السؤال: التعريف المتّفق عليه للإمامة عند الإمامية
ما هو التعريف المتّفق عليه للإمامة عندنا (مذهب أهل البيت(عليهم السلام))؟
الجواب:
يقول السيّد علي الميلاني في كتاب (الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية):
((وأمّا تعريف الإمامة، فالظاهر أن لا خلاف فيه..
قال العلامّة الحلّي(رحمه الله) بتعريف الإمامة: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقال المقداد السيوري(رحمه الله) بشرحه: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني. فالرياسة: جنس قريب، والجنس البعيد هو: النسبة، وكونها عامّة: فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنوّاب، وفي أُمور الدين والدنيا: بيان لمتعلّقها؛ فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا، وكونها (لشخص إنساني): فيه إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنّ مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله، لا أيّ شخص اتّفق.
وثانيهما: إنّه لا يجوز أن يكون مستحقّها أكثر من واحد في عصر واحد.
وزاد بعض الفضلاء في التعريف: بحقّ الأصالة، وقال في تعريفها: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحقّ الأصالة، واحترز بهذا - أي: قيد (بحقّ الأصالة) - عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية؛ فإنّ رياسته عامّة لكن ليست بالأصالة))(1).
والأولى تعريفها بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافةً عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أُمور الدين والدنيا، ويجب اتّباعه على جميع الأُمّة(2).
ودمتم برعاية الله
(1) الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية: 44 - 45، تعريف الإمامة، وانظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: 93 الفصل السادس: في الإمامة.
(2) انظر: لوامع الحقائق 2: 1 مبحث الإمامة، الإلهيات 4: 8 الفصل السابع الأمر الأوّل: في تعريف الإمامة، العقائد الحقّة: 275 أصل الإمامة.
تعليق على الجواب (1)
استاذي الفاضل
يرد على كلامكم المحترم رد وهو : ان التعريف الذي تعرف به الامامة (رئاسة عامة في امور الدين والدنيا) جعل الرئاسة من لوازم الامامة ,فكيف يتم الملزوم بتخلف لوازمه, ومما لا شك فيه انهم سلام الله عليهم لم يتسلموا زمام الحكم الا علي والحسن عليهما السلام , فمثلا لو كان هناك رجل قد توفرت فيه شرائط الامامة في الصلاة ولكن لم يسمح له بالصلاة فلا يصح اطلاق صفة الامام عليه ولكن يقال له صلاحية الامامة في الصلاة, ومثال اخر, لو كان هناك رجل توفرت فيه شرائط تولي القضاء ولكن لم يسمح له بان يقضي بين الناس فهل يقال له قاضي او يقال له صلاحية القضاء.
الجواب:
عرفت الامامة بانها رئاسة في امور الدين والدنيا واذا تخلفت الرئاسة الدنيوية فلم تتخلف الرئاسة الدينية ثم اننا عندما نعرف الامامة نعرفها بما هي وفق منظورنا من ان الامامة منصب الهي وليست هي من صلاحيات البشر والله سبحانه وتعالى ارادها لافراد مخصوصين وجعل من صلاحياتهم ممارسة الرئاسة الدنيوية لذا صح التعريف بما ذكر نعم لما كان المخالفون يرون الامامة ليست منصبا الهيا بل هي سلوك يمارس من قبل الشخص فمن مارسه سمي اماما ومن لم يمارسه لم يصح ان يسمى اماما لذا اوردوا الاشكال المذكور علينا منطلقين من فهمهم للامامة لامن فهمنا .
وبعبارة اخرى نقول : ان الامام (عليه السلام) قد تلبس بمبدأ الامامة حال النص عليه فان حصل مانع دون ممارسة دوره الرئاسي فلا يترتب عليه انتفاء صفة الامامة عنه ومثاله الطبيب فانه قد صار طبيبا حال تلبسه بمبدأ الطبابة بعد ان رسخت فيه الملكة فاذا حال دون ممارسته للطب امر عارض فانه سوف يبقى طبيبا لانه قد تلبس بالمبدأ بحسب الملكة لا بحسب الفعل والممارسة . وعليه فالرئاسة الدنيوية التي لم يمارسها الامام لا تخرجه عن الامامة لانه متلبس بها بحسب النص الالهي .
السؤال: الفرق بين الخلافة والإمامة
هل هناك فرق بين الإمامة والخلافة؟ وإذا كان نعم ما هو الفرق؟
الجواب:
ذكروا في تعريف الخلافة أنّها: الرئاسة العامّة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(1). وواضح أنّ المراد منها خاصّة عند العامّة: هي الخلافة الظاهرية ورئاسة الحكومة والإمارة، وهي تثبت لمن يقوم مقام النبيّ حتّى ولو لم ينصّبه النبيّ.
وهي عندنا لا تكون إلاّ بنص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لما عرفت من حقيقتها وأنّها نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في جميع شؤونه، وبالتالي تكون خلافة عن الله تعالى.
وما زعموه من أنّه: لا يصلح أن يقال: أنّ الله يستخلف أحداً عنه ممنوع؛ لتصريح أئمّة السُنّة بكون داود(عليه السلام) خليفة الله، وأنّه قد وصف بهذا في القرآن العظيم(2), وإنّما انحرفوا عن هذا المعنى تصحيحاً لخلافة الثلاثة، وتوسّلوا في سبيل إثبات صحّة خلافتهم بالشورى حتّى عدّوا الخلافة جزءاً منها، ورغم أنّ مصطلح الخلافة ظاهراً في معنى الإيصاء وتنصيب النائب عن منوبه إذ يفترض وجود مستخلف، وأنّه مريد لتعيين من يخلفه؛ لأنّ ذلك من شؤونه لا من شأن غيره، ولو لم يكن هذا المعنى لازماً لمفهوم الخليفة لما ترك الخليفة الأوّل والخليفة الثاني الأُمّة دون أن ينصبّوا رئيساً لها، وإنّ كان هذا التنصيب بأشكال مختلفة، فتحصّل من كلّ ذلك أنّ الخلافة لا تصحّ إلاّ بأن ينصّ السابق على لاحقه، وأنّها من شؤون الدين لا من شؤون الناس.
أمّا الإمامة فهي الخلافة الإلهية التي تكون متمّمة لوظائف النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإدامتها، عدا الوحي, فكلّ وظيفة من وظائف الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من: هداية البشر، وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في الدارين، وتدبير شؤونهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك.. كلّها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوّة في أُصول الدين هو بعينه الذي أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها(3).
ويشهد لكون الإمامة من أُصول الدين: أنّ منزلة الإمام كمنزلة النبيّ في حفظ الشرع، ووجوب اتّباعه، والحاجة إليه، ورياسته العامّة، بلا فرق.
وقد وافق على أنّها من أُصول الدين جماعة من مخالفي الإمامية، كالقاضي البيضاوي(4).
فالإمامة ليست مجرّد زعامة اجتماعية وسياسية, فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنّها من فروع الدين كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة وغيرها، ولكن الشيعة لا يكتفون بمجرّد هذا المعنى، بل هي عندهم لطف إلهي كالنبوّة، فتكون أصلاً لا فرعاً.
ويمكن الاستدلال لذلك مضافاً إلى ما ذكر بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ )) (المائدة:67)؛ فإنّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دلّت على أنّها أصل من أُصول الدين؛ إذ الإمامة، على ما تدلّ عليه الآية المباركة، أمر لو لم يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوّة، فهذه الآية تنادي بأعلى صوت: أنّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوّة، فكيف لا تكون من أُصول الدين؟
وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة، التي كانت آخر سورة نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3)؛ فإنّ الآية، كما نصّت عليه الروايات، نزلت في الإمامة والولاية لعليّ(عليه السلام)، ويؤيّده: عدم صلاحية شيء آخر عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكمّلة للدين ومتمّمة للنعمة، فما يكون من مكمّلات الدين ومتمّماته كيف لا يكون من أُصول الدين وأساسه؟
هذا مضافاً إلى الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين، أنّه قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يدلّ على أنّ معرفة الإمام إن حصلت ثبت الدين، وإلاّ فلا دين له إلاّ دين جاهلي(5).
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنّ الخلافة والإمامة بالاصطلاح القرآني لها معنى آخر, وهو يفترق من بعض الوجوه عمّا هو مستعمل في الاصطلاح الكلامي, فالبحث الكلامي، خاصة عند العامّة، ينظر في حدود الخلافة عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي كون الإمامة منصب ديني أو سياسي، والذي هو شأن من شؤون الإمامة والخلافة بالمعنى القرآني، ولا يتطرّق إلاّ نادراً إلى الخلافة والإمامة عن الله عزّ وجلّ، فقد وصف بعض الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم وداود(عليهما السلام) بأنّهما: خليفتان(6)، ووصف إبراهيم(عليه السلام) بأنّه: إمام(7)، فهل أنّ سائر الأنبياء كذلك، أو أنّ تلك الأوصاف مترتّبة على منزلة خاصّة ممنوحة من قبل الله تعالى لبعض دون بعض، كما هو الظاهر؟! فهذا البحث في الحقيقة أجنبي عن البحث الكلامي الذي ذكرناه؛ فلاحظ!
نعم، هو عند الإمامية يدخل في حقيقة المعرفة بالإمامة.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء (أردو) 1: 13 المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.
(2) قوله تعالى في سورة ص الآية (26): ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ...))، انظر: جامع البيان للطبري 23: 180 الحديث (22947)، وغيره.
(3) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
(4) انظر: دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، المبحث الأوّل، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 2: 295 الكتاب الثاني: في السنة، الباب الثاني: في الأخبار، الفصل الثاني: في ما علم كذبه.
(5) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
(6) قوله تعالى في آدم (عليه السلام): ((وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ))(البقرة (2): 30)، وقوله تعالى: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ)) (ص (38): 26).
(7) قوله تعالى لإبراهيم(عليه السلام): ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ))(البقرة (2): 124).
السؤال: أهمّية البحث في الإمامة
كنت أتكلّم مع أحدهم عن أهمّية البحث في مسألة الإمامة، فقال لي بأنّه: لا يعتقد بأهمّية البحث؛ لأنّ الفرق الإسلامية متّفقة في أشياء كثيرة، وليس هناك اختلاف كبير، وبالتالي كيف سيفيد هذا الاعتقاد في جعله أفضل؟
وقال لي آخر نفس الكلام تقريباً، وأضاف: بأنّه يمكن الحصول على القرب الإلهيّ بالصلاة والسجود، فما هي أهمّية الموضوع؟
الجواب:
الدين الإسلامي هو رسالة السماء الخاتمة إلى الناس، نزل بها الوحي الأمين على سيّد المرسلين محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمرنا باتّباع رسالته والإيمان بكلّ ما جاء به، والتسليم له في كلّ ما يقول، ووبّخ من يرفض الإيمان بها، أو يؤمن ببعضها ويترك بعضها الآخر:
قال تعالى: (( أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِزيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ القِيَامة يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ )) (البقرة:85).
ووصف المتّقين بقوله: (( الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيبَ فِيهِ هُدًى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))، إلى قوله تعالى: (( والَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ )) (البقرة:1-4).
وقال تعالى: (( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُّحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ )) ، إلى قوله تعالى: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الألبَابِ )) (آل عمران:7).
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الإمامة التي تؤمن بها الشيعة - تبعاً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة(عليهم السلام) - مبدأُها القرآن، وأنّ القرآن نطق بها، فإذاً يجب على الإنسان المؤمن أن يؤمن بها، وإلاّ يكن ممّن لا يؤمن ببعض الكتاب، ورادّاً لبعض ما جاء به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالتالي يدخل في ضمن من أخبر الله عنه بأنّه يصيبه أشد العذاب، بل وأكثر من ذلك، كما سيتّضح.
وأمّا كيف أنّها مبدأ قرآني؟
فنقول: قال تعالى مخاطباً إبراهيم بعد نبوّته: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
وقال تعالى وهو يتحدّث عن إبراهيم(عليه السلام): (( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ )) (الزخرف:28).
وقال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
وقال تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )) (الأنبياء:73).
إلى هنا عرفنا: أنّ الإمامة جزء من شرع النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، جاء بها الوحي الكريم، كما جاء بالصوم والصلاة وأوجب علينا الإيمان بهما، كذلك أوجب علينا الإيمان بالإمامة؛ لأنّها من عند الله تعالى، وجزء من وحيه.
ثمّ إذا ذهبنا إلى آيات القرآن الأُخرى رأينا أكثر من ذلك، وأنّها تجعل الإمامة، وولاية الإمام، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّها ترتقي إلى مستوىً أعلى من الصلاة والصوم..
قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) (المائدة:55-56) ، ولا نريد الدخول في دراسة الآية كلمة كلمة؛ فإنّ ذلك يطول، لكن الآية حصرت الولاية بالله وبرسوله، وبالذين آمنوا، وجعلت من يتولاّهم من حزب الله تعالى.
ومن الواضح: أنّ عدم تولّي الإمام (( الَّذِينَ آمَنُوا )) يخرم القاعدة التي تدخل الإنسان في حزب الله، ومن يخرج من حزب الله، يدخل في حزب الشيطان، إذ لا ثالث في البين، مع أنّا لا نجد في القرآن من يترك فرع من الفروع ولا يعمل به يكون من حزب الشيطان، فالإمامة فوق تلك الأُمور - أي: الصلاة والصوم - ووجوب تولّي الإمام كوجوب الصلاة والصوم وأكثر، كما عرفت.
وعندما نرجع إلى الأحاديث النبوية حتّى التي وردت من طرق أهل السُنّة نجد أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوضّح لنا منزلة الإمامة والخلافة، وأنّ الإمام له منزلة لا تقلّ عن منزلة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بحيث يقوم به الدين..
فقد روي عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثني عشر خليفة، كلّهم من قريش)(1).
ومن الواضح أنّه يجب علينا الرجوع إلى هؤلاء الذين يقوم الدين بهم، ويجب طاعتهم والانقياد لهم.
بل عندما نذهب إلى السُنّة النبوية المطهّرة عند أهل السُنّة نرى: أنّ عدم الإيمان بهؤلاء جاهلية، كما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(2).
وقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(3).
فمن لم يؤمن بالإمامة هو شخص جاهلي، أي: على الحالة التي كانت قبل الإسلام، وهذا يوافق الآية (55) والآية (56) من سورة المائدة، التي تلزم المؤمنين بتولّي الله والرسول، والذين آمنوا، الذين تصدّقوا في الركوع، وأنّ من لم يتولّهم يخرج من حزب الله إلى حزب غيره، وهو الشيطان، فيكون ميتاً على جاهلية كأن لم يؤمن بالله وبرسوله.
فتلخّص ممّا تقدّم:
1- إنّ الإمامة جزء من الدين الإسلامي، فيجب الاعتقاد بها كالاعتقاد بغيرها من أحكام الدين.
2- إنّ الإمامة ترتقي إلى أن يكون متولّي الإمام من حزب الله، وإلاّ يخرج منه.
3- إنّ الإمامة تعني: أنّه يجب الرجوع إلى الإمام في أخذ الدين عنه، كما أمرنا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ من لم يؤمن بالإمام مات على جاهلية.
بعد ذلك كلّه، كيف نقول: لا توجد أهمّية لبحث الإمامة؟!
وأمّا قولك على لسان المخالف: بأنّ القرب الإلهيّ يحصل بالصلاة والسجود فما أهمّية الموضوع؟
فالجواب عنه: عرفت فيما تقدّم مدى أهمّية الموضوع، وأنّ الطريق إلى توحيد الله وعبادته هو بالالتزام بأوامره، والأخذ بسُنّة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي يكون الإيمان بالإمام عمدتها، فهو الحافظ للدين والمبيّن له.
والعقل قاضٍ بوجوب طاعة الله من حيث ما يأمرنا به، لا من أي طريق مهما كان ؛ لأنّه كما أنّ العقل أثبت وجوب حقّ الطاعة علينا لله، كذلك أثبت وجوب طاعة الله من حيث ما يريده الله، لا من حيث نريد؛ لأنّ الله هو المالك المطلق والحاكم المطلق، فهو صاحب الحقّ.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: صحيح مسلم 6: 4 كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
(2) انظر: كتاب السُنّة (تصحيح الألباني): 489 الحديث (1057)، مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط للطبراني6: 70.
(3) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، المعجم الكبير للطبراني 19: 334 ذكوان أبو صالح السمان عن معاوية.
السؤال: البحث الأساس هو مبحث الإمامة
نحن نحبّ ونجلّ أهل البيت.
نصلّي نسلّم عليهم في كلّ تشهد, نحن نلعن حبّ الكرسي والحكم, فمن غير المنطقي الاستمرار في عداوة عمرها مئات السنون, الكفّار واليهود يتّحدون ونحن نتجادل على ملك بائد، فليبقى الشيعي شيعياً، والسُنّي سُنّياً.. والكلّ مسلم.
الجواب:
الخلاف بين أهل السُنّة والشيعة ليس خلافاً سياسياً - كما تصوّرتموه - حول الحكم وكرسي الخلافة, وإنّما هذه المسألة، أي مسألة الخلافة الدنيوية والسلطة التنفيذية بحث دخل في ذمّة التاريخ، ولا محصّل عملي من الدخول فيه الآن، وإنّما البحث كلّ البحث هو في المصير الأُخروي للمسلم الذي صرّح به الحديث الصحيح للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(2), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(3).
وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(4)... ونحوها ممّا هو في معناها من الأحاديث الواردة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، التي تفيد بطرقها التواتر المعنوي بأنّ الاعتقاد بالإمامة ووجوب البيعة لإمام في كلّ زمان هو أمر لازم لكلّ مسلم، ولا ينفك هذا الأمر عن أعناق المسلمين إلى يوم القيامة، وهو المعنى الذي استفاده أيضاً بعض محقّقي أهل السُنّة فضلاً عن اعتقاد الشيعة به وعملهم عليه.
قال ابن حزم في (الفصل بين الملل): إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على وجوب الإمامة، وأنّه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة(5).
وقال في (المحلّى): ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة))(6).
وقال الإيجي في (المواقف): ((إنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على امتناع خلوّ الوقت عن إمام))(7).
وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال النووي: ((أجمعوا على أنّه يجب نصب خليفة، وعلى أنّ وجوبه بالشرع لا بالعقل))(8).
وعن الماوردي في (الأحكام السلطانية): ((وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأُمّة واجب بالإجماع))(9).
فالبحث أيّها الأخ الكريم إنّما هو في مسألة الإمامة والتحرّز عن ميتة الجاهلية، فهل ترى لو متّ وحشرت أمام الله وسألك عن إمام زمانك ولم تعطه جواباً واضحاً في الموضوع، واعتذرت بما كان عليه الآباء والأجداد من الجهل بهذه المسألة وعدم البحث فيها، فهل يغنيك هذا عن أن يعاقبك المولى كما يعاقب أهل الجاهلية، ويحاسبك على ضلالك كما يحاسبهم على ضلالهم بحسب المستفاد من الحديث، الذي ثبت تواتره المعنوي، وقد استفاد منه وجوب البيعة لإمام كلّ زمان علماء أهل السُنّة قبل الشيعة كما أسلفنا قبل قليل؟!
فالمسألة برمّتها أيّها الأخ الكريم لا تتعدّى البحث عن المصير الأُخروي للمسلم في ما يتعلّق بمسألة الإمامة.. ونحن نسأل الله سبحانه أن يثبّتنا وإيّاكم بالسير على الطريق الذي يحبّه ويرضاه، انّه سميع قريب مجيب.
ملاحظة: عندما نقول: أنّ علماء أهل السُنّة بحثوا في الإمامة، وبالخصوص في ما يتعلّق بمضمون الأحاديث المشار إليها، إنّما نقصد: أنّهم بحثوا على المستوى النظري فقط، وأمّا على المستوى العملي، فلا تجد عندهم جواباً واضحاً في من يعتقدون به أنّه إمام زمانهم يجب عليهم مبايعته، وأنّ له في عنقهم بيعة من الله إن ثبتت وإلاّ فميتتهم ميتة جاهلية.. فهذا أمر لا مصداق ولا جواب حقيقي له عندهم؟!
ودمتم في رعاية الله
(1) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 409 الباب (38).
(2) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب حكم فرق أمر المسلمين.
(3) انظر: مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط 6: 70.
(4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 96 حديث معاوية، مسند أبي داود الطيالسي: 259، المعجم الكبير للطبراني 19: 388، مسند الشاميين 2: 438 الحديث (1654).
(5) الفصل بين الملل والأهواء والنحل 4: 102 الكلام في الإمامة والمفاضلة.
(6) المحلّى 9: 359 كتاب الإمامة مسألة (176).
(7) المواقف 3: 575 الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد الأوّل.
(8) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13: 178 كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
(9) الأحكام السلطانية: 3 الباب الأوّل.
السؤال: البحث عن الماضي منهج قرآني
إنّ الحديث عن الخلافة، ولمن كانت الخلافة، لعليّ(عليه السلام) أم لأبي بكر؟ أمر تاريخي وانتهى، فلماذا لا نتكلّم عن أُمور الحياة وأُمور أُخرى؟ فلماذا لا زلتم تتكلّمون عن هذا الأمر؟
الجواب:
الواجب على الإنسان أن ينظر لأُمور دينه كما يرشده العقل إلى العناية بأُمور دنياه، وأنت بدعواك هذه تريد ترك الجانب الأُخروي، ولا تهمّك عقيدتك سواءً كنت على أحقّ أم على باطل.
ونحن نقول: إنّه لا يمكن إدراك الحقّ وتميّزه عن الباطل إلاّ من خلال النظر إلى الماضي الذي وقع فيه الخلاف على الإمامة، وتدقيق النصوص الحديثية والتاريخية التي تشير إلى ذلك.
ولو كان ما تقول أمراً صحيحاً، لما دعانا القرآن إلى النظر والتدبّر بأمر الأُمّم السابقة، وكرّر تذكيرنا بالأنبياء السابقين وأعدائهم لنتّعض, وإذا كان القرآن يحثّ على معرفة حال الأُمّم السابقة وأنبيائها وملوكها، فمن الأولى أن يحثّنا على معرفة حال سلف هذه الأُمّة وأوّلها؛ فتأمّل!
السؤال: أصل الإختلاف بين الشيعة والسنة
أخبروني عن رأيكم بكلّ وضوح وصراحة: عن سبب اختلافكم مع مذهب أهل السُنّة والجماعة؟
الجواب:
باختصار, إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبر عن اختلاف أُمّته إلى نيّف وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة, وهذا الحديث موجود في مصادر جميع المسلمين(1).
وعليه, فالبحث عن الفرقة الناجية أمر حتميّ, على كلّ مسلم أن يبحث في الأدلّة ليعرف هذه الفرقة ومعتقداتها, ويعتقد بالعقائد الحقّة.
وأصل الاختلاف بين السُنّة والشيعة هو: في مسألة الخلافة, وباقي المسائل تتفرّع على هذا الأصل.
فالشيعة تستدلّ بالعقل والنقل على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يرحل من هذه الدنيا حتّى عيّن الخليفة من بعده بالاسم, شأنه شأن سائر الأنبياء قبله الذين عيّنوا أوصياء لهم.
والسُنّة تقول بأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحل من هذه الدنيا ولم يعيّن ولم ينصّ على أحد، بل ولم يذكر لهم طريقة انتخاب من بعده, بل ترك الأُمّة تفعل ما تشاء.
فعلى كلّ المسلمين البحث في جذور الاختلاف أوّلاً, وهي مسألة الإمامة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), ومراجعة أدلّة الطرفين كلّ من كتبه, لا أن يعتمد على من نقل عنهم.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: مسند أحمد 3: 145 مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة 2: 1321 - 1332 كتاب الفتن باب (17) الحديث (3992، 3993)، مجمع الزوائد للهيثمي 1: 189 كتاب العلم باب في البدع والأهواء.
السؤال: الإمامة أساس الاختلاف بين المسلمين
ما هو الفرق بين الشيعة والسُنّة وما هو أساس الاختلاف بينهم؟
الجواب:
كما هو معلوم هناك فروق كثيرة بين الشيعة والسُنّة في جانب العقائد والفقه و... وأساس الاختلاف بينهما هو في الإمامة والخلافة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فالشيعة الإمامية تعتقد:
أوّلاً: إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص.
ثانياً: إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل، كما نصّ عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مواطن عديدة.
ثالثاً: إنّ الأئمّة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر إماماً، كما نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
رابعاً: إنّ الأئمّة(عليهم السلام) معصومون.
وأخيراً, فإنّ الشيعة تأخذ أحكامها عن القرآن وأهل البيت(عليهم السلام), وترى هذا الطريق هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى ومبرئ للذمّة, وذلك عملاً بقول الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي رواه عنه جميع المسلمين: (إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله, وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)(1).
وهذا ممّا لا يقول به أهل السُنّة. وهناك فوارق أُخر أيضاً.
ودمتم في رعاية الله
(1) مسند أحمد 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148، السنن الكبرى للبيهقي 2: 148 جماع أبواب صفة الصلاة.
السؤال: الإمامة أصل الاختلاف
أودّ الاستفسار عن ميراث النبيّ الأكرم، وسرّ الاختلاف بين آل بيت الرسول(عليهم السلام) والخليفة الأوّل.
الجواب:
ليس الاختلاف اختلاف ميراث ومال في ما بين أهل البيت(عليهم السلام) والخلفاء, وإنّما الاختلاف اختلاف مبدأ يبيّن الحقّ من الباطل, وكما اعترف الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل)(1) وغيره، بأنّ أصل الاختلاف هو: في الإمامة بعد وفاة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ ذهب الشيعة إلى أنّ الإمامة بالنص, وأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بالإمامة بعده بلا فصل, وذلك في مواطن ومواقف مختلفة, من بداية الدعوة، عندما جمع عشيرته للإنذار (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)(2)، وإلى آخر ما قاله في مرضه الذي توفّي فيه(3).
كما أنّ الإمامة إلى أحد عشر إمام بعد عليّ(عليه السلام) نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأمّا أهل السُنّة فوقعوا في خبط شديد.. فتشاهد خلافة أبي بكر لم تكن بشورى حقيقية, ولا باجتماع أهل الحلّ والعقد عليها؛ وذلك لتخلّف بني هاشم وبعض كبار الصحابة, ولِما استعمله أبو بكر وأعوانه من تسليط السيف والتهديد على من لم يبايع, ولأجل هذا قال قائلهم: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة...))(4)!!
وتشاهد خلافة عمر كانت بالنص من أبي بكر عليه.
وتشاهد خلافة عثمان كانت بمسرحية الشورى التي دبّر الأمر فيها من ذي قبل، ثمّ آل الأمر إلى معاوية المتسلّط بالسيف، ومن بعده من ملوك بني أُميّة وبني العبّاس إلى يومنا هذا.
ودمتم في رعاية الله
(1) الملل والنحل 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، 1: 27 الاختلاف العاشر، 1: 146 الفصل السادس: الشيعة، 1: 162 الفصل السادس، الثالث: الإمامية.
(2) مسند أحمد 1: 111 مسند علي بن أبي طالب،شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 211 خطبة (238) الناصعة، تفسير ابن أبي حاتم 9: 282 الحديث(16015)، تفسير الثعلبي 7: 182، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 486 الحديث (514)، السيرة الحلبية 1: 461.
(3) مسند أحمد 1: 222، 335، 336 مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم، 4: 31، 66 كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، 5: 137، 138 كتاب المغازي باب مرضه(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، وغيرها.
(4) مسند أحمد 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 25 - 26 كتاب المحاربين، مجمع الزوائد للهيثمي 6: 5 كتاب الجهاد باب تدوين العطاء.
يتبع
ما هو التعريف المتّفق عليه للإمامة عندنا (مذهب أهل البيت(عليهم السلام))؟
الجواب:
يقول السيّد علي الميلاني في كتاب (الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية):
((وأمّا تعريف الإمامة، فالظاهر أن لا خلاف فيه..
قال العلامّة الحلّي(رحمه الله) بتعريف الإمامة: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقال المقداد السيوري(رحمه الله) بشرحه: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني. فالرياسة: جنس قريب، والجنس البعيد هو: النسبة، وكونها عامّة: فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنوّاب، وفي أُمور الدين والدنيا: بيان لمتعلّقها؛ فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا، وكونها (لشخص إنساني): فيه إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنّ مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله، لا أيّ شخص اتّفق.
وثانيهما: إنّه لا يجوز أن يكون مستحقّها أكثر من واحد في عصر واحد.
وزاد بعض الفضلاء في التعريف: بحقّ الأصالة، وقال في تعريفها: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحقّ الأصالة، واحترز بهذا - أي: قيد (بحقّ الأصالة) - عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية؛ فإنّ رياسته عامّة لكن ليست بالأصالة))(1).
والأولى تعريفها بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافةً عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أُمور الدين والدنيا، ويجب اتّباعه على جميع الأُمّة(2).
ودمتم برعاية الله
(1) الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية: 44 - 45، تعريف الإمامة، وانظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: 93 الفصل السادس: في الإمامة.
(2) انظر: لوامع الحقائق 2: 1 مبحث الإمامة، الإلهيات 4: 8 الفصل السابع الأمر الأوّل: في تعريف الإمامة، العقائد الحقّة: 275 أصل الإمامة.
تعليق على الجواب (1)
استاذي الفاضل
يرد على كلامكم المحترم رد وهو : ان التعريف الذي تعرف به الامامة (رئاسة عامة في امور الدين والدنيا) جعل الرئاسة من لوازم الامامة ,فكيف يتم الملزوم بتخلف لوازمه, ومما لا شك فيه انهم سلام الله عليهم لم يتسلموا زمام الحكم الا علي والحسن عليهما السلام , فمثلا لو كان هناك رجل قد توفرت فيه شرائط الامامة في الصلاة ولكن لم يسمح له بالصلاة فلا يصح اطلاق صفة الامام عليه ولكن يقال له صلاحية الامامة في الصلاة, ومثال اخر, لو كان هناك رجل توفرت فيه شرائط تولي القضاء ولكن لم يسمح له بان يقضي بين الناس فهل يقال له قاضي او يقال له صلاحية القضاء.
الجواب:
عرفت الامامة بانها رئاسة في امور الدين والدنيا واذا تخلفت الرئاسة الدنيوية فلم تتخلف الرئاسة الدينية ثم اننا عندما نعرف الامامة نعرفها بما هي وفق منظورنا من ان الامامة منصب الهي وليست هي من صلاحيات البشر والله سبحانه وتعالى ارادها لافراد مخصوصين وجعل من صلاحياتهم ممارسة الرئاسة الدنيوية لذا صح التعريف بما ذكر نعم لما كان المخالفون يرون الامامة ليست منصبا الهيا بل هي سلوك يمارس من قبل الشخص فمن مارسه سمي اماما ومن لم يمارسه لم يصح ان يسمى اماما لذا اوردوا الاشكال المذكور علينا منطلقين من فهمهم للامامة لامن فهمنا .
وبعبارة اخرى نقول : ان الامام (عليه السلام) قد تلبس بمبدأ الامامة حال النص عليه فان حصل مانع دون ممارسة دوره الرئاسي فلا يترتب عليه انتفاء صفة الامامة عنه ومثاله الطبيب فانه قد صار طبيبا حال تلبسه بمبدأ الطبابة بعد ان رسخت فيه الملكة فاذا حال دون ممارسته للطب امر عارض فانه سوف يبقى طبيبا لانه قد تلبس بالمبدأ بحسب الملكة لا بحسب الفعل والممارسة . وعليه فالرئاسة الدنيوية التي لم يمارسها الامام لا تخرجه عن الامامة لانه متلبس بها بحسب النص الالهي .
السؤال: الفرق بين الخلافة والإمامة
هل هناك فرق بين الإمامة والخلافة؟ وإذا كان نعم ما هو الفرق؟
الجواب:
ذكروا في تعريف الخلافة أنّها: الرئاسة العامّة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(1). وواضح أنّ المراد منها خاصّة عند العامّة: هي الخلافة الظاهرية ورئاسة الحكومة والإمارة، وهي تثبت لمن يقوم مقام النبيّ حتّى ولو لم ينصّبه النبيّ.
وهي عندنا لا تكون إلاّ بنص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لما عرفت من حقيقتها وأنّها نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في جميع شؤونه، وبالتالي تكون خلافة عن الله تعالى.
وما زعموه من أنّه: لا يصلح أن يقال: أنّ الله يستخلف أحداً عنه ممنوع؛ لتصريح أئمّة السُنّة بكون داود(عليه السلام) خليفة الله، وأنّه قد وصف بهذا في القرآن العظيم(2), وإنّما انحرفوا عن هذا المعنى تصحيحاً لخلافة الثلاثة، وتوسّلوا في سبيل إثبات صحّة خلافتهم بالشورى حتّى عدّوا الخلافة جزءاً منها، ورغم أنّ مصطلح الخلافة ظاهراً في معنى الإيصاء وتنصيب النائب عن منوبه إذ يفترض وجود مستخلف، وأنّه مريد لتعيين من يخلفه؛ لأنّ ذلك من شؤونه لا من شأن غيره، ولو لم يكن هذا المعنى لازماً لمفهوم الخليفة لما ترك الخليفة الأوّل والخليفة الثاني الأُمّة دون أن ينصبّوا رئيساً لها، وإنّ كان هذا التنصيب بأشكال مختلفة، فتحصّل من كلّ ذلك أنّ الخلافة لا تصحّ إلاّ بأن ينصّ السابق على لاحقه، وأنّها من شؤون الدين لا من شؤون الناس.
أمّا الإمامة فهي الخلافة الإلهية التي تكون متمّمة لوظائف النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإدامتها، عدا الوحي, فكلّ وظيفة من وظائف الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من: هداية البشر، وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في الدارين، وتدبير شؤونهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك.. كلّها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوّة في أُصول الدين هو بعينه الذي أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها(3).
ويشهد لكون الإمامة من أُصول الدين: أنّ منزلة الإمام كمنزلة النبيّ في حفظ الشرع، ووجوب اتّباعه، والحاجة إليه، ورياسته العامّة، بلا فرق.
وقد وافق على أنّها من أُصول الدين جماعة من مخالفي الإمامية، كالقاضي البيضاوي(4).
فالإمامة ليست مجرّد زعامة اجتماعية وسياسية, فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنّها من فروع الدين كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة وغيرها، ولكن الشيعة لا يكتفون بمجرّد هذا المعنى، بل هي عندهم لطف إلهي كالنبوّة، فتكون أصلاً لا فرعاً.
ويمكن الاستدلال لذلك مضافاً إلى ما ذكر بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ )) (المائدة:67)؛ فإنّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دلّت على أنّها أصل من أُصول الدين؛ إذ الإمامة، على ما تدلّ عليه الآية المباركة، أمر لو لم يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوّة، فهذه الآية تنادي بأعلى صوت: أنّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوّة، فكيف لا تكون من أُصول الدين؟
وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة، التي كانت آخر سورة نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3)؛ فإنّ الآية، كما نصّت عليه الروايات، نزلت في الإمامة والولاية لعليّ(عليه السلام)، ويؤيّده: عدم صلاحية شيء آخر عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكمّلة للدين ومتمّمة للنعمة، فما يكون من مكمّلات الدين ومتمّماته كيف لا يكون من أُصول الدين وأساسه؟
هذا مضافاً إلى الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين، أنّه قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يدلّ على أنّ معرفة الإمام إن حصلت ثبت الدين، وإلاّ فلا دين له إلاّ دين جاهلي(5).
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنّ الخلافة والإمامة بالاصطلاح القرآني لها معنى آخر, وهو يفترق من بعض الوجوه عمّا هو مستعمل في الاصطلاح الكلامي, فالبحث الكلامي، خاصة عند العامّة، ينظر في حدود الخلافة عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي كون الإمامة منصب ديني أو سياسي، والذي هو شأن من شؤون الإمامة والخلافة بالمعنى القرآني، ولا يتطرّق إلاّ نادراً إلى الخلافة والإمامة عن الله عزّ وجلّ، فقد وصف بعض الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم وداود(عليهما السلام) بأنّهما: خليفتان(6)، ووصف إبراهيم(عليه السلام) بأنّه: إمام(7)، فهل أنّ سائر الأنبياء كذلك، أو أنّ تلك الأوصاف مترتّبة على منزلة خاصّة ممنوحة من قبل الله تعالى لبعض دون بعض، كما هو الظاهر؟! فهذا البحث في الحقيقة أجنبي عن البحث الكلامي الذي ذكرناه؛ فلاحظ!
نعم، هو عند الإمامية يدخل في حقيقة المعرفة بالإمامة.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء (أردو) 1: 13 المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.
(2) قوله تعالى في سورة ص الآية (26): ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ...))، انظر: جامع البيان للطبري 23: 180 الحديث (22947)، وغيره.
(3) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
(4) انظر: دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، المبحث الأوّل، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 2: 295 الكتاب الثاني: في السنة، الباب الثاني: في الأخبار، الفصل الثاني: في ما علم كذبه.
(5) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
(6) قوله تعالى في آدم (عليه السلام): ((وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ))(البقرة (2): 30)، وقوله تعالى: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ)) (ص (38): 26).
(7) قوله تعالى لإبراهيم(عليه السلام): ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ))(البقرة (2): 124).
السؤال: أهمّية البحث في الإمامة
كنت أتكلّم مع أحدهم عن أهمّية البحث في مسألة الإمامة، فقال لي بأنّه: لا يعتقد بأهمّية البحث؛ لأنّ الفرق الإسلامية متّفقة في أشياء كثيرة، وليس هناك اختلاف كبير، وبالتالي كيف سيفيد هذا الاعتقاد في جعله أفضل؟
وقال لي آخر نفس الكلام تقريباً، وأضاف: بأنّه يمكن الحصول على القرب الإلهيّ بالصلاة والسجود، فما هي أهمّية الموضوع؟
الجواب:
الدين الإسلامي هو رسالة السماء الخاتمة إلى الناس، نزل بها الوحي الأمين على سيّد المرسلين محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمرنا باتّباع رسالته والإيمان بكلّ ما جاء به، والتسليم له في كلّ ما يقول، ووبّخ من يرفض الإيمان بها، أو يؤمن ببعضها ويترك بعضها الآخر:
قال تعالى: (( أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِزيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ القِيَامة يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ )) (البقرة:85).
ووصف المتّقين بقوله: (( الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيبَ فِيهِ هُدًى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))، إلى قوله تعالى: (( والَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ )) (البقرة:1-4).
وقال تعالى: (( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُّحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ )) ، إلى قوله تعالى: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الألبَابِ )) (آل عمران:7).
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الإمامة التي تؤمن بها الشيعة - تبعاً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة(عليهم السلام) - مبدأُها القرآن، وأنّ القرآن نطق بها، فإذاً يجب على الإنسان المؤمن أن يؤمن بها، وإلاّ يكن ممّن لا يؤمن ببعض الكتاب، ورادّاً لبعض ما جاء به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالتالي يدخل في ضمن من أخبر الله عنه بأنّه يصيبه أشد العذاب، بل وأكثر من ذلك، كما سيتّضح.
وأمّا كيف أنّها مبدأ قرآني؟
فنقول: قال تعالى مخاطباً إبراهيم بعد نبوّته: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
وقال تعالى وهو يتحدّث عن إبراهيم(عليه السلام): (( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ )) (الزخرف:28).
وقال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
وقال تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )) (الأنبياء:73).
إلى هنا عرفنا: أنّ الإمامة جزء من شرع النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، جاء بها الوحي الكريم، كما جاء بالصوم والصلاة وأوجب علينا الإيمان بهما، كذلك أوجب علينا الإيمان بالإمامة؛ لأنّها من عند الله تعالى، وجزء من وحيه.
ثمّ إذا ذهبنا إلى آيات القرآن الأُخرى رأينا أكثر من ذلك، وأنّها تجعل الإمامة، وولاية الإمام، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّها ترتقي إلى مستوىً أعلى من الصلاة والصوم..
قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) (المائدة:55-56) ، ولا نريد الدخول في دراسة الآية كلمة كلمة؛ فإنّ ذلك يطول، لكن الآية حصرت الولاية بالله وبرسوله، وبالذين آمنوا، وجعلت من يتولاّهم من حزب الله تعالى.
ومن الواضح: أنّ عدم تولّي الإمام (( الَّذِينَ آمَنُوا )) يخرم القاعدة التي تدخل الإنسان في حزب الله، ومن يخرج من حزب الله، يدخل في حزب الشيطان، إذ لا ثالث في البين، مع أنّا لا نجد في القرآن من يترك فرع من الفروع ولا يعمل به يكون من حزب الشيطان، فالإمامة فوق تلك الأُمور - أي: الصلاة والصوم - ووجوب تولّي الإمام كوجوب الصلاة والصوم وأكثر، كما عرفت.
وعندما نرجع إلى الأحاديث النبوية حتّى التي وردت من طرق أهل السُنّة نجد أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوضّح لنا منزلة الإمامة والخلافة، وأنّ الإمام له منزلة لا تقلّ عن منزلة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بحيث يقوم به الدين..
فقد روي عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثني عشر خليفة، كلّهم من قريش)(1).
ومن الواضح أنّه يجب علينا الرجوع إلى هؤلاء الذين يقوم الدين بهم، ويجب طاعتهم والانقياد لهم.
بل عندما نذهب إلى السُنّة النبوية المطهّرة عند أهل السُنّة نرى: أنّ عدم الإيمان بهؤلاء جاهلية، كما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(2).
وقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(3).
فمن لم يؤمن بالإمامة هو شخص جاهلي، أي: على الحالة التي كانت قبل الإسلام، وهذا يوافق الآية (55) والآية (56) من سورة المائدة، التي تلزم المؤمنين بتولّي الله والرسول، والذين آمنوا، الذين تصدّقوا في الركوع، وأنّ من لم يتولّهم يخرج من حزب الله إلى حزب غيره، وهو الشيطان، فيكون ميتاً على جاهلية كأن لم يؤمن بالله وبرسوله.
فتلخّص ممّا تقدّم:
1- إنّ الإمامة جزء من الدين الإسلامي، فيجب الاعتقاد بها كالاعتقاد بغيرها من أحكام الدين.
2- إنّ الإمامة ترتقي إلى أن يكون متولّي الإمام من حزب الله، وإلاّ يخرج منه.
3- إنّ الإمامة تعني: أنّه يجب الرجوع إلى الإمام في أخذ الدين عنه، كما أمرنا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ من لم يؤمن بالإمام مات على جاهلية.
بعد ذلك كلّه، كيف نقول: لا توجد أهمّية لبحث الإمامة؟!
وأمّا قولك على لسان المخالف: بأنّ القرب الإلهيّ يحصل بالصلاة والسجود فما أهمّية الموضوع؟
فالجواب عنه: عرفت فيما تقدّم مدى أهمّية الموضوع، وأنّ الطريق إلى توحيد الله وعبادته هو بالالتزام بأوامره، والأخذ بسُنّة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي يكون الإيمان بالإمام عمدتها، فهو الحافظ للدين والمبيّن له.
والعقل قاضٍ بوجوب طاعة الله من حيث ما يأمرنا به، لا من أي طريق مهما كان ؛ لأنّه كما أنّ العقل أثبت وجوب حقّ الطاعة علينا لله، كذلك أثبت وجوب طاعة الله من حيث ما يريده الله، لا من حيث نريد؛ لأنّ الله هو المالك المطلق والحاكم المطلق، فهو صاحب الحقّ.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: صحيح مسلم 6: 4 كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
(2) انظر: كتاب السُنّة (تصحيح الألباني): 489 الحديث (1057)، مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط للطبراني6: 70.
(3) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، المعجم الكبير للطبراني 19: 334 ذكوان أبو صالح السمان عن معاوية.
السؤال: البحث الأساس هو مبحث الإمامة
نحن نحبّ ونجلّ أهل البيت.
نصلّي نسلّم عليهم في كلّ تشهد, نحن نلعن حبّ الكرسي والحكم, فمن غير المنطقي الاستمرار في عداوة عمرها مئات السنون, الكفّار واليهود يتّحدون ونحن نتجادل على ملك بائد، فليبقى الشيعي شيعياً، والسُنّي سُنّياً.. والكلّ مسلم.
الجواب:
الخلاف بين أهل السُنّة والشيعة ليس خلافاً سياسياً - كما تصوّرتموه - حول الحكم وكرسي الخلافة, وإنّما هذه المسألة، أي مسألة الخلافة الدنيوية والسلطة التنفيذية بحث دخل في ذمّة التاريخ، ولا محصّل عملي من الدخول فيه الآن، وإنّما البحث كلّ البحث هو في المصير الأُخروي للمسلم الذي صرّح به الحديث الصحيح للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(2), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(3).
وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(4)... ونحوها ممّا هو في معناها من الأحاديث الواردة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، التي تفيد بطرقها التواتر المعنوي بأنّ الاعتقاد بالإمامة ووجوب البيعة لإمام في كلّ زمان هو أمر لازم لكلّ مسلم، ولا ينفك هذا الأمر عن أعناق المسلمين إلى يوم القيامة، وهو المعنى الذي استفاده أيضاً بعض محقّقي أهل السُنّة فضلاً عن اعتقاد الشيعة به وعملهم عليه.
قال ابن حزم في (الفصل بين الملل): إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على وجوب الإمامة، وأنّه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة(5).
وقال في (المحلّى): ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة))(6).
وقال الإيجي في (المواقف): ((إنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على امتناع خلوّ الوقت عن إمام))(7).
وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال النووي: ((أجمعوا على أنّه يجب نصب خليفة، وعلى أنّ وجوبه بالشرع لا بالعقل))(8).
وعن الماوردي في (الأحكام السلطانية): ((وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأُمّة واجب بالإجماع))(9).
فالبحث أيّها الأخ الكريم إنّما هو في مسألة الإمامة والتحرّز عن ميتة الجاهلية، فهل ترى لو متّ وحشرت أمام الله وسألك عن إمام زمانك ولم تعطه جواباً واضحاً في الموضوع، واعتذرت بما كان عليه الآباء والأجداد من الجهل بهذه المسألة وعدم البحث فيها، فهل يغنيك هذا عن أن يعاقبك المولى كما يعاقب أهل الجاهلية، ويحاسبك على ضلالك كما يحاسبهم على ضلالهم بحسب المستفاد من الحديث، الذي ثبت تواتره المعنوي، وقد استفاد منه وجوب البيعة لإمام كلّ زمان علماء أهل السُنّة قبل الشيعة كما أسلفنا قبل قليل؟!
فالمسألة برمّتها أيّها الأخ الكريم لا تتعدّى البحث عن المصير الأُخروي للمسلم في ما يتعلّق بمسألة الإمامة.. ونحن نسأل الله سبحانه أن يثبّتنا وإيّاكم بالسير على الطريق الذي يحبّه ويرضاه، انّه سميع قريب مجيب.
ملاحظة: عندما نقول: أنّ علماء أهل السُنّة بحثوا في الإمامة، وبالخصوص في ما يتعلّق بمضمون الأحاديث المشار إليها، إنّما نقصد: أنّهم بحثوا على المستوى النظري فقط، وأمّا على المستوى العملي، فلا تجد عندهم جواباً واضحاً في من يعتقدون به أنّه إمام زمانهم يجب عليهم مبايعته، وأنّ له في عنقهم بيعة من الله إن ثبتت وإلاّ فميتتهم ميتة جاهلية.. فهذا أمر لا مصداق ولا جواب حقيقي له عندهم؟!
ودمتم في رعاية الله
(1) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 409 الباب (38).
(2) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب حكم فرق أمر المسلمين.
(3) انظر: مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط 6: 70.
(4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 96 حديث معاوية، مسند أبي داود الطيالسي: 259، المعجم الكبير للطبراني 19: 388، مسند الشاميين 2: 438 الحديث (1654).
(5) الفصل بين الملل والأهواء والنحل 4: 102 الكلام في الإمامة والمفاضلة.
(6) المحلّى 9: 359 كتاب الإمامة مسألة (176).
(7) المواقف 3: 575 الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد الأوّل.
(8) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13: 178 كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
(9) الأحكام السلطانية: 3 الباب الأوّل.
السؤال: البحث عن الماضي منهج قرآني
إنّ الحديث عن الخلافة، ولمن كانت الخلافة، لعليّ(عليه السلام) أم لأبي بكر؟ أمر تاريخي وانتهى، فلماذا لا نتكلّم عن أُمور الحياة وأُمور أُخرى؟ فلماذا لا زلتم تتكلّمون عن هذا الأمر؟
الجواب:
الواجب على الإنسان أن ينظر لأُمور دينه كما يرشده العقل إلى العناية بأُمور دنياه، وأنت بدعواك هذه تريد ترك الجانب الأُخروي، ولا تهمّك عقيدتك سواءً كنت على أحقّ أم على باطل.
ونحن نقول: إنّه لا يمكن إدراك الحقّ وتميّزه عن الباطل إلاّ من خلال النظر إلى الماضي الذي وقع فيه الخلاف على الإمامة، وتدقيق النصوص الحديثية والتاريخية التي تشير إلى ذلك.
ولو كان ما تقول أمراً صحيحاً، لما دعانا القرآن إلى النظر والتدبّر بأمر الأُمّم السابقة، وكرّر تذكيرنا بالأنبياء السابقين وأعدائهم لنتّعض, وإذا كان القرآن يحثّ على معرفة حال الأُمّم السابقة وأنبيائها وملوكها، فمن الأولى أن يحثّنا على معرفة حال سلف هذه الأُمّة وأوّلها؛ فتأمّل!
السؤال: أصل الإختلاف بين الشيعة والسنة
أخبروني عن رأيكم بكلّ وضوح وصراحة: عن سبب اختلافكم مع مذهب أهل السُنّة والجماعة؟
الجواب:
باختصار, إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبر عن اختلاف أُمّته إلى نيّف وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة, وهذا الحديث موجود في مصادر جميع المسلمين(1).
وعليه, فالبحث عن الفرقة الناجية أمر حتميّ, على كلّ مسلم أن يبحث في الأدلّة ليعرف هذه الفرقة ومعتقداتها, ويعتقد بالعقائد الحقّة.
وأصل الاختلاف بين السُنّة والشيعة هو: في مسألة الخلافة, وباقي المسائل تتفرّع على هذا الأصل.
فالشيعة تستدلّ بالعقل والنقل على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يرحل من هذه الدنيا حتّى عيّن الخليفة من بعده بالاسم, شأنه شأن سائر الأنبياء قبله الذين عيّنوا أوصياء لهم.
والسُنّة تقول بأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحل من هذه الدنيا ولم يعيّن ولم ينصّ على أحد، بل ولم يذكر لهم طريقة انتخاب من بعده, بل ترك الأُمّة تفعل ما تشاء.
فعلى كلّ المسلمين البحث في جذور الاختلاف أوّلاً, وهي مسألة الإمامة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), ومراجعة أدلّة الطرفين كلّ من كتبه, لا أن يعتمد على من نقل عنهم.
ودمتم في رعاية الله
(1) انظر: مسند أحمد 3: 145 مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة 2: 1321 - 1332 كتاب الفتن باب (17) الحديث (3992، 3993)، مجمع الزوائد للهيثمي 1: 189 كتاب العلم باب في البدع والأهواء.
السؤال: الإمامة أساس الاختلاف بين المسلمين
ما هو الفرق بين الشيعة والسُنّة وما هو أساس الاختلاف بينهم؟
الجواب:
كما هو معلوم هناك فروق كثيرة بين الشيعة والسُنّة في جانب العقائد والفقه و... وأساس الاختلاف بينهما هو في الإمامة والخلافة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فالشيعة الإمامية تعتقد:
أوّلاً: إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص.
ثانياً: إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل، كما نصّ عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مواطن عديدة.
ثالثاً: إنّ الأئمّة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر إماماً، كما نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
رابعاً: إنّ الأئمّة(عليهم السلام) معصومون.
وأخيراً, فإنّ الشيعة تأخذ أحكامها عن القرآن وأهل البيت(عليهم السلام), وترى هذا الطريق هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى ومبرئ للذمّة, وذلك عملاً بقول الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي رواه عنه جميع المسلمين: (إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله, وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)(1).
وهذا ممّا لا يقول به أهل السُنّة. وهناك فوارق أُخر أيضاً.
ودمتم في رعاية الله
(1) مسند أحمد 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148، السنن الكبرى للبيهقي 2: 148 جماع أبواب صفة الصلاة.
السؤال: الإمامة أصل الاختلاف
أودّ الاستفسار عن ميراث النبيّ الأكرم، وسرّ الاختلاف بين آل بيت الرسول(عليهم السلام) والخليفة الأوّل.
الجواب:
ليس الاختلاف اختلاف ميراث ومال في ما بين أهل البيت(عليهم السلام) والخلفاء, وإنّما الاختلاف اختلاف مبدأ يبيّن الحقّ من الباطل, وكما اعترف الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل)(1) وغيره، بأنّ أصل الاختلاف هو: في الإمامة بعد وفاة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ ذهب الشيعة إلى أنّ الإمامة بالنص, وأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بالإمامة بعده بلا فصل, وذلك في مواطن ومواقف مختلفة, من بداية الدعوة، عندما جمع عشيرته للإنذار (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)(2)، وإلى آخر ما قاله في مرضه الذي توفّي فيه(3).
كما أنّ الإمامة إلى أحد عشر إمام بعد عليّ(عليه السلام) نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأمّا أهل السُنّة فوقعوا في خبط شديد.. فتشاهد خلافة أبي بكر لم تكن بشورى حقيقية, ولا باجتماع أهل الحلّ والعقد عليها؛ وذلك لتخلّف بني هاشم وبعض كبار الصحابة, ولِما استعمله أبو بكر وأعوانه من تسليط السيف والتهديد على من لم يبايع, ولأجل هذا قال قائلهم: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة...))(4)!!
وتشاهد خلافة عمر كانت بالنص من أبي بكر عليه.
وتشاهد خلافة عثمان كانت بمسرحية الشورى التي دبّر الأمر فيها من ذي قبل، ثمّ آل الأمر إلى معاوية المتسلّط بالسيف، ومن بعده من ملوك بني أُميّة وبني العبّاس إلى يومنا هذا.
ودمتم في رعاية الله
(1) الملل والنحل 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، 1: 27 الاختلاف العاشر، 1: 146 الفصل السادس: الشيعة، 1: 162 الفصل السادس، الثالث: الإمامية.
(2) مسند أحمد 1: 111 مسند علي بن أبي طالب،شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 211 خطبة (238) الناصعة، تفسير ابن أبي حاتم 9: 282 الحديث(16015)، تفسير الثعلبي 7: 182، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 486 الحديث (514)، السيرة الحلبية 1: 461.
(3) مسند أحمد 1: 222، 335، 336 مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم، 4: 31، 66 كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، 5: 137، 138 كتاب المغازي باب مرضه(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، وغيرها.
(4) مسند أحمد 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 25 - 26 كتاب المحاربين، مجمع الزوائد للهيثمي 6: 5 كتاب الجهاد باب تدوين العطاء.
يتبع
تعليق