائعه، واتّباع من اختاره لتمثيله, ولسنا كإبليس نجعل لذواتنا مدخلية في اختيار الحجّة الإلهية.
السؤال: الفائدة من التمسّك بالأئمّة(عليهم السلام)
في عصرنا هذا، ما فائدة الإيمان بالأئمّة، وكلّهم في ذمّة الله ولا يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضرّاً، فكيف ينفعون الناس والقرآن نور مبين، فماذا أضافوا للدين؟
الجواب:
أنتم تلاحظون الاختلاف بين مذهب أهل البيت الذي أخذ من المعصومين(عليهم السلام)، وبين بقية المذاهب الإسلامية من حيث العقائد والأحكام، فالفائدة حاصلة بإيصالهم الدين الصحيح بما فهموه من القرآن، وبما فتح لهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من العلم؛ إذ علّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً(عليه السلام) ألف باب من العلم ينفتح له من كلّ باب ألف باب(1)؛ لذلك نعتقد أنّ ما جاء به الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هو الدين الصحيح، وأنّ غيره مليء بالباطل.
واليوم الكلّ يتمسّك بالقرآن، ولكن مع ذلك فالاختلاف موجود، فهل استطاع القرآن المبين أن يحلّ الخلاف؟!
لذا فنحن نعتقد لا بدّية التمسّك بالقرآن والعترة، كما أوصانا به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنّا بالتمسّك بهما نأمن من الضلال، ولا يصحّ القول: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرنا بالتمسّك بالكتاب والسُنّة؛ فإنّ هذا حديث موضوع، والصحيح هو: التمسّك بالكتاب والعترة.
ودمتم في رعاية الله
(1) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 385 ترجمة الإمام عليّ، تفسير الرازي 8: 23، كتاب المجروحين لابن حبّان 2: 14، الكامل لابن عدي 3: 45 ترجمة حيي بن عبد الله المصري، سير أعلام النبلاء 8: 24.
السؤال: ما فائدة الأئمّة(عليهم السلام) وقد وقع الخلاف بين علماء الشيعة؟
طرح بعض المعاندين نقلاً عن الكاشاني بعض الأسئلة حول اختلاف علمائنا في المسائل الفرعية، فما هو حقيقة هذا الأمر؟
وقد كان هذا طرحه: قال: الفيض الكاشاني يقول عن شيعته: ((تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً، أو ثلاثين، أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها، أو في بعض متعلّقاتها)).
فماذا نفعكم أئمتكم المعصومون؟
لِمَ لَم يعصموكم عن هذا التخبّط؟
جاءكم أئمتكم بثلاثين نصّاً مختلفاً في مسألة واحدة؟
فأين الحقّ الذي هو واحد عند الله تعالى؟
الجواب:
نجيب على هذا المغالطة بجوابيّ النقض والحلّ:
أوّلاً: فأمّا الجواب عن طريق النقض:
نقول له: إنّ الله بعث آلاف الأنبياء، وأرسل عدّة رسل، وأنزل عدّة كتب، وكلّ هذا لم يهدِ البشر ولم يصلح حالها، فما هو نفع البشرية من بعث الأنبياء وإرسال الرسول وإنزال الكتب؟!
إذ نحن نقول بحقّ أئمّتنا(عليهم السلام): أنّ الله نصّبهم، ولا نقول: نحن الذين اخترناهم لرفع خلافنا, فلا بدّ أن يصاغ الاعتراض هكذا: ماذا نفع الشيعة تنصيب الله الأئمّة(عليهم السلام) لهم إذا لم يرفعوا خلافهم؟
فيكون جوابنا بما يجاب على النقض المتقدّم بالأنبياء(عليهم السلام).. بل ننقض بنفس بعثة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن، وهما معصومان لا يدخلهما الاختلاف، ومع ذلك لم يرفعا الاختلاف بين المسلمين؛ قال تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
فعلى القياس يجب أن تقول: ما الفائدة من بعثة النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن عليه؟!
ولا يخفى عليكم ما في هذا القول من اعتراض على حكمة الله، وعدم فهم الغاية من بعث الأنبياء، وإنزال الكتب، ومعنى حجّتهم وولايتهم على البشرية، وعدم فهم وإدراك لقاعدة اللطف، ولزوم وجود الحجّة ومنار للحقّ على طول عصور البشرية.
ولمعترض أن يقول: ما دامت نبوّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرآنه لم يرفعا الاختلاف بين البشرية، فلنقتصر على نبوّة عيسى(عليه السلام) وكتابه، وما دام عيسى(عليه السلام) وإنجيله لم يرفعا الخلاف أيضاً، فلنقتصر على موسى(عليه السلام) وتوراته، وما دام موسى(عليه السلام) كذلك فلنرجع إلى إبراهيم(عليه السلام)، بل إلى نوح(عليه السلام)، بل إلى آدم(عليه السلام)، بل لا فائدة في بعثة الكلّ (معاذ الله)، وما كان هناك من داع لبعثتهم من البداية... الخ.
وإذا أراد المعترض من هذا إبطال إمامة أئمّتنا(عليهم السلام)، كما هو غرضه، فإنّه ينجرّ بالنقض إلى إبطال نبوّة الأنبياء والاعتراض على حكمة الله، وما إلى هذا من سبيل إلاّ من ملحد، والجواب معه غير الجواب، بل يكون عن طريق إثبات التوحيد والنبوّة وتوضيح قاعدة اللطف وإثبات حكمة الله، وما إلى ذلك.
ثانياً: وأمّا الجواب عن طريق الحلّ:
فنقول: إنّ بعث الأنبياء(عليهم السلام)، وتنصيب الأئمّة(عليهم السلام)، وجعلهم حجّة الله في أرضه، ومناراً للهدى، وموئلاً لرجوع البشر إليهم عند الاختلاف، وتحكيمهم عند التنازع، شيء، وتحقّق رفع الاختلاف أو لزومه في الخارج من تنصيبهم شيء آخر..
فإنّ على الله الحكيم حسب قاعدة اللطف، أن ينصّب مناراً وحجّة دائمة ما دامت الأرض والسماء إلى يوم القيامة، حتّى لا تكون لأحد على الله حجّة، وله الحجّة البالغة، ومن ثمّ تصحيح فرض التكاليف عليهم، مع أنّ صحّة التكليف توجب من جانب آخر بقاءهم على الاختيار، وعدم كونهم مجبورين على الهداية أو الضلالة، حسب ما أودعه الله فيهم من القدرات والاستعدادات للعلم والمعرفة، واختلاف غرائزهم وملكاتهم، وبالتالي لا بدّية وقوع الاختلاف بينهم؛ لسعة العلم وضيقه حسب استعداداتهم.
فإن اختار الناس بسوء سريرتهم أو باختلاف أذواقهم واستعداداتهم، الانحراف عن الطريق المستقيم، وحبل الله المستقيم، أو الاختلاف في الحقّ والباطل، والصحيح والخطأ، فلا يرجع الذمّ من العقلاء إلى من نصب لهم منار الهدى وهداهم إلى الطريق، بل إنّ العقلاء يذمّونهم أنفسهم، لأنّهم سبب الاختلاف، ولا يمكن لأحد أن ينفي فائدة هؤلاء الهداة، بعد أن اتّضح وجود المتمسّك بهم والآخذ منهم والمطيع لهم في كلّ عصر، وبعد وضوح وجود فرقة من زمن آدم(عليه السلام) إلى الآن تحاول الإحاطة والتطبيق لكلّ ما فرضه الله من تكاليف، عن طريق مبعوثيه ورسله وأصفيائه.
ثمّ هل يمكن رفع الاختلاف بتمامه من كلّ الجوانب أصلاً بين البشر؟ أم أنّ الاختلاف طبيعة لازمة للنوع البشري بما أنّه اجتماعي بالطبع، وأنّ هذا الاختلاف في مستوى استعدادات البشر المؤدي إلى توالد الاختلاف وتنوّعه بينهم، هو المميّز لهذا المخلوق، القادر باستخدامه لمختلف قدراته والمدافعة بينها للوصول إلى أعلى درجات الكمال والرقيّ، على شرط أن يُسدّد ويقوّم من قبل أشخاص اختارهم صاحب المُلك، معصومين مهديين لا يشذّون، فكانوا مقياساً وميزاناً للهداية والصواب والكمال والتقدّم؟!
وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
فتكون مهمّة الأنبياء والأوصياء رفع الاختلاف الناشئ في أُمور الدنيا أوّلاً، ثمّ رفع الخلاف الناشئ في أُمور الدين لاحقاً، وهو الاختلاف الحاصل من نفس حملة الدين ممّن أوتوا الكتاب، ورفع هذا الخلاف يكون بالتدرّج نحو التكامل، فكلّ رسالة لاحقة أكمل من سابقتها، والأنبياء اللاحقين يكمّلون مهمّة السابقين، لا أنّهم يلغون ما أنجزوه في صالح تقدّم البشرية قبلهم، فمن تتبع عمل الأنبياء على طول مسار التاريخ يجد أنّهم يعملون بتلاحق على تضييق شقّة الاختلاف بين البشر، وإزالة أُصول النزاع والصراع الرئيسة، ونقل البشر في أرائهم من التباين إلى التقابل، ومن التقابل إلى العموم والخصوص من وجه، ثمّ إلى العموم والخصوص المطلق، وهكذا تبقى البشرية بعد كلّ نبيّ أو وصيّ في مستوى من الخلاف أوطأ من السابق، وفي مسألة خلافية أخصّ من قبلها، فالاختلاف يتحوّل شيئاً فشيئاً من الأُصول المتنافرة إلى اختلاف في الفروع من مميزات وصفات ولواحق للرأي الصحيح، فهم مثلاً سوف يتّفقون على أصل التوحيد ولكن يختلفون في الصفات، ثمّ يتفقون في الصفات بعد إرشاد النبيّ ويختلفون في عددها، وهكذا.
فهل يحقّ للمعترض بعد هذا أن يقول: ماذا فعل الأنبياء والأوصياء؟
وهكذا كانت مهمّة أئمّتنا(عليهم السلام) في الحقيقة، هي: تضييق مسائل الخلاف بين المسلمين، والتقليل من كثرة تشعّب الطرق بينهم.. بل نجحوا في إلغاء الطرق المناقضة للرسالة تماماً، وشذّبوا الطريق الحقّ، بأن قلّلوا من تفرّعاته بالتدريج، إلى أن وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن، من اتّفاق كبير على جملة من الأُصول، بحيث يبقون مسلمين، وتكوين طائفة متميّزة عن الجُلّ الأعظم من المسلمين بأنّها أقرب إلى الحقّ، وأصل الرسالة، والحبل المتين، والصراط المستقيم.
نعم، لولا حكومة عليّ(عليه السلام) ومبادئه، لكان من سمات الإسلام الحكم بأسلوب عثمان ومعاوية، ولولا ثورة الحسين(عليه السلام) لرجعنا قهقرى جاهلية.
ولا يخفى عليك أنّنا لا ننكر أنّه بقى كثير من الاختلاف في المسائل الفرعية الجزئية بعد غيبة إمامنا(عليه السلام)، نشأت من خلال تطوّر الفقه واستحداث مسائل جديدة، وحصول ابتلاءات فقهية لم تكن، ولم يكن السبب في ذلك عدم وجود الدليل على الحقّ والصواب، كما هو الحال عند مخالفينا؛ فلجؤوا إلى الرأي والقياس والاستحسان، بل إنّ أئمّتنا(عليهم السلام) أعطونا ما يكفي من الأدلّة على طول قرنين ونصف، وإنّما كان السبب هو عدم الوصول إلى الدليل والأخذ به، وكان السبب في عدم الوصول والأخذ من علومهم لرفع اختلافنا هو: تسلّط الظالمين علينا، بل إنّ هذا التسلّط أدّى إلى ذهاب الهدف الأهم، وهو: إنشاء الحكومة الإسلامية العادلة وبسطها على الكرة الأرضية.
فالاختلاف في جزئيات الفروع بما فيه دليل، ولكن لم يصل إليه بعض، ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله، ومقابل مقدار تأخّرنا الزمني، وتأخّر البشرية ككلّ في طيّ مراحل الكمال.
والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور، ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.
فهل يصحّ بعد هذا أن يدّعي مدّع بالقول: ماذا استفدنا من وجودهم(عليهم السلام)؟!
ثمّ إنّ القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً، ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً! فإنّ جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلّية؛ نعم قد يصل إلى هذا العدد، مثلاً: جميع أقوالهم في عنوان: صلاة الجماعة؛ لأنّ عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته، وتحت هذه المسائل فروع ومسائل، فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع، أو في ميزة هذا الفرع، يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأمّا نفس الأقوال في فرع الفرع، فإنّها قد لا تتعدّى الاثنين أو الثلاث؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعية لا تتعدّى الخمسة أصلاً، فهي: الحرمة والكراهة والإباحة والاستحباب والوجوب، فكيف ستكون الأقوال ثلاثين؟!
ثمّ لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال؛ فإنّه يعدّ نوعاً من الاختلاف أيضاً، وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامّة، فهل أفادتهم عصمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعصمة القرآن، في رفع الاختلاف مثلاً؟!
وأمّا ادّعائه بأنّ ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمّة، بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه ولم يقله الكاشاني! بل الذي صدر من الأئمّة(عليهم السلام) حقّ واحد، كالصادر من قبل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والنازل في القرآن, وأمّا الاختلاف، فهو منّا، كما شرحنا آنفاً؛ فلاحظ!
يتبع
هل الرسول لم يكن إماماً قبل هذه الآية: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، فهذه الآية هي التي نصّبته إماماً، فهل قبلها لم يكن إماماً؟
الجواب:
إنّ البحث في ثبوت إمامته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولايته العظمى المطلقة في مرتبة عالم الثبوت والواقع، ممكن أن يُحصّل بالقول: أنّها ثابتة له(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوّل خلقته النورية؛ فهو أوّل من خلقه الله، خلقه نوراً ثمّ اشتقّ منه نور عليّ(عليه السلام)، وفاطمة(عليها السلام)، والحسن والحسين والتسعة المعصومين(عليهم السلام)، وجعلهم أنواراً محدقين حول العرش، فأوّليتهم الصدورية وكونهم واسطة الفيض، مقتضٍ لثبوت الولاية العظمى المطلقة لهم، أي: بجميع مراتبها التشريعية والتكوينية.
وأمّا البحث في مرتبة الجعل التشريعي والاعتبار الشرعي للإمامة، والذي هو مورد السؤال ظاهراً؛ إذ من الواضح أنّها من هذه الجهة مقام جعلي وإعطاء شرعي، تحتاج إلى جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه الولي المطلق الحقّ.
ولا محال تكون هذه الولاية المعطاة تكون على نحو الطولية، لا العرضية؛ لأنّه مستحيل وباطل، فهي نوع من التفويض غير الاستقلالي الذي لا بدّ فيه من النصب والجعل، وذلك واضح من ظاهر الآيات القرآنية، قال تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ )) (ص:26)، وقال تعالى في حقّ إبراهيم(عليه السلام): (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124) ، وغيرها من الآيات.
وكذلك يتّضح أيضاً في التحقيق أنّ الولاية والإمامة من الأُمور التشكيكية ذوات المراتب، كالنبوّة، كما أنّها قد تأتي لاحقاً على مرتبة النبوّة والرسالة، كما هو ثابت بالنسبة لإبراهيم(عليه السلام) في قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) .
وأمّا الكلام في وقت ثبوتها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم نعثر عليه محصلاً في كتب علماء المسلمين، اللّهمّ إلاّ في الاستدلال على ثبوتها القطعي له(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأمّا بخصوص أنّ وقت ثبوتها وتشريعها هل كان بنزول قوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6)، أو قوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36)؛ فإنّا نقول:
النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما أسّس دولة بعد هجرته كان إماماً وقائداً للمسلمين بشكل واضح وعمليّ، وما من أحد يشكّ في ذلك أو يجهله، ولم يكن ملكاً كسليمان أو طالوت(عليهما السلام)، وكان ذلك قبل نزول هذه الآية من سورة الأحزاب بعدّة سنوات، فلا يمكن التسليم معك بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أصبح إماماً للمسلمين بعد نزول هذه الآية الكريمة، بل هذه الآية كاشفة ومخبرة عن ذلك ولو بعد حين؛ لأنّها ليست مقتصرة في الكلام عن ولاية وأولوية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمؤمنين من أنفسهم، وإنّما تتكلّم الآية عن نساء النبيّ وتجعلهنّ أُمّهاتٍ للمؤمنين، وتبيّن أحكام الميراث عموماً؛ فالآية إخبارية وكاشفة ومؤكّدة لولاية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أُمّته، لا إنشائية جعلية.. ومثله الكلام في الآية الثانية.
هذا، كما أنّه يمكن أن يقال: أنّ مراتب الولاية العظمى ثبتت للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتدريج، فقد قال تعالى: (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)، وقال تعالى: (( وَلِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا )) (الأنعام:92)، وقال تعالى: (( قُل إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ )) (ص:65)، ثمّ نزل قوله: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )) (المائدة:555)، فقد تكون الولاية على الأنفس مرتبة من مراتب الولاية العظمى ثبتت لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وقت من أوقات سنيّ بعثته؛ إذ يمكن أن يكون النبيّ إماماً منذ مدّة طويلة دون هذه الأولوية، ثمّ جعلها الله تعالى له، وهو بدوره جعلها لأمير المؤمنين والأئمّة من بعده بأمر الله.
فالانفكاك بين الإمامة في مرتبة من المراتب والأولوية من أنفس المؤمنين ليس محالاً، بل يمكن تعقّل ذلك، لأنّها من الجعل التشريعي، خصوصاً ونحن في وقت التشريع وزمن التدرّج، كما هو معلوم، ولم تكن الأحكام قد تمّت واكتملت بعد، ولكن ليس على هذا القول دليل يمكن الركون إليه!
وهناك من قال من المحقّقين: أنّ ولايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثابتة من أوّل البعثة؛ إذ أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طلب في حديث الدار من يؤازره على أمره على أن يكون وزيره وخليفته من بعده، ثمّ بعد أن قام عليّ(عليه السلام) قال لهم: (فاسمعوا له وأطيعوا...)، والطاعة هنا جاءت مطلقة شاملة، وهي تساوي الولاية، ولازم ذلك: ثبوتها قبلاً لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتّى يمكن له أن يعطيها لوزيره وخليفته من بعده في ذلك الوقت، والله العالم.
السؤال: لماذا لا نخاطب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإمامة مع أنّها أفضل من النبوّة؟
إذا كانت الإمامة أفضل من النبوّة لماذا لا نقول: الإمام رسول الله؟! والأفضل أن ننادي الرسول بالأعلى رتبة لا بالأدنى رتبة!
الجواب:
بين النبيّ والإمام عموم وخصوص من وجه، فيجتمع النبيّ والإمام في مثل إبراهيم(عليه السلام) ومحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويفترق النبيّ عن الإمام في مثل يونس ولوط وصالح(عليهم السلام) وغيرهم، ويفترق الإمام عن النبيّ في مثل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
وحينئذٍ إطلاق لفظ الإمام على الرسول وإن كان يصحّ اصطلاحاً ومفهوماً، إلاّ أنّه لا يحصل به الجزم بأنّه رسول أم لا، ولا إثبات صفة الرسالة له؛ لأنّ في الأئمّة من هو إمام وليس رسول. فالرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن كان نبيّاً ورسولاً وإماماً في نفس الوقت، إلاّ أنّ لفظ النبيّ أو الرسول يميّزه عن سائر الأئمّة(عليهم السلام). والمقصود من مخاطبته بهذه الرتبة إنّما هو لتحصيل تمييزه عن غيره ممّن يشترك معه في رتبة الإمامة والتي بها صار أفضل من غيره، ولبيان أنّه رسول مثل باقي الرسل الماضين.
ثمّ إنّ من سمّاه رسولاً هو الله تعالى في القرآن الكريم، والمسلمون في زمانه لم يكونوا يفرقون بين المصطلحين والوظيفتين؛ إذ كان الأمر واحد في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا سمّوه بما سمّاه به القرآن.
السؤال: فائدة معرفة خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
معلوم أنّ كلّ عقيدة من عقائد الإسلام لها أثر في سلوك الفرد المسلم، فمثلاً: حين اعتقد أنّ الله مطّلع علَيَّ، لا أعصية.. وحين أؤمن باليوم الآخر، فسوف اجتهد في العبادة، وأترك المعاصي.. فما أثر الاعتقاد والإيمان بأنّ الخليفة بعد النبيّ هو الإمام عليّ أو غيره في سلوكي؟
الجواب:
المهم في هذا الأمر هو: أن تعرف أنّ الحقّ مع عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو المنصوص عليه بالإمامة, وأنّ غيره ممّن اجترأ على تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأنّه جلس في منصب خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو على باطل؛ لأنّ عنوان الخلافة الذي أتاح له ذلك هو عنوان غير شرعي له، بل مغتصب من الخليفة الذي عيّنه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمعيّن هو الأحقّ ببيان أحكام الله وإبراز العقيدة الصحيحة.
والحصيلة: أنّ المسلمين اليوم يختلفون في أخذهم للسُنّة الصحيحة، فبعضهم يأخذ من أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّهم هم أهل الحقّ، وأنّ المسلمين مأمورون بالأخذ عنهم، كما في حديث الثقلين. وقسم آخر من المسلمين يأخذون أحكام وتعاليم دينهم من أذناب السلطة الحاكمة. فإن عرفنا الخليفة الحقّ عرفنا إذاً ممّن نأخذ معالم ديننا، وكفى بهذا فائدة.
وهناك جواب نقضي إذا لم يقنع الجواب الحلّي، وهو: أنّا مأمورون بالإيمان بالأنبياء السابقين كلّهم والملائكة، فما فائدة هذه العقيدة؟
فما يقال هناك، يقال هنا.
ولك أن تعرف: أنّ الإيمان بحجج الله من آدم(عليه السلام) إلى آخر حجّة، وهو: المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، فائدته: الإقرار بالحاكمية لله سبحانه وتعالى، والالتزام بشرائعه، واتّباع من اختاره لتمثيله, ولسنا كإبليس نجعل لذواتنا مدخلية في اختيار الحجّة الإلهية.
السؤال: الفائدة من التمسّك بالأئمّة(عليهم السلام)
في عصرنا هذا، ما فائدة الإيمان بالأئمّة، وكلّهم في ذمّة الله ولا يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضرّاً، فكيف ينفعون الناس والقرآن نور مبين، فماذا أضافوا للدين؟
الجواب:
أنتم تلاحظون الاختلاف بين مذهب أهل البيت الذي أخذ من المعصومين(عليهم السلام)، وبين بقية المذاهب الإسلامية من حيث العقائد والأحكام، فالفائدة حاصلة بإيصالهم الدين الصحيح بما فهموه من القرآن، وبما فتح لهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من العلم؛ إذ علّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً(عليه السلام) ألف باب من العلم ينفتح له من كلّ باب ألف باب(1)؛ لذلك نعتقد أنّ ما جاء به الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هو الدين الصحيح، وأنّ غيره مليء بالباطل.
واليوم الكلّ يتمسّك بالقرآن، ولكن مع ذلك فالاختلاف موجود، فهل استطاع القرآن المبين أن يحلّ الخلاف؟!
لذا فنحن نعتقد لا بدّية التمسّك بالقرآن والعترة، كما أوصانا به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنّا بالتمسّك بهما نأمن من الضلال، ولا يصحّ القول: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرنا بالتمسّك بالكتاب والسُنّة؛ فإنّ هذا حديث موضوع، والصحيح هو: التمسّك بالكتاب والعترة.
ودمتم في رعاية الله
(1) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 385 ترجمة الإمام عليّ، تفسير الرازي 8: 23، كتاب المجروحين لابن حبّان 2: 14، الكامل لابن عدي 3: 45 ترجمة حيي بن عبد الله المصري، سير أعلام النبلاء 8: 24.
السؤال: ما فائدة الأئمّة(عليهم السلام) وقد وقع الخلاف بين علماء الشيعة؟
طرح بعض المعاندين نقلاً عن الكاشاني بعض الأسئلة حول اختلاف علمائنا في المسائل الفرعية، فما هو حقيقة هذا الأمر؟
وقد كان هذا طرحه: قال: الفيض الكاشاني يقول عن شيعته: ((تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً، أو ثلاثين، أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها، أو في بعض متعلّقاتها)).
فماذا نفعكم أئمتكم المعصومون؟
لِمَ لَم يعصموكم عن هذا التخبّط؟
جاءكم أئمتكم بثلاثين نصّاً مختلفاً في مسألة واحدة؟
فأين الحقّ الذي هو واحد عند الله تعالى؟
الجواب:
نجيب على هذا المغالطة بجوابيّ النقض والحلّ:
أوّلاً: فأمّا الجواب عن طريق النقض:
نقول له: إنّ الله بعث آلاف الأنبياء، وأرسل عدّة رسل، وأنزل عدّة كتب، وكلّ هذا لم يهدِ البشر ولم يصلح حالها، فما هو نفع البشرية من بعث الأنبياء وإرسال الرسول وإنزال الكتب؟!
إذ نحن نقول بحقّ أئمّتنا(عليهم السلام): أنّ الله نصّبهم، ولا نقول: نحن الذين اخترناهم لرفع خلافنا, فلا بدّ أن يصاغ الاعتراض هكذا: ماذا نفع الشيعة تنصيب الله الأئمّة(عليهم السلام) لهم إذا لم يرفعوا خلافهم؟
فيكون جوابنا بما يجاب على النقض المتقدّم بالأنبياء(عليهم السلام).. بل ننقض بنفس بعثة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن، وهما معصومان لا يدخلهما الاختلاف، ومع ذلك لم يرفعا الاختلاف بين المسلمين؛ قال تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
فعلى القياس يجب أن تقول: ما الفائدة من بعثة النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنزال القرآن عليه؟!
ولا يخفى عليكم ما في هذا القول من اعتراض على حكمة الله، وعدم فهم الغاية من بعث الأنبياء، وإنزال الكتب، ومعنى حجّتهم وولايتهم على البشرية، وعدم فهم وإدراك لقاعدة اللطف، ولزوم وجود الحجّة ومنار للحقّ على طول عصور البشرية.
ولمعترض أن يقول: ما دامت نبوّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرآنه لم يرفعا الاختلاف بين البشرية، فلنقتصر على نبوّة عيسى(عليه السلام) وكتابه، وما دام عيسى(عليه السلام) وإنجيله لم يرفعا الخلاف أيضاً، فلنقتصر على موسى(عليه السلام) وتوراته، وما دام موسى(عليه السلام) كذلك فلنرجع إلى إبراهيم(عليه السلام)، بل إلى نوح(عليه السلام)، بل إلى آدم(عليه السلام)، بل لا فائدة في بعثة الكلّ (معاذ الله)، وما كان هناك من داع لبعثتهم من البداية... الخ.
وإذا أراد المعترض من هذا إبطال إمامة أئمّتنا(عليهم السلام)، كما هو غرضه، فإنّه ينجرّ بالنقض إلى إبطال نبوّة الأنبياء والاعتراض على حكمة الله، وما إلى هذا من سبيل إلاّ من ملحد، والجواب معه غير الجواب، بل يكون عن طريق إثبات التوحيد والنبوّة وتوضيح قاعدة اللطف وإثبات حكمة الله، وما إلى ذلك.
ثانياً: وأمّا الجواب عن طريق الحلّ:
فنقول: إنّ بعث الأنبياء(عليهم السلام)، وتنصيب الأئمّة(عليهم السلام)، وجعلهم حجّة الله في أرضه، ومناراً للهدى، وموئلاً لرجوع البشر إليهم عند الاختلاف، وتحكيمهم عند التنازع، شيء، وتحقّق رفع الاختلاف أو لزومه في الخارج من تنصيبهم شيء آخر..
فإنّ على الله الحكيم حسب قاعدة اللطف، أن ينصّب مناراً وحجّة دائمة ما دامت الأرض والسماء إلى يوم القيامة، حتّى لا تكون لأحد على الله حجّة، وله الحجّة البالغة، ومن ثمّ تصحيح فرض التكاليف عليهم، مع أنّ صحّة التكليف توجب من جانب آخر بقاءهم على الاختيار، وعدم كونهم مجبورين على الهداية أو الضلالة، حسب ما أودعه الله فيهم من القدرات والاستعدادات للعلم والمعرفة، واختلاف غرائزهم وملكاتهم، وبالتالي لا بدّية وقوع الاختلاف بينهم؛ لسعة العلم وضيقه حسب استعداداتهم.
فإن اختار الناس بسوء سريرتهم أو باختلاف أذواقهم واستعداداتهم، الانحراف عن الطريق المستقيم، وحبل الله المستقيم، أو الاختلاف في الحقّ والباطل، والصحيح والخطأ، فلا يرجع الذمّ من العقلاء إلى من نصب لهم منار الهدى وهداهم إلى الطريق، بل إنّ العقلاء يذمّونهم أنفسهم، لأنّهم سبب الاختلاف، ولا يمكن لأحد أن ينفي فائدة هؤلاء الهداة، بعد أن اتّضح وجود المتمسّك بهم والآخذ منهم والمطيع لهم في كلّ عصر، وبعد وضوح وجود فرقة من زمن آدم(عليه السلام) إلى الآن تحاول الإحاطة والتطبيق لكلّ ما فرضه الله من تكاليف، عن طريق مبعوثيه ورسله وأصفيائه.
ثمّ هل يمكن رفع الاختلاف بتمامه من كلّ الجوانب أصلاً بين البشر؟ أم أنّ الاختلاف طبيعة لازمة للنوع البشري بما أنّه اجتماعي بالطبع، وأنّ هذا الاختلاف في مستوى استعدادات البشر المؤدي إلى توالد الاختلاف وتنوّعه بينهم، هو المميّز لهذا المخلوق، القادر باستخدامه لمختلف قدراته والمدافعة بينها للوصول إلى أعلى درجات الكمال والرقيّ، على شرط أن يُسدّد ويقوّم من قبل أشخاص اختارهم صاحب المُلك، معصومين مهديين لا يشذّون، فكانوا مقياساً وميزاناً للهداية والصواب والكمال والتقدّم؟!
وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
فتكون مهمّة الأنبياء والأوصياء رفع الاختلاف الناشئ في أُمور الدنيا أوّلاً، ثمّ رفع الخلاف الناشئ في أُمور الدين لاحقاً، وهو الاختلاف الحاصل من نفس حملة الدين ممّن أوتوا الكتاب، ورفع هذا الخلاف يكون بالتدرّج نحو التكامل، فكلّ رسالة لاحقة أكمل من سابقتها، والأنبياء اللاحقين يكمّلون مهمّة السابقين، لا أنّهم يلغون ما أنجزوه في صالح تقدّم البشرية قبلهم، فمن تتبع عمل الأنبياء على طول مسار التاريخ يجد أنّهم يعملون بتلاحق على تضييق شقّة الاختلاف بين البشر، وإزالة أُصول النزاع والصراع الرئيسة، ونقل البشر في أرائهم من التباين إلى التقابل، ومن التقابل إلى العموم والخصوص من وجه، ثمّ إلى العموم والخصوص المطلق، وهكذا تبقى البشرية بعد كلّ نبيّ أو وصيّ في مستوى من الخلاف أوطأ من السابق، وفي مسألة خلافية أخصّ من قبلها، فالاختلاف يتحوّل شيئاً فشيئاً من الأُصول المتنافرة إلى اختلاف في الفروع من مميزات وصفات ولواحق للرأي الصحيح، فهم مثلاً سوف يتّفقون على أصل التوحيد ولكن يختلفون في الصفات، ثمّ يتفقون في الصفات بعد إرشاد النبيّ ويختلفون في عددها، وهكذا.
فهل يحقّ للمعترض بعد هذا أن يقول: ماذا فعل الأنبياء والأوصياء؟
وهكذا كانت مهمّة أئمّتنا(عليهم السلام) في الحقيقة، هي: تضييق مسائل الخلاف بين المسلمين، والتقليل من كثرة تشعّب الطرق بينهم.. بل نجحوا في إلغاء الطرق المناقضة للرسالة تماماً، وشذّبوا الطريق الحقّ، بأن قلّلوا من تفرّعاته بالتدريج، إلى أن وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن، من اتّفاق كبير على جملة من الأُصول، بحيث يبقون مسلمين، وتكوين طائفة متميّزة عن الجُلّ الأعظم من المسلمين بأنّها أقرب إلى الحقّ، وأصل الرسالة، والحبل المتين، والصراط المستقيم.
نعم، لولا حكومة عليّ(عليه السلام) ومبادئه، لكان من سمات الإسلام الحكم بأسلوب عثمان ومعاوية، ولولا ثورة الحسين(عليه السلام) لرجعنا قهقرى جاهلية.
ولا يخفى عليك أنّنا لا ننكر أنّه بقى كثير من الاختلاف في المسائل الفرعية الجزئية بعد غيبة إمامنا(عليه السلام)، نشأت من خلال تطوّر الفقه واستحداث مسائل جديدة، وحصول ابتلاءات فقهية لم تكن، ولم يكن السبب في ذلك عدم وجود الدليل على الحقّ والصواب، كما هو الحال عند مخالفينا؛ فلجؤوا إلى الرأي والقياس والاستحسان، بل إنّ أئمّتنا(عليهم السلام) أعطونا ما يكفي من الأدلّة على طول قرنين ونصف، وإنّما كان السبب هو عدم الوصول إلى الدليل والأخذ به، وكان السبب في عدم الوصول والأخذ من علومهم لرفع اختلافنا هو: تسلّط الظالمين علينا، بل إنّ هذا التسلّط أدّى إلى ذهاب الهدف الأهم، وهو: إنشاء الحكومة الإسلامية العادلة وبسطها على الكرة الأرضية.
فالاختلاف في جزئيات الفروع بما فيه دليل، ولكن لم يصل إليه بعض، ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله، ومقابل مقدار تأخّرنا الزمني، وتأخّر البشرية ككلّ في طيّ مراحل الكمال.
والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور، ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.
فهل يصحّ بعد هذا أن يدّعي مدّع بالقول: ماذا استفدنا من وجودهم(عليهم السلام)؟!
ثمّ إنّ القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً، ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً! فإنّ جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلّية؛ نعم قد يصل إلى هذا العدد، مثلاً: جميع أقوالهم في عنوان: صلاة الجماعة؛ لأنّ عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته، وتحت هذه المسائل فروع ومسائل، فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع، أو في ميزة هذا الفرع، يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأمّا نفس الأقوال في فرع الفرع، فإنّها قد لا تتعدّى الاثنين أو الثلاث؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعية لا تتعدّى الخمسة أصلاً، فهي: الحرمة والكراهة والإباحة والاستحباب والوجوب، فكيف ستكون الأقوال ثلاثين؟!
ثمّ لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال؛ فإنّه يعدّ نوعاً من الاختلاف أيضاً، وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامّة، فهل أفادتهم عصمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعصمة القرآن، في رفع الاختلاف مثلاً؟!
وأمّا ادّعائه بأنّ ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمّة، بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه ولم يقله الكاشاني! بل الذي صدر من الأئمّة(عليهم السلام) حقّ واحد، كالصادر من قبل الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والنازل في القرآن, وأمّا الاختلاف، فهو منّا، كما شرحنا آنفاً؛ فلاحظ!
يتبع
تعليق