إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الامامة العامة/ اسئلة واجوبة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الامامة العامة/ اسئلة واجوبة

    السؤال: التعريف المتّفق عليه للإمامة عند الإمامية



    ما هو التعريف المتّفق عليه للإمامة عندنا (مذهب أهل البيت(عليهم السلام))؟
    الجواب:

    يقول السيّد علي الميلاني في كتاب (الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية):
    ((وأمّا تعريف الإمامة، فالظاهر أن لا خلاف فيه..
    قال العلامّة الحلّي(رحمه الله) بتعريف الإمامة: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وقال المقداد السيوري(رحمه الله) بشرحه: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني. فالرياسة: جنس قريب، والجنس البعيد هو: النسبة، وكونها عامّة: فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنوّاب، وفي أُمور الدين والدنيا: بيان لمتعلّقها؛ فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا، وكونها (لشخص إنساني): فيه إشارة إلى أمرين:
    أحدهما: أنّ مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله، لا أيّ شخص اتّفق.
    وثانيهما: إنّه لا يجوز أن يكون مستحقّها أكثر من واحد في عصر واحد.
    وزاد بعض الفضلاء في التعريف: بحقّ الأصالة، وقال في تعريفها: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحقّ الأصالة، واحترز بهذا - أي: قيد (بحقّ الأصالة) - عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية؛ فإنّ رياسته عامّة لكن ليست بالأصالة))(1).
    والأولى تعريفها بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافةً عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أُمور الدين والدنيا، ويجب اتّباعه على جميع الأُمّة(2).
    ودمتم برعاية الله
    (1) الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية: 44 - 45، تعريف الإمامة، وانظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: 93 الفصل السادس: في الإمامة.
    (2) انظر: لوامع الحقائق 2: 1 مبحث الإمامة، الإلهيات 4: 8 الفصل السابع الأمر الأوّل: في تعريف الإمامة، العقائد الحقّة: 275 أصل الإمامة.



    تعليق على الجواب (1)
    استاذي الفاضل
    يرد على كلامكم المحترم رد وهو : ان التعريف الذي تعرف به الامامة (رئاسة عامة في امور الدين والدنيا) جعل الرئاسة من لوازم الامامة ,فكيف يتم الملزوم بتخلف لوازمه, ومما لا شك فيه انهم سلام الله عليهم لم يتسلموا زمام الحكم الا علي والحسن عليهما السلام , فمثلا لو كان هناك رجل قد توفرت فيه شرائط الامامة في الصلاة ولكن لم يسمح له بالصلاة فلا يصح اطلاق صفة الامام عليه ولكن يقال له صلاحية الامامة في الصلاة, ومثال اخر, لو كان هناك رجل توفرت فيه شرائط تولي القضاء ولكن لم يسمح له بان يقضي بين الناس فهل يقال له قاضي او يقال له صلاحية القضاء.
    الجواب:

    عرفت الامامة بانها رئاسة في امور الدين والدنيا واذا تخلفت الرئاسة الدنيوية فلم تتخلف الرئاسة الدينية ثم اننا عندما نعرف الامامة نعرفها بما هي وفق منظورنا من ان الامامة منصب الهي وليست هي من صلاحيات البشر والله سبحانه وتعالى ارادها لافراد مخصوصين وجعل من صلاحياتهم ممارسة الرئاسة الدنيوية لذا صح التعريف بما ذكر نعم لما كان المخالفون يرون الامامة ليست منصبا الهيا بل هي سلوك يمارس من قبل الشخص فمن مارسه سمي اماما ومن لم يمارسه لم يصح ان يسمى اماما لذا اوردوا الاشكال المذكور علينا منطلقين من فهمهم للامامة لامن فهمنا .
    وبعبارة اخرى نقول : ان الامام (عليه السلام) قد تلبس بمبدأ الامامة حال النص عليه فان حصل مانع دون ممارسة دوره الرئاسي فلا يترتب عليه انتفاء صفة الامامة عنه ومثاله الطبيب فانه قد صار طبيبا حال تلبسه بمبدأ الطبابة بعد ان رسخت فيه الملكة فاذا حال دون ممارسته للطب امر عارض فانه سوف يبقى طبيبا لانه قد تلبس بالمبدأ بحسب الملكة لا بحسب الفعل والممارسة . وعليه فالرئاسة الدنيوية التي لم يمارسها الامام لا تخرجه عن الامامة لانه متلبس بها بحسب النص الالهي .













    السؤال: الفرق بين الخلافة والإمامة
    هل هناك فرق بين الإمامة والخلافة؟ وإذا كان نعم ما هو الفرق؟
    الجواب:

    ذكروا في تعريف الخلافة أنّها: الرئاسة العامّة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(1). وواضح أنّ المراد منها خاصّة عند العامّة: هي الخلافة الظاهرية ورئاسة الحكومة والإمارة، وهي تثبت لمن يقوم مقام النبيّ حتّى ولو لم ينصّبه النبيّ.
    وهي عندنا لا تكون إلاّ بنص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لما عرفت من حقيقتها وأنّها نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في جميع شؤونه، وبالتالي تكون خلافة عن الله تعالى.
    وما زعموه من أنّه: لا يصلح أن يقال: أنّ الله يستخلف أحداً عنه ممنوع؛ لتصريح أئمّة السُنّة بكون داود(عليه السلام) خليفة الله، وأنّه قد وصف بهذا في القرآن العظيم(2), وإنّما انحرفوا عن هذا المعنى تصحيحاً لخلافة الثلاثة، وتوسّلوا في سبيل إثبات صحّة خلافتهم بالشورى حتّى عدّوا الخلافة جزءاً منها، ورغم أنّ مصطلح الخلافة ظاهراً في معنى الإيصاء وتنصيب النائب عن منوبه إذ يفترض وجود مستخلف، وأنّه مريد لتعيين من يخلفه؛ لأنّ ذلك من شؤونه لا من شأن غيره، ولو لم يكن هذا المعنى لازماً لمفهوم الخليفة لما ترك الخليفة الأوّل والخليفة الثاني الأُمّة دون أن ينصبّوا رئيساً لها، وإنّ كان هذا التنصيب بأشكال مختلفة، فتحصّل من كلّ ذلك أنّ الخلافة لا تصحّ إلاّ بأن ينصّ السابق على لاحقه، وأنّها من شؤون الدين لا من شؤون الناس.
    أمّا الإمامة فهي الخلافة الإلهية التي تكون متمّمة لوظائف النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإدامتها، عدا الوحي, فكلّ وظيفة من وظائف الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من: هداية البشر، وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في الدارين، وتدبير شؤونهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك.. كلّها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوّة في أُصول الدين هو بعينه الذي أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها(3).
    ويشهد لكون الإمامة من أُصول الدين: أنّ منزلة الإمام كمنزلة النبيّ في حفظ الشرع، ووجوب اتّباعه، والحاجة إليه، ورياسته العامّة، بلا فرق.
    وقد وافق على أنّها من أُصول الدين جماعة من مخالفي الإمامية، كالقاضي البيضاوي(4).
    فالإمامة ليست مجرّد زعامة اجتماعية وسياسية, فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنّها من فروع الدين كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة وغيرها، ولكن الشيعة لا يكتفون بمجرّد هذا المعنى، بل هي عندهم لطف إلهي كالنبوّة، فتكون أصلاً لا فرعاً.
    ويمكن الاستدلال لذلك مضافاً إلى ما ذكر بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ )) (المائدة:67)؛ فإنّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دلّت على أنّها أصل من أُصول الدين؛ إذ الإمامة، على ما تدلّ عليه الآية المباركة، أمر لو لم يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوّة، فهذه الآية تنادي بأعلى صوت: أنّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوّة، فكيف لا تكون من أُصول الدين؟
    وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة، التي كانت آخر سورة نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3)؛ فإنّ الآية، كما نصّت عليه الروايات، نزلت في الإمامة والولاية لعليّ(عليه السلام)، ويؤيّده: عدم صلاحية شيء آخر عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكمّلة للدين ومتمّمة للنعمة، فما يكون من مكمّلات الدين ومتمّماته كيف لا يكون من أُصول الدين وأساسه؟
    هذا مضافاً إلى الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين، أنّه قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يدلّ على أنّ معرفة الإمام إن حصلت ثبت الدين، وإلاّ فلا دين له إلاّ دين جاهلي(5).
    ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنّ الخلافة والإمامة بالاصطلاح القرآني لها معنى آخر, وهو يفترق من بعض الوجوه عمّا هو مستعمل في الاصطلاح الكلامي, فالبحث الكلامي، خاصة عند العامّة، ينظر في حدود الخلافة عن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي كون الإمامة منصب ديني أو سياسي، والذي هو شأن من شؤون الإمامة والخلافة بالمعنى القرآني، ولا يتطرّق إلاّ نادراً إلى الخلافة والإمامة عن الله عزّ وجلّ، فقد وصف بعض الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم وداود(عليهما السلام) بأنّهما: خليفتان(6)، ووصف إبراهيم(عليه السلام) بأنّه: إمام(7)، فهل أنّ سائر الأنبياء كذلك، أو أنّ تلك الأوصاف مترتّبة على منزلة خاصّة ممنوحة من قبل الله تعالى لبعض دون بعض، كما هو الظاهر؟! فهذا البحث في الحقيقة أجنبي عن البحث الكلامي الذي ذكرناه؛ فلاحظ!
    نعم، هو عند الإمامية يدخل في حقيقة المعرفة بالإمامة.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) انظر: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء (أردو) 1: 13 المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.
    (2) قوله تعالى في سورة ص الآية (26): ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ...))، انظر: جامع البيان للطبري 23: 180 الحديث (22947)، وغيره.
    (3) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
    (4) انظر: دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، المبحث الأوّل، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 2: 295 الكتاب الثاني: في السنة، الباب الثاني: في الأخبار، الفصل الثاني: في ما علم كذبه.
    (5) انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.
    (6) قوله تعالى في آدم (عليه السلام): ((وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ))(البقرة (2): 30)، وقوله تعالى: ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ)) (ص (38): 26).
    (7) قوله تعالى لإبراهيم(عليه السلام): ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ))(البقرة (2): 124).








    السؤال: أهمّية البحث في الإمامة
    كنت أتكلّم مع أحدهم عن أهمّية البحث في مسألة الإمامة، فقال لي بأنّه: لا يعتقد بأهمّية البحث؛ لأنّ الفرق الإسلامية متّفقة في أشياء كثيرة، وليس هناك اختلاف كبير، وبالتالي كيف سيفيد هذا الاعتقاد في جعله أفضل؟
    وقال لي آخر نفس الكلام تقريباً، وأضاف: بأنّه يمكن الحصول على القرب الإلهيّ بالصلاة والسجود، فما هي أهمّية الموضوع؟
    الجواب:

    الدين الإسلامي هو رسالة السماء الخاتمة إلى الناس، نزل بها الوحي الأمين على سيّد المرسلين محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمرنا باتّباع رسالته والإيمان بكلّ ما جاء به، والتسليم له في كلّ ما يقول، ووبّخ من يرفض الإيمان بها، أو يؤمن ببعضها ويترك بعضها الآخر:
    قال تعالى: (( أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكفُرُونَ بِبَعضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إِلاَّ خِزيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ القِيَامة يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ )) (البقرة:85).
    ووصف المتّقين بقوله: (( الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيبَ فِيهِ هُدًى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))، إلى قوله تعالى: (( والَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ )) (البقرة:1-4).
    وقال تعالى: (( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُّحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ )) ، إلى قوله تعالى: (( وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الألبَابِ )) (آل عمران:7).
    إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الإمامة التي تؤمن بها الشيعة - تبعاً للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة(عليهم السلام) - مبدأُها القرآن، وأنّ القرآن نطق بها، فإذاً يجب على الإنسان المؤمن أن يؤمن بها، وإلاّ يكن ممّن لا يؤمن ببعض الكتاب، ورادّاً لبعض ما جاء به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالتالي يدخل في ضمن من أخبر الله عنه بأنّه يصيبه أشد العذاب، بل وأكثر من ذلك، كما سيتّضح.
    وأمّا كيف أنّها مبدأ قرآني؟
    فنقول: قال تعالى مخاطباً إبراهيم بعد نبوّته: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
    وقال تعالى وهو يتحدّث عن إبراهيم(عليه السلام): (( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ )) (الزخرف:28).
    وقال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
    وقال تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )) (الأنبياء:73).
    إلى هنا عرفنا: أنّ الإمامة جزء من شرع النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، جاء بها الوحي الكريم، كما جاء بالصوم والصلاة وأوجب علينا الإيمان بهما، كذلك أوجب علينا الإيمان بالإمامة؛ لأنّها من عند الله تعالى، وجزء من وحيه.
    ثمّ إذا ذهبنا إلى آيات القرآن الأُخرى رأينا أكثر من ذلك، وأنّها تجعل الإمامة، وولاية الإمام، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّها ترتقي إلى مستوىً أعلى من الصلاة والصوم..
    قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) (المائدة:55-56) ، ولا نريد الدخول في دراسة الآية كلمة كلمة؛ فإنّ ذلك يطول، لكن الآية حصرت الولاية بالله وبرسوله، وبالذين آمنوا، وجعلت من يتولاّهم من حزب الله تعالى.
    ومن الواضح: أنّ عدم تولّي الإمام (( الَّذِينَ آمَنُوا )) يخرم القاعدة التي تدخل الإنسان في حزب الله، ومن يخرج من حزب الله، يدخل في حزب الشيطان، إذ لا ثالث في البين، مع أنّا لا نجد في القرآن من يترك فرع من الفروع ولا يعمل به يكون من حزب الشيطان، فالإمامة فوق تلك الأُمور - أي: الصلاة والصوم - ووجوب تولّي الإمام كوجوب الصلاة والصوم وأكثر، كما عرفت.
    وعندما نرجع إلى الأحاديث النبوية حتّى التي وردت من طرق أهل السُنّة نجد أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوضّح لنا منزلة الإمامة والخلافة، وأنّ الإمام له منزلة لا تقلّ عن منزلة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بحيث يقوم به الدين..
    فقد روي عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثني عشر خليفة، كلّهم من قريش)(1).
    ومن الواضح أنّه يجب علينا الرجوع إلى هؤلاء الذين يقوم الدين بهم، ويجب طاعتهم والانقياد لهم.
    بل عندما نذهب إلى السُنّة النبوية المطهّرة عند أهل السُنّة نرى: أنّ عدم الإيمان بهؤلاء جاهلية، كما في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(2).
    وقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(3).
    فمن لم يؤمن بالإمامة هو شخص جاهلي، أي: على الحالة التي كانت قبل الإسلام، وهذا يوافق الآية (55) والآية (56) من سورة المائدة، التي تلزم المؤمنين بتولّي الله والرسول، والذين آمنوا، الذين تصدّقوا في الركوع، وأنّ من لم يتولّهم يخرج من حزب الله إلى حزب غيره، وهو الشيطان، فيكون ميتاً على جاهلية كأن لم يؤمن بالله وبرسوله.
    فتلخّص ممّا تقدّم:
    1- إنّ الإمامة جزء من الدين الإسلامي، فيجب الاعتقاد بها كالاعتقاد بغيرها من أحكام الدين.
    2- إنّ الإمامة ترتقي إلى أن يكون متولّي الإمام من حزب الله، وإلاّ يخرج منه.
    3- إنّ الإمامة تعني: أنّه يجب الرجوع إلى الإمام في أخذ الدين عنه، كما أمرنا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ من لم يؤمن بالإمام مات على جاهلية.
    بعد ذلك كلّه، كيف نقول: لا توجد أهمّية لبحث الإمامة؟!
    وأمّا قولك على لسان المخالف: بأنّ القرب الإلهيّ يحصل بالصلاة والسجود فما أهمّية الموضوع؟
    فالجواب عنه: عرفت فيما تقدّم مدى أهمّية الموضوع، وأنّ الطريق إلى توحيد الله وعبادته هو بالالتزام بأوامره، والأخذ بسُنّة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي يكون الإيمان بالإمام عمدتها، فهو الحافظ للدين والمبيّن له.
    والعقل قاضٍ بوجوب طاعة الله من حيث ما يأمرنا به، لا من أي طريق مهما كان ؛ لأنّه كما أنّ العقل أثبت وجوب حقّ الطاعة علينا لله، كذلك أثبت وجوب طاعة الله من حيث ما يريده الله، لا من حيث نريد؛ لأنّ الله هو المالك المطلق والحاكم المطلق، فهو صاحب الحقّ.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) انظر: صحيح مسلم 6: 4 كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
    (2) انظر: كتاب السُنّة (تصحيح الألباني): 489 الحديث (1057)، مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط للطبراني6: 70.
    (3) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، المعجم الكبير للطبراني 19: 334 ذكوان أبو صالح السمان عن معاوية.













    السؤال: البحث الأساس هو مبحث الإمامة
    نحن نحبّ ونجلّ أهل البيت.
    نصلّي نسلّم عليهم في كلّ تشهد, نحن نلعن حبّ الكرسي والحكم, فمن غير المنطقي الاستمرار في عداوة عمرها مئات السنون, الكفّار واليهود يتّحدون ونحن نتجادل على ملك بائد، فليبقى الشيعي شيعياً، والسُنّي سُنّياً.. والكلّ مسلم.
    الجواب:

    الخلاف بين أهل السُنّة والشيعة ليس خلافاً سياسياً - كما تصوّرتموه - حول الحكم وكرسي الخلافة, وإنّما هذه المسألة، أي مسألة الخلافة الدنيوية والسلطة التنفيذية بحث دخل في ذمّة التاريخ، ولا محصّل عملي من الدخول فيه الآن، وإنّما البحث كلّ البحث هو في المصير الأُخروي للمسلم الذي صرّح به الحديث الصحيح للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(2), وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(3).
    وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(4)... ونحوها ممّا هو في معناها من الأحاديث الواردة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، التي تفيد بطرقها التواتر المعنوي بأنّ الاعتقاد بالإمامة ووجوب البيعة لإمام في كلّ زمان هو أمر لازم لكلّ مسلم، ولا ينفك هذا الأمر عن أعناق المسلمين إلى يوم القيامة، وهو المعنى الذي استفاده أيضاً بعض محقّقي أهل السُنّة فضلاً عن اعتقاد الشيعة به وعملهم عليه.
    قال ابن حزم في (الفصل بين الملل): إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على وجوب الإمامة، وأنّه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة(5).
    وقال في (المحلّى): ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة))(6).
    وقال الإيجي في (المواقف): ((إنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على امتناع خلوّ الوقت عن إمام))(7).
    وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال النووي: ((أجمعوا على أنّه يجب نصب خليفة، وعلى أنّ وجوبه بالشرع لا بالعقل))(8).
    وعن الماوردي في (الأحكام السلطانية): ((وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأُمّة واجب بالإجماع))(9).
    فالبحث أيّها الأخ الكريم إنّما هو في مسألة الإمامة والتحرّز عن ميتة الجاهلية، فهل ترى لو متّ وحشرت أمام الله وسألك عن إمام زمانك ولم تعطه جواباً واضحاً في الموضوع، واعتذرت بما كان عليه الآباء والأجداد من الجهل بهذه المسألة وعدم البحث فيها، فهل يغنيك هذا عن أن يعاقبك المولى كما يعاقب أهل الجاهلية، ويحاسبك على ضلالك كما يحاسبهم على ضلالهم بحسب المستفاد من الحديث، الذي ثبت تواتره المعنوي، وقد استفاد منه وجوب البيعة لإمام كلّ زمان علماء أهل السُنّة قبل الشيعة كما أسلفنا قبل قليل؟!
    فالمسألة برمّتها أيّها الأخ الكريم لا تتعدّى البحث عن المصير الأُخروي للمسلم في ما يتعلّق بمسألة الإمامة.. ونحن نسأل الله سبحانه أن يثبّتنا وإيّاكم بالسير على الطريق الذي يحبّه ويرضاه، انّه سميع قريب مجيب.
    ملاحظة: عندما نقول: أنّ علماء أهل السُنّة بحثوا في الإمامة، وبالخصوص في ما يتعلّق بمضمون الأحاديث المشار إليها، إنّما نقصد: أنّهم بحثوا على المستوى النظري فقط، وأمّا على المستوى العملي، فلا تجد عندهم جواباً واضحاً في من يعتقدون به أنّه إمام زمانهم يجب عليهم مبايعته، وأنّ له في عنقهم بيعة من الله إن ثبتت وإلاّ فميتتهم ميتة جاهلية.. فهذا أمر لا مصداق ولا جواب حقيقي له عندهم؟!
    ودمتم في رعاية الله
    (1) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 409 الباب (38).
    (2) انظر: صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب حكم فرق أمر المسلمين.
    (3) انظر: مسند أبي يعلى 13: 366 الحديث (7375)، المعجم الأوسط 6: 70.
    (4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 4: 96 حديث معاوية، مسند أبي داود الطيالسي: 259، المعجم الكبير للطبراني 19: 388، مسند الشاميين 2: 438 الحديث (1654).
    (5) الفصل بين الملل والأهواء والنحل 4: 102 الكلام في الإمامة والمفاضلة.
    (6) المحلّى 9: 359 كتاب الإمامة مسألة (176).
    (7) المواقف 3: 575 الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد الأوّل.
    (8) فتح الباري شرح صحيح البخاري 13: 178 كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
    (9) الأحكام السلطانية: 3 الباب الأوّل.











    السؤال: البحث عن الماضي منهج قرآني
    إنّ الحديث عن الخلافة، ولمن كانت الخلافة، لعليّ(عليه السلام) أم لأبي بكر؟ أمر تاريخي وانتهى، فلماذا لا نتكلّم عن أُمور الحياة وأُمور أُخرى؟ فلماذا لا زلتم تتكلّمون عن هذا الأمر؟
    الجواب:

    الواجب على الإنسان أن ينظر لأُمور دينه كما يرشده العقل إلى العناية بأُمور دنياه، وأنت بدعواك هذه تريد ترك الجانب الأُخروي، ولا تهمّك عقيدتك سواءً كنت على أحقّ أم على باطل.
    ونحن نقول: إنّه لا يمكن إدراك الحقّ وتميّزه عن الباطل إلاّ من خلال النظر إلى الماضي الذي وقع فيه الخلاف على الإمامة، وتدقيق النصوص الحديثية والتاريخية التي تشير إلى ذلك.
    ولو كان ما تقول أمراً صحيحاً، لما دعانا القرآن إلى النظر والتدبّر بأمر الأُمّم السابقة، وكرّر تذكيرنا بالأنبياء السابقين وأعدائهم لنتّعض, وإذا كان القرآن يحثّ على معرفة حال الأُمّم السابقة وأنبيائها وملوكها، فمن الأولى أن يحثّنا على معرفة حال سلف هذه الأُمّة وأوّلها؛ فتأمّل!











    السؤال: أصل الإختلاف بين الشيعة والسنة
    أخبروني عن رأيكم بكلّ وضوح وصراحة: عن سبب اختلافكم مع مذهب أهل السُنّة والجماعة؟
    الجواب:

    باختصار, إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبر عن اختلاف أُمّته إلى نيّف وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة, وهذا الحديث موجود في مصادر جميع المسلمين(1).
    وعليه, فالبحث عن الفرقة الناجية أمر حتميّ, على كلّ مسلم أن يبحث في الأدلّة ليعرف هذه الفرقة ومعتقداتها, ويعتقد بالعقائد الحقّة.
    وأصل الاختلاف بين السُنّة والشيعة هو: في مسألة الخلافة, وباقي المسائل تتفرّع على هذا الأصل.
    فالشيعة تستدلّ بالعقل والنقل على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يرحل من هذه الدنيا حتّى عيّن الخليفة من بعده بالاسم, شأنه شأن سائر الأنبياء قبله الذين عيّنوا أوصياء لهم.
    والسُنّة تقول بأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحل من هذه الدنيا ولم يعيّن ولم ينصّ على أحد، بل ولم يذكر لهم طريقة انتخاب من بعده, بل ترك الأُمّة تفعل ما تشاء.
    فعلى كلّ المسلمين البحث في جذور الاختلاف أوّلاً, وهي مسألة الإمامة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), ومراجعة أدلّة الطرفين كلّ من كتبه, لا أن يعتمد على من نقل عنهم.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) انظر: مسند أحمد 3: 145 مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة 2: 1321 - 1332 كتاب الفتن باب (17) الحديث (3992، 3993)، مجمع الزوائد للهيثمي 1: 189 كتاب العلم باب في البدع والأهواء.









    السؤال: الإمامة أساس الاختلاف بين المسلمين
    ما هو الفرق بين الشيعة والسُنّة وما هو أساس الاختلاف بينهم؟
    الجواب:

    كما هو معلوم هناك فروق كثيرة بين الشيعة والسُنّة في جانب العقائد والفقه و... وأساس الاختلاف بينهما هو في الإمامة والخلافة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    فالشيعة الإمامية تعتقد:
    أوّلاً: إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنص.
    ثانياً: إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل، كما نصّ عليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مواطن عديدة.
    ثالثاً: إنّ الأئمّة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اثنا عشر إماماً، كما نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    رابعاً: إنّ الأئمّة(عليهم السلام) معصومون.
    وأخيراً, فإنّ الشيعة تأخذ أحكامها عن القرآن وأهل البيت(عليهم السلام), وترى هذا الطريق هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى ومبرئ للذمّة, وذلك عملاً بقول الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي رواه عنه جميع المسلمين: (إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله, وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)(1).
    وهذا ممّا لا يقول به أهل السُنّة. وهناك فوارق أُخر أيضاً.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) مسند أحمد 3: 14، 17، 26، 59 مسند أبي سعيد، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148، السنن الكبرى للبيهقي 2: 148 جماع أبواب صفة الصلاة.










    السؤال: الإمامة أصل الاختلاف
    أودّ الاستفسار عن ميراث النبيّ الأكرم، وسرّ الاختلاف بين آل بيت الرسول(عليهم السلام) والخليفة الأوّل.
    الجواب:

    ليس الاختلاف اختلاف ميراث ومال في ما بين أهل البيت(عليهم السلام) والخلفاء, وإنّما الاختلاف اختلاف مبدأ يبيّن الحقّ من الباطل, وكما اعترف الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل)(1) وغيره، بأنّ أصل الاختلاف هو: في الإمامة بعد وفاة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ ذهب الشيعة إلى أنّ الإمامة بالنص, وأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بالإمامة بعده بلا فصل, وذلك في مواطن ومواقف مختلفة, من بداية الدعوة، عندما جمع عشيرته للإنذار (( وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ )) (الشعراء:214)(2)، وإلى آخر ما قاله في مرضه الذي توفّي فيه(3).
    كما أنّ الإمامة إلى أحد عشر إمام بعد عليّ(عليه السلام) نصّ عليهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وأمّا أهل السُنّة فوقعوا في خبط شديد.. فتشاهد خلافة أبي بكر لم تكن بشورى حقيقية, ولا باجتماع أهل الحلّ والعقد عليها؛ وذلك لتخلّف بني هاشم وبعض كبار الصحابة, ولِما استعمله أبو بكر وأعوانه من تسليط السيف والتهديد على من لم يبايع, ولأجل هذا قال قائلهم: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة...))(4)!!
    وتشاهد خلافة عمر كانت بالنص من أبي بكر عليه.
    وتشاهد خلافة عثمان كانت بمسرحية الشورى التي دبّر الأمر فيها من ذي قبل، ثمّ آل الأمر إلى معاوية المتسلّط بالسيف، ومن بعده من ملوك بني أُميّة وبني العبّاس إلى يومنا هذا.
    ودمتم في رعاية الله
    (1) الملل والنحل 1: 24 المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، 1: 27 الاختلاف العاشر، 1: 146 الفصل السادس: الشيعة، 1: 162 الفصل السادس، الثالث: الإمامية.
    (2) مسند أحمد 1: 111 مسند علي بن أبي طالب،شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 211 خطبة (238) الناصعة، تفسير ابن أبي حاتم 9: 282 الحديث(16015)، تفسير الثعلبي 7: 182، شواهد التنزيل للحسكاني 1: 486 الحديث (514)، السيرة الحلبية 1: 461.
    (3) مسند أحمد 1: 222، 335، 336 مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم، 4: 31، 66 كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، 5: 137، 138 كتاب المغازي باب مرضه(صّلى الله عليه وآله وسلّم)، وغيرها.
    (4) مسند أحمد 1: 55 حديث السقيفة، صحيح البخاري 8: 25 - 26 كتاب المحاربين، مجمع الزوائد للهيثمي 6: 5 كتاب الجهاد باب تدوين العطاء.








    يتبع

  • #2
    السؤال: منكر الإمامة غير خارج عن الإسلام
    من المعلوم أنّ المنكر ضرورة من ضرورات الدين يعدّ كافراً.. فكيف لا يكون المنكر أصل من أُصول الدين غير كافر، ألا وهو (الإمامة)، بل و(المعاد)؟! أرجو توضيح ذلك.
    فهل مجرد إطلاق الشهادتين.. يكفي لذلك؟
    الجواب:

    إنّ إنكار ضروري من ضرورات الدين يرجع إلى إنكار الرسالة والنبوّة، فمثلاً الذي ينكر ضروري من الضرورات، كالصلاة، معناه عدم التصديق بالنبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنه يعلم بالضرورة أنه أمر بأداء الصلاة، ولذلك يلحقه الكفر من هذه الجهة.. أمّا إنكار الإمامة التي وقعت محلاً للاختلاف بين المسلمين فإنكارها بشبهة وعدم تمامية الدليل عند منكرها لا يجعله خارجاً من الإسلام بعد إقراره بالشهادتين. نعم، هو خارج عن مذهب الإمامية.


















    السؤال: أصل الامامة يثبت بالعقل وشخوصها بالنقل
    بماذا نثبت الإمامة، بالنصّ أو بالعقل؟
    الجواب:

    الإمامة من أُصول الدين, وأُصول الدين تعني: العقائد, والعقائد ينبغي إثباتها بالقطع واليقين، والإمامية يثبتون الإمامة في كتبهم الكلامية بالعقل أوّلاً قبل النقل؛ فهي عندهم واجبة عقلاً، خلافاً للأشاعرة، وشطراً من المعتزلة، الذين قالوا: بوجوبها سمعاً.
    وهذا المعنى تجده مفصّلاً في كتبنا العقائدية، كـ(التجريد، والشافي، وتلخيص الشافي، والإلهيات) وغيرها, وقد أوضحنا ذلك أيضاً تحت هذا العنوان هنا؛ فراجع!
    وأمّا بيان المصاديق في تعيين من هو الإمام بشخصه, فهذا يعود إلى النصّ.



    السؤال: إشكالات على الأدلة العقلية والنقلية للإمامة والرد عليها
    لقد ارسل أخ لي هذة الرسالة لاثنائي عما وصلت اليه حول مذهب اهل البيت وأنا عندي الرد على بعض نقاطها وتحيرت في البعض الآخر وأريد أن يهديه الله معي للحق ولذلك أسألكم رداً وافياً في أقرب وقت ولكم الشكر
    *************************
    استدلّ الشيعة الإمامية بالأدلّة العقلية والنقلية على إثبات الإمامة، ونورد في ما يلي هذه الأدلّة:
    الجزء الأوّل: الأدلّة العقلية:
    أوّلاً: قالوا: إنّ اللطف واجب على الله تعالى, وتنصيب الإمام لطف؛ فيجب على الله تعالى.
    ثانياً: إنّ الإمام يجب أن يكون حافظاً للشرع، عالماً بجميع أحكام الله المودعة في كتابه؛ لانقطاع الوحي بموت الرسول - (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وقصور ما يفهم الناس من الكتاب والسُنّة عن جميع الأحكام.
    ثالثاً: إنّ فعل الأصلح واجب على الله تعالى، ووجود الإمام أصلح للعباد، فلا يتمّ انتظام أمر العباد في المعاش والمعاد والدين والدنيا إلاّ بنصب الإمام.
    رابعاً: إنّ مرتبة الإمامة كالنبوّة، وكما لا يجوز للناس اختيار نبيّ، فلا يجوز لهم اختيار إمام ولا تعيينه؛ لأنّهم قاصرون عن معرفة ما يصلح به حالهم.
    خامساً: كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا سافر عيّن على المدينة خليفة، فلا يجوز له أن يرحل عن الدنيا من غير أن يعيّن إماماً يرجع إليه الناس في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية.
    مناقشة الأدلّة العقلية للشيعة والردّ عليها:
    أوّلاً: يلاحظ أنّ أدلّة الشيعة الإمامية تقوم على وجوب اللطف على الله تعالى ووجوب بعثة الرسل، وقياس الإمامة على النبوّة.
    وهذه الأدلّة تُبنى على أُصول المعتزلة في وجوب اللطف على الله تعالى, وهنا نقول لهم: هل قولكم: ((وجوب اللطف على الله تعالى))، أوجبه الناس على الله تعالى؟
    فإن قالوا: نعم. فهذا هو الكفر والعياذ بالله, ولا شكّ أنّ هذا باطل لا ريب؛ لأنّ الله تعالى يقول: (( وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ )) (القصص:68), و(( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ )) (هود:107)، فالله هو الربّ الخالق المالك المحمود، الذي له التصرّف المطلق في ما شاء من مخلوقاته.
    وإن قالوا: بأنّ ((وجوب اللطف على الله)) هو: ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى.
    فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟ وأدلّة الشيعة الإمامية في إثبات الإمامة كلّها دون المتشابه, وغير صالحة للاستدلال البتة, بل إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ (محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم))، بل إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وذلك لأنّ الشيعة الإمامية اعتبروا الإمامة من أُصول الدين، والتي تفوق مرتبتها مرتبة النبوّة, وصرّحوا بكفر منكرها..
    وصرّح بذلك أكبر مرجع من مراجع الشيعة الإمامية في هذا العصر، وهو: أبو القاسم الخوئي؛ إذ نصّ صراحة على هذا الأمر، فقال: ((ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين, ووجوب البراءة منهم, وإكثار السبّ عليهم واتّهامهم, والوقيعة فيهم - أي غيبتهم - لأنّهم من أهل البدع والريب, بل لا شبهة في كفرهم, لأنّ إنكار الولاية والأئمّة، حتّى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم يوجب الكفر والزندقة, وتدلّ عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية)).
    ويقول العلاّمة الحلّي: ((الإمامة لطف عامّ، والنبوّة لطف خاص، لإمكان خلوّ الزمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام؛ لما سيأتي، وإنكار اللطف العامّ شرّ من إنكار اللطف الخاص، وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة أصلاً ورأساً وهو شرّهم)).
    ويقول يوسف البحراني: ((وليت شعري! أيّ فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالأئمّة(عليهم السلام)، مع ثبوت كون الإمامة من أُصول الدين؟!)).
    ويقول الفيض الكاشاني: ((ومن جحد إمامة أحدهم - أي: الأئمّة الاثني عشر - فهو بمنزلة من جحد نبوّة جميع الأنبياء(عليهم السلام))).
    ويقول المجلسي: ((اعلم أنّ إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده(عليهم السلام)، وفضّل عليهم غيرهم، يدلّ أنّهم مخلدون في النار)).
    قلت: أيّ لطف في هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين, بل هي النقمة والبلاء؟ والله المستعان!!
    ثانياً: لا توجد أيّ مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم):
    لا توجد أي مصلحة دينية أو دنيوية من الاعتقاد بالإمامة؛ فالدين قد حفظه الله, وأُصول الدين مذكورة صراحة في القرآن الكريم. وأمّا فروعه فقد تكفّلت السُنّة النبوية بها, والله يقول في كتابه: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلاّ كان حقّاً عليه أن يدلّ أُمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم).
    ثالثاً: قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين:
    إمامهم مجهول أو معدوم، فكيف يكون هذا الإمام لطفاً في مصالح دينهم ودنياهم ولا أثر ولا يسمع له حسّ ولا خبر؟ فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء، وأي من فرض إماماً نافعاً في بعض مصالح الدين والدنيا.
    قال ابن تيمية: ((إنّ الإمام لطف وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلاً مع الغيبة وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين، وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم... لو كان اللطف حاصلاً في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره ويتّبعوه إلى أن يموتوا، وهذا خلاف ما يذهبون إليه... وأمّا الغائب فلم يحصل به شيء، فإنّ المعترف بوجوده إذا عرف أنّه غاب من أكثر من أربعمئة سنة وستّين سنة، وأنّه خائف لا يمكنه الظهور فضلاً عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحداً ولا ينهاه، لم يزل الهرج والفساد بهذا)).
    رابعاً: إلغاء دور النبيّ:
    القول بالإمامة وأنّ الإمام له حقّ التشريع بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يناقض كتاب الله وسُنّة نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل يلغي دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), لذلك نجدهم يغفلون عن ذكر أحاديث النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويهتمون بروايات جعفر والباقر وبعض الأئمّة، ممّا أدّى إلى انتفاء وتعطيل وإلغاء دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأصبح جعفر الصادق هو البديل عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). والله المستعان.
    خامساً: يقولون بأنّ حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة؛ وإن كانت السيئات لا تضرّ مع حبّ عليّ فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف؛ فإنه إذا لم يوجد إنّما توجد سيئات ومعاص، فإن كان حبّ عليّ كافياً، فسواء وجد الإمام أو لم يوجد.
    سادساً: الواقع يخالف ما ذكروه:
    قال ابن تيمية: ((ومن المعلوم بالضرورة أنّ حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة عليّ زمن القتال والفتنة والافتراق)).
    الجزء الثاني: أدلّة الشيعة القرآنية على الإمامة:
    استدلّ الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بآيات كثيرة من القرآن، ونورد في ما يلي أهمّها:
    الآية الأُولى: قال تعالى: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7).
    قالوا: إنّ الله عزّ وجلّ جعل لكلّ قوم إماماً ينصبه الله تعالى، كما روى الطبري في تفسيره عن ابن عبّاس(رضي الله عنهما): ((لمّا نزلت هذه الآية، وضع النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده على صدره، وقال: (أنا المنذر ولكلّ قوم هاد، ثمّ أومأ بيده إلى منكب عليّ، فقال: أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي) )).
    الردّ:
    أوّلاً: السند ضعيف ولا تقوم به حجّة، وقد ضعّفه الشيخ أحمد شاكر، فقال: ((في سنده الحسن بن الحسين الأنصاري العرني، كان من رؤوس الشيعة، ليس بصدوق ولا تقوم به حجّة، وقال ابن حبّان: يأتي عن الإثبات بالملزقات ويروي المقلوبات والمناكير، ومعاذ بن مسلم: مجهول، هكذا قال ابن أبي حاتم: وهذا خبر هالك من نواحيه)).
    ثانياً: تفسير الآية كما يقول الآلوسي: (( (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ )) مرسل للإنذار من سوء عاقبة ما نهى الله تعالى عنه، كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك إلاّ الإتيان بما يعلم به نبوّتك، وقد حصل بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى إلزامهم وإلقامهم الحجر بالإتيان بما اقترحوه (( وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) )).
    وقد بيّن الإمام الآلوسي ضعف هذه الروايات.
    ثالثاً: لو سلّمنا جدلاً بصحّة هذه الرواية، فإنّها لا تدلّ على إمامة عليّ(رضي الله عنه) ونفيها عن غيره أصلاً؛ لأنّ كون أن يكون الرجل هادياً لا يستلزم أن يكون إماماً ولا نفي الهداية عن الغير, وإن دلّ بمجرّد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة لأهل السُنّة، وهي بمعنى القدوة في الدين, ومراده في غير محلّ النزاع, قال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) (السجدة:24)، وقال (( وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ )) (آل عمران:104).
    الآية الثانية: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
    قالوا: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بالإجماع لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع يصلّي, فصيّر الله نعمته عليه وبلّغه الإمامة.
    الردّ:
    أوّلاً: لا تثبت هذه الروايات عن أحد من آل البيت بسند صحيح حسب شروط الشيعة الإمامية الاثني عشرية في الحديث الصحيح, وقد جمع هذه الطرق وبيّن ضعفها الأخ الفاضل فيصل نور في كتابه (الإمامة والنص).
    ثانياً: لا يثبت في هذه القصّة سند صحيح عند أهل السُنّة والجماعة، وكلّ طرقها ضعيفة، ورجالها مجهولون؛ قال ابن كثير(رحمه الله): ((ليس يصحّ منها بالكلّية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها)).
    ثالثاً: أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ, وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، قال ابن تيمية: ((وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى، أنّ هذه الآية نزلت في حقّ عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة, وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل)).
    رابعاً: ينقل الشيعة الإمامية هذه الأحاديث من (تفسير الثعلبي), وأجمع أهل العلم بالحديث أنّ الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة, وهو حاطب ليل، كما وصفه ابن تيمية وغيره؛ قال الدهلوي: ((وأمّا القول بنزولها في حقّ عليّ بن أبي طالب، ورواية قصّة السائل وتصدّقه بالخاتم عليه في حالة الركوع، فإنّما هو للثعلبي فقط، وهو متفرّد به، ولا يعدّ المحدّثون من أهل السُنّة روايات الثعلبي قدر شعيرة, ولقّبوه: حاطب ليل؛ فإنّه لا يميّز الرطب من اليابس, وأكثر رواياته عن الكلبي، عن أبي صالح, وهو من أوهى ما يروى في التفسير عندهم)).
    خامساً: نطلب من الشيعة الإمامية أن ينقلوا لنا إسناداً واحداً صحيحاً فقط لهذه القصّة, وجمهور أهل الأُمّة لم تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة، لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات، ولا شيء من الأُمّهات.
    سادساً: قوله تعالى: (( الَّذِينَ )) صيغة جمع، فلا يصدق على عليّ(رضي الله عنه) وحده, وإن كان يمكن أن يذكر الجمع ويراد به المفرد, إلاّ أنّ الأصل أنّه إذا أُطلق الجمع أُريد به الجمع إلاّ بقرينة، ولا قرينة هنا.
    سابعاً: إنّ الله لا يثني على الإنسان إلاّ بما هو محمود عنده: إمّا واجب، وإمّا مستحبّ, والصدقة والعتق والهدية والهبة وغير ذلك ليست واجبة، بل ولا مستحبّة في الصلاة، باتّفاق المسلمين.
    ثامناً: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ ذلك يبطل الصلاة، وبذلك يعلم أنّ التصدّق في الصلاة ليس من الأعمال الصالحة, وإعطاء السائل لا يفوت, فيمكن للمتصدّق إذا سلّم أن يعطيه وإن في الصلاة لشغلاً، وعليّ(رضي الله عنه) غنيّ عن مدح الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فهم يذمونه في حقيقة الأمر، والله تبارك وتعالى يقول: (( قَد أَفلَحَ المُؤمِنُونَ * الَّذِينَ هُم فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ )) (المؤمنون:1-2)، فكيف نرضى لعليّ وهو من رؤوس الخاشعين وأئمّتهم أن يتصدّق وهو يصلّي ولا يخشع في صلاته.
    تاسعاً: ثمّ لو قدّر أنّ هذا مشروع في الصلاة, لم يختص بالركوع, بل يكون في القيام والقعود أولى منه في الركوع, فكيف يقال: لا وليّ لكم إلاّ الذين يتصدّقون في كلّ ركوع, فلو تصدّق في حال القيام والقعود أما كان يستحقّ هذه الموالاة؟!
    عاشراً: عليّ(رضي الله عنه) لم يكن ممّن تجب عليه الزكاة, على عهد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فإنّه كان فقيراً, وكان مهر فاطمة من عليّ درعاً فقط, لم يمهرها مالاً؛ لأنّه لم يكن له مال, ومثل عليّ لا تجب عليه الزكاة.
    الحادي عشر: إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند كثير من أهل العلم, إلاّ إذا قيل: بوجوب الزكاة في الحليّ, وقيل: إنّه يخرج من جنس الحليّ, ومن جوّز ذلك بالقيمة, فالتقويم في الصلاة متعذّر.
    الثاني عشر: إنّ هذا الحديث فيه إعطاء السائل, والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل, فالأفضل أن يبادر المرء بدفع الزكاة، لا أن يجلس في بيته وزكاته عنده حتّى ينتظر الناس يطرقوا بابه ثمّ يعطيهم الزكاة.
    الثالث عشر: إنّ هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )) (البقرة:43)، وهو أمر بالركوع, وإشارة إلى إقامتها في الجماعة)).
    *************************
    الجواب:

    نجيب على الأخ بما يلي:
    إنّ ما ذكرته من الأدلّة فيها بعض الخلط بين دليل العقل ودليل السمع؛ فالثاني يدخل في دليل السمع، كما أنّ الثالث يرجع إلى دليل اللّطف، والرابع والخامس دليل على وجوب النصب للإمام.
    ثمّ إنّ اعتراضك على الإمامة في النقطة الأُولى من الأدلّة العقلية جاء من خلال عدّة إشكالات طرحتها، وهي:
    1- لا يوجد دليل صريح أو محكم يثبت الإمامة وينصب الإمام.
    2- الادّعاء أنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    3- أنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وللإجابة على ذلك نقول:
    1- إنّ الأدلّة التي نذكرها لوجوب الإمامة وتنصيب الأئمّة كثيرة، منها ما ذكرته أنت بغضّ النظر عن الخلط الواقع فيها، وعمدة الأدلّة على وجوب الإمامة هو دليل اللّطف.
    وإذا صار على الله للطفه الذي هو مقتضى حكمته وجوب تنصيب الإمام وبيّن سبحانه مراده بالآيات وبيّنه رسوله بالروايات بالإضافة إلى حكم العقل بذلك, لكن بعض المعاندين يرفض الإذعان للأدلّة الدامغة والصريحة، فلا يقال على الله: أنّه لم يبيّن مراده في الإمامة، وأنّه لم يلطف بعبادة, بل يقال لأُولئك المعاندين: إنّكم لا تريدون الإذعان بذلك، ولو جئنا لكم بألف دليل على الإمامة، لرفضتم ذلك ولرددتم اللّطف الذي فيها، فالمشكل فيكم لا في البيان ولا في المبيّن.
    وأمّا دليل وجوب اللّطف، فلأنّ مقتضى حكمته تعالى أن يهيئ لعباده وسائل الطاعة ويصرفهم عن وسائل الفساد؛ إذ كانوا لا يصلون إلى كمالهم من دونها عادةً، وقد بحثه العدلية (المعتزلة والإمامية) في مظانّه من كتبهم الكلامية، وليس هنا متّسع لذكر مسائله وإدراج أدلّته، خاصّة وأنّك لم تذكر منها شيئاً ولم تناقشها ولم يظهر من عباراتك إنكار وجوبه إلاّ قولك: إنّه من أُصول المعتزلة، وهو ليس بردّ.. وما ناقشت إلاّ في معنى الوجوب على الله، وقد بيّناه.
    وأمّا دليل كون الإمامة لطف، فهو: لمّا تقرّر في العقول من جريان العادة في صلاح الناس واتساق أُمورهم ومعاشهم على رئيس مبسوط اليد يحكمهم ويسوسهم، ويدعوهم إلى الصلاح والطاعات، وإنّهم متى ما فقدوا هذا الرئيس كانوا أقرب إلى الفساد، واختلّت أُمورهم ومعاشهم، ولعلا بعضهم على بعض، يأكل القوي منهم الضعيف، وانهمكوا في المعاصي والملذّات.
    هذا، وإنّ تشقيقك الإشكال على (وجوب اللّطف على الله) بشقين، فيه خلط بين منهج الأشاعرة ومنهج المعتزلة؛ فإنّ سؤالك بـ((هل قولكم: (وجوب اللّطف على الله)، أوجبه الناس على الله تعالى؟)) مأخوذ من الأشاعرة؛ إذ لم يفهموا المراد من: (وجوب اللّطف على الله)، الذي يقول به العدلية، فسألوا هذا السؤال الساذج!!
    وأمّا سؤالك في الشق الثاني بقولك: ((فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟))، بعد أن قلت: ((وإن قالوا: بأنّ (وجوب اللطف على الله) هو ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى))، فهو متّسق مع منهج المعتزلة، ولكن فيه تسليم بوجوب اللطف، ثمّ المطالبة بالدليل على كون الغمامة لطف.
    فإنّك بين أمرين: أمّا أن تنكر وجوب اللطف كالأشاعرة، فلا مجال للشق الثاني من السؤال، وأمّا أن تقرّ بوجوب اللطف كمنهج المعتزلة، فلا مجال للشق الأوّل من السؤال.. وأمّا الخلط بينهما وجعلهما شقّين على نحو التقسيم الثنائي، فإنّه خلط في المنهج العلمي، ويعكس عدم القدرة على ترتيب المقدّمات العقلية بصورة صحيحة.
    ثمّ إنّ المطالبة بالدليل على تنصيب الإمام في الشق الثاني والادّعاء بأنّ أدلّة الشيعة على الإمامة كلّها متشابهة، يستدعي التسليم وعدم المناقشة في وجوب اللّطف في عالم الثبوت والواقع، وهو تسليم بالدليل العقلي الذي يقوله الشيعة من حيث لا تشعر؛ لأنّ المطالبة بالدليل في عالم الإثبات بعد الادّعاء بعدم وجوده لا يصح إلاّ بعد تسليم الإمكان العقلي في عالم الثبوت؛ لأنّ عالم الإثبات متأخّر رتبة عن عالم الثبوت؛ فلاحظ!
    وقد أجبنا في عنوان (الإمامة) على كثير من الأسئلة المتّصلة بالإمامة, ومنها الأدلّة على إثبات الإمامة وتنصيب الأئمّة؛ فراجع!
    وكذلك أشرنا إلى الكثير من الكتب المشحونة بالأدلّة العقلية والنقلية لإثبات الإمامة، ولا يسعنا في هذا المختصر أن نذكر لك كلّ تلك الأدلّة، وحتّى لو ذكرناها فسيظل بعض المشكّكين لا يذعنون، ولا كلام لنا معهم.
    2- لعلّك تشير بقولك: إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قوله تعالى: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً )) (المائدة:3).
    لكن هذه الآية القرآنية نفسها تعطي دليلاً على إثبات الإمامة، لا كما تريد إثباته من عدم الدليل على الإمامة؛ فالآية نازلة في يوم الغدير، كما أوضح ذلك كلّ من:
    1- الحافظ محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة (310هـ)، روى في كتاب (الولاية) بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية يوم الغدير.
    2- الحافظ ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة (410هـ)، روى من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنّها نزلت على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الغدير، يوم قال لعليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه), وكذلك بسند آخر عن أبي هريرة.
    3- الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، المتوفّى سنة (430هـ)، روى في كتابه (ما نزل من القرآن في عليّ)، قال في آخر الرواية: (فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، وبالولاية لعليّ(عليه السلام) من بعدي).
    4- الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة (463هـ)، روى في تاريخه عن أبي هريرة، قال في آخرها: ((فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم )) )).
    5- الحافظ أبو سعيد السجستاني، المتوفّى سنة (477هـ)، في كتاب (الولاية).
    6- أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي، المتوفّى سنة (483هـ).
    7- الحافظ أبي القاسم الحاكم الحسكاني.
    8- الحافظ أبو القاسم بن عساكر الشافعي الدمشقي، المتوفّى سنة (571هـ).
    9- أخطب الخطباء الخوارزمي، المتوفّى سنة (568هـ) في كتابة (المناقب).
    10- أبو الفتح النطنزي في كتابه (الخصائص العلوية).
    11- أبو حامد سعد الدين الصالحاني.
    12- أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الحنفي البغدادي، المتوفّى سنة (654هـ).
    ومن تلك الأخبار يتّضح أنّ إكمال الدين وإتمام النعمة صار بولاية عليّ(عليه السلام)، لا بما عداها(1).
    3- أمّا قولك: إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    فنحن نقول: إنّ القول بالتوحيد أيضاً صار سبباً لتكفير كثير من الناس، وإنّ القول بالنبوّة صار أيضاً سبباً لتكفير أصحاب الديانات الأُخرى، وإنّ إنكار المعاد كذلك؛ فإذا كانت الإمامة سبباً لكشف صدق الادّعاء واختياراً لتمام الانقياد، فما المشكلة في ذلك؟!
    على أنّنا لا نقول: بكفر من ينكر الولاية، بل نقول: إنّهم ارتدّوا عن القول بالولاية بعد إتمام البيعة لعليّ(عليه السلام) في يوم الغدير، ونتعامل مع هؤلاء على أساس الإسلام، وكفاية النطق بالشهادتين لتحقّق الإسلام.. وأمّا الجاهل بها فهو مسلم من المستضعفين، يُردّ أمره إلى الله.
    نعم، هم لم يؤمنوا بما أراده الله فهم كفّار يوم القيامة.
    وأمّا ما ذكره السيّد الخوئي(قدّس سرّه)، فهو يشير به إلى عالم الآخرة, وأنّه يتعامل معهم في ذلك العالم تعامل الكفّار بخلاف عالم الدنيا, ولو كان يحكم بكفرهم في عالم الدنيا، لقال بنجاستهم، وعدم الزواج منهم، وعدم حلّية ذبائحهم، وغير ذلك من أحكام الكفّار، وهذا ما لم يقله قطعاً.
    وعلى ذلك تحمل أقوال بقية العلماء, أو أنّ مراد بعض العلماء من المخالفين: بعضهم، وهم الذين ينصبون العداء لأهل البيت(عليهم السلام).
    ولو فرض أنّ هناك قول لأحد العلماء يكفّر به مطلق المخالفين، فهو رأي خاص به، ولا يحمل على كلّ المذهب، بل يبقى الأغلب إن لم نقل الجميع يفتون بطهارة المخالفين، وحلّية ذبائحهم، وجواز الزواج منهم، الدال على إسلامهم.
    نعم، يفتون بحلّية غيبتهم والوقيعة فيهم لفسقهم.
    وأمّا قولك: أيّ لطف هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين؟
    فإنّا نقول: لولا الإمامة واستمرارها لما بقي الدين الحقّ المتمثل بمذهب أهل البيت(عليهم السلام) حيّاً إلى هذا اليوم، بل لعادت جاهلية من أوّل يوم توفّي فيه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما أرادها البعض, وليست الإمامة هي التي أنتجت الكفر، بل هي التي خلّصت مجموعة كبيرة وأنقذتهم من الكفر، وبذلك صارت لطفاً، لأنّها قرّبت فعل هؤلاء من الطاعة وأبعدتهم عن فعل المعصية، وما قولك بهذا إلاّ اعتراض على الله، ولكن تستحي من التصريح به.. فأيّة نعمة بإرسال الأنبياء والرسل وقد كذّبهم أكثر الناس ودخلوا بسببهم إلى النار؟ فأين الرحمة المدّعاة؟ وكلامنا هنا على القياس؛ فلاحظ!
    أمّا النقطة الثانية: وهي عدم وجود مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    فنحن نقول: اتّضح لك سابقاً أنّ إتمام النعمة وإكمال الدين كان بولاية عليّ(عليه السلام), فمع الاعتقاد بالولاية كمل الدين، ومن دون الاعتقاد بالولاية يظلّ الدين ناقصاً, وأنّ إبلاغ الدين من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا خلاف فيه، ولكن من الذي يستطيع حفظ هذا الدين من التلاعب به والتحريف؟
    ونحن نقول: إنّ الذي يحفظ ذلك هو الإمام؛ لأنّه يعلم كلّ شيء، وهو معصوم من الخطأ والنسيان، فهو الحافظ للشريعة بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    أمّا النقطة الثالثة: وهو كيفية حصول اللطف مع غيبة الإمام.
    فقد أجاب السيّد المرتضى عن ذلك بقوله: ((لا يمتنع أن يقع هذا اللطف مع غيبته في هذا الباب أقوى؛ لأنّ المكلّف إذا لم يعلم مكانه، ولم يقف موضعه، ويجوِّز في من لا يعرفه أنّ الإمام يكون إلى أن لا يفعل القبيح، ولا يقصر في فعل الواجب، أقرب منه لو عرفه ولا يجوِّز فيه كونه إماماً))(2).
    وفي (قواعد المرام) أجاب عن ذلك بقوله: ((إنّا نجوِّز أن يظهر لأوليائه ولا نقطع بعدم ذلك، على أنّ اللطف حاصل لهم في غيبته أيضاً؛ إذ لا يأمن أحدهم إذا همّ بفعل المعصية أن يظهر الإمام عليه فيوقع به الحدّ، وهذا القدر كافٍ في باب اللطف))(3).
    وفي كتاب (الألفين) قال العلاّمة: ((الأوّل: إنّ الإمام لطف في حال غيبته وظهوره. أمّا مع ظهوره، فلما مرّ، وأمّا عند غيبته فلأنّه يجوِّز المكلّف ظهوره كلّ لحظة فيمتنع من الإقدام على المعاصي، وبذلك يكون لطفاً.
    لا يقال: تصرّف الإمام إن كان شرطاً في كونه لطفاً وجب على الله تعالى فعله وتمكينه، وإلاّ فلا لطف.
    لأنّا نقول: إنّ تصرّفه لا بدّ منه في كونه لطفاً، ولا نسلّم أنّه يجب عليه تعالى تمكينه؛ لأنّ اللطف إنّما يجب إذا لم يناف التكليف، فخلق الله تعالى الأعوان للإمام ينافي التكليف، وإنّما لطف الإمام يحصل ويتمّ بأُمور..
    منها: خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلوم، والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا يجب عليه تعالى وقد فعله.
    ومنها: تحمّل الأمانة وقبولها، وهذا يجب على الإمام، وقد فعله.
    ومنها: النصرة والذبّ عنه، وامتثال أوامره، وقبول قوله، وهذا يجب على الرعية.
    الثاني: المقرّب إلى الطاعة والمبعّد عن المعصية, والقهر والإجبار عليها ليس بلطف، لأنّه مناف للتكليف, ونصب الإمام والنص عليه وأمرهم بطاعته من الأوّل, وقهرهم على طاعته من قبيل الثاني؛ لأنّه من الواجبات، فلو جاز القهر عليها، لجاز على باقي الواجبات...))(4).
    وقد يقال: إنّ تجويز المكلّف ظهوره كلّ لحظة لا نراه حاجزاً عن اقتحام الموبقات، فأين اللّطف فيه؟
    فأجاب البعض على ذلك: بأنّ الأجدر أن يقال في تعليل اللطف حال الغيبة: أنّ نفس وجوده لطف؛ وذلك لأنّ فيه إقامة للحجّة على العباد، ولمّا كان خذلان الناس له هو الذي أوجب غيبته وعدم تمكينه كانت الحجّة عليهم أتم، فهم يعلمون بأنّ الحجّة بوجوده قائمة عليهم، والتكليف غير مرفوع عنهم، والعصيان مسؤولون عنه، فمن ثمّ يكون ذلك مقرّباً لهم إلى الطاعة، مبعّداً عن المعصية(5).
    وفي (مكيال المكارم): إنّ غيبته لا تنافي اللطف الموجب لإظهار الإمام(عليه السلام), أمّا بالنسبة إلى المجرمين فلأنّهم السبب في خفائه, وأمّا بالنسبة إلى الصالحين فلوجهين:
    الأوّل: إنّ الله تعالى قد أعطاهم من العقول والأفهام ما صارت الغيبة لهم بمنزلة المشاهدة، كما صرّح به سيّد العابدين(عليه السلام) وفي حديث الإمام الصادق(عليه السلام).
    الثاني: إنّ مشاهدته (عليه السلام) غير ممنوعة عن بعض الصالحين(6).
    وفي (محاضرات في الإلهيات) للسبحاني، قال: ((ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه وغيبته؛ لأنّ الله سبحانه قد لطف بهم بنصب المعد لهم وهم فوتوا أثر اللطف على أنفسهم, وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي بقوله: الإمام لطف، فيجب نصبه على الله تحصيلاً للغرض... ووجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا))(7).
    أمّا النقطة الرابعة: وهي: إلغاء دور النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
    فإنّا نقول: إنّ أحاديث الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) هي أحاديث جدّهم(صلّى الله عليه وآله وسلّم), يقول الإمام الصادق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين(عليه السلام)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ)(8).
    ثمّ لماذا تجعل حديث الصادق(عليه السلام) حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا تجعل مثلاً حديث البخاري أو مسلم أو أحمد حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟!!
    وحتّى لو لم يكن هذا الحديث، فإنّا نقول بصحّة الأخذ عن الإمام؛ لأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي أرجعنا إليه، وهو معصوم لا يصدر منه الخطأ والنسيان, فلا معنى لعدم الرجوع إليه بعد كلّ هذا.
    أمّا النقطة الخامسة: وهو: قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة)(9).
    فقد شرح هذا الحديث بعدّة وجوه، منها: أنّ الضرر المنفي ينزل على الضرر الحقيقي الكامل الذي هو الخلود في النار، أعاذنا الله تعالى منها، بفضله الكامل ولطفه الشامل، فإنّ حبّ عليّ(عليه السلام) كمال الإيمان وتمام الدين، كما قال عزّ من قائل: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي... )) (المائدة:3), ومع كمال الإيمان وتمامه بشرط الموافاة عليه لا يكون الخلود في النار, فإنّ عذاب صاحب الكبيرة منقطع، وأمّا بغضه وعدواته(عليه السلام) فهو كفر موجب للخلود في العذاب ودوام العقاب، فلا تنفع معه حسنة نفع النجاة والتخلّص من النار.
    ومن الوجوه المحتملة لهذا الحديث: أن يكون خلوص حبّه سبباً لأن يغفر الله بفضله بعض الذنوب، ولأن يعصم ويحفظ عن الإتيان بالبعض.
    ومن الوجوه أيضاً: أن يكون حبّه باعثاً على شفاعته التي لا تردّ(10).
    وعلى كلّ هذه الوجوه، فليس المعنى أنّ السيئات مهما كانت لا تضرّ بحيث لا يحتاج معها إلى الإمام وإلى اللطف الحاصل بوجوده, بل إنّ اللطف الحاصل من وجود الإمام ينفع في التقرّب إلى كلّ طاعة والبعد عن كلّ معصية, وبذا يضمن عدم دخول النار أصلاً لا الخلود فيها, ويضمن العصمة من جميع الذنوب لا بعضها, ويضمن كونه شافعاً لا مشفّعاً.
    أمّا النقطة السادسة:
    فابن تيمية يريد القول: أنّ الاتحاد على الباطل في زمن الثلاثة كان أفضل من تفريق الحقّ عن الباطل وتمييز الخبيث من الطيّب الذي حصل في زمن خلافة الإمام عليّ(عليه السلام)‍!
    وكأنّه ينظر في مقياسه للأفضلية باستقرار الدولة الإسلامية وسعة مواردها المادية حتّى لو كان الخليفة فيها أظلم الظالمين، وأجهل المسلمين، وأبعد الناس عن الدين! فأيّ لطف يحصل من وجود هكذا خليفة؟!
    ثمّ إنّنا كما قلنا سابقاً: أنّ اللطف يحصل بوجود الإمام، والإمام موجود بينهم واحتياج المسلمين إليه والخلفاء مشهور معروف، وبه جعل اللطف لا بالخلفاء.
    هذه هي كلّ المناقشات التي ذكرتها على الأدلّة العقلية.
    وأمّا ما اعترضت به في النقطة الثاثية على الأدلّة النقلية:
    فإنّك ذكرت دليلين قرآنيين فقط، ونحن عندنا العشرات من الأدلّة النقلية، فلماذا اقتصرت على اثنين؟! ثمّ إنّنا نردّ على ما اعترضت به على الاستدلال بالآيتين بما يلي:
    الآية الأُولى:
    1- الحديث الذي ذكرته عن الطبري ليس هو الحديث الوحيد (مع إنّ ابن حجر قد حسّن سنده)(11)، بل هناك غيره، وقد صحّح الحاكم ذلك الحديث؛ فقال: ((أخبرنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن السمّاك، ثنا عبد الرحمن بن محمّد بن منصور الحارثي، ثنا الحسين بن حسن الأشقر، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن عليّ: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7) قال عليّ: (رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنذر، وأنا الهادي). هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))(12).
    ثمّ إنّ الحديث روي عن ابن عبّاس بأسانيد غير طريق الطبري، منها: ما رواه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل): عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس..
    وسند آخر: عن حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.
    وعن غير ابن عبّاس، منها: عن أبي داود، عن أبي برزة.
    وسند آخر: عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وسند آخر: عن أبان بن تغلب، عن نفيع بن الحارث، عن أبي برزة الأسلمي، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    وسند آخر: عن حمزة الزيات، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه.
    وسند آخر: عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ(عليه السلام)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بلفظ: (ورجل من بني هاشم)، وعليّ هنا يعني نفسه, وقد صحّح صاحب (مجمع الزوائد) الحديث الوارد بهذا اللفظ من رواية عبد الله بن أحمد في مسند أحمد(13).
    وبسند آخر: عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد، عن عليّ(عليه السلام).
    وسند آخر: عن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكيم بن جبير، عن أبي برزة الأسلمي.
    وسند آخر: عن عراك بن خالد، عن يحيى بن الحارث، عن عبد الله بن عامر، عن الزرقاء الكوفية.
    وسند آخر: عن الحسن بن الحسين العرني، عن علي بن القاسم، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه(14)..
    وقد قال الحسكاني بحقّ الحسن بن الحسين الأنصاري: ((وكان ثقة معروفاً، يعرف بالقرني))(15).
    فليس من الصحيح أن تضعّف سنداً واحداً وتترك كلّ هذه الأسانيد، التي ربّما تصل بمجموعها إلى التواتر.
    2- ذكرت قول الآلوسي، ولم تذكر قول غيره، فلماذا هذا التفريق؟!!
    فهذا ابن جرير الطبري في (جامع البيان) يقول: ((و (( وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) .. يقول: ولكلّ قوم إمام يأتمّون به، وهاد يتقدّمهم فيهديهم, إمّا إلى خير وإمّا إلى شرّ))(16).
    ثمّ إنّه لا معنى لإيراد أقوال المفسّرين، وهي مجرّد آراء، إذا ثبت عندنا صحّة تلك الأحاديث المتقدّمة عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو تواترها.
    3- أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن دلالة الآية على إمامة عليّ(عليه السلام) دون غيره بقوله: إنّ الله تعالى جعله في قرن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنّ له الإنذار ولعليّ الهداية, أي: إراءة الطريق، وعمّم هدايته لكلّ قوم، وذلك من آثار الإمامة؛ لا سيّما وقد قال له رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (وبك يهتدي المهتدون من بعدي)، فإنّه بمقتضى تقديم الجار والمجرور دال على حصر الهداية به بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مع أنّه قد أثنى عليه في رواية الحسكاني بما يناسب الإمامة(17)، [فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنت منادي الأنام، وغاية الهدى، وأمير الغرّ المحجّلين، أشهد لك أنّك كذلك) ))(18).
    الآية الثانية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
    أوّلاً: وثانياً: وثالثاً: ارجع إلى ما اجبنا في عنوان: آية الولاية: (رواية صحيحة تحكي واقعة التصدّق)، و(في مصادر الشيعة والسُنّة)، و(أسانيد نزول الآية في عليّ(عليه السلام) ومفادها)؛ فقد صحّحنا هناك الروايات، وأثبتنا تواترها، ورددنا على ما قيل من ضعف أسانيدها.
    رابعاً: قد ذكرنا في تلك الإجابات السابقة الروايات دون الاحتياج إلى تفسير الثعلبي.
    وأمّا قول الدهلوي، فهو إمّا أن يكون غير مطّلع على كلّ الروايات, وإمّا أنّه يكذب في قوله ذاك.
    خامساً: ارجع إلى الإجابة المذكورة سابقاً: أسانيد نزول الآية في عليّ ومفادها.
    سادساً: أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن صيغة الجمع في الآية، وأنّها: لا تصرف إلى الواحد إلاّ بدليل, وقول المفسّرين: (نزلت في عليّ)، لا يقتضي الاختصاص, ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنيّة على جعل (( وَهُم رَاكِعُونَ )) حالاً من ضمير (( يُؤتُونَ ))، وليس بلازم، بل يحتمل العطف، بمعنى: أنّهم يركعون في صلاتهم، لا كصلاة اليهود خالية من الركوع, أو بمعنى: أنّهم خاضعون, أجاب المظفّر على ذلك بقوله: إنّ الحالية متعيّنة لوجهين:
    الوجه الأوّل: بُعد الاحتمالين المذكورين؛ لاستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل؛ لأنّ لفظ الصلاة مغنٍ عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم؛ لتبادر الركوع منها، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف، فيبطل الاحتمال الثاني أيضاً.
    الوجه الثاني: إنّ روايات النزول صريحة بالحالية وإرادة الركوع المعروف.
    ثمّ أورد بعض الروايات، وقال: ثمّ إنّ الفائدة في التعبير عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو فرد، بصيغة الجمع هي: تعظيمه والإشارة إلى أنّه بمنزلة جميع المؤمنين المصلّين المزكّين؛ لأنّه عميدهم، ومن أقوى الأسباب في إيمانهم ومبرّاتهم، كما أشار إلى ذلك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله يوم الخندق: (برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه).
    وجعل الزمخشري الفائدة فيه: ترغيب الناس إلى مثل فعله؛ لينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان(19).
    سابعاً: أجاب عن تلك الشبهة أبو طالب التجليل التبريزي: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، لا في مقام الثناء على التصدّق في الصلاة, وإنّما ذُكر في الآية للإشارة به إلى عليّ(عليه السلام)؛ لأنّ واقعة إعطائه للصدقة في حال الركوع في الصلاة اشتهرت بينهم(20).
    ثامناً: وأمّا ما ذكره من أنّ الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة, فإنّما هو إذا كان مستلزماً للفصل الكثير، وأمّا إعطاء الخاتم الذي في إصبعه بالإشارة إلى السائل ليأخذه من يده فلا, ولا يؤثّر ذلك الفعل القليل على الخشوع في الصلاة. وقد أجبنا عن ذلك مفصّلاً في عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع!
    تاسعاً: أُجيب عن ذلك: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، وهي غير ناظرة إلى من يتصدّق في حال الركوع، أو إلى من يتصدّق في حال القيام والعقود.
    عاشراً، والحادي عشر: إيتاء الزكاة أعمّ من الواجبة والمندوبة، وإذا لم تكن عليه زكاة واجبة فإنّه أعطى ذلك ندباً.
    الثاني عشر: قد تبيّن الجواب بعد ملاحظة أنّ الزكاة هي ليست الزكاة الواجبة، بل المندوبة.
    الثالث عشر: لم يتّضح وجه هذا الإشكال! فهل تريد القول: أنّ دلالة آية الولاية كدلالة: (( وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )) في إفادة الأمر بالتصدّق بالركوع كما أفادت هذه الآية أمر بالركوع؟
    ونحن نقول: أنّ هناك فرق بين الآيتين فلا صيغة للأمر في آية الولاية ولا يستفاد من صيغة المضارع المذكورة في الآية الأمر, فأين وجه التشابه؟!
    وهذه الأقوال التي ذكرتها هي أقوال ابن تيمية، الذي يستميت من أجل صرف دلالة الآيات النازلة في حقّ عليّ(عليه السلام) عنه(عليه السلام)، ليظهر بذلك نصبه وعداءه لأهل البيت(عليهم السلام).
    ودمتم في رعاية الله
    (1) انظر: الغدير للأميني 1: 230 وما بعدها.
    (2) رسائل الشريف المرتضى 3: 145 (32) أجوبة من مسائل متفرّقة من الحديث وغيره، فصل: في الغيبة.
    (3) قواعد المرام في علم الكلام: 191 القاعدة الثامنة، الركن الثالث، البحث الخامس.
    (4) كتاب الألفين: 65 المسألة الأُولى، البحث السادس، النظر الخامس، الوجه التاسع والعشرون.
    (5) كتاب الألفين: 65 الهامش (1).
    (6) انظر: مكيال المكارم 1: 123 الباب الرابع، حرف الغين المعجمة، الأمر السادس.
    (7) محاضرات في الإلهيات (تلخيص علي الرباني): 364 الباب السادس، الفصل الرابع.
    (8) الكافي للكليني 1: 53 كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث.
    (9) ينابيع المودّة للقندوزي 1: 375 الباب (42) الحديث (6).
    (10) انظر: تكملة مشارق الشموس: 391 وجوب قضاء الصوم على كلّ تارك للصوم.
    (11) فتح الباري شرح صحيح البخاري 8: 285 سورة إبراهيم.
    (12) المستدرك على الصحيحين 3: 129 - 130 كتاب معرفة الصحابة.
    (13) مسند أحمد بن حنبل 1: 126 مسند عليّ، المعجم الأوسط للطبراني 2: 94، المعجم الصغير للطبراني 1: 261.
    (14) شواهد التنزيل 1: 385 - 395 الحديث (403 - 416) الآيات النازلة في أهل البيت(عليهم السلام).
    (15) شواهد التنزيل 1: 384 الحديث (400).
    (16) جامع البيان 13: 139 سورة الرعد.
    (17) دلائل الصدق 4: 431 - 433 مباحث الإمامة، المبحث الرابع، الآية العاشرة.
    (18) شواهد التنزيل 1: 392 الحديث (414).
    (19) دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، تعيين إمامة عليّ بالقرآن.
    (20) تنزيه الشيعة الاثني عشرية عن الشبهات الواهية 2: 184 ردّ على ما أورده القفاري في ص679.




    يتبع

    تعليق


    • #3
      السؤال: بيان التلازم بين الإمامة والعصمة
      لماذا اقتران العصمة بإمامة أهل البيت(عليهم السلام)، أعني كونهم أئمّة علينا دون أن يكونوا معصومين؟
      الجواب:

      إنّ التلازم بين الإمامة والعصمة تلازم عقلي, وهناك أدلّة كثيرة في هذا الجانب، ذكرها علماء الكلام في بحوثهم، نكتفي بإيراد دليلين ذكرهما الكراجكي:
      الأوّل: إنّ علّة الحاجة إلى الإمام: أن يكون لطفاً للرعية في الصلاح؛ ليصدّها عن ارتكاب القبائح والفساد، ويردّها إلى فعل الواجب والسداد. وهذا يقتضي أن لا تكون علّة الحاجة موجودة فيه؛ فإنّه متى جاز منه القبيح وفعل غير الجميل، كان فقيراً محتاجاً إلى وجود إمام متقدّم عليه، ويمنعه ممّا هو جائز منه، ويأخذ على يديه، ويكون الكلام في إمامته كالكلام فيه، حتّى يؤدّي ذلك إلى المحال من وجود أئمّة لا يتناهون، أو إلى الواجب من وجود إمام معصوم.
      الثاني: إنّ الإمام قدوة في الدنيا والدين واتّباعه مفترض من ربّ العالمين، فوجب أن لا يجوز الخطأ والزلل عليه، وإلاّ كان الله تعالى قد أمر باتّباع من يعصيه، ولولا استحقاقه العصمة لكان إذا ارتكب المعصية يتضادّ مع التكليف على الأُمّة, وتصير الطاعة منها معصية, والمعصية طاعة, وذلك أنّها مأمورة باتّباعه والاقتداء به، فمتى اتبعته في المعصية امتثالاً للمأمور من الاقتداء كانت من حيث الطاعة عاصية لله سبحانه، ومتى خالفته ولم تقتد به طلباً لطاعة الله تعالى كانت أيضاً عاصية لمخالفتها لمن أمرت بالاقتداء به وباتّباعه, وفي استحالة جميع ذلك دلالة على عصمته.
      وليس لأحد أن يقول: إنّ الاقتداء بالإمام واجب على الرعية في ما علمت صوابه فيه؛ لأنّ هذا القول يخرجها من أن تكون مقتدية به؛ إذ كانت إنّما عرفت الصواب بغيره لا بقوله وبفعله, فهي علمت (عملت) بما عمل لمعرفتها بصوابه فيه إنّما وافقته في الحقيقة ولم تقتد به وتتبعه؛ فتدبّر ذلك(1)!
      ودمتم في رعاية الله
      (1) انظر: كنز الفوائد: 161 - 162 فصل في الكلام في تثبيت إمامة صاحب الزمان.








      السؤال: الحاجة إلى الإمام مع وجود السُنّة
      إنّ الرسول يجب أن يحفظ الله شريعته من بعده، فلهذا يجب أن يكون هناك إمام معصوم لكي لا تضيع هذه الشريعة ويختلف فيها، وهذا مقبول عقلاً.
      ولكن نجد بأنّ الصحابة نجحوا في حفظ القرآن بدون إمام. بدليل: حيث لم يحتاجوا لقرآن الإمام عليّ(عليه السلام).
      فإذا،ً ليس من المستحيل أن ينجحوا أيضاً في حفظ السُنّة عقلاً. بدليل: أنّهم نجحوا مع القرآن.
      فالسؤال هنا: ما الحاجة إلى الإمام؟
      .. فقد قال لي أحد السُنّة: لماذا نحتاج المهدي اليوم، فسُنّة النبيّ نقلت إلينا، وكلّ شيء واضح بفضل الله، فلماذا التكلّف والتفلسف؟
      الجواب:

      يجب أن تكون الكلّية التي ذكرت في أوّل سؤالك هكذا: ((لا بدّ من أن يحفظ الله شريعة رسوله بتمامها من بعده عند وصيّ له، حتّى تكون الحجّة مستمرّة على الخلق، ويبقى هذا الوصيّ والإمام مرجع أُمّة الرسول من بعده)).
      فلاحظ الكلمة بتمامها! فإنّها موضّحة لما جاء في النقل، من انتقال مواريث الأنبياء والأوصياء من السابق إلى اللاحق، وهذه اللابدّية التي من لوازمها عصمة الإمام لا تسقط إذا وجد من أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحد يحفظ جزءاً أو أكثر من شريعته، وهل ما وقع في تاريخ الأنبياء(عليهم السلام) إلاّ ذلك؟! وهو أن كلّ مجموعة من أصحابهم حفظوا بعض ما جاء به ونسوا الباقي، ولم يحفظ كلّ شريعة نبيّ إلاّ وصيّه.
      ثمّ إنّه من قال: أنّ هذه السُنّة الواصلة إلينا خلت من الغلط والسهو؟
      وإن قلت: إننّا نأمن من السهو بما نقل بالتواتر.
      كان الجواب: أوّلاً: إنّه لم ينقل كلّ ما في الشريعة بالتواتر، مع أنّ التواتر يمكن أن يزول عبر الزمن بالنسيان لبعض ثمّ بعض بالتدريج، فلا مؤمن إلاّ الإمام.
      ثانياً: ما هو المؤمن من الغلط، بل اجتماع الناقلين وتواطؤهم على الغلط ونقل الخلاف لدواعٍ شتّى، بل الكتمان لبعض الشريعة لتلك الدواعي، فلا بدّ من الإمام وراءهم يرجعهم عن الغلط ويظهر ما يمكن أن يكتموه.
      وهذا الذي ذكرنا هو ما كان مدعاةً للاختلاف بين أُمّم الأنبياء من جهة، ومخالفتهم لأوصياء أنبيائهم من جهة أُخرى.
      ثمّ لنوضّح الأمر أكثر: فإنّ حفظ النصّ القرآني هو حفظ لرسم القرآن، وهو جزء من الشريعة، ولكنّهم اختلفوا بعده حتّى بقراءة هذا النصّ؛ فأصبحت القراءات سبعاً، بل عشراً، بل أكثر! ومع أنّا لا نمنع في الإمكان العقلي حصول دواعٍ لكتمان القرآن، ولكنّا نقول فيه وقوعاً: أنّه لم يحصل عندهم دواعٍ لكتمانه، بل حصلت الدواعي لنقله وحفظه، وأوّلها: الاكتفاء به عن القرآن الذي جمعه عليّ(عليه السلام)، كما هو مسطور في التاريخ.
      ثمّ أين أحكام القرآن وتفسيره وعلومه؟ أليس من حقّ المعترض أن يعترض على هذا الحفظ المزعوم بأنّهم اختلفوا في كيفية الوضوء الذي كانوا يشاهدونه من وضوء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لسنوات، مع أنّه وارد في القرآن!!! هذا في إمكانية حفظ القرآن وما جاء فيه عقلاً.
      وأيضاً، إنّ إمكانية حفظ السُنّة عقلاً وإن كان صحيحاً، ولكن (الإمكان) غير (لا بدّية الوقوع؛، لأنّه إذا جاز على آحاد الأُمّة السهو والغلط جاز على مجموعها ذلك، والعقل لا يحيله، وأمامك اختلاف المسلمين في السُنّة بين صحيحها وضعيفها وموضوعها، وحقّها وباطلها، وصدقها وكذبها، فأين وقوع هذا الحفظ لو ادّعي؟! وكلّ يقول ما رويته هو سُنّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا غير. هذا في الكبرى.
      أمّا ما ادّعي من الصغرى، فمن قال أنّهم جمعوا هذا القرآن من دون مساعدة الإمام(عليه السلام)؟!
      ولتوضيح الفكرة: طالع ما كتبه الشيخ الكوراني في كتابه (تدوين القرآن)، ولا أقلّ من أنّ قراءة المسلمين اليوم للقرآن هي قراءة عاصم المسندة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فضلاً عن التفسير وعلوم القرآن الأُخرى.
      ثمّ إنّ هناك مانعاً عقلياً، وهو عدم الأمن من الخطأ على الأُمّة وإن اجتمعت، فلا بدّ من احتياجها إلى إمام ليقوّمها ويصونها عن الخطأ، ومنه الخطأ في الشريعة.
      وهنا نودّ أن نورد نقضاً، وهو: هل من الممكن للعقل البشري أن يدرك بعض الأحكام الشرعية ولو شيئاً قليلاً؟
      فإذا كان الجواب: نعم. نقول: إذاً من الممكن أن يدرك أحكاماً شرعية أُخرى، أو قل: كلّ الأحكام الشرعية!! وهذا يبطل فائدة إرسال الرسل.
      والجواب: أوّلاً بشكل مبسّط، وهو: أنّ كلامنا في الوقوع وليس في الإمكان، فكم يحتاج العقل البشري من وقت وتطوّر لدرك ذلك.
      ثمّ ثانياً: إن فرضنا الوقوع في بعض الأحكام العقلية، وهو ما يُبحث في بحث التحسين والتقبيح العقليين، وفي مدركات العقل العملي بالخصوص دون العقل النظري، ولكن هذا لا يلزم منه إدراك كلّ الأحكام، فإنّه من غير الممكن للعقل النظري بقدراته العقلية المحدودة الإحاطة بملاكات الأحكام.
      وإذا حدث فعلاً حفظ لبعض الشريعة، فلا يلزم منه فعلاً حفظ كلّ الشريعة وإن كان ممكناً، بل ليس ممكناً أيضاً بعد تسليم عدم عصمة الآخرين غير الإمام.
      ثمّ إنّ الكلام هنا كلّه في جانب واحد من وظائف الإمام، أمّا كيفية قيام الصحابة أو الأئمّة مقام الإمام في وظائفه الأُخرى، فهذا لا ندري ما تقول فيه، أو ما يقوله صاحبك السُنّي؟!!
      وأخيراً، لا بدّ لك من المطالعة أكثر في خصائص الإمام ومقام الإمامة، فإنّه مهم جدّاً لمعرفة فائدة وجود الإمام.
      تعليق على الجواب (1)
      ولكن إذا كنّا نحتاج إلى إمام معصوم مع وجود السُنّة، فكيف لا نحتاج إلى إمام معصوم في زمن الغيبة رغم وجود السُنّة؟
      الجواب:

      أوّلاً: السُنّة هي نفسها قول المعصوم(عليه السلام) وفعله وتقريره، وهذا المعنى يشمل المعصومون الأربعة عشر(عليهم السلام)... فقولكم: إذا كنّا نحتاج إلى إمام معصوم مع وجود السُنّة، يوحي بأنّ السُنّة شيء والإمام المعصوم شيء آخر، وهذا ليس بصحيح.
      ثانياً: من قال: أنّنا لا نحتاج الإمام(عليه السلام) زمن الغيبة؛ فإنّ الحاجة إلى الإمام المعصوم(عليه السلام) ثابتة في زمن الحضور، وأيضاً في زمن الغيبة، ولكن الذي يخفّف الوطأة: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) قد تركوا لنا في زمان حضورهم - الذي تجاوز المائتي عام - موروثاً حديثياً ضخماً، يمكننا به أن نستنبط أي حكم نحتاج إليه في شؤوننا وفي مستجدات حياتنا.. ومن هنا كان توجيه الأئمّة(عليهم السلام) بالعودة إلى رواة أحاديثهم في زمن الغيبة بلحاظ ما تركوه لهم من موروث حديثي يغنيهم عن العودة إلى غيرهم.
      فالاحتياج إذا كان بلحاظ تبيين السُنّة وفهمها - كما هو المتبادر من سؤالكم - فقد أوضحنا أنّ الأئمّة(عليهم السلام) تركوا هذا التراث الضخم من الأحاديث، الذي يمكننا الاستعانة به في مختلف شؤون حياتنا، وهي محفوظة في كتب الشيعة ومصنفاتهم.
      ومع ذلك فإنّ الإمام(عليه السلام) حيّ باقٍ وحجّة قائمة من ورائهم فيما إذا أصابهم النسيان والسهو، أو تركوا النقل وكتموه، أو تعمّدوا الخطأ أو اشتبهوا فيه، بحيث يكون حافظاً للشرع من ورائهم فيما يقع فيه الخلل.
      وأمّا إذا كان الاحتياج إلى حضور الإمام الشخصي وقيادته الظاهرية للأُمّة من جهة كونه لطفاً، فإنّ اللطف الحاصل من قبل الله بوجود الإمام(عليه السلام) متحقّق بخلقه وبقائه حيّاً، وأمّا اللطف الحاصل من جهة تمكّنه من التصرّفات المعصومة عن الخطأ فقد فوته المكلفين من أعدائه على أنفسهم بإخافتهم للإمام(عليه السلام)، وبعدم استعدادهم ولياقتهم بالنسبة لأوليائه.
      وأمّا حصول هذا اللطف بظهوره وقيادته للعالم تلك القيادة المعصومة بعد أن تزول أسباب غيبته لينتشر العدل والنور، فهو أمل المستضعفين جميعاً.. وما ذلك على الله بعزيز.











      السؤال: هل يمكن الاكتفاء بالتواتر عن الإمامة؟
      ما دام التواتر هو الدليل على الإمام، إذاً هل يغني التواتر عن الإمامة؟
      ففي عصر الغيبة نأخذ تخصيص العقائد بالتواتر وليس عن طريق الإمام، إذاً فيكفي التواتر، ويكون الدين غنيّاً عن الإمامة.
      الجواب:

      إنّ أصل هذا الإشكال ذكره القاضي عبد الجبّار في عدّة موارد من بحث الإمامة في كتابه (المغني)، وأجاب عنه السيّد المرتضى في كتابه (الشافي في الإمامة) بما لا مزيد عليه، ثمّ إنّا نودّ أن نذكر لك في جوابنا عدّة نقاط ممّا أُشكل عليك:
      أولاً: إنّ ما يجب علينا الالتزام به، وهو حجّة علينا أوّلاً وبالذات، هو: أوامر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه المالك الحقّ، وكلّ ما ثبت علينا أنّه حجّة من مختلف الأدلّة إنّما صار حجّة بالعرض فهو بالحقيقة يرجع إلى أنّه يخبرنا عن الحجّة بالذات، وهو: أوامر الله سبحانه وتعالى، النابعة من حاكميّته.
      ثانياً: لقد قسّم العلماء الأدلّة المعترف بحجّيتها إلى: دليل عقلي، ودليل نقلي؛ إذ أنّ العقل قد يستطيع أن يصل إلى بعض أوامر الله سبحانه وتعالى، فهو حجّة في الجملة، أي في البعض المقطوع به، وأمّا ما لا يستطيع العقل الوصول إليه، فيخبرنا به الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)، عن الله سبحانه وتعالى، ولذا قالوا: إنّ العقل رسول باطن والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسول ظاهر، وأمّا الإجماع فنشترط فيه دخول المعصوم، وبالتالي يدخل في السُنّة، أي الدليل النقلي.
      ثالثاً: ثمّ إنّ العلماء اشترطوا في ثبوت الأحكام وحجّيتها القطع، أي: أن تصل إلينا قطعية يقينية بالذات أو بواسطة، إذ إنّ القطع حجّة بذاته لا يحتاج إلى شيء وراءه، فإذا قطع العقل بشيء، سواء عن طريق مقدّمات عقلية صرفة، أم عقلية ونقلية، أم نقلية فقط، فلا يحتاج إلى شيء وراءه لإثبات الحجّية، وذلك لأنّ القطع يعني: الانكشاف وظهور الواقع، وقد ترجع حجّية الدليل إلى القطع بالواسطة، كأن تقوم عندنا الأدلّة القطعية على حجّية بعض الظنون؛ فإنّ الظنّ ليس حجّة بذاته، فلا بدّ من رجوعه في حجّيته إلى القطع، وتفصيل القول في هذه المسألة في أُصول الفقه؛ فراجع!
      رابعاً: وقد يرد هنا سؤال: أنّه إذا كان العقل إحدى الحجج، فلماذا لا يكتفى به عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)؟
      والجواب:
      1- من الواضح أنّ العقل لا يستطيع أن يصل إلى كلّ الحقائق عن أُصول الدين وفروعه بمجرّده.
      2- أنّه يحتاج إلى زمن طويل جدّاً لتراكم علوم البشرية يعد بآلاف السنين حتّى يصل إلى هذا البعض من الحقائق بصورة قطعية.
      3- أنّ هناك أُموراً لا طريق للعقل إليها كأحكام الشريعة أو حقائق عالم الملكوت وعالم الغيب مثلاً.. فلا طريق لصلاح البشر وإيصالهم إلى الكمال إلاّ بإرسال الرسل، وهو ما نوجبه ونصطلح عليه بقاعدة اللطف، الثابتة في الإمام أيضاً؛ فإنّ الشريعة الإسلامية مثلاً من أحكام الصلاة والحجّ والصيام والزكاة والخمس والحدود وغيرها لا يستطيع العقل الوصول إليها، أو الوصول إلى ملاكاتها، فضلاً عن عدم قدرته للإحاطة بما موجود في القرآن وعلومه، وما يصل إليه منها بعد الجهد والوقت النزر اليسير، فمسّت الحاجة إلى شخص معصوم مسدّد من قبل الله، وإلى زمن كافٍ يتّسع لبيان حقائق القرآن وعلومه، فكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد بذل ما عليه من جهد لتبيين القرآن، ولكن لسلطة عالم المادة والدنيا ومحدودية الزمان والمكان لم يكن الوقت كافٍ لوصول هذه الحقائق إلى الأُمّة بالمقدار اللازم لرشدها وكمالها، فعلّمها بأمر من الله إلى وصيّه(عليه السلام)، وفتح له ألف باب من العلم يفتح ألف باب(1)، حتّى يقوم بالدور نفسه الذي كان يقوم به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأيضاً كان هو محاطاً بسلطة الزمان والمكان، فتتابع من بعده الأئمّة(عليه السلام) الوارثين لعلم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى أن مضى الوقت الكافي لوصول مقدار كافٍ من الحقائق تكفل قابلية الاستمرار للرسالة، على أنّ الغاية الرئيسية لا تتم إلاّ بعد غيبة الإمام الثاني عشر(عليه السلام) وظهوره حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
      وقد يرد سؤال آخر وهو: إذا كان القطع حجّة بذاته، فلماذا لا نسعى لتحصيل القطع بالأحكام مثلاً عوض أخذها عن الإمام(عليه السلام)، وبالتالي تسقط الحاجة إلى الإمام؟
      والجواب:
      1- إنّ هذا السؤال غير صحيح؛ فإنّ القطع حكم من العقل على قضية سواء كانت واقعية أم لا، أي: إنّ حكم العقل عندما يصل إلى درجة من الوضوح والانكشاف بقضية ما سيكون قطعاً، والقطع ليس هو القضية المحكوم بها من العقل، وبالتالي فإنّ الإشكال، لو كان هناك إشكال، لا بدّ أن يكون بالشكل السابق، أي: الاكتفاء بالعقل بدل الرسول والإمام.
      2- وهو ما يترتّب على ما ذكرناه أوّلاً من إنّ القطع هو درجة انكشاف الواقع الواصل إلينا عن طريق العقل، أو عن طريق إخبار النبيّ أو الإمام، فإذا حكم العقل عن طريق مقدّمات يقينية حصل القطع بحكمه، وإذا أخبرنا المعصوم(عليه السلام) مباشرة بموضوع، أو قضية، أو علم، حصل لنا القطع بذلك؛ فالقطع هو انكشاف الواقع، وليس هو الواقع أو الدليل الدال على الواقع.
      خامساً: إنّ التواتر هو أحد الطرق الموصلة إلى الحكم القطعي من قبل العقل، وهو: أن يصل الخبر بطرق عديدة يستحيل اجتماع أصحابها على الكذب، فيورث القطع بالخبر والحكم بصدوره قطعاً، ويكون الخبر القطعي المتواتر هو الدليل الذي وصلنا من المعصوم المخبر لنا عن الحقّ والواقع.
      ومن الواضح أنّ التواتر هو درجة اعتبار وحجّية الدليل بأنّه مقطوع، وليس هو الدليل بنفسه، فالتواتر طريق لحصول القطع، والقطع انكشاف للعقل بيقينية الدليل والخبر، والخبر النقلي (عن طريق الرسول أو الإمام المعصوم) كاشف عن الواقع وأمر الله سبحانه وتعالى.
      فمن الخلط أن نقول: هل يمكن أن نكتفي بالتواتر بدل الإمام!! فكما يحصل القطع بخبر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق التواتر، كذلك يحصل القطع بخبر الإمام عن طريق التواتر.
      ولكن ربّما يسبق إلى الوهم بأنّ الإمام المعصوم(عليه السلام) يخبر بالقطع عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي: هو طريق قطعي لمعرفة خبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذا التواتر، نحصل منه على القطع بخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو طريق قطعي أيضاً لخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالتالي يمكن أن نكتفي به عن الإمام. وهذا هو إشكال القاضي عبد الجبّار..
      والجواب:
      1- إنّ الحصول على أوامر الله بالقطع النقلي يكون: إمّا عن طريق الأخذ مباشرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بوصول الخبر المتواتر القطعي عنه، ومن الواضح عدم إمكان الأخذ بالمباشرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد وفاته، ولذا مسّت الحاجة إلى وجود الإمام المعصوم يخبرنا بالأحكام الشرعية الصادرة عن الله والنازلة على رسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدرجة القطع بعد زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
      إذ أنّ الاكتفاء بالطريق الثاني القطعي، وهو: معرفة الحكم عن طريق التواتر، قاصر عن استيفاء الغرض؛ لعدم وصول الغالبية العظمى من الأحكام إلينا بالتواتر، هذا في الأحكام التي أخبر بها الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فضلاً عن الأحكام التي لم يخبرها إلاّ للوصيّ والخليفة بعده لمختلف العلل والأسباب، وهذا ما أجاب به الشريف المرتضى علم الهدى.
      2- منع إمكانية حصول التواتر لكلّ الأحكام؛ لمقتضى حال البشر ونزوعهم إلى الاختلاف، وتاريخ الحديث، بل تاريخ المسلمين خير شاهد على ذلك، فكان من حكمة الله تنصيب أئمّة للناس بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحفظون الدين، وهو ما نطلق عليه: قاعدة اللطف.
      3- إنّ التواتر ليس له موضوعية بنفسه، فهو طريق ليس إلاّ، وأمّا قول الإمام(عليه السلام) فهو دليل بنفسه؛ لعصمة الإمام(عليه السلام).
      هذا كلّه في مجال الأحكام فقط، مع فرض أنّ المسلمين قد علموا جميع الأحكام بتفاصيلها من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا يصحّ القول أنّها قد تصل إلينا بالتواتر أو لا، وأمّا مع انتفاء هذا الفرض، وأنّ هناك أحكاماً وتفاصيل لم يعلمها إلاّ الإمام(عليه السلام)، فالإشكال لا مورد له هنا.
      وأمّا في وظائف ومجالات سلطة الإمام الأُخر باعتباره واسطة الفيض، فهو خارج عن أصل التوهّم، وكذا تحمّله لواجب هداية الأُمّة تكويناً، التي من بعض شؤونها استلام دفّة الحكم، وتسيير أُمور الرعية، وبيان الموضوعات الخارجية دون الوقوع في الخطأ؛ إذ لا مدخلية للتواتر هنا، فهو أجنبي عن المقام، مضافاً إلى بيان القرآن وعلومه والعلوم العقلية الأُخرى، فكلّها لا مورد للتوهّم فيها؛ فلاحظ!
      سادساً: إنّنا نلاحظ في أسئلتك خلطاً واضحاً بين التواتر، وهو أحد الطرق والوسائل لحكم العقل بقضية خبرية، فهو بالتالي من شؤون العقل، وبين الإمام الذي هو موضوع خارجي، له آثار واقعية خارجية واقعة في علمه تعالى ومنتظمة في سننه عزّ وجلّ!
      نعم، أنّه لا يثبت لنا تعيين الإمام(عليه السلام) كموضوع خارجي إلاّ بالقطع من العقل، وأحد طرقه حصول التواتر بوجود دليل عليه، وكذا لم يثبت لنا وجوب الإيمان والاعتقاد بالإمامة وكونها من أُصول الدين، إلاّ بدليل قطعي سواء كان عقلياً أم نقلياً (تواتر)، ولكن ما علاقة هذا بهذا حتّى تخلط بينهما؟!
      وما ذكرناه هنا في هذه النقطة هو غير كون التواتر طريقاً لثبوت أخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّ أخبار الإمام(عليه السلام) طريق أخر لثبوت أخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فلاحظ وتأمّل!
      ودمتم في رعاية الله
      (1) انظر: الكافي للكليني: 239 كتاب الحجّة باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة، بصائر الدرجات للصفار: 172 الجزء الثاني الباب (14) الحديث (3)، و322 الجزء الخامس الباب (16).












      السؤال: البحث عن وجود المعصوم في الأُمّة
      ما هو الفرق بين أن يكون الحكم للإمام عليّ أو غيره لو كان غيره صالح وعادل؟
      الجواب:

      ينبغي أن يتّضح أنّ للمسألة هنا عدّة جوانب قد تختلف نتيجة اختلاف النقطة التي ينطلق منها الباحث، أو الغاية المتوخّاة من بحثه، أو القضية التي يريد إثباتها، وهذه الجوانب في الحقيقة يترتّب بعضها على بعض، بل هي في عمقها تنصب على هدف واحد، وهو: الحكومة الإلهية العادلة على الأرض، والعدل هنا ركيزة من ركائز هذا الهدف المنشود، وسمة بارزة له.
      فقد ينصب البحث في جانب إثبات وجوب وجود إمامة كلّية إلهية في كلّ زمان، وهذا يستدلّ به من العقل والنقل، أو ينصب البحث على لزوم وجود نص يشير ويعيّن خليفة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن يثبت له عقلاً مجموعة من الصفات اللازمة لقيادة الأُمّة، كالعلم والعصمة والأفضلية، وبالتالي فإنّ في هذين الجانبين يفرق في أنّه من هو الإمام، هل هو عليّ(عليه السلام)، أم غيره حتّى لو كان عادلاً؟
      ومرّة يكون البحث من جانب إشراق الكمال الإلهي من جهة صفة العدل، التي يفرد لها الشيعة الإمامية مكانة خاصّة في أُصول الدين ويعدّونها أحد الأُصول، وأنّ هدف الحكومة الإلهية على الأرض هو: تجسيد العدل الإلهي، وإنّ العدل محور وركيزة أساسية تدور عليها مجمل فلسفة خلقة الإنسان وتكامله في هذه الدنيا حتّى يصل إلى كماله الآخر، وأنّه هدف الرسل والأنبياء والأوصياء والأولياء والشهداء..
      إذ العدل يتوسّط كلّ الصفات الأخلاقية في جانب الإفراط والتفريط، وأنّه الصفة التي يقاس إليها جميع ما عداها من الصفات الخُلقية، وهو أُم القضايا في العقل العملي للإنسان بما له من قيمة ذاتية مقابل الظلم، وبالتالي يجب أن يسعى المكلّف كلّ مكلّف، لتحقيق العدل، سواء في نفسه، أو مجتمعه، أو عالمه الدنيوي، مع وعيه أنّه يحتاج في ذلك إلى مرشد وقائد يريه الطريق ويعرّفه وسائله وغاياته، وأنّ هذا المرشد هو المعيار، بما يجسّده من صفة العدل في كلّ شيء، للبشرية في سيرها التكاملي التي خلقت من أجله، وهو القدوة والإمام الذي يحثّنا العقل على البحث عنه ومعرفته لاتّباعه.
      ونجد هذا واضحاً ساطعاً في مسيرة الشيعة الإمامية وتراثهم؛ فعندهم الحسين(عليه السلام) سيّد الشهداء وإمام الأحرار، وهم ينتظرون إمامهم الأخير المهدي(عجّل الله فرجه)، الذي سيطهّر الأرض من الرجس ويحكمها بالقسط والعدل، والحكم بالقسط والعدل أوضح وآكد سمات هذا الإمام المنتظر(عجّل الله فرجه)، والبشارة به تدور حول تحقيق هذا الحلم، بل في الحقيقة تجد أنّ كلّ شيعيّ يعيش بداخله تحقيق هذه الغاية والهدف على الأرض؛ لشدّة ارتباط عقيدة الإمامية بالعدل، وأنّه سوف لا يستطيع أن يحقّقه أحد إلاّ مَن له صفات وسمات خاصّة، والذي نسمّيه الإمام، أو الولي.
      فما ذكرته أيّها الأخ العزيز هو بعينه الذي تنطوي عليه عقيدة الشيعة الإمامية، فليس المهم لو كان النظر من جهة ذاتية قيمة العدل أن يحكم عليّ(عليه السلام) كشخص أو يحكم غيره، فالمهم هو: إحقاق الحقّ بالصلاح والعدل وإبطال الباطل.
      ولكنّا نعتقد أنّ هذا المعنى لا يمكن إحرازه إلاّ بشخص الإنسان المعصوم عن الخطأ، وبعد أن ثبت الدليل عندنا بعصمة عليّ(عليه السلام)، قلنا: هو الحاكم الحقّ الذي ينبغي أن يجلس للحكم بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة، ولا يحقّ لأحد أن يتقدّم عليه في ذلك؛ إذ غيره ليس بمعصوم بالإجماع.
      فروح البحث أيّها الأخ الكريم تكمن هنا.. ونعني بها: البحث عن وجود المعصوم في الأُمّة، فإذا ثبت وجوده، فالعقل والشرع يحكمان بلزوم قيادته وحكمه للمجتمع، ولا ينبغي لأحد أن يتقدّم عليه؛ فتقديم المفضول على الفاضل قبيح.
      فالمهم هو أن يحكم عليّ(عليه السلام) الإمام الذي يحقّق العدل لا عليّ الشخص ابن أبي طالب على تسليمنا بعظمته وسموّه! نعم في الخارج اتّحد الشخص مع الإمام فكان عليّ الإمام(عليه السلام)، ولذا كنّا وما زلنا نصر على إمامته(عليه السلام).
      ودونك في هذه المباحث المهمّة، بأن تدقّق الموضوع من مصادره الأصلية لتنتهي إلى القول الفصل فيه، مع ملاحظة أنّ العصمة أمر باطني لا نستطيع التعرّف عليه إلاّ بالنص والإشارة إليه من الله، فضلاً عمّا لو أردنا الدخول في مبحث الاصطفاء الإلهي، ومن هم المصطفون، ومقام الإمامة الإلهية!
      (ويمكنك أن تطّلع على هذه المباحث في العناوين التي جعلناها للعديد من الأسئلة، كعنوان: (الإمامة)، و(العصمة)).














      السؤال: من شروط الإمامة كون الإمام أفضل الرعية
      من الأدلّة التي تستدلّ بها الشيعة على إمامة عليّ(عليه السلام): احتياج الغير إليه وعدم احتياجه للغير، ويردّ عليهم: بأنّ موسى(عليه السلام) كان نبيّ وقد رجع إلى الخضر(عليه السلام)!
      الجواب:

      تنسب هذه العبارة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ فقد نقل الخوانساري صاحب (الروضات): ((قيل: وسئل أيضاً - أي الفراهيدي -: ما هو الدليل على أنّ عليّاً إمام الكلّ في الكلّ؟ فقال: احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ))(1).
      وهذه العبارة وجه من وجوه مقدّمات الدليل، لا كدليل مستقل، بل قد يكون من مؤيّدات الدليل.
      فنحن نقول: إنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الرعيّة من جميع الجهات، كالنبيّ، خاصّة في العلم، من باب أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: (( أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ )) (يونس:35)، وقد كان عليّ(عليه السلام) هكذا, وفي الواقع التاريخي نرى أنّ الخلفاء احتاجوا إليه، ولم نجد في مورد أنّه احتاج إليهم فيما يتعلّق بشيء من القضايا الدينية والمسائل العلمية.
      فالدليل مكوّن من: كبرى، وهي: أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الرعية. وصغرى، وهي: أنّ عليّاً(عليه السلام) كان الأفضل، فينتج أنّ عليّاً(عليه السلام) هو الإمام. والدليل على الكبرى: ما قدّمنا من قبح تقديم المفضول على الفاضل، وهو عقلي، والآية المباركة السابقة الذكر، وهو سمعي.. والدليل على الصغرى: ما يورده الشيعة كون عليّ(عليه السلام) الأفضل علماً وديناً وزهداً، وشجاعة وتدبيراً، وشرفاً ونسباً، بأدلّة وشواهد كثيرة من الكتاب والسُنّة والسيرة والتاريخ، ومنها ما أشار إليه الفراهيدي من احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ؛ فهو أحد شواهد الأفضلية، وبجمعها مع الكبرى المذكورة ينتج: أنّه إمام الكلّ.
      فيقال: احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ يدلّ على أنّه إمام الكلّ، والكبرى مطوية هنا لبداهتها في العقول.
      وأمّا ما سألتموه عن قصّة الخضر(عليه السلام)، فنقول: إنّ العلم الذي كان يريد أن يتعلّمه موسى(عليه السلام) من الخضر(عليه السلام)، هو في دائرة العلوم التكوينية لا التشريعية، وهذا ممّا لا بأس به بعد أن عرفنا أنّ وظيفة الأنبياء(عليهم السلام) هي وظيفة تشريعية، ورجوع الغير إليهم أوّلاً وبالأصالة رجوع تشريعي لا تكويني. ونحن قولنا: أنّ النبيّ أو الإمام يشترط فيه أن يكون أفضل الرعية، أي: أفضل المبعوث إليهم إذا كان نبيّاً، وأفضل من رعيته إذا كان إماماً، وليس من المعلوم أنّ الخضر(عليه السلام) كان من رعية موسى(عليه السلام) أو من ضمن المبعوث إليهم، وهناك خلاف بين العلماء في أنّ موسى(عليه السلام) هل كان رسولاً لكافة البشر أو بعث لبني إسرائيل خاصّة، كما تشير إليه بعض الآيات.
      وقد ذكر بعض العلماء أنّه يشترط في النبيّ أن يكون أفضل في ما يرجع إلى الدين والدنيا، ولا يدخل بها العلم بالأُمور التكوينية التي هي من اختصاص الملائكة وبعض عباد الله كالخضر(عليه السلام).
      نعم، لو ثبت أنّ الخضر(عليه السلام) كان من رعية موسى(عليه السلام) فالإشكال في محلّه، ولكن لا سبيل إلى إثبات ذلك، بل ظاهر القصّة في القرآن ينفيه.
      ودمتم في رعاية الله
      (1) روضات الجنّات 3: 300 (294) الشيخ البارع الإمام أبو عبد الرحمن خليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي.



      يتبع

      تعليق


      • #4
        السؤال: الإمامة جعل من الله(1)
        نريد توضيح: أنّ الإمامة جعل من الله.
        الجواب:

        إنّ الشيعة الإمامية تعتقد بأنّ: الإمامة - والتي من خصائصها: قيادة الأُمّة الإسلامية - منصب إلهي, وجعل من الله تعالى, وأنّها حقّ من حقوق الله تعالى كالنبوّة.
        فالمولى عزّ وجلّ هو الذي ينصّب من يكون إماماً للناس, وهو الذي يختار هذا الإنسان ويجعله إماماً دون غيره.
        ودليلنا على هذا: آيات قرآنية، منها:
        1- قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
        2- قوله تعالى: (( وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ )) (القصص:5).
        3- قوله تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا )) (الأنبياء:73).
        4- قوله تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ )) (ص:26).
        5- قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) (السجدة:24).
        إذاً، فالإمامة جعل من الله تعالى وعهد لا يناله من اتّصف بالظلم - سواء كان ظالماً لنفسه أو لغيره - ولا من تجبّر، ولا من لا يهدي إلاّ أن يُهدى، ولا الذي لا يصبر، وليس من حقّ الأُمّة أن تختار لها إماماً؛ لقوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36).














        السؤال: الإمامة جعل من الله(2)
        عند أهل السُنّة: لا بدّ من كون وليّ الأمر قرشياً من صلب فهر بن مالك، وعند الشيعة الإمامية لا بدّ من كونه من أبناء فاطمة؛ ألا تعتقدون أنّها عنصرية تتفوّق على أي عنصرية؟ وألا تعتقدون أنّ ذلك يتناقض مع ما تروّجوه من أنّ الدين يدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية؟
        الجواب:

        الذي نعتقد به أنّ إمامة الناس وخلافة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هداية الناس هي جعل من الله تعالى وتنصيب منه؛ لأنّه أعلم بخلقه، فاختار لإمامة الناس أُناساً معصومين مطهّرين مصطفين، وجعلهم من ذرّية نبيّه، كما كان الاصطفاء في ذرّية الأنبياء السابقين؛ قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ )) (آل عمران:33-34)، وهذا الاختيار ليس اعتباطاً أو بسبب النسب والوراثة، وإنّما لوجود كفاءة وعلوّ رتبة يعلمها الله فيهم.
        بينما الذي تدعو له الديمقراطية، هو جعل حاكمية الناس بيد أُناس جهّال، يتلاعب بهم السياسيون، وتأخذهم الأهواء يميناً وشمالاً، ويبيعون مصير أنفسهم بأبخس الأثمان، بل بالوعود الكاذبة.
        فهل المنهج الأوّل من الاختيار الإلهي هو الصحيح للحكم، أم المنهج الآخر من اختيار البشر لأنفسهم؟!













        السؤال: استفادة الإمامة من قوله تعالى (وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)
        قال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
        الشيعة تقول: نزلت في الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، والسُنّة تقول: نزلت في بني إسرائيل؛ وذلك لأن سبقتها الآية: (( وَلَقَد آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِريَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسرَائِيلَ‎ )) (السجدة:23).
        أيّ القولين أصحّ؟ مع الشرح المفصّل.
        الجواب:

        في كتاب تفسير (الأمثل) للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، قال: ((لقد ذكرت الآية هنا شرطين للإمامة, أحدهما: الإيمان واليقين بآيات الله عزّ وجلّ, والثاني: الصبر والاستقامة والصمود. وهذا الأمر ليس مختصّاً ببني إسرائيل, بل هو درس لكلّ الأُمم, ولجميع مسلمي الأمس واليوم والغد بأن يحكّموا أُسس يقينهم, ولا يخافوا من المشاكل التي تعترضهم في طريق التوحيد, وأن يتحلّوا بالصبر والمقاومة ليكونوا أئمّة الخلق وقادة الأُمم ومرشديها في تاريخ العالم))(1).
        وقال الشيخ الوحيد: ((... فما هي الإمامة؟ نستعرض آية من القرآن هي أصل المطلب, ونذكر معناها بالإجمال, وهي: قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )), وفيها أربعة مباحث, أرجو أن تتأمّلوا فيها:
        المبحث الأوّل: (( وَجَعَلنَا مِنهُم )) .. فالإمامة أمر مجعول من الله تعالى, لا من السقيفة! والقرآن يعطي هدايته لجميع الناس بالعبارة وبالإشارة, والعلماء والواعون يفهمون هدايته, ولا ذنب للقرآن إذا لم يهتد به غلاظ القلوب والأذهان! وعندما ندرس أصحاب المستويات العالية من العلماء، نجد أنّهم بعد أن يستكملوا مراحلهم العلمية يعودون إلى مطالعة القرآن، ومطالعة القرآن غير هذه القراءة العادية المعروفة.
        وهذه الآية في مطلق الإمامة وليست في الإمامة المطلقة؛ لأنّها في إمامة عدد من أئمّة بني إسرائيل, ومع ذلك لا يصحّ فيهم جعل البشر, بل لا بدّ فيهم من جعل الله تعالى. وإذا كان هذا حال مطلق الإمامة, فكيف بالإمامة المطلقة بعد خاتم الأنبياء والرسل(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! إنّ إمامة أئمّتنا المعصومين(عليهم السلام)، وإمامة صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه، إمامة مطلقة, وليست مطلق إمامة, والفرق بينهما كبير.
        المبحث الثاني: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً )) .. و(من) هنا للتبعيض؛ فالذين يصلحون لهذا المنصب الإلهي هم: بعض المؤمنين مع الرسل, وليسوا كلّهم.
        المبحث الثالث: في بيان أصل الإمامة.
        المبحث الرابع: في بيان فرع الإمامة. فما هو أصل الإمامة, وما هو فرعها؟
        أمّا أصل الإمامة، فهو: (( لَمَّا صَبَرُوا )).
        وأمّا فرعها، فهو: (( يَهدُونَ بِأَمرِنَا )).
        وهذا هو إعجاز القرآن؛ فإعجاز الفصاحة والبلاغة فيه إعجاز لفظي, ولكن إعجازه لكبار المفكّرين من العلماء أنّه في آية واحدة، بل في جزء من آية, يقدّم العجائب! وهو هنا يوجب على الباحث أن يفهم معنى الصبر أوّلاً, ثمّ يفهم معنى الهداية, ثمّ يفهم معنى الأمر في الآية, ثمّ يفهم معنى الهداية بالأمر..
        أمّا الصبر فهو في اللغة: حبس النفس, وهو مقولة نسبية متفاوتة المراتب, أو مشكّكة بالتعبير المنطقي, وهو الجذر والطريق لوصول الإنسان إلى مستويات عالية من الكمال الإنساني؛ فبالصبر وصل كبار الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) إلى أن تكون عوالم الكون في قبضة يدهم...)).
        وقال أيضاً: ((وإذا تمّ له ذلك, وحبس نفسه عن كلّ عالم المادّة, وما فيه من مال ومقام ولذائذ, فلم يصل إلى درجة الإنسان الكامل أيضا؛ لأنّ قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )), يعني: أنّهم صبروا عن الدنيا وعن البرزخ أيضاً! والبرزخ هنا هو: الصور الخيالية, والصبر عليها يعني: محوها من عالم النفس والروح.
        فإذا تمّ له محو عالم الدنيا وعالم البرزخ, يصل إلى المرحلة الثالثة، وهي: الصبر عن شؤون عالم الآخرة.
        فإذا استطاع أن يصبر على الآخرة بكلّ ما فيها من نعيم, يكون بذلك محا الدنيا والبرزخ والآخرة من روحه, وحينئذٍ يمكنه أن يفرّغ نفسه وروحه لله تعالى دون أن يكون له فيه شريك, ويصل إلى درجة العبد المطلق.. إنّ الله تعالى لا يقبل الشريك, ولا يصحّ أن تكون الدنيا ولا الآخرة شريكاً له في نفس العبد المطلق.
        وما لم يمح الإنسان من نفسه وروحه كلّ الدنيا والبرزخ والآخرة, فلا يستطيع أن يجمع نفسه ويقدّمها لله تعالى.. وكما قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء).(وسائل الشيعة 16: 254 طبعة آل البيت).
        وهذا الكلام لم يقله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لي ولك, بل قاله لأعيان الإنسانية الذين وصلوا إلى هذه المراحل. وعندما يصل الإنسان إلى درجة العبد المطلق يكون كما نقرأ في زيارة الجامعة: (وذلّ كلّ شيء لكم, وأشرقت الأرض بنوركم).(عيون أخبار الرضا 1: 304)..
        كلّ شيء.. كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء في تلك الحضرة ذليل.. وجبرئيل شيء، وميكائيل شيء, والكرسي واللوح والقلم أشياء.. وكلّها ذليلة أمام الإمام الحجّة ابن الحسن صلوات الله عليه! وذلّ كلّ شيء لكم.. لماذا؟ لأنّه صار عبداً مطلقاً.
        وقد قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام): (يا عليّ, من خاف الله عزّ وجلّ خاف منه كلّ شيء, ومن لم يخف الله عزّ وجلّ أخافه الله من كلّ شيء).(من لا يحضره الفقيه 4/357 باب النوادر).
        وهذه العبودية هي التي قالوا عنها: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية)، أي: ربوبية للأشياء بالله تعالى.
        أرأيتم النتيجة التي ينتهي إليها الصبر؟! وكيف يصل الإنسان الذي صبر نفسه في جنب الله تعالى إلى مقام العبد المطلق, ويستحقّ الإمامة المطلقة؟ فماذا نستطيع أن نقول في مقام الإمام صاحب الزمان(عليه السلام)؟ أليس الأفضل أن نصمت ونكتفي بذكر اسمه الشريف فقط؟!...)).
        وقال أيضاً: ((هذا هو الصبر الذي نتجت عنه الإمامة الكبرى, وهو نفسه صبر صاحب الزمان أرواحنا فداه, الذي يرى هذا المشهد كلّ يوم صباحاً ومساءً.. إنّ حياته (عليه السلام) كلّها امتحان, وقد ورد: أنّه يوجد عنده في البيت الذي يسكن فيه قميص جدّه الحسين(عليه السلام) معلّق فوق رأسه وهو يراه, فإذا حان وقت ظهوره يراه قد صار دماً عبيطاً!
        إنّ صبره لا يشبه صبر أحد من الناس, بسبب سعة علمه، ورقّة قلبه، وشفافية مشاعره (عليه السلام)؛ فهو يرى كلّ مظالم العالم وجناياته, وهو يرى مظالم جدّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأجداده الطاهرين(عليهم السلام) أمام عينيه, ولاشكّ أنّه يتجوّل في زيارة مشاهدهم المشرّفة, من بيت الله في مكّة, إلى قبر جدّه المصطفى وأجداده المعصومين في المدينة المنورة, إلى قبر جدّه أمير المؤمنين(عليه السلام) في النجف, إلى قبر جدّه الحسين في كربلاء, إلى بقيّة مشاهد المعصومين(عليهم السلام), وتتجسّد أمام عينيه مظالمهم ومصائبهم! وهو في ذلك يعيش حياته بقلب حيّ وإحساس نابض, يعيش بقداسة روح جدّه أمير المؤمنين(عليه السلام)، الذي لا يتحمّل أن يسلب نملة جلب شعيرة, حتّى لو أُعطي مقابلها الأقانيم السبعة بما تحت أفلاكها.. والذي عنده الموت أهون من أن يرى امرأة مسلمة أو ذمّية تسلب حليّها, ولا يستطيع أن يدافع عنها!
        فأيّ صبر هو صبر الإمام المهدي أرواحنا فداه؟! (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )) (السجدة:24)، هذا هو الصبر المطلق الذي يوصل إلى الإمامة المطلقة!
        فما هو الفرق بين مطلق الإمامة, والإمامة المطلقة؟
        إنّ الإمامة مقولة لها شروط ترتفع درجتها بها حتّى تصل طبقاً لنظام العلّة والمعلول إلى الإمامة المطلقة, وتكون النسبة بينها وبين مطلق الإمامة كنسبة مطلق الوجود إلى الوجود المطلق, ومطلق العلم إلى العلم المطلق, ومطلق القدرة إلى القدرة المطلقة!
        فإذا التفتّم إلى هذه الفروق عرفتم معنى الرحمة المطلقة التي وصف بها الأئمّة(عليهم السلام) في الزيارات والأدعية, فالرحمة المطلقة هي التي وسعت كلّ شيء, ومطلق الرحمة لا تسع كلّ شيء.
        وينبغي هنا أن نعرف أنّ الآية في الأئمّة المختارين من بني إسرائيل, وهؤلاء ليسوا كأئمّتنا(عليهم السلام) أهل الصبر المطلق والإمامة المطلقة. فالإمام المهدي صاحب الزمان أرواحنا فداه, صاحب الإمامة المطلقة وليس مطلق إمام, وهذا يعني: أنّه صاحب العلم المطلق بتعليم الله تعالى, والقدرة المطلقة بإقدار الله تعالى, والرحمة المطلقة بعطاء الله تعالى. فهو كلمة الله التامّة ورحمته الواسعة.. صلوات الله عليه))(2).
        ودمتم في رعاية الله
        (1) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 13: 138 - 139.
        (2) الحقّ المبين في معرفة المعصومين للوحيد الخراساني بقلم الكوراني525ــ 532 الفصل العاشر (34) كيف يستحقّ الإمام مقام الإمامة.



        السؤال: إشكالات حول بعض الآيات والنصوص المتعلقة بالإمامة
        ردّ أهل السُنّة على مسألة الإمامة والنصّ الإلهية بهذا الردّ‎:
        *************************
        ((نقول: كيف يكون منصب إلهي وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا‎ غيري؟!!)(نهج البلاغة ج1 ص181)، بل وقال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم, وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً!!!)(نهج البلاغة ج1 ص182).
        أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: ‎(( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) (البقرة:124).
        فنقول: كيف تفسّرون إذن قوله تعالى: ‎(( وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )) (المائدة:60)، فهل الله تعالى جعل عبادة‎ الطاغوت منصب إلهي؟! أو قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً )) (المائدة:13)، فهل قسوة القلوب أمر ألهي؟! ألا قبح الله الجهل!
        ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: (( سَل بَنِي إِسرَائِيلَ كَم آتَينَاهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ )) (البقرة:211)‎، وقوله: (( وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا )) (الأعراف:175)، فهذا‎ يعني أنّ بني إسرائيل الملعونين إخوة القردة والخنازير أصبحوا أنبياء بمقياسكم العجيب!!
        وإذا كان (الاصطفاء) يعني النبوّة، فكيف يفسّر قوله: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ )) (آل عمران:33)، وبعد ذلك قال‎: (( فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً )) (النساء:54-55)، فهذا يعني أنّ هناك من‎ الأنبياء من آمن ومنهم من صدّ عنه، أي كفر!! ويقول: (( ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ )) (فاطر:32).. وهذه الآيات لو أنزلناها على الأنبياء أو الأئمّة فلاتّضح لنا أنّ منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق؟!! فهل يقول بذلك عاقل؟!)).
        *************************
        ونرجو منكم الردّ راجين من المولى لكم العون والسداد.
        الجواب:

        في جوابنا على قولهم: ((كيف تكون الإمامة منصب إلهي وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا غيري)؟ بل قال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم...)(1))).
        نقول: إنّ هذه الكلمات قالها الإمام عليّ(عليه السلام) بعد مقتل عثمان مباشرة, وفي وقت كانت الفتنة تعصف بالمسلمين من كلّ حدب وصوب, وكان هناك من يتّهمه(عليه السلام) بأنّه ممّن شارك في مقتل عثمان، أو ممّن أعان عليه, لذا كان من الوجيه سياسياً أن يظهر براءته(عليه السلام) من هذه الافتراءات والشبهات التي بدأت تبثّها هذه الدعاية الأموية, وذلك بأن يبيّن للمسلمين أنّه غير راغب بالحكم بما هو حكم وسلطة, وأنّ الشبهات التي تطاله لا أساس لها, وإنّ أدّل دليل على ذلك هو عدم سعيه للوصول إلى الحكم، بل هو في هذا الجانب كأحد المسلمين..
        فكانت كلماته(عليه السلام) هنا مختصّة بمرحلة سياسية خطيرة معروفة، وبخصوص السلطة المدنية الدنيوية، ولا علاقة لها بإثبات الإمامة الإلهية أو نفيها.. بل لك أن تراجع ما قاله الإمام(عليه السلام) في نفس المصدر الذي ينقلون منه هذه المقاطع, ونعني به: (نهج البلاغة), لتطالع النصوص الكثيرة الواردة في إثباته(عليه السلام) لإمامته وأنّها - أي: الإمامة - حقّ له لا يحقّ لأحد منازعته فيه..
        كما في قوله(عليه السلام) من خطبته المعروفة بالشقشقية: (أما والله؛ لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إلَيَّ الطير. فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا. حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده)(2).
        وقوله(عليه السلام): (وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين، هبّ كأنّه بهت لا يدرى ما يجيبني به! اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه)(3).
        وقوله(عليه السلام): (أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا؟!... إنّ الأئمّة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم)(4).
        وغيرها من النصوص لا حاجة بنا إلى سردها كلّها؛ فراجع!
        وأمّا قولهم: ((أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) - إلى قولهم - فهل قسوة القلوب أمر إلهي؟)).
        نقول: إنّ هذا الرادّ بلسان أهل السُنّة لم يقرّر استدلال الشيعة بهذه الآية حتّى يتبيّن لنا طريقة ومقدّمات استدلالهم بها، والمعنى الذي أقاموه للجعل فيها، ولم يبيّن لنا في المقابل أيضاً ما يفهمه أهل السُنّة من الآية ومعنى الجعل فيها، وإنّما أورد نقضاً على شكل تساؤل بآيتين من القرآن، ثمّ اتهمنا بالجهل!
        مع أنّ لفظة الجعل ومشتقاتها الواردة في القرآن لم تأت على معنى واحد في المراد من ماهية الجعل وكيفيته، وإن كان فاعل الجعل واحداً وهو الله سبحانه وتعالى، فإنّ تحديد ذلك يكون من خلال تشخيص ما تعلّق به الجعل (أي: المجعول)، سواء عبر وضوح المراد منه أو بالقرائن الموجودة في النص، من كون المتعلّق (المجعول) أمراً تكوينياً كأعيان الممكنات ومراتبها وعلاقاتها، والسنن الإلهية المنصبّة عليها التي قدّرها الله لها، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً تكوينياً، أو أمراً تشريعياً من غير الأعيان، كالمناصب والألقاب والعناوين الصرفة والتكاليف الشرعية، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً تشريعياً يحتاج إلى نصب وإقرار ووضع وحكم ممّن له حقّ التشريع المطلق وصاحب الولاية المطلقة، وهو المالك الحقّ سبحانه وتعالى.
        وهناك أمرٌ ثالث له جهتان، أحدهما متوقّفة على الأُخرى، فهو من جهة أمرٌ تكويني خاضع للسنن الإلهية المقدّرة على نسق الحكمة والعدل، ومن جهة أُخرى متوقّفة على حصول الجهة الأُولى أمرٌ تشريعي يحتاج إلى نصب وإقرار، فمن الجهة الأُولى يكون جعله تكوينياً، ومن الجهة الثانية يكون جعله تشريعياً، كالمناصب الحقيقية ذات الرتبة الكمالية كالنبوّة والرسالة والإمامة.
        ولعلّنا نستطيع تقريب الأمر من خلال التمثيل بالرتب والمقامات العلمية: إنّ الحصول على شهادة الدكتوراه لا يكون جزافاً من دون الحصول على مستوى علميّاً حقيقياً وبذل الجهد من أجله، ثمّ يترتّب عليه منح الشهادة وإعطاء الرتبة والمقام العلمي، وهذا المنح يحتاج إلى إقرار وحكم من الجهة المانحة للرتبة العلمية.
        والإمامة كقريناتها النبوّة والرسالة في إحدى جهاتها، وهي: المرتبة الوجودية الكمالية الملكوتية، التي يصل إليها الإمام بعد ترقّيه في مدارج الكمال، أمراً تكوينياً مجعولاً من قبل الله سبحانه وتعالى، لا على نحو الاعتباط والجزاف، وإنّما خاضع للسنن الإلهية المهيمنة على نظام الخلقة غير الخارج عن الجود والفضل واللّطف والعدل الإلهي..
        فإنّ الترقّي إلى مرتبة النبوّة فالرسالة فالإمامة يتم على مراحل، لكلّ منها شروطها الوجودية الحقيقية ذات الأثر التكويني المترتّب على تحقّقها في نفس المبعوث نبيّاً، أو المرسل رسولاً، أو المجعول إماماً؛ فانظر إلى قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)!
        فدخالة الصبر واليقين (العلم) واضحة في الحصول على مرتبة الإمامة الهادية في الآية، لا على نحو الجبر كما قد يتوهّم، ولكن بما علمه الله في سابق علمه من استعدادهم وصفاتهم واختيارهم، فاصطفاهم وفضّلهم وجعلهم أئمّة للهدى.
        وقد تقول: إنّ هذه المراتب يحصل عليها العبد بفعله، فكيف ينسب الجعل إلى الله؟
        نقول: إنّ تمكّن العبد من الحصول على هذه المراتب كان بإقدار الله وهدايته وفضله، فصحّ نسبتها إلى الله من هذه الجهة، كما في قوله تعالى: (( وَمَا رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )) (الأنفال:17).
        ثمّ إنّ الإمام بمعناه اللغوي، هو: المقتدى به، سواء في الهداية أو الضلال، فيصدق في مقابل الأئمّة المجعولين للهدى أئمّة للضلال، وهم المقتدى بهم في الضلالة والكفر والغيّ والعصيان، بعد أن تنطبق عليهم أيضاً السنن الإلهية وشروطها ذات الأثر التكويني عند حصولها، حتّى يصلوا إلى مرتبتهم الوجودية السلبية الشيطانية الدنيوية، فيصبحوا أعلاماً للضلالة، لا عن جبر وإكراه، بل بما علمه الله في سابق علمه من صفاتهم وأفعالهم وجبروتهم وعنادهم، قال سبحانه وتعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )) (القصص:41)، فنبّه إلى سُنّة من سننه فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى، إذ قال عزّ من قائل: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ )) (الأنبياء:72)..
        وكلا الجعلين يرجعان في الأصل إلى قدرة الله وتمكينه، ولكن الاختيار بيد العبد، فإذا اختار طريق الهداية وصبر على الابتلاء وتحمّل العلم، كان من المجعولين أئمّة للهداية، وإن اختار طريق الضلال وتمادى في اتّباع هواه، فيتركه الله لنفسه وعماها، فيكون من المجعولين أئمّة للكفر.
        وأمّا جهة الإمامة الأُخرى المترتّبة والمتوقّفة على الجهة الأُولى، فهي: الحصول على مرتبة المطاعية والحاكمية، التي يثبت بها للإمام حقّ الطاعة من قبل الناس، وله التصرّف في أُمورهم وشؤونهم وأنفسهم، وهي مختصّة بإمام الهدى ولا تشمل إمام الكفر؛ إذ لا مطاعية له، كما هو واضح، وهذه الجهة أمر تشريعي يحتاج إلى إقرار ونصب وتفويض ممّن له حقّ التشريع بالأصالة، وهو المالك المطلق سبحانه وتعالى، لمن اختاره لمنصب الإمامة؛ قال تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)، فتكون طاعته في طول طاعة الله وبتفويض منه، ولو نصب العبد نفسه إماماً أو نصبه الناس، كان متعدّياً، وهم معتدين، على حقّ الله المطلق، ومتصرّفين في ما ليس لهم التصرّف فيه من التشريع.
        ومن خلال ما توضّح نحتاج إلى تحديد الجهة والرتبة المقصودة من الإمامة، التي تعلّق بها الجعل الصادر منه الله تعالى، لمعرفة نوع الجعل من كونه تكوينياً أو تشريعياً، وتحديد الجهة المقصودة بالجعل يكون عن طريق القرائن المحتفّة بالنصّ القرآني.
        ومن هنا.. نرجع إلى آية مورد البحث، وهي: قوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، لنرى ما هي جهة الإمامة التي تعلّق بها الجعل في الآية: هل هي جهة التكوين؟ أو جهة التشريع؟
        فإنّ الله سبحانه سمّى الإمامة عهداً عند قوله: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، فبيّن أنّها هنا من العهود، والعهود تحتاج إلى إقرار؛ لأنّها من الأحكام الوضعية، والأحكام كلّها من المجعولات الشرعية، فإذا كانت الإمامة هنا من المجعولات الشرعية، فإنّها تحتاج إلى (جعل) شرعي، أي: تنصيب وتعيين، وهذا التنصيب الشرعي بصريح الآية مختص بالله سبحانه وتعالى؛ فإنّ فاعل (الجعل) هنا هو الله، وقد أُعطي لإبراهيم بعد النبوّة والرسالة؛ لأنّه كان يوحى إليه حينذاك، وجيء باسم الفاعل (جاعل) ليدلّ على الحال أو الاستقبال، لا وقوع الجعل في الماضي الذي ربّما يوهم كون (الجعل) جعلاً تكوينياً.
        وأنت ترى ترتّب جهتي الإمامة التكوينية والتشريعية واضحة في الآيات الخاصّة بجعل إبراهيم(عليه السلام) إماماً؛ قال سبحانه وتعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ )) (البقرة:124)، وهي مبيّنة للجهة التكوينية وشروطها، وقال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي )) ، وهي مبيّنة لترتّب جهة الجعل المولوي التشريعي للإمامة على الجهة التكوينية لها بقرينة قوله: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، التي توضّح أنّ هذا العهد المجعول يختصّ بأهل العصمة.
        ومنها قوله تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ )) (ص:26)، فإنّ الحكم بين الناس الذي هو مظهر الإمامة والولاية قد فرّع بالفاء على جعل داود خليفة، وهو قرينة على أنّ (الجعل) هنا بمعنى: التعيين والتنصيب، والإشارة إلى ترتّب هذا الجعل المولوي على مرتبة الأمر التكويني في الإمامة نجده في قوله تعالى الخاص بأئمّة بني إسرائيل وداود منهم: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)، وكذلك تجد مثل هذا الربط والترتّب في قوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً )) إلى قوله: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّهَا ))(البقرة:30-31).
        ولا تجد مثل هذا الربط والترتّب في آية جعل أئمّة الكفر: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ ))، فلا ذكر للعهد أو الحكم بالعدل أو إيجاب الطاعة هنا، وإنّما الإشارة فقط إلى فعلهم وسمتهم، وهي: الدعوة إلى النار، فالآية مقتصرة فقط على الجعل التكويني من غير جبر، وإنّما بإقدار الله واختيارهم لأنفسهم كسُنّة إلهية فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى.
        ومثل (جعل) أئمّة الكفر، (جعل) عبدة الطاغوت في قوله تعالى: (( وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )) (المائدة:60)، وأمّا جعل القردة والخنازير إذا كان المراد منه: جعل أجسامهم أجسام القردة والخنازير، فهو: جعل تكويني مباشر، وأمّا إذا كان المراد: جعل أرواحهم، فهو: كجعل عبدة الطاغوت، والجعلين - أي: جعل الأجسام أو الأرواح - كان بما كسبت أيديهم لا جبر فيه البتة.
        ومثل الجعل التكويني الصرف كما في قوله تعالى: (( وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً )) (الأنعام:96)، فعليك أن تستوضح المراد من لفظة الجعل الواردة في القرآن كلٌ حسب الآية الواردة فيها؛ فتأمّل!
        وأخيراً نقول: نعم، قبّح الله الجهل، وقبّح من يتعالم بغير علم!!
        وقولهم: ((ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي: النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: (( سَل بَنِي إِسرائيلَ كَم آتَينَاهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ... )) (البقرة:211)...))، إلى آخر ما قالوه.
        نقول: لم يذكروا هنا المصدر الذي يفسّر الإتيان بالنبوّة, وإن ورد ذلك في كتاب ما أو تفسير ما، فهو ناظر إلى متعلّق الإتيان لا الإتيان نفسه.. فهذه من غرائب الإشكالات وطرائفها. والكلام في المراد منه على نسق ما بيّناه في المراد من (الجعل).
        قولهم: ((وإذا كان (الاصطفاء) يعني: النبوّة، فكيف يفسّر قوله: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ )) ...)), إلى آخر المقال.
        نقول: إنّ الاصطفاء على العالمين نوع اختيار وتقديم وتفضيل للمصطفى على العالمين في أمر ما، لا يملكه الآخرين، وهذا الأمر لا بدّ أن يكون فيه ميزة وفضيلة حتّى يفضّل به المصطفى عن غيره.
        والاصطفاء هنا لبعض ذرّية إبراهيم(عليه السلام)؛ لأنّ معنى (الآل) يطلق على من يختص بالإنسان الشريف من أهله وقرابته، والآية عطفت آل عمران على آل إبراهيم، وآل عمران بعض ذرّية إبراهيم، فإخراجهم منهم وتخصيصهم بالذكر والعطف على آل إبراهيم يدلّ على أنّ المراد بعض ذرّية إبراهيم(عليه السلام) لا كلّ ذرّيته(5).
        وأمّا قوله تعالى: (( فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ))، فقد سبقه آيات تبيّن المعنى المراد منه، ولكن المستشكل قطع تلك الآيات عن هذه ليحرّف كلام الله، وقد لعن الله الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه.
        قال تعالى في آيات عديدة تذمّ بني إسرائيل، منها: (( أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُؤمِنُونَ بِالجِبتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ فَإِذاً لاَ يُؤتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً )) (النساء:51-55)، فالضمير (هم) في (( مِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ )) يعود على: الذين أوتوا نصيباً من الكتاب وآمنوا بالجبت والطاغوت، ولعنهم الله، ولم يكن لهم نصيب من الملك، وحسدوا الناس على ما آتاهم.. لا على الأنبياء والأئمّة من آل إبراهيم(عليه السلام)، الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والملك، كما يدّعي هذا المدّعي المحرّف لكلمات الله!
        والملك العظيم المعطى لآل إبراهيم(عليه السلام)، وهم بعض ذرّيته، والذي حسدهم عليه الحاسدون هو الإمامة التي طلبها إبراهيم(عليه السلام) لذرّيته، في قوله تعالى: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
        وأمّا قوله تعالى: (( ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا... )) الآية، فقد فصّلنا الكلام في تفسيرها ضمن عنوان: (القرآن وتفسيره)، فراجع يتّضح لك أن لا نقض فيها على ما قلناه.. وخلاصة القول فيها: أنّ المفسّرين اختلفوا في المراد من (( الَّذِينَ اصطَفَينَا )) في الآية على أقوال كثيرة، واختلفوا في المراد من الضمير (هم) في موارده في الآية على أقوال أكثر، وضرب هذه الاحتمالات مع بعضها يؤدّي إلى أقوال كثيرة جدّاً، لا يصلح للنقض منها إلاّ بعض الأقوال الشاذّة غير الصحيحة عندنا.
        وأيضاً قوله تعالى: (( فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ )), ليس المراد به: أنّ الظالم من المصطفين, بل المراد به: أنّ من الناس من يكون ظالماً لنفسه، ومنهم من هو مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات, ويفسّر العلماء هؤلاء الثلاثة بالكافر والمنافق والمؤمن -على نحو اللف والنشر المرتّب-(6).
        ودمتم في رعاية الله
        (1) نهج البلاغة 1: 181، 182 خطبة (92).
        (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 151 - 162 خطبة (3).
        (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 305 خطبة (173).
        (4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 84 خطبة (144).
        (5) انظر: تفسير الميزان للطباطبائي 3: 144 سورة آل عمران، قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...)).
        (6) انظر: تفسير السمرقندي 3: 100.












        السؤال: معنى قوله تعالى (وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا)
        عرفنا أنّ الإمامة هي منصب يجعله الله ويصطفي فيه أحداً من خلقه، وهو لهداية الناس، كما قال تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا )) (الأنبياء:73).
        في المقابل هناك أئمّة يدعون إلى النار, حيث نرى أنّ الله يقول: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )) (القصص:41), فالجعل في هذه الآية - كما هو ظاهر - من الله, فما المقصود هنا بأنّ الله يجعل أئمّة يدعون إلى النار؟
        الجواب:

        الظاهر أنّ (الجعل) في الآيتين بمعنى: الجعل التكويني في أصل الخلقة, لا بما يلزم منه الجبر، بل ذلك بما علمه الله في سابق علمه من صفات أئمّة الهدى وصفات أئمّة الكفر، فالله علم من أئمّة الهدى عملهم بالخيرات وصبرهم ويقينهم، فجعلهم، أي: اصطفاهم ونصّبهم أئمّة هدى, وعلم من أئمّة الكفر دعوتهم للضلال والنار وظلمهم وجبروتهم، فجعلهم أئمّة الكفر، والكلام هنا في السنن الإلهية، كما قال الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُوراً وَلَو شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرهُم وَمَا يَفتَرُونَ )) (الأنعام :112).
        فالجعل هنا بمعنى الجعل هناك، وكما أشار هنا إلى نفي الجبر، لا يلزم من الجعل هناك الجبر أيضاً, وإنّما كان جعله لهم بما علمه من اختيارهم للهدى أو الضلال..
        فعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: (إنّ الأئمّة في كتاب الله عزّ وجلّ إمامان، قال الله تبارك وتعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا )), لا بأمر الناس، يقدّمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم، قال: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )), يقدّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّ وجلّ)(1).
        وفي رسالة الإمام الصادق(عليه السلام) إلى أصحابه، جاء فيها: (فقد كُذّب نبيّ الله والرسل من قبله وأُوذوا مع التكذيب بالحقّ، فإن سرّكم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل - أصل الخلق - من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الأصل ومن الذين سمّاهم الله في كتابه في قوله: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )), فتدبّروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه...)(2) الرواية.
        فمن هذا يظهر أنّ الإشارة بقوله تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم ))، في الآيتين إلى عالم التكوين، والله أعلم.
        والجعل في هاتين الآيتين يختلف عن (الجعل) في قوله تعالى مخاطباً إبراهيم(عليه السلام): (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)؛ لوجود القرينة في هذه الآية على أنّ المراد بالجعل فيها: الجعل التشريعي، لا التكويني؛ إذ سمّى الله سبحانه وتعالى الإمامة هنا بالعهد، والعهد يحتاج إلى إقرار وتنصيب، ثمّ عبّر في الآية بلفظ (جاعل) على هيئة اسم الفاعل، الدالّ على الحال أو الاستقبال، فكان أخذ عهد الإمامة على إبراهيم بعد النبوّة والرسالة زماناً، لا أنّ الجعل في الآية يدلّ على الجعل السابق في عالم التكوين.. وقد فصّلنا بعض القول في هذه الآية في الجواب عن السؤال السابق؛ فراجع!
        ثمّ إنّ بعضهم قد استدلّ بآية أئمّة الهدى في عالم الإثبات أيضاً على أنّها تدلّ على ثبوت النصّ لأئمّة الهدى من الله, فيمكن الالتزام بأنّ الجعل في آية أئمّة الكفر يدلّ على النصّ عليهم أيضاً، وبما أنّ الوحي والنصّ الإلهي مختصّ وينزل عل أئمّة الهدى، فطريق معرفة النصّ على أئمّة الكفر لا بدّ أن يكون من طريق أئمّة الهدى لا غير؛ لأنّ أئمّة الكفر لا وحى لهم..
        والشواهد على وجود النصّ والتعيين لأشخاص أئمّة الكفر كثيرة في تراثنا الحديثي الصادر عن المعصومين، منها: ما أخبر به النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حذيفة ليلة العقبة(3). ومنها: الرؤيا التي رآها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن تسوّر بني أُميّة لمنبره(4)، والكثير غيرها عن أهل العصمة.
        وأمّا من جانب الحكم الشرعي، فإنّه وإن كان معنى الإمام لغةً هو: ما يُقتدى به، ولكن ليس معنى جعل الله لأئمّة الكفر هو وجوب الاقتداء بهم, بل إنّ التشريع الإلهي أوجب على المكلّفين الاقتداء بأئمّة الهدى وعدم الاقتداء بأئمّة الكفر؛ فلا وجه لدخول الشبهة عن كيفية جعل الله لأئمّة الكفر من جهة توهّم لزوم اتّباعهم؛ فإنّ الاتّباع لازم مأخوذ من المعنى اللغوي للإمام، وليس هو لازم شرعي، بمعنى: الوجوب للمعنى اللغوي؛ فلاحظ!
        ودمتم في رعاية الله
        (1) الكافي 1: 216 كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة في كتاب الله إمامان.
        (2) الكافي 8: 5 رسالة أبي عبد الله(عليه السلام) إلى جماعة الشيعة.
        (3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 5: 24 أحداث سنة (9)، تفسير ابن كثير 2: 387، الدرّ المنثور للسيوطي 3: 259.
        (4) انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 22 خطبة (159)، فتح الباري لابن حجر 8: 302 سورة بني إسرائيل.





        يتبع

        تعليق


        • #5
          السؤال: الإمامة الإلهية وردّ شبهات تتعلّق بجعلها
          وردت شبهة علينا وتحتاج إلى جواب علمي مفصّل حتّى لا يبقى هناك مجال للتشكيك، حيث أنّ المسألة أخذت طابعاً آخر من الأهمية، إذ صار المخالفون يستخدمونها كوسيلة جديدة للتشكيك في أصل المسألة، لذلك التفصيل العلمي الموسّع مطلوب من سماحتكم بخصوص قضية: (الجعل الإلهي للإمامة).
          الشبهة باختصار هي: أنّنا - أي: الشيعة الجعفرية الاثني عشرية، أعزّ الله رايتها بظهور إمام زمانها عجّل الله فرجه الشريف - نقول: بأنّ الإمامة جعل إلهي. ونستدلّ بقوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) (البقرة:124).
          وقوله تعالى: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجرَهُ فِي الدُّنيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )) (العنكبوت:27).
          وقوله تعالى: (( وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحاً وَإِبرَاهِيمَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ فَمِنهُم مُهتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنهُم فَاسِقُونَ )) (الحديد:26).
          وقوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
          وقوله تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ... )) (الأنبياء:73).
          وقوله تعالى: (( وَجَعَلنَا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ )) (المؤمنون:50).
          وقوله تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ )) (ص:26).
          وقوله تعالى: (( وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ )) (القصص:5).
          وقوله تعالى: (( وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَاماً )) (الفرقان:74).
          حيث نؤكّد بذلك أنّ الإمامة هي من اختيار وجعل إلهي لا دخل باختيار الناس وجعلهم خليفة لهم من خلال الشورى أو غيرها من بدعهم، (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلاَ مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً )) (الأحزاب:36).
          ولكن المخالفين أجابونا: بأن لا خصوصية في مسألة الجعل الإلهي؛ إذ لا يمكن أن يُبنى عليه بأنّ الإمامة هي إمامة منصوصة.. ولا تدلّل على أنّ الإمام المجعول هو إمام معصوم أبداً؛ إذ أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل كذلك أئمّة الكفر أيضاً، استناداً إلى قوله تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَومَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ )) (القصص:41) ، فيدلّ أيضاً هذا على أنّ الإمامة ينالها الظالم أيضاً، فهذه الآية تدلّل بأنّ هذه الإمامة الكافرة مجعولة أيضاً من الله عزّ وجلّ، فلا دلالة بعدئذ للقول بأنّ الإمامة لا بدّ وأن تكون من ذرّية إبراهيم والأئمّة كلّهم معصومون؛ إذ أنّ هذه الآية تنفيها وتثبت أنّ الإمامة، وكلّ جعل في القرآن، هي جعل تكويني، فكلّ الأُمور بيد الله عزّ وجلّ ولا تدلّل على النص في مسألة الخلافة، بخلاف مسألة النبوّة حيث هي اختيار إلهي بحت.
          هذا مختصر شبهتهم، وإن كان الكلام أكثر في هذه القضية ولكنّي اختصرتها في هذه الأسطر.
          المرجو منكم أن تفصّلوا تفصيلاً علمياً دقيقاً وواسعاً للجواب على هذه الشبهة من خلال هذه الأسئلة:
          1- ما هي حقيقة وماهية (الجعل الإلهي) في القرآن الكريم؛ إذ تكرّرت كثيراً في آيات عدّة، وفي كلّ آية لها معنى خاصّاً؟
          2- ما هو المائز بين هذه المعاني المختلفة للكلمة وللفظة (الجعل) في القرآن الكريم، حتّى نسدّ الباب على من يُفسّر الكلمة على هواه بحسب رغبته لفهم الآية المعينة؟
          3- ما هو الفرق بين جعل أئمّة الحقّ الذين يهدون بأمر الله، وبين جعل أئمّة الكفر الذين يدعون إلى النار؟
          4- ألا يدلّل جعل أئمّة يدعون إلى النار بأنّ الإمامة ينالها الظالم؟
          5- ما الدليل على أنّ الإمامة المجعولة في ذرّية إبراهيم(عليه السلام) هي في ذرّية إسماعيل(عليه السلام)؛ إذ الآية: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجرَهُ فِي الدُّنيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )) ، والآية: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) تدلّل على أنّ الإمامة كانت في ذرّية إسحاق(عليه السلام)؟
          6 - ما الفرق بين هذه الإمامة وجعلها إلهياً في الآية: (( وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَاماً )) ، وبين الإمامة الإبراهيمية المجعولة إلهياً أيضاً: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124) ؟
          7- ما المراد بالإمامة للكتاب في قوله تعالى: (( وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشرَى لِلمُحسِنِينَ )) (الأحقاف:12)، وقوله تعالى: (( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وَيَتلُوهُ شَاهِدٌ مِنهُ وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً أُولَئِكَ يُؤمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكفُر بِهِ مِنَ الأَحزَابِ فَالنَّارُ مَوعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِريَةٍ مِنهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُونَ )) (هود:17)؟ ما فرق إمامة الكتاب عن الإمامة الإبراهيمية؟
          8 - كيف يكون الجواب على من يقول بأنّ إمام زمانه هو القرآن؛ استناداً إلى هذه الآية: (( وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً )) ، ويدّعي أنّ الإمامة المجعولة في ذرّية إبراهيم قد يكون من مصاديقها، بل على زعمه: القرآن الكريم أعظم مصاديق الإمامة؛ استناداً إلى قوله تعالى: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجرَهُ فِي الدُّنيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )) ، وقوله تعالى: (( وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحاً وَإِبرَاهِيمَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ فَمِنهُم مُهتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنهُم فَاسِقُونَ )) ؟
          ما الدلالة على أنّ الإمامة الإبراهيمية مستمرّة لحدّ الآن، وأنّ حجّة الله بن الحسن العسكري عجّل الله تعالى فرجه الشريف هو حجّة الله وخليفته بالحقّ في الأرض والسماء؟
          نرجو منكم التفصيل والتوسّع في شرح وبيان الأجوبة العلمية على هذه الشبهات، فنحن بحاجة إلى مثل هذه الأجوبة العلمية الرصينة والمفصّلة.
          الجواب:

          لا بدّ من تقديم مقدّمتين حتّى يتسنّى الجواب على هذه الشبهات:
          المقدّمة الأُولى: الشيعة لا يحصرون الإمامة بالإمامة الحقّة؛ إذ معنى الإمام: المقتدى به، فثمّة إمامة لأهل الباطل..
          فقد ورد عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: (إنّ الأئمّة في كتاب الله عزّ وجلّ إمامان؛ قال الله تبارك وتعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا )) لا بأمر الناس، يقدّمون الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم.. وقال: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )) (القصص:41)، يقدّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّ وجلّ)(1).
          وكذلك لا يحصرون الجعل التكويني بأئمّة الحقّ، بل يشمل أئمّة الباطل، ومنه يتبيّن أنّ الجعل التكويني ليس هو العنصر الوحيد المقوّم للإمامة الإلهية التي هي خلافة عن الله تعالى، بل يفتقر الجعل كذلك إلى عنصر آخر، هو: الهداية بأمر الله عزّ وجلّ حسب ما جاء في الآيات، ومن ثمّ ينصب عليها الجعل التشريعي.
          وبعبارة أُخرى: نحن لا نقول: أنّ الجعل التشريعي للإمامة ينصب على مطلق الجعل التكويني المجرّد عن الهداية بأمر الله تعالى، وبه يخرج عن الحدّ جعل أئمّة الضلال. وقد بيّنا هذا مفصّلاً في جواب السؤال السابق، فراجع!
          المقدّمة الثانية: العصمة، التي هي ركن أساسي من أركان الإمامة الحقّة، مترتّبة على الهداية بأمر الله عزّ وجلّ، ولذلك افتقرت الإمامة الإلهية بالإضافة إلى الجعل إلى وجود النص منه تبارك وتعالى، وهو إظهار للجعل التشريعي في عالم الإثبات؛ لأنّ العصمة أمر باطني لا يعلمه إلاّ الله، وغير المعصوم لا يكون مهدياً ولا هادياً بأمر الله عزّ وجلّ.
          والآن نأتي إلى الإجابة عن أسئلتكم:
          1- حقيقة الجعل الإلهي هو الإيجاد، فقد يكون الجعل منه تعالى بما هو جاعل هويات الممكنات والعلاقات بينها، المسمّى بـ(السنن)، فيتمحّض في التكوين، وقد يكون الجعل منه تعالى بما هو شارع الشرائع والأحكام والمناصب بالنظر إلى مصالح العباد ودفع ما فيه فسادهم، فيكون جعلاً تشريعياً.
          2- المائز بين ما يدلّ عليه لفظ الجعل من المعاني يفهم من متعلّق الجعل والقرائن الموجودة في النص القرآني؛ فقد يكون تكوينياً محضاً، كجعل الليل والنهار، وقد يكون تكوينياً بإضافة الهداية، كجعل أئمّة الحقّ، وقد يكون تكوينياً بسلب الهداية، وما يترتّب على ذلك من حصول الدعاوى الباطلة كجعل أئمّة الضلال، وقد يكون تشريعياً، كالنصب لإمام الحقّ. وقد بيّنا ذلك في السؤال السابق؛ فراجع!
          3- قد تبيّن الفرق بينهما، بأنّ جعل أئمّة الحقّ يلزمه الهداية بأمر الله تعالى، وهو مترتّب على الصبر واليقين حسب نص الآية، وجعل أئمّة الباطل والضلال يلزمه الدعوة إلى النار، وهو مترتّب على اختيار الضلال وعدم الهداية بتقديم أمر النفس والأخذ بالأهواء. ثمّ يتميّز أئمّة الهدى بالجعل التشريعي دون أئمّة الكفر، كما أوضحنا سابقاً.
          4- قد تبيّن ممّا سبق أنّ الجعل لأئمّة الكفر جعل تكويني على طبق السُنن الإلهية بما لا يلزم الجبر، وإمامة الضلال هي غير الإمامة الإلهية التي فيها جعل تشريعي إضافة إلى الجعل التكويني المطابق للسُنن الإلهية.
          5- لا دلالة في قوله تعالى من سورة العنكبوت: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ... )) (العنكبوت:27) الآية، على تخصيص النبوّة والكتاب في إسحاق ويعقوب، فإنّ الآية تذكّر بالتفضّل على إبراهيم ووهبه إسحاق ويعقوب بعد الكبر واليأس من الذرّية، ولذا لم تذكر إسماعيل، وحصر الذرّية بإسحاق ويعقوب باطل قطعاً، ثمّ ذكرت الآية التفضّل الثاني، وهو: جعل النبوّة من بعده في ذرّيته، وذرّية إبراهيم تشمل إسماعيل وذرّيته أيضاً. وهناك آيات أُخرى تنصّ على نبوّة إسماعيل، منها: قوله تعالى: (( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَينَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ... )) (البقرة:136)، الآية.
          وأمّا قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)، وقوله تعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ )) (الأنبياء:73)، فهي وإن كانت نازلة في أئمّة بني إسرائيل، ولكنّها لا تحصر الإمامة فيهم دون غيرهم، بل إنّها تذكر صفة الإمامة بصورة عامّة، وهي: الهداية بأمر الله وفعل الخيرات بالوحي، كما تذكر أنّ نيل الإمامة يكون بالصبر واليقين، فهما علّتا الإمامة، وتنصّ الآتيان على أنّ الجعل للإمامة، أي نوع من الجعل كان، هو جعل من الله، وقد ذكر القرآن أنّ الإمامة تكون في ذرّية إبراهيم مطلقاً: (( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة :124).
          6- الإمامة الإبراهيمية هي أصل هذه الإمامة التي عند أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)؛ لأنّ إبراهيم(عليه السلام) سألها لذرّيته (( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ))، فجاء الجواب باستحقاقها لمن لم يكن ظالماً منهم: (( قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، فهي عهد أعطاه الله تعالى لإبراهيم(عليه السلام) بأن سيكون في ذرّيته أئمّة حقّ لا أئمّة باطل، وأئمّة عدل لا أئمّة ظلم.
          فالسؤال في الآية: (( وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَاماً ))، إذا قلنا بأنّها خاصّة بأهل البيت(عليهم السلام) حسب الروايات، سؤال عن جعلهم من أُولئك الأئمّة الذين وعدهم الله إبراهيم(عليه السلام).
          7- وأمّا قوله: (( وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً ))، فقد جاء (إماماً) حال من كتاب موسى في الآيتين، والمعنى: إنّ كتاب موسى يقتدى به ويأتم به في الدين.
          نعم، ذكر بعض المحقّقين أنّه: لا يتبيّن المراد من قوله: (( إِمَاماً وَرَحمَةً )) في الآية الثانية، وهي: قوله تعالى: (( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وَيَتلُوهُ شَاهِدٌ مِنهُ وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحمَةً )) : هل الإمام والرحمة حالان من الشاهد أو من كتاب موسى؟ حتّى قال العلاّمة الطباطبائي: ((وأمر الآية في ما تحتمله مفردات ألفاظها وضمائرها عجيب، فضرب بعضها في بعض يرقى إلى أُلوف من المحتملات، بعضها صحيح وبعضها خلافه))(2)..
          إلاّ أنّ الآية الكريمة بمعونة الأخبار الكثيرة المستفيضة التي جاءت من طريق العامّة والخاصّة تدلّ على أنّ من كان على بيّنة من ربّه هو: رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ الشاهد التالي منه هو عليّ المرتضى(عليه السلام) وأنّه منه، أي: كأنّه بعض من رسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجزء منه، بل أوصياؤه الكرام شهداء منه واحداً بعد واحد.
          فلاحظ كلام الفخر الرازي ونظرائه من العامّة كيف أجرى الله الحقيقة على لسانهم! قال في تفسيره: ((وثالثها - أي: من الأقوال -: أنّ المراد هو: عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، والمعنى أنّه يتلو تلك البيّنة، وقوله: (منه)، أي: هذا الشاهد من محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعض منه. والمراد منه: تشريف هذا الشاهد بأنّه بعض من محمّد(عليه السلام) ))(3).
          وعلى أي حال، فإنّ كون التوراة إماماً - أي: قدوة - لا ينفي الإمامة والقدوة الثابتة لبعض البشر المصطفين من ذرّية إبراهيم، كما في قوله تعالى: (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، وأيّ تنافٍ بين الأمرين حتّى ينفي أحدهما الآخر؟!
          بل كما أنّه يجب الائتمام بالقرآن لأنّه إمام ككتاب موسى، كذلك يجب الائتمام بمن جعلهم الله أئمّة من ذرّية إبراهيم(عليه السلام)، وهذا هو عين مفاد حديث الثقلين؛ قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما...)(4)..
          وقوله تعالى: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَجَعَلنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ... )) دال على بقاء النبوّة والكتاب في ذرّية إبراهيم(عليه السلام)، وأنّ النبوّة فيهم والكتاب عندهم، لا أنّ الكتاب إمام دونهم، بل هم الماسكين بأزمّة الكتاب مهيمنين على ما فيه، حتّى قال تعالى: (( فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ )) (النحل:43)، فدعوى أنّ إمامة الكتاب من مصاديق إمامة ذرّية إبراهيم(عليه السلام) هذر من القول بما لا يفقه!
          8- قد تبيّن من النقطة السابقة.
          وأمّا مسألة استمرار الإمامة الإبراهيمية حتّى الآن، فقد ذكرنا أنّ إبراهيم(عليه السلام) طلبها لذرّيته، قال تعالى: (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي... ))، ولم يردّ عليه القرآن طلبه، وإنّما نفى الإمامة عن الظالمين منهم: (( قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، وقد وردت آية أُخرى، هي: قوله تعالى: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7)، تثبت وجود هادٍ لكلّ قوم إلى يوم القيامة، فلا بدّ من وجود هادٍ لنا في هذا الزمان، ووجود هادٍ لما بعدنا، وهناك روايات كثيرة تذكر: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وقد حصرهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأهل بيته في أحاديث كثيرة، منها: حديث الثقلين المار ذكره.
          وأمّا أنّ الإمام في هذه العصر هو: الحجّة بن الحسن، فيطلب من الروايات المتواترة لفظاً ومعنى، منها ما يثبت وجود إمام من أهل البيت(عليهم السلام) في الجملة قطعاً، كحديث الثقلين المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)؛ فعدم افتراق العترة عن كتاب الله تعالى يستلزم وجود بعضهم في كلّ عصر، وإلاّ لحصل الافتراق..
          ومنها: روايات الأئمّة الاثنى عشر، ومنها: الروايات الكثيرة المتواترة بألسنة مختلفة بأنّ: الأئمّة من ولد الحسين(عليه السلام)، وأنّ: المهدي هو التاسع من ولده، وروايات أُخرى تبشّر بالمهدي خاصّة.
          ودمتم في رعاية الله
          (1) الكافي للكليني 1: 216.
          (2) تفسير الميزان 10: 178 سورة هود.
          (3) التفسير الكبير 17: 200.
          (4) انظر: مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17/ 26/ 59 مسند أبي سعيد الخدري، 4: 367 حديث زيد بن أرقم، صحيح مسلم 7: 123 كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ، سنن الدارمي 2: 432 كتاب فضائل القرآن، فضائل الصحابة للنسائي: 15، 22، المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 109، 148 كتاب معرفة الصحابة، وغيرها.















          السؤال: اعتراض على استدلال الشيعة بآيات تنصيب طالوت
          قال لي أحد المخالفين: إنّ قوله تعالى: (( إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ )) (البقرة:246)، إنّكم الشيعة تقولون: إنّ هذا الملك يمثّل معنى الإمامة في القرآن إلى جنب النبوّة، وهذا واضح من طلب بني إسرائيل من نبيّهم ملكاً، بينما يجب أن نحتجّ عليكم نحن أبناء السُنّة والجماعة بهذه الآية، كون أنّ الطلب كان للقيادة العسكرية والسياسية لمقاتلة جالوت، وهذا يثبت النظرية القائلة بانفصال القيادة السياسية عن الدينية، وممّا يؤيّد ذلك: قوله تعالى، على لسانهم لفظة: (( مَلِكاً ))، فهي أخصّ من الإمامة الإلهية التي تقولون بها.
          الجواب:

          بل هذا الاستدلال أدحض لقولهم؛ فإذا كانت القيادة السياسية والعسكرية - أي: القيادة الدنيوية - تحتاج إلى تنصيب من الله بنصّ القرآن، فما بالهم يعارضونه ويقولون أنّها بالاختيار والشورى؟! فهل هذا إلاّ من رمي كلام الله وراء الظهور؟!
          إنّ في القرآن لحجّة بالغة تسدّ على أهل السُنّة كلّ مخرج، خاصّة قولهم: إنّ القيادة والحكم من شؤون الدنيا، وأنّ الله فوّضها للأُمّة.
          ونحن نقول: الكلّ متّفقون على أنّ الزعامة الدينية هي تنصيب من قبل الله، وهذا مفهوم من خلال قول هذا المخالف، ولا نعتقد أنّ هناك مسلم يناقش في ذلك؛ للنصوص الكثيرة من القرآن والسُنّة على أنّ الله هو الذي يصطفي أولياءه وأنبياءه، ولكنّنا أيضاً ندّعي أنّ الحكم والزعامة الدنيوية شأن من شؤون الإمامة، كما كان ذلك لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وليست هي الإمامة؛ فالإمامة رتبة إلهية يكون الإمام فيها نائباً للرسول وله كلّ وظائفه وهو الصلة بين السماء والأرض، وإذا كان كذلك فلا يوجد أولى منه بالحكم في الدنيا.
          ولكن تنزّلاً على ما يقوله الخصم من عدم الالتزام بذلك، تكون هذه الآية: المعنية أوّل دليل على أنّ الحاكم الحقّ يجب أن يكون منصّباً من الله، وبطريق شرعي.
          ولاحظ! أنّنا نقول: إنّ الحكم شأن من شؤون الإمامة، وفي الآية: أنّ بني إسرائيل طلبوا من نبيّ لهم، ووظيفة النبيّ: الإنذار والتبشير، ولا تثبت له الوظائف الأُخرى إلاّ إذا نال مرتبة الإمامة.
          هذا، والصحيح من استدلال الشيعة بالآية جاء على لسان عليّ(عليه السلام)؛ قال في خطبة له: (اسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزّل على نبيّه المرسل لتتّعظوا؛ فإنّه والله عِظَة لكم، فانتفعوا بمواعظ الله، وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم، فقال لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( أَلَم تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) (البقرة:246-247).
          أيّها الناس! إنّ لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أنّ الله تعالى جعل الخلافة والإمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنّه فضّل طالوت وقدّمه على الجماعة باصطفائه إياه، وزيادته بسطة في العلم والجسم، فهل تجدون الله اصطفى بني أًميّة على بني هاشم، وزاد معاوية علَيَّ بسطة في العلم والجسم؟!)(1).
          والاستدلال واضح: بأنّ الأولى بالملك والإمارة من اصطفاه الله وزاده بسطة في العلم والجسم، كما أنّ الآيات صريحة في أنّ الملك لله: (( وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ ))، لا للناس، وأنّه يصطفي من يشاء لملكه مع ما يعطيه من العلم والقوّة.
          وقال الطوسي في تفسير الآية: ((وقال أصحابنا: فيها دلالة على أنّ من شرط الإمام أن يكون أعلم رعيّته، وأفضلهم في خصال الفضل؛ لأنّ الله تعالى علّل تقديمه عليهم بكونه أعلم وأقوى، فلولا أنّه شرط، وإلاّ لم يكن له معنى))(2).
          نقول: فإذا كان الحكم من شؤون الدنيا على قولكم، فهذا شرط فيها بنصّ القرآن.. وإذا كانت الإمامة بمعناها عندنا، فهذا الشرط أولى فيها.
          ثمّ إنّ الشيعة لا يقولون: إنّ (الإمامة) تساوي (الملك)، حتّى تدّعي علينا مثل ذلك، وإنّما يقولون: إنّ الملك شأن من شؤون الإمامة، وتحقّقه أو عدم تحقّقه لا يؤثر في ثبوت منصب الإمامة أو عدمه، فصلاحيات ورتبة الإمامة أوسع من صلاحيات الملك، وبالتالي فكلّ إمام يدخل من ضمن وظائفه الحكم والملك، وليس كلّ ملك فهو إمام، وبالتالي فما قاله في آخر كلامه من أنّ: الملك أخصّ من الإمامة خطأ، فالأمر بالعكس، فإنّ الإمامة أخصّ من الملك؛ لأنّ مصاديقها أقلّ من مصاديق الملك.
          وأمّا إذا كان المراد من قوله أخصّ: إنّ صلاحيات الملك أقلّ من صلاحيات الإمامة عندكم، فهو وإن كان خلاف الاصطلاح، ولكنّه يدحض قوله؛ لأنّه بهذا يتمّ قول الإمامية بالأولوية.. أي: إذا كان الملك باختيار وتنصيب من الله وهو من المهام الدنيوية وأقلّ صلاحيات، فالتنصيب من الله أولى في الإمامة الإلهية الأوسع صلاحيات.
          ودمتم في رعاية الله
          (1) الإرشاد 1: 262 - 263.
          (2) التبيان 2: 292 ذيل الآية (247) من سورة البقرة.









          السؤال: قوله تعالى (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ) هل ينفي وجوب الإمامة؟
          (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً )) (النساء:165)، هذه الآية هل تعني: أنّ حجّية الرسل كافية للناس؟ فالله يقول فيها: إنّ الإنذار حجّة للناس، ولم يذكر الإمامة، ونفى أن تكون هناك حجّة أُخرى.. فأُريد تفسيرها منكم بإذن الله؟
          الجواب:

          هذا فهم خاطئ للآية أيّها الأخ العزيز، وذلك:
          أوّلاً: إنّ الله تعالى يتكلّم عن إرساله الرسل إلى الناس مبشّرين ومنذرين لهم، لئلا يحتجّ الناس على الله يوم القيامة بأنّه تعالى لم يخبرهم ولم ينبّههم، ولم يعلموا ما يريد تعالى منهم، فقطع تعالى عذرهم واعتذارهم.
          ثانياً: وكذلك فإنّ الله تعالى أتمّ إنذاره للناس بإرساله الرسل إليهم، وجعلهم حجّة بينه وبينهم، وأوجب طاعتهم وتشريعاتهم، فقطع بذلك الطريق على المعاندين بأن يحتجّوا عليه بعدم البيان، وعدم وجود الحجّة الواجب الطاعة، وعدم وجود المنذر.
          ثالثاً: أمّا الأئمّة(عليهم السلام) والأوصياء فهم هداة مهديون، وخلفاء راشدون، تتفرّع حجّيتهم عن أوامر الرسل للناس بطاعتهم، حافظين لحجّتهم، فهم امتداد لتلك الحجّة الرسالية لتستمرّ الحجّية، وإلاّ انقطعت الحجج الإلهية بانقطاع الرسل، كما هو حالنا بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فنحن لم نر ولم يأت لنا رسول، ولم يرسل الله حجّته إلينا، فهل يستطيع أحد بأن يدّعي عدم إقامة الحجّة علينا لعدم إرسال الرسل إلينا؟!
          أم أن كلّ مسلم عاقل يجب أن يقول: بأنّ الآية لا تنفي وجود حجج الله تعالى على خلقه، ولا تتكلّم عن هذا أصلاً، وإنّما هي تثبت أنّ الله تعالى أقام حججه من الرسل على الناس لينذرهم يوم الحساب والمعاد، حتّى لا يقول قائل ولا يحتجّ مقصّر بأنّه لم يُنذَر، ولم يسمع شيئاً عن الله تعالى ووجوب طاعته.. وهذا شيء، وما جاء به الرسل وما أمروا به وأوصوا بالتزامه وحجّيته شيء آخر.
          وبعبارة أُخرى: الآية تتكلّم عن إرسال الله تعالى الرسل للناس مبشّرين ومنذرين، فلا يقبل يوم القيامة اعتذار أحد بأنّه لم يسمع برسل الله ووجوب الإيمان به وطاعته وعبادته، فلا توجد حجّة لأحد من الناس على الله بعد إرسال الله تعالى الرسل لينذروهم ويبلّغوهم ويقطعوا عذرهم واعتذارهم بالجهل والغفلة، كما ذكر تعالى ذلك بقوله: (( أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ * أو تَقُولُوا إِنَّمَا أَشرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعدِهِم أَفَتُهلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبطِلُونَ )) (الأعراف:172-173), وبالتالي فالرسل سوف ينذرون الناس بعقيدة وشريعة، ويوجبون عليهم التسليم والطاعة والقبول، وقولهم حجّة على الناس لا يمكن رفضه أو التشكيك به أو التردّد فيه، فيجب قبول كلّ ما يأتي به الرسول وما يأمر به، ومنه: إقامته الحجج على الناس بعده، وهم: الأوصياء، وهؤلاء ليسوا حججاً مستقلّين في عرض الرسل حتّى يقال أنّ الآية تنفي هذا النوع من الرسل، وإنّما هم امتداد لحجّة الرسل.
          رابعاً: وإقامة الرسول للدين وللشريعة والأركان والواجبات للناس يجب قبوله بداهة وبالاتّفاق، والإمامة والأئمّة والأوصياء والخلفاء هم من الدين ومن الشريعة ومن الأركان ومن الواجبات، فكيف يُنفى ذلك؟!
          خامساً: ومن ينكر أو يستغرب ذلك نقرّب له الفكرة، فنقول:
          أ - هل القرآن الكريم حجّة عندك أم لا؟
          ب - هل السُنّة النبوية حجّة عندك أم لا؟
          ج - هل الإجماع حجّة عندك أم لا؟
          د - هل القياس حجّة عندك أم لا؟
          هـ - هل الصحابة الذين أرسلهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للأُمّم والشعوب والناس حجّة عندك أم لا؟
          و - هل الأنبياء حجّة عندك أم لا؟
          ز - هل العقل حجّة من حجج الله أم لا؟
          ح - هل آيات الله التي في الآفاق وفي الأنفس حجج أم لا؟
          ط - هل الأدلّة والبراهين حجج عندك أم لا؟
          فإذا أجاب عن هذه الأُمور كلّها أو بعضها بأنّها حجّة.
          فيكون هذا اعتراف بوجود حجج أُخرى غير الرسل، وهي لا تنفي حجّية الرسل، بل هي على امتدادها، فيثبت المطلوب، ويرد إشكالكم عليكم.
          ولذلك نقول: بأنّ الآية لا تنفي أبداً وجود حجج أُخرى على الناس غير الرسل، وإنّما تنفي أن يكون للناس على الله حجّة بعدم إقامته للحجّة؛ فحجّة الله تعالى قائمة على خلقه بعد إرسال الرسل لا بالرسل فقط، وإنّما بما جاء به الرسل أيضاً.
          سادساً: إنّ حجّية الإمام ووظيفته ليست النذارة المباشرة عن الله تعالى، وإنّما هو حافظ للشريعة وقائداً وهادياً للناس قال تعالى: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7).
          سابعاً: ونختم كلامنا وفهمنا هذا للآية الكريمة بذكر قول من يقول به من علماء أهل السُنّة:
          أ - قال الإيجي في (المواقف): (( (( مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )) بوعده بنعيمه المقيم ووعيده بنار الجحيم، فأقام بهم على المكلّفين الحجّة، وأوضح المحجّة، فانقطعت بذلك أعذارهم بالكلية قال الله تعالى: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )) ))(1).
          ب - وقال الطبري في تفسيره (جامع البيان): (( (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ))، يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشّرين ومنذرين لئلا يحتجّ من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضلّ عن سبيلي، بأن يقول، إن أردت عقابه: (( لَولاَ أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبلِ أَن نَذِلَّ وَنَخزَى )) (طه:134)، فقطع حجّة كلّ مبطل ألحد في توحيده، وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذاراً منه بذلك إليهم؛ لتكون للهّ الحجّة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه))(2).
          ونقل بسنده عن الربيع بن أنس، قال: ((نفذ علمه فيهم أيّهم المطيع من العاصي، حيث خلقهم في زمان آدم... وقال في ذلك: (( وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ )) (الأنعام:28), وفي ذلك قال: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً )) (الإسراء:15), وفي ذلك قال: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ))، ولا حجّة لأحد على الله))(3).
          ج - وقال الواحدي في تفسيره: (( (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )), فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولاً يعلّمنا دينك، فبعثنا الرسل قطعاً لعذرهم))(4).
          د - وقال السمعاني في تفسيره: ((قوله تعالى: (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )), أي: أرسلنا رسلاً (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )), وهذا دليل على أنّ الله تعالى لا يعذّب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً )), وقال تعالى: (( وَلَو أَنَّا أَهلَكنَاهُم بِعَذَابٍ مِن قَبلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَولاَ أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبلِ أَن نَذِلَّ وَنَخزَى )) ))(5).
          هـ - وقال البغوي عن هذه الآية في تفسيره: ((فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً، وما أنزلت إلينا كتاباً، وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرسول، قال الله تعالى: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً )) ))(6).
          و - وقال ابن الجوزي في (زاد المسير): ((قوله تعالى: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )), أي: لئلاّ يحتجّوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأنّ هذه الأشياء إنّما تجب بالرسل))(7).
          ز - وقال القرطبي في تفسيره: ((فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً، وما أنزلت علينا كتاباً، وفي التنزيل: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً )), وقوله تعالى: (( وَلَو أَنَّا أَهلَكنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَولاَ أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ )) ))(8).
          ح - وقال القرطبي أيضاً: ((قوله تعالى: (( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ )) (فاطر:9)، وقرئ: (وجاءتكم النذر)، واختلف فيه؛ فقيل: القرآن، وقيل: الرسول، قاله زيد بن علي وابن زيد، وقال ابن عبّاس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفرّاء والطبري: هو الشيب، وقيل: النذير: الحمّى، وقيل: موت الأهل والأقارب، وقيل: كمال العقل، والنذير بمعنى: الإنذار)).
          وبعد أن بيّن أن أكثر هذه النذر نذر للموت، قال: ((وأمّا كمال العقل فبه تعرف حقائق الأُمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب في ما عند ربّه، فهو نذير. وأمّا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبعثه الله بشيراً ونذيراً إلى عباده قطعاً لحججهم؛ قال الله تعالى: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )), وقال: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً )) ))(9).
          فلا يمكن بعد كلّ ما قدّمناه أن يقول قائل ما تفضلت أنت به، حيث قلت: هل تعني أنّ حجّية الرسل كافية للناس؟ فالله يقول فيها أنّ الإنذار حجّة للناس، ولم يذكر الإمامة، ونفى أن تكون هناك حجّة أُخرى؟!
          وأنت تريد منّا تفسيرها، ونحن ذكرنا لك تفسير علماء السُنّة المعتبرين أنفسهم، ولم يقل واحد منهم بمثل ما ذكرته أنت أبداً! فالآية الكريمة تثبت النذارة للنبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا تنفيها عن غيره، فهي تقول: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ))، ولا تقول: لئلا يكون لله على الناس حجّة بعد الرسل، ولم تتكلّم عن الإمام والإمامة إلاّ في ضمن حجّية ما جاء به الرسل، بل قال تعالى عن الإمام في آية أُخرى: أنّه هادي، حين قال لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )), فلم يسمّ الإمام: منذر، أو: نذيراً، بل إنّ الإمام هادي وقائد ومعلّم للأُمّة وحافظ للشريعة، وامتداد متفرّع عن حجج الله رسله الكرام(عليهم السلام).
          ودمتم في رعاية الله
          (1) شرح المواقف 1: 13 شرح مقدّمة المصنّف.
          (2) جامع البيان 6: 41.
          (3) جامع البيان 9: 15،16 قوله تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ)).
          (4) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير الواحدي) 1: 302 قوله تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ)).
          (5) تفسير السمعاني 1: 503 قوله تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)).
          (6) معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي) 1: 500 قوله تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ)).
          (7) زاد المسير 2: 223 قوله تعالى: ((لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ)).
          (8) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 6: 18 قوله تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)).
          (9) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) 14: 353، 354 سورة فاطر قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم نَارُ جَهَنَّمَ)).




          يتبع

          تعليق


          • #6
            السؤال: قوله تعالى (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ) وإثبات وجود الإمام المعصوم
            الآية تقول: (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )) (النساء:165)، سؤالي: أين حجّية الأئمّة في الآية؟
            الجواب:

            قال العلاّمة الحلّي(قدّس سرّه) في كتابه (الألفين) في بحث عصمة الإمام: ((قوله تعالى: (( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ ))، المراد منه: أن لا يكون لأحد - من - الناس شيء من وجوه الحجج.. نعم، في الناس - أي: من جميع الناس - وهو ظاهر، وفي الحجّة - أي: أيّ حجّة - لأنّها نكرة في معرض النفي، وإنّما يتم ذلك - أي: عدم وجود حجّة لهم - في حقّ من يأتي بعد عصر الرسول مع عصمة ناقل الشرع، وقائم مقام الرسول في جميع ما يراد منه سوى النبوّة، ولا يتحقّق ذلك - أي: انتفاء الحجّة - إلاّ مع عصمة الإمام؛ فيجب عصمة الإمام.
            لا يقال: نفى الحجّة بعد مجيء الرسول - أي: مطلقاً - فلا يتوقّف على إمام معصوم - أي: سواء كان هناك معصوم أو لا - وإلاّ لزم التناقض؛ لأنّه لو لم يكن إمام معصوم يثبت - تثبت - الحجّة بقولكم، لكنّها منفية بالآية - مطلقاً - والزمان واحد، فشرائط التناقض متحقّقة؟
            لأنّا نقول: الإمام المعصوم لازم بإرشاد - أي: تعيين - الرسول؛ للوجه المذكور - وهو: أن يكون للناس حجّة - وذكر الملزوم - أي: مجيء الرسول - ووجه الملازمة - هي: لئلا يكون للناس حجّة - كافٍ - عن ذكر اللازم، وهو: لا بدّية وجود المعصوم بعد الرسول - لأنّ قوله تعالى: (( بَعدَ الرُّسُلِ ))، - إمّا - هو قوله بعد الإمام المعصوم - أي: أن يشمل الإمام المعصوم - أو ملزومه - أي: أو أنّ بعد الرسل ملزوم للإمام المعصوم - و - ذلك - لأنّه ليس المراد: بعد مجيء الرسول، بمجرّده، بل المراد: بعد الرسول وإتيانه بجميع الشريعة وتقريرها وإظهارها وجميع ما يتوقّف إيصالها عليه والعلم بها والعمل، ورأس ذلك وأهمّه: الإمام المعصوم؛ لأنّه هو المؤدّي للشريعة وبه يعلم، ولا تناقض؛ لاستحالة مجيء الرسول ووفاته وخلوّ الزمان من إمام معصوم وإلاّ لثبتت الحجّة))(1).
            ودمتم في رعاية الله
            (1) الألفين: 78 المبحث السابع: في عصمة الإمام: الرابع والعشرون.









            : أدلة الإمامة من القرآن الكريم
            إذا قلنا بأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين، فهذا يعني أنّها من الأُسس والمرتكزات التي يُبنى عليها الدين الإسلامي‎.
            وبما أنّ القرآن الكريم الكتاب المقدّس عند المسلمين، وفيه الأحكام المجملة والأساسية في الدين، كالإيمان بالله تعالى والنبوّة الخاتمة وذكر لبعض قصص الأنبياء السابقين(عليهم السلام)... فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم، قياساً على وضوح التوحيد في قوله تعالى: (( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ )) (البقرة:255)، ووضوح النبوّة بشكل لا يحتاج لدليل معه في قوله تعالى بنص‎ّ الآية الصريحة: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ... )) (الفتح:29).
            وعندما نقول: إنّ الإمامة يجب أن تكون واضحة أو موجودة في القرآن الكريم بهذه الصورة، فهذا يبطل الاستدلال بالآيات المعتادة مثل: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ... )) (البقرة:124)، و(( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ... )) (الأحزاب:33)، وغيرها من الآيات المتعارف‎ عليها..
            وكذلك فإنّ الإمامة عندما تكون أصلاً من أُصول الدين، ويفترض حينها أن تكون واضحة في القرآن الكريم، كما اتّضح، فهذا أيضاً يبطل الاستدلال بالروايات، وإن كانت متّفق عليها وصحيحة ومفسّرة لنزول الآيات بنصّ صريح وواضح..
            فإنّ عدم وجود الإمامة بهذا الشكل في القرآن، يعني: أنّها من القضايا الجزئية غير المهمّة، حيث تمّ بيان بعض أحكام فروع الدين، كالصوم والصلاة (ولو إجمالاً)، وتمّ ترك توضيح الإمامة.
            فنرجو منكم التكرّم بالجواب ولو بعدّة طرق مختلفة ومعمّقة ومعقدة لا يفهمها إلاّ أهل العلم.
            الجواب:

            إنّ كلّ نتاج فكري يقدّم على أنّه علمي، سواء كان دليلاً أو إشكالاً أو إجابة حلّية أو نقضية، لا بدّ وأن يبنى على مقدّمات ثابتة معروفة محدّدة، وخاصّة المصطلحات المستخدمة في الأدلّة، وخاصّة إذا كانت هي الحدّ الوسط من القياس البرهاني، وإلاّ كان الناتج مغالطة لا برهان؛ لاختلاط المراد من المصطلحات وضبابيتها، فلا نفع في الأساليب الخطابية التي تستخدم فيها المفاهيم العامّة غير المحدّدة وغير الدقيقة.
            نقول هذا.. لتوضيح أنّ دعوى الوضوح أو المطالبة بالوضوح من القرآن في هذا الإشكال، أو النقض الدائر على الألسن كثيراً، خصوصاً من الوهابية، لم يحدّد المراد منها بدقّة علمية، وهي لحدّ الآن غير محدّدة اصطلاحاً، ولذا يكون ادّعاء الوضوح وعدم الوضوح والإصرار عليها سهلاً من الطرفين، وجهات الإبهام في المراد من الوضوح كثيرة جدّاً، أهمّها: عدم وجود معايير ثابتة محدّدة يقاس عليها هذا الوضوح المدّعى، أو المطالب به، وما هو مرتكزة العلمي، وهل المراد الوضوح في الألفاظ أو في المداليل، وغير ذلك من جهات الإبهام لا يسع المجال لإيراد أمثلة لها، وتعتمد على فهم السائل المطّلع على إفراز بعضها.
            وعلى كلّ حال، فلنا أن نوضّح ما نريد قوله بسؤال ابتدائي مختصر بـ: ما هو هذا الوضوح المراد، أو: ما معنى الوضوح المدّعى؟
            ولو فرضنا أنّه تمت الإجابة على هذا التساءل البسيط، فإنّه مع ذلك لا يكفي؛ إذ لا بدّ من تحديد المقتضيات العقلية للمطالبة بهذا الوضوح في هذا المورد أو ذاك من القرآن، ولا يكفي إيراد مقدّمات فرضية مدّعاة غير مبرهنة، أو استخدام طريقة التمثيل والقياس على النبوّة والتوحيد للاستدلال على لا بدّية الوضوح في الإمامة أو غيرها، وأنّه يتّسق مع المنهج القرآني، أو الغاية من نزوله؛ فإنّه كتاب هداية لا كتاب تفاصيل ومشتهيات.
            فمثلاً، قلت: ((فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم)).
            ولنا أن نجيب بالقول: بأنّه من قال بصحّة هذا الافتراض؟! إذ لا بدّ من إثباته عن طريق مقدّمات لا تصمد أمام المناقشة، أو على الأقل نريد أن نقول: أنّه لا بدّ من إثبات هكذا فرضيات شرعاً وعقلاً أوّلاً، ثمّ يأتي دور التطبيق على الإمامة.
            ثمّ إنّنا قد ندّعي وجود مستوى معيّن من الاستدلال على الإمامة في القرآن، وندّعي وضوحه وكفايته لإقامة الحجّة، ولكن المقابل يطالب بمستوى آخر من الاستدلال، فينصبّ على خصوصية معيّنة، ويطالب بدرجة من الوضوح فيه حسب ما يراه ويدّعي لزومه لإثبات الحجّية عنده، وهكذا كلّما أراد التهرّب من ما نقيمه من أدلّة، فلا يخرج الأمر عنده عن دعوى بغير دليل، ودفعاً بالصدور.
            ثمّ إنّه لا يخفى عليك اختلاف المورد المطالب فيه بالوضوح من القرآن، فمرّة يراد وضوح الألفاظ على أصل الإمامة، فإذا أوردنا الآيات، كانت المطالبة بالوضوح في لوازمها كالعصمة! فإذا أقمنا الحجّة بالآيات أيضاً، انتقلت المطالبة على الوضوح أو التصريح بأسماء الأئمّة(عليهم السلام) إلى المهدي(عجّل الله فرجه)! هكذا تتصاعد مدّعيات الوضوح مرحلة بعد مرحلة، مع أنّه لا يوجد أي دليل شرعي أو عقلي لهذه المطالبة بالوضوح من القرآن بمعزل عن السُنّة!!
            ونريد أن ننبّهك على وجود خلط في المطالب به، فمرّة يراد دليل واضح على الإمامة من القرآن، ويقاس ذلك على التوحيد والنبوّة، كما فعلت أنت، ولكن غاب عنك أنّ الاستدلال على التوحيد والنبوّة لا يتم من القرآن؛ لأنّه يلزم الدور! وإنّما قامت الأدلّة الفطرية العقلية على وجود وتوحيد الله، وقامت المعجزة مثلاً على إثبات نبوّة نبيّنا، فإذا قامت الأدلّة على الإمامة أيضاً، فلا يسعنا إلاّ الإيمان بها.
            وينحصر السؤال الفرضي عند ذاك بأنّه: لماذا لم تذكر الإمامة في القرآن؟ وأدنى جواب له يمكن أن يقال بعد أن ثبتت الإمامة بأدلّتها الأُخر، أنّه: العلم عند الله، لو سلّمنا بعدم ذكرها، ولا يكون لازم عدم ذكرها الفرضي عدم وجود أدلّة أُخر عليها، أو عدم وجوب الاعتقاد بها.
            ثمّ إنّا لا نعرف لماذا أنّ المطالبة بالوضوح يبطل الاستدلال بآية: جعل إبراهيم إماماً؟! أو آية التطهير؟! إلاّ إذا كان الوضوح المطالب به مزاجي وحسب تشهّي المدّعي!!
            فإنّ آية جعل إبراهيم(عليه السلام) واضحة في الدلالة على أصل الإمامة، وأنّها بجعل من الله، وأنّها عهد لا يناله الظالمين؛ وكذلك دلالة آية التطهير على إذهاب الرجس وإثبات التطهير مطلقاً، وهو معنى: العصمة.
            ولا يصحّ النقض هنا بوجود اعتراضات وشبهات على الاستدلال باللآيتين، لأنّ الشبهات والأوهام لا تخرجهما من الوضوح، كما أنّ المغالطة بالدليل لا تخرجه عن الدليلية، وإنكار البديهي لا يخرجه عن بداهته!
            وأخيراً؛ فلنا أن نجيب على الاعتراض، بردّه مباشرةً، فنقول:
            لقد وردت الإمامة في القرآن الكريم بشكل واضح وصريح, ولكن محنة التأويل والمعاندة ولَيّ النصوص إلى غير وجهتها التي قادها المناوئون لهذا الخط - أي: خط الإمامة - هو الذي أوقع البعض في هذه الضبابية في فهم النصوص القرآنية الواردة بهذا الشأن..
            وإلاّ فالعربي السليم الذهن، الخالي من الشبهات والموروث القبلي والاجتماعي تجاه هذه المسألة، لو قرأ آية الولاية، وهي: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55), لفهم منها على الفور معنى القيادة والإمرة وإدارة شؤون الأُمّة؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر من معاني الولاية هنا سوى معنى: ولاية الأمر, ولا يمكن أن نتصوّر فيها معنى المحبّة أو النصرة؛ لعدم انحصار هذين المعنيين بالمذكورين في هذه الآية فقط, أي: الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام), بل آية الولاية التي يراد بها المحبّة والنصرة هي: قوله تعالى: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ )) (التوبة:71), وإنّما الآية (55) من سورة المائدة فهي تفسّر - لمحلّ (( إِنَّمَا )) - بـ(ولاية الأمر).. وقد أجمع المفسّرون على نزول هذه الآية بحقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) عند تصدّقه بالخاتم أثناء الركوع.
            وأيضاً يكفيك أن تراجع قوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59), وما ذكره الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة, وأنّ المراد منها: المعصومون(1).
            فإذا قلنا بوجود المعصومين في الأُمّة، وهم: الأئمّة الطاهرون(عليهم السلام), إذ لم يدّعِ أحد غيرهم العصمة بالإجماع, ثبت المطلوب, وإن قلنا بعدم وجود المعصوم، فهذا يعني التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال باطل..
            وهذا شيء يسير ممّا جاء في القرآن الكريم في شأن الإمامة وهناك المزيد.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) تفسير الرازي 10: 144 ذيل الآية (55) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.

            تعليق على الجواب (1)
            لكن هذا ليس رأي الرازي؟
            نرجو التوضيح.

            ذكر الرازي في تفسيره للآية: أنّ الله تعالى أمر بطاعة (أُولي الأمر) على سبيل الجزم والقطع، ومن أمر الله بطاعته كذلك لا بدّ أن يكون معصوماً.
            نعم، هو قال بعد ذلك أنّ طاعة أُولي الأمر مشروطة بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم.
            ثمّ قال: ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم. ثمّ استند من خلال هذه الحالة: أنّه ليس المراد بالمعصوم بعض من أبعاض الأُمّة، بل: إجماع الأُمّة.
            ونحن نقبل منه أنّ يكون (أُولي الأمر) كما قال، ولكن لا نقبل منه أنّنا غير عارفين بهم! بل نقول: إنّنا نعرف المعصومين، وهم: الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، الذين أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) باتّباعهم(1).
            ودمتم في رعاية الله
            (1) انظر: تفسير الرازي 10: 144 ذيل الآية (55) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.


            هل من آيات أُخرى للاستدلال على الإمامة؟
            الجواب:

            بالإضافة إلى الآيتين اللّتين ذكرناهما، هناك آيات آُخر سنقتصر على إيرادها دون وجه الاستدلال بها:
            1- آية: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ )) (المائدة:67).
            2- آية: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33).
            3- آية: (( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23).
            4- آية: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ )) (البقرة:207).
            5- آية: (( فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ )) (آل عمران:61).
            6- آية: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ )) (البقرة:37).
            7- آية: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي )) (البقرة:124).
            8- آية: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّاً )) (مريم:96).
            9- آية: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7).
            10- آية: (( وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسؤُولُونَ )) (الصافات:24).
            وآيات أُخُر كثيرة غير ما ذكرنا هنا، تستطيع أن تراجعها مع وجه الاستدلال فيها في كتاب (دلائل الصدق) للشيخ المظفّر.















            السؤال: دعوى تناقض أهمية الإمامة مع عدم ذكرها صريحاً في القرآن
            إذا كانت الولاية على قدر كبير من الأهمية بحيث أنّها تدخل في العقيدة، ولا يتمّ الدين إلاّ بها، فأين إثبات ذلك من القرآن الكريم صراحة بدون تأويل، كما تمّ ذكر أشياء صراحة بالقرآن، وهي أقلّ أهمّية بكثير من الولاية.
            الجواب:

            لا يقاس الأمر بهذا القياس، ولا يمكن أن يقول مسلم يؤمن إيماناً صحيحاً بهذا القول، إذ الكثير من الأُمور قد ذكرت في القرآن الكريم بصورة مجملة غير مفصّلة، وكثير من الأُمور المباحة أو المستحبّة أو المكروهة قد ذكرت في القرآن دون ذكر بعض الأُمور الواجبة أو المحرّمة، ولذلك أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز أن نطيع الرسول كما نطيع الله، وأن نأتمر بما يأمرنا به الرسول الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وننتهي عمّا نهانا عنه، إذ قال تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )) (النساء:59)، وقال: (( قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ )) (آل عمران:31)، وقال عزّ وجلّ: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا )) (الحشر:7).
            ثمّ إنّه ليس كلّ أمر يجب أن يكون مفصّلاً أو واضحاً في القرآن لا يمكن تأويله أو طلب البيان والإيضاح له! فقد أوكل الله تعالى بيان القرآن الكريم للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ قال: (( وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ )) (النحل:44).
            والإمامة ذكرت صريحاً في القرآن الكريم وترك تفصيلها وتعيين أشخاصها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ قال تعالى: (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، وقال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55)، نزلت في عليّ(عليه السلام) وأكّد ذلك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) صراحةً.
            ثمّ إنّ اعتقاد السُنّة بأحد أُصول الدين، وهو أصل: (إنّ القدر خيره وشرّه من الله) لم يذكر بوضوح في القرآن، لا من ضمن آية الإيمان: (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ )) (البقرة:285)، ولا في غيرها. وهو أصل من أُصول أهل السُنّة!
            وكذلك مسألة خلق القرآن أو عدم خلقه، التي كانت معياراً للكفر عندهم، لا توجد واضحة في القرآن، بل وصف القرآن بأنّه (مُحدَثٍ) في القرآن، ومحدَث تعني: مخلوق!
            وكذلك عذاب القبر لم يذكر واضحاً صريحاً في القرآن! وكذلك الحوض، وعدالة الصحابة التي يدّعيها السُنّة! ومثلها مسألة أفعال العباد، التي هي ركن من أركان عقيدة أهل السُنّة... وغيرها كثير.
            ومن هنا يظهر أنّ المطالبة بآية صريحة لا تقبل التأويل، أو ذكر اسم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) في القرآن، ليس لها موضوعية، وغير منطقية، مع وضوح الرفض لذلك من أكثر المسلمين في زمن التشريع، وخصوصاً في أواخر عهد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتردّد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تبليغه للناس في حجّة الوداع حتّى وصوله إلى غدير خمّ بعد الحجّ، ونزول التحذير الشديد للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتطمين له(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعصمته من الناس؛ إذ أنزل الله تعالى على رسوله الأعظم قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )) (المائدة:67)..
            ثمّ نزلت آية إكمال الدين هذه كان بعد تبليغ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولاية عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام).
            فهل يوجد شيء أوضح من هذه الآيات؟!!












            السؤال: آيات صريحة في الإمامة
            أرجو الردّ على هذه الشبهة التي ذكرها أحد البكريين في إحدى المنتديات:
            *************************
            (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ )) (المائدة:67).
            الآية تأمر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتبليغ ما نزل، أو بمعنى كلّ ما أنزل، ولنذكر الأركان الخمس:
            1- شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله؛ قال تعالى: (( لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ )) (البقرة:255), وقال تعالى: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ )) (آل عمران:144).
            2- الصلاة.
            3- الزكاة, حيث قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
            4- الصوم، قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ )) (البقرة:183).
            5- حجّ بيت الله لمن استطاع عليه سبيلاً، قال الله تعالى: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً )) (آل عمران:97).
            إنّ هذه الأركان من احتجّ بها يلاقي آيات محكمة للاحتجاج بها، حتّى على غير المسلمين.
            والسؤال الآنّ: إنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلّغ بأركان الإسلام والباقي الإمامة، أين الآية التي يجب أن نحتجّ بها، وهي صريحة مثل صراحة الأركان الخمسة؟
            *************************
            الجواب:

            أوّلاً: لا يمكن أن يكون الأمر في الآية تبليغ كلّ ما نزل؛ لأنّ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد بلّغ معظم الأحكام سابقاً، والآية نزلت في أواخر حياته، فلا معنى لقوله تعالى: (( وَإِن لَّم تَفعَل )) (المائدة:67)، فإنّه قد فعل ذلك.
            ثانياً: هناك آيات صريحة في الإمامة، مثل قوله تعالى: (( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
            وقوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))؛ فإنّها نزلت في عليّ(عليه السلام) بالإجماع.
            وقوله تعالى: (( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59).
            وإن قلت: إنّها غير صريحة؛ لأنّها لم تفصّل من هم الأئمّة.
            قلنا: إنّ آيات الصلاة والزكاة والحجّ والصوم التي أوردتها لم تذكر التفصيل المتعلّق بها، وإنّما التفصيل جاء من السُنّة، فكذلك الحال في الإمامة.















            السؤال: بيان الإمام عليّ(عليه السلام) لرواية جبرائيل في الإيمان
            لماذا لم يذكر النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) أنّ الإمامة ركن من أركان الإيمان، عندما جاء جبرئيل(عليه السلام) على هيئة رجل يسأل عن أركان الإيمان في الحديث المشهور؟
            الجواب:

            إنّ هذه الرواية وردت عند أهل السُنّة بطرقهم عن ابن عبّاس وغيره، وهي لا تلزمنا بشيء؛ إذ لا يعقل أن ينقل رواة أهل السُنّة رواية فيها هدم لمذهبهم، مع أنّها على ما هي عليه مجملة تحتاج إلى شرح وتوضيح، كما سنورده عن عليّ(عليه السلام).. وقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الإيمان: أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنّة والنار والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كلّه خيره وشرّه)(1)، يدخل فيه الإيمان بالإمامة والوصاية؛ لأنّها من الإيمان بالكتاب والنبيّين.
            فنحن نقول: إنّ الإمامة دلّ عليها القرآن ونصّ عليها الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإلاّ فإنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يذكر الإيمان بأوصياء الأنبياء قبل نبيّنا وهي سُنّة إلهية، ولا يقول أحد بعدم وجوب الإيمان بهم.
            وأمّا الرواية في مصادرنا، فهي طويلة، رواها سليم بن قيس عن عليّ(عليه السلام)، وفيها شرح من عليّ(عليه السلام) لما جاء في قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..
            فعن أبان بن أبي عيّاش، عن سُليم بن قيس، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وسأله رجل عن الإيمان.. فقال عليّ(عليه السلام): (جاء رجل إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسأله عن مثل ما سألتني... ثمّ أقبل عليّ(عليه السلام) على الرجل، فقال: (أما علمت أنّ جبرئيل أتى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صورة آدمي، فقال له: ما الإٍسلام؟...).
            ثمّ أورد الرواية مع بعض الاختلاف، وقال سُليم: ثمّ قال عليّ(عليه السلام) - بعدما فرغ من قول جبرئيل -: (صدقت، إلاّ أنّ الإيمان بني على أربع دعائم..).
            إلى أن قال: فقال له: يا أمير المؤمنين! ما أدنى ما يكون به الرجل مؤمناً، وأدنى ما يكون به كافراً، وأدنى ما يكون به ضالاً؟
            قال: (قد سألت، فاسمع الجواب: أدنى ما يكون به مؤمناً: أن يعرف الله نفسه، فيقرّ له بالربوبية والوحدانية، وأن يعرفه نبيّه، فيقرّ له بالنبوّة والبلاغة، وأن يعرفه حجّته في أرضه، وشاهده على خلقه، فيقرّ له بالطاعة...
            إلى أن قال: وأدنى ما يكون به ضالاً: أن لا يعرف حجّة الله في أرضه، وشاهده على خلقه، الذي أمر الله بطاعته وفرض ولايته).
            فقال: يا أمير المؤمنين سمّهم لي؟... إلى أن ذكر عليّ(عليه السلام) الأئمّة من ولده(عليهم السلام)(2).
            فأنت تلاحظ أنّ ما ذكره رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجملاً بينّه عليّ(عليه السلام) مفصّلاً، وأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيّن مجمل ما يدخل في الإيمان، ولكن الرجل سأل عن أدنى الإيمان الذي لا يُقبل غيره، ومن لا يؤمن به لا يُعدّ مؤمناً، فأجابه عليّ(عليه السلام) بـ(الإيمان بالله ورسوله وإمامه)، وفوق هذا الإيمان مراتب أعلى منه، كلّها تدخل في ما أجمله رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن من لم يؤمن بالإمامة والحجّة بعد الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يُعدّ مؤمناً، بل ضالاًً؛ فلاحظ، وراجع الرواية فهي طويلة.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) انظر: مسند أحمد بن حنبل1: 27، 28، 51، 319 مسند عمر، ومسند عبد الله بن عبّاس، صحيح البخاري 1: 18 كتاب الإيمان، و6: 20 سورة لقمان، صحيح مسلم 1: 29 - 31 كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله.
            (2) كتاب سليم: 175 - 178 الحديث (8).












            السؤال: دلائل استمرار الامامة
            ما هي دلائل استمرار الإمامة وعدم انقطاعها؟
            الجواب:

            يمكن الاستدلال على ذلك من خلال الآيات القرآنية أوّلاً, والروايات ثانياً.
            الطريق الأوّل: الآيات القرآنيّة:
            الآية الأُولى: قوله تعالى: (( وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ )) (البقرة:30).
            أشارت هذه الآية المباركة إلى:
            أوّلاً: أنّ هذا الخليفة أرضي, وهو موجود في كلّ زمان, والدال على ذلك قوله: (( جَاعِلٌ )) لأنّ الجملة الاسمية, وكون الخبر على صيغة (فاعل) التي هي بمنزلة الفعل المضارع, تفيد الدوام والاستمرار, مضافاً إلى أنّ الجعل في اللغة، كما يقول الراغب في (المفردات)، له استعمالات متعدّدة، ومنها: (تصيير الشيء على حالة دون حالة)(1)، وهذا ما أكّده جملة من المفسّرين, كالرازي في (التفسير الكبير)(2)، والآلوسي في (روح المعاني)(3), وعندما يقارن هذا الجعل بما يناظره من الموارد في القرآن الكريم، نجد أنّه يفيد معني: السُنّة الإلهيّة، كقوله تعالى: (( جَعَلَ لَكُم مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً )) (النحل:81)، و(( وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً )) (نوح:16)، ونحوهما.
            ثانياً: إنّ هذا الخليفة ليس هو مطلق الإنسان، فيكون من قبيل قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خَلاَئِفَ فِي الأَرضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفرُهُ )) (فاطر:39). وإنّما المقصود به: إنسان بخصوصه, وذلك بقرينة اللآيات اللاحقة التي أثبتت أنّ هذا الموجود الأرضي إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة لأنّه عُلّم الأسماء كلّها مباشرة منه تعالى؛ (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّهَا )) (البقرة:31)، ثمّ صار واسطة بينه تعالى وبين ملائكته؛ (( قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئهُم بِأَسمَائِهِم )) (البقرة:33)، ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يراد به كلّ إنسان, حتّى أُولئك الذين عبّر عنهم القرآن الكريم: (( أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ )) (الأعراف:179), إذاً فهذه الآية تدلّ على ضرورة استمرار الخلافة الإلهيّة.
            الآية الثانية: قوله تعالى لإبراهيم الخليل(عليه السلام): (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).
            وهذه الإمامة هي غير النبوّة والرسالة التي كانت لإبراهيم(عليه السلام)، والشاهد على ذلك:
            1- ((طلب الإمامة للذرّية، حيث قال: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي )) .. ومن الواضح أنّ حصول إبراهيم(عليه السلام) على الذرّية كان في كبره وشيخوخته، كما قال: (( الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ )) (إبراهيم:39), وحكى سبحانه عن زوجة إبراهيم: (( قَالَت يَا وَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعلِي شَيخاً إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ )) (هود:72), ولا يصحّ هذا الطلب إلاّ لمن كان عنده ذرّية، أمّا من كان آيساً من الولد ويجيب مبشّريه بقوله: (( قَالَ أَبَشَّرتُمُونِي عَلَى أَن مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ )) (الحِجر:54), فلا يصحّ منه والحالة هذه أن يطلب أي شيء لذرّيته))(4).
            ولو كان ذلك في أوائل حياته وقبل أن يرزق الذرّية، لكان من الواجب أن يقول: (ومن ذرّيتي إن رزقني ذرّية)، وإلاّ لزم منه أن يخاطب الخليل(عليه السلام) ربّه الجليل بما لا علم له به، وهذا ما يتنزّه عنه مقام إبراهيم(عليه السلام).
            2- ((إنّ قوله تعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، يدلّ على أنّ هذه الإمامة الموهوبة إنّما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات، وليست هذه إلاّ أنواع البلاء التي ابتلي(عليه السلام) بها في حياته، وقد نصّ القرآن على أنّ من أوضحها قضيّة ذبح إسماعيل(عليه السلام)، قال تعالى: (( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ ))، إلى أن قال: (( إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاَءُ المُبِينُ )) (الصافات:102) ))(5).
            وهذا ما أكّدته جملة من الروايات الصحيحة الواردة في المقام، عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث مطوّل يقول فيه: (وقد كان إبراهيم(عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) )(6).
            وهذه الإمامة التي تثبت لإبراهيم(عليه السلام) طلبها لذرّيته من بعده، حيث قال: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي )) وقد استجاب الحقّ سبحانه دعاءه، ولكن لم يجعلها في الظالمين من ذرّيته، وإنّما في غيرهم.
            يقول الرازي في ذيل هذه الآية: ((وقوله: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي )) طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد: هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنّه تعالى قال: (لا ينال الإمامة الظالمين, وكلّ عاصٍ فإنّه ظالم لنفسه)، فكانت الآية دالّة على ما قلناه.
            فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً، ولا يصحّ ذلك في الأئمّة والقضاة.
            قلنا: أمّا الشيعة، فيستدلّون بهذه الآية على صحّة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً. وأمّا نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك. إلاّ أنّا تركنا اعتبار الباطن، فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة))(7).
            لكن لم يبيّن لنا الرازي، لماذا ترك ما دلّت عليه الآية من وجوب العصمة ظاهراً وباطناً, واكتفى بالعدالة الظاهريّة، مع اعترافه بدلالة الآية على ذلك.. وكيف كان (( سَتُكتَبُ شَهَادَتُهُم وَيُسأَلُونَ ))(الزخرف:19)!
            ومن الواضح أنّ استجابة دعائه في ذرّيته، لا يختص بالصُلبيّين فقط، بل هو شامل لجميع ذرّيته شريطة أن لا يكون ظالماً. وهذا ما أكّده الإمام الرضا(عليه السلام) بقوله: (إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل(عليه السلام) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، فقال الخليل(عليه السلام) سروراً بها: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي ))، قال الله تبارك وتعالى: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة, ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة، فقال: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )) (الأنبياء:72-73), فلم تزل في ذرّيته يرثها بعضاً عن بعض, قرناً فقرناً، حتّى ورّثها الله تعالى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال تعالى: (( إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ المُؤمِنِينَ )) (آل عمران:68)، فكانت له خاصّة, فقلّدها عليّاً(عليه السلام) بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله, فصارت في ذرّيته الأصفياء، الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: (( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ وَالإِيمَانَ لَقَد لَبِثتُم فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَومِ البَعثِ )) (الروم:56)، فهي في ولد عليّ(عليه السلام) خاصّة إلى يوم القيامة))(8).
            الآية الثالثة: (( وَإِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَومِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ )) (الزخرف:26-28).
            ذهب جمع من المفسّرين إلى أنّ الكلمة الباقية في عقب إبراهيم(عليه السلام) هي: كلمة التوحيد؛ إذ براءته ممّا يعبد قومه، واتجاهه نحو الذي فطره، هو عين معنى كلمة التوحيد (لا إله إلاّ الله)، وقوله: (( لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ )) , أي: يرجع المشرك منهم بدعوة الموحّد إلى الله تعالى(9).
            إذاً فقد جعل الله تعالى التوحيد باقياً في ذرّية إبراهيم(عليه السلام) وعقبه، ولا تخلو ذرّيته من الموحّدين. وقد بيّنا في كتاب (العصمة) أنّ جميع المعاصي نوع، بل مرتبة من مراتب الشرك بالله تعالى، والتوحيد الذي جعله الله تعالى باقياً في عقب إبراهيم(عليه السلام) لا بدّ أن يكون التوحيد الحقيقي، الذي لا يشوبه شيء من الشرك أبداً؛ ليستحقّ الإشادة به في القرآن الكريم، وإلاّ فلا يمكن أن يريد به التوحيد الذي وصفه الله سبحانه بقوله: (( وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُشرِكُونَ )) (يوسف:106).
            هذا مضافاً إلى: أنّ ظاهر الآية يفيد أنّ هذا التوحيد الباقي في عقبة هو التوحيد الإبراهيمي الذي لم يخالطه أدنى شرك بالله العظيم. لكن من كان يتحلّى بمثل هذا التوحيد الحقيقي علماً وعملاً؟ ومن كان يحمل بين جوانحه ما يحمله شيخ الموحّدين الذي (( قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسلِم قَالَ أَسلَمتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ )) (البقرة:131) ؟
            لا شكّ أنّ الذي يتحلّى بذلك هو الذي ناله عهد الله سبحانه من ذرّية الخليل(عليه السلام) حينما: (( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:134).
            ومن هنا يتّضح جليّاً بقاء الإمامة التي جعلها الله تبارك وتعالى لخليله إبراهيم، ببقاء تلك الكلمة المباركة في عقبة وذرّيته(10)..
            الطريق الثاني: الروايات:
            هناك طوائف متعدّدة من الروايات تشير إلى أنّ ظاهرة الإمامة مستمرّة غير منقطعة، نقف عند بعضها:
            الطائفة الأُولى: روايات حديث الثقلين:
            هذا الحديث يكاد يكون متواتراً، بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسُنّة وفي مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته، تقتضيه طبيعة تعدّد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى، وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.
            وحسب الحديث لأن يكون موضع اعتماد الباحثين, أن يكون من رواته كلّ من: صحيح مسلم, وسنن الدارمي, وخصائص النسائي, وسنن أبي داود, وابن ماجة, ومسند أحمد, ومستدرك الحاكم, وذخائر الطبري, وحلية الأولياء, وكنز العمّال, وغيرهم.. وأن تعنى بروايته كتب المفسّرين، أمثال: الرازي, والثعلبي, والنيسابوري, والخازن, وابن كثير, وغيرهم.. بالإضافة إلى الكثير من كتب التاريخ, واللغة, والسير, والتراجم, وما أظنّ أنّ حديثاً يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث، وقد أوصله ابن حجر في (الصواعق المحرقة) إلى نيّف وعشرين صحابيّاً، يقول في كتابه: ((ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً))(11).
            وفي (غاية المرام) وصلت أحاديثه من طرق السُنّة إلى (39) حديثاً، ومن طرق الشيعة إلى (82) حديثاً(12).
            بل في (نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار) للإمام السيّد حامد حسين اللكهنوي, ذكر أنّ هذا الحديث: ((رواه عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أكثر من ثلاثين صحابيّاً, وما لا يقلّ عن ثلاثمائة عالم من كبار علماء أهل السُنّة, في مختلف العلوم والفنون, في جميع الأعصار والقرون, بألفاظ مختلفة وأسانيد متعدّدة, وفيهم أرباب الصحاح والمسانيد وأئمّة الحديث والتفسير والتاريخ, فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين))(13).
            ولسان الحديث, كما في رواية زيد بن أرقم: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي, أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض, وعترتي أهل بيتي, ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض, فانظروا كيف تخلّفوني فيهما)(14).
            ومقتضى عدم افتراق العترة عن القرآن الكريم، هو بقاء العترة إلى جنب القرآن إلى يوم القيامة، وعدم خلوّ زمان من الأزمنة منهم؛ لأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض.
            يقول ابن حجر: ((وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم, للتمسّك به إلى يوم القيامة, كما أنّ الكتاب العزيز كذلك, ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض))(15).
            الطائفة الثانية: روايات: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة):
            ورد مضمون هذا الحديث بعبارات مختلفة في كلمات الأعلام من الفريقين، منهم: الاسكافي المعتزلي في (المعيار والموازنة)... واليعقوبي في (تاريخه), وابن عبد ربّه في (العقد الفريد), وأبو طالب المكّي في (قوت القلوب)... وغيرهم(16).
            يقول ابن أبي الحديد: ((كي لا يخلو الزمان ممّن هو مهيمن لله تعالى على عباده, ومسيطر عليهم, وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية, إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه على أنّ المراد به: الأبدال))(17).
            وقال ابن حجر: ((وفي صلاة عيسى(عليه السلام) خلف رجل من هذه الأُمّة, مع كونه في آخر الزمان, وقرب قيام الساعة, دلالة للصحيح من الأقوال: أنّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجّة))(18).
            أمّا في المجاميع الحديثيّة الشيعيّة, فقد وردت المئات من الروايات التي تؤكّد هذه الحقيقة, وهي: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى, وأنّها لو خلت لساخت بأهلها.
            ويمكن مراجعة جملة منها في بحار الأنوار, بحيث بلغت زهاء (120 رواية) بهذا المضمون، أو ما يقرب منه, ومن أمثلة ذلك:
            1- عن الإمام الصادق(عليه السلام): (ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها, ثمّ قال: ولم تخلو الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور, ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها)(19).
            2- قال الصادق(عليه السلام): (لو لم يبق في الأرض إلاّ رجلان لكان أحدهما الحجّة)(20).
            الطائفة الثالثة: روايات: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة)، أو ما يقرب من مضمونه:
            مثل: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة)، أو: (من مات وليس عليه إمام جماعة, فإنّ موتته موتة جاهليّة)، أو: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة).
            وتناقلت كتب الحديث السُنيّة فضلاً عن الموسوعات الحديثيّة الشيعيّة, هذا الحديث بألفاظ مختلفة, فقد نقله... ومسلم, وابن حنبل, وابن حبّان, والطبراني, والحاكم النيسابوري, وأبو نعيم الأصفهاني, وابن الأثير الجزري, والطيالسي, والدولابي, والبيهقي... وابن أبي الحديد, والنووي, والذهبي, وابن كثير, والتفتازاني, والهيثمي, والمتقي الهندي... والقندوزي الحنفي, والإسكافي المعتزلي, وغيرهم(21).
            ولا بدّ من الإشارة هنا إلى نكتة, وهي: قد يستشكل بعض على جملة من هذه الروايات التي ترد في مثل هذه البحوث بأنّها ضعيفة السند, إلاّ أنّ هذا الإشكال غير تام بحسب الموازين العلميّة الثابتة في محلّها؛ لأنّ هذه الروايات ليست هي آحاد, حتّى يمكن الإشكال السندي فيها.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) انظر: المفردات في غريب القرآن: 94 كتاب الجيم، مادّة (جعل).
            (2) التفسير الكبير 2: 165 المسألة السادسة.
            (3) روح المعاني 1: 220 قوله تعالى: ((وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ...)).
            (4) محاضرات في العصمة: 32 تمهيد.
            (5) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي1: 268 قوله تعالى: ((وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ...)).
            (6) الأُصول من الكافي 1: 175 كتاب الحجّة باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة.
            (7) التفسير الكبير 4: 46 قوله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)).
            (8) الأُصول من الكافي 1: 199 - 200 كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
            (9) التبيان في تفسير القرآن للطوسي 9: 193 سورة الزخرف, جامع البيان للطبري 25: 81 قوله تعالى: ((وَإِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَومِهِ...))، الكشّاف 3: 484, التفسير الكبير للرازي 27: 208 قوله تعالى: ((وَإِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَومِهِ...)), تفسير الميزان للطباطبائي 18: 96 سورة الزخرف.
            (10) انظر: محاضرات في العصمة: 37 تمهيد، استمرار الإمامة.
            (11) الصواعق المحرقة 2: 440 الباب (12) الفصل الأوّل، الآية الرابعة.
            (12) الأُصول العامّة للفقه المقارن: 165، غاية المرام 2: 304 - 367 الباب (28، 29).
            (13) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار السيّد الميلاني 1: 185 كلمة المؤلّف.
            (14) سنن الترمذي 5: 328 مناقب أهل البيت(عليهم السلام) الحديث (3876).
            (15) الصواعق المحرقة 2: 442 الباب (11) الفصل الأوّل، الآية الرابعة.
            (16) المعيار والموازنة: 81 باب في بعض ما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) من ينابيع الحكم, تاريخ اليعقوبي 2: 206 خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام)، المناقب للخوارزمي: 366 الفصل (24) الحديث (383).
            (17) شرح نهج البلاغة 18: 351 (143).
            (18) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 6: 358، 359 كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ((وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ)).
            (19) الأمالي للصدوق: 353 المجلس (34) الحديث (15).
            (20) علل الشرائع للصدوق 1: 197 الباب (153)، بحار الأنوار 23: 5 باب الاضطرار إلى الحجّة, الحديث (10 و24).
            (21) صحيح مسلم 6: 22 كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين وهو مجتمع، الحديث (1849), مسند أحمد بن حنبل 4: 96 حديث معاوية، صحيح ابن حبّان 10: 434 كتاب السير, المعجم الكبير للطبراني 12: 337، 19: 355، المستدرك على الصحيحين 1: 77 كتاب الإيمان، من خرج من الجماعة قيد شبر، حلية الأولياء 3: 260 الحديث (3890) ترجمة زيد بن أسلم، جامع الأُصول 4: 62 الحديث (2064) كتاب الرابع في الخلافة والإمارة، الباب الأوّل، الفصل السابع، مسند الطيالسي: 259، الكنى والأسماء 1: 459 باب الشين رقم (1627)، سنن البيهقي 8: 156 كتاب أهل البغي، باب الترغيب في لزوم الجماعة، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 155، 13: 242، شرح صحيح مسلم للنووي 12: 238، تلخيص المستدرك للذهبي 1: 176 الحديث (260)، تفسير ابن كثير 1: 530، شرح المقاصد 2: 275، مجمع الزوائد 5: 218، 224، 225 كتاب الخلافة، باب لزوم الجماعة، كنز العمّال 1: 103 كتاب الإيمان، ينابيع المودّة 1: 351 الباب (38، 91)، العثمانية للجاحظ: 301.


















            السؤال: لا بدّ من وجود خليفة على الأرض
            ما هي الضرورة لإيجاد الخليفة (النبيّ أو الإمام) على الأرض؟ ولماذا الله ابتدأ الخلق بإيجاد الخليفة؟
            ما معنى قول الصادق(عليه السلام): (الخليفة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق)؟
            الجواب:

            أوّلاً: في كتاب (الإمامة الإلهية) للشيخ محمّد السند أجاب عن هذا التساؤل بما ملخّصه:
            إنّه لا بدّ من ارتباط غيب الغيوب، وهو: الذات المقدّسة، بالعوالم النازلة، وبالأخصّ عالم الإنسان الصغير، وإرادته وهدايته الارائية والإيصالية، وهذا التنزّل بلا شكّ يجب أن يكون عبر قناة وجودية خلقية وإلاّ لاقتضت وجود طفرة... وقد أثبتنا في ما سبق وجوب الارتباط وعدم انقطاع الاتّصال بين الأرض والسماء، ثمّ إنّ الاتّصال إمّا أن يكون من خلال ارتباط الذات المقدّسة بكلّ فرد فرد وبكلّ نفس بشرية، وهذا يعني أن تكون كلّ النفوس أنبياء ورسل وأئمّة، وهذا وإن أمكن ثبوتاً وليس بممتنع على الحقّ تعالى، لكنّه على خلاف نظام الخلقة؛ إذ أنّه قائم على أن لا يكون الكلّ كذلك..
            فالاتّصال حينئذٍ لا بدّ أن يكون عبر أفراد، ولا يخلو أمرهم أن يكونوا إمّا بشراً أو ملائكة، ولكنّنا اشترطنا أن يكون فيهم جنبة بشرية، وإلاّ لفُقدت خيرية الاقتداء والأُسوة؛ فلا بدّ أن يكون الاتّصال عبر نفس بشرية تعالت عن مزالق الشهوات إلى مراتب الكمال، فأصبحت تهدي بأمر ملكوتي.
            ثمّ إنّ هذا الشخص لا بدّ أن يكون له عصمة علمية، مضافاً إلى العصمة العملية والكمالات النفسانية العالية؛ لأنّنا نشاهد في حياتنا العملية حال التشريعات الوضعية والمراقبة المستمرّة لها، مع ذلك توجد موارد عديدة للنقض والخطأ، فلا بدّ في القانون الإلهي من وجود المعصوم عصمة علمية يؤمن عن الوقوع في الخطأ.
            (وللمزيد راجع الإمامة الإلهية ج1 ص 287 - 289).
            ثانياً: أمّا معنى قول الإمام الصادق(عليه السلام): (الخليفة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق...)(1)، فيراد به: أنّ الخليفة قبل الخلق: أي في الميثاق، ويحتمل أن يراد به: آدم(عليه السلام)، وبعد الخلق: يحتمل أن يراد في الدار الآخرة والبرزخ، أو أنّ الخليفة والحجّة آخر من يموت، ومع الخلق: فهم سائر الرسل والأئمّة، وهذا الحديث يدلّ على أنّ الخلق لا بدّ لهم من حجّة وأنّ الأرض لا تخلو منه(2).
            ودمتم في رعاية الله
            (1) انظر: شرح أُصول الكافي 5: 177 كتاب الحجّة، باب أنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام.
            (2) انظر: شرح أُصول الكافي 5: 121 كتاب الحجّة، باب أنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام.


            السؤال: الإمامة أعلى رتبة من النبوة
            أيّ الرتب أرفع: الإمامة أم النبوّة؟
            الجواب:

            إنّ النبوّة هي رتبة لمن يتلقّى أخبار الغيب ليوصلها إلى الناس, والرسول هو: النبيّ الذي يأتي بشريعة خاصّة بوحي يوحى إليه؛ فهو أرفع مكانةً من النبيّ.. هذا عند أهل الاصطلاح, وقد يستعمل كلّ منهما في مقام الآخر تسامحاً ومجازاً.
            وأمّا الإمام فهو: من كانت له مهمّة التطبيق وقيادة المجتمع البشري وتنفيذ الوحي، فهو أعلى رتبةً من النبيّ والرسول, وممّا يدلّ عليه - على سبيل المثال لا الحصر - أنّ الإمامة أعطيت لإبراهيم(عليه السلام) بعد مدّة طويلة من نبوّته ورسالته، وبعد خضوعه(عليه السلام) لأوامر امتحانيّة صعبة: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) (البقرة:124), والمتيقّن: أنّه(عليه السلام) كان نبيّاً ورسولاً قبل هذه الامتحانات لتلقّيه الكلمات من ربّه وحياً.
            تعليق على الجواب (1)
            نقول نحن الشيعة: بأنّ الإمام يكون أعلى رتبة من النبيّ, بدليل وصول النبيّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مرتبة الإمامة بعد مرتبة النبوّة, ولكن كيف لا نجد الوحي مثلاً ينزل على أئمّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
            فقد يقول قائل: بأنّ هذا دليل على أنّ النبيّ أفضل من الإمام، فكيف نردّ عليه؟
            الجواب:

            إنّ هذا التساؤل ليس في محلّه؛ فإنّنا نقول بتقدّم رتبة الإمامة على النبوّة - بالأدلّة المقرّرة في محلّها - والوحي من خصائص النبوّة, فلا يرد علينا أنّه: لماذا لم تشتمل الإمامة على مختصّات النبوّة؟
            وبعبارة أوضح: إنّ الاستدلال في المقام يبتني على تقديم الإمامة بكافّة مميزاتها على النبوّة بجميع مواصفاتها، ومنها: نزول الوحي, فلا معنى حينئذٍ - وبعد تمامية الأدلّة - أن نقول: لماذا لم يكن الإمام متّصفاً بصفة النبيّ, إذ لو كان كذلك كان الإمام نبيّاً, فلا يبقى مجال للبحث والاستدلال.
            هذا, والتحقيق: أنّ مجرّد قابلية نزول الوحي لا تدلّ على أفضلية النبيّ على الإمام, إذ أنّ الخلافة الإلهية على الأرض - والتي هي أعلى الرتب والمناصب وأقربها إلى الله عزّ وجلّ - تتمثّل في الإمامة, فالاستخلاف عن الله تبارك وتعالى أعلى درجة من تلقّي الوحي, ألا ترى أنّ الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) هم أرقى شأناً من جبرئيل(عليه السلام) الذي يأتي بالوحي؟!
            فيتّضح لنا، أنّ مجرّد الوسيط بين الخالق والمخلوق في إيصال الوحي لا يدلّ على تقديمه على الإمامة التي هي مقام النيابة عن الله عزّ وجلّ في قيادة المجتمع وهدايته.
            تعليق على الجواب (2)
            هل يمكن القول: بأنّ الإمام نبيّ أيضاً؛ لأنّ جوابكم السابق قد يفسّر هكذا.
            الجواب:


            ليس كلّ نبيّ إمام, بل بعض الأنبياء اتّسموا بصفة الإمام أيضاً, كما أنّه ليس كلّ إمام نبيّ, فأئمّتنا(عليهم السلام) أئمّة وأوصياء, وهم ليسوا بأنبياء.
            تعليق على الجواب (3)
            يعني: هل الإمام عليّ أحسن من الأنبياء الباقين؟
            ومن أحسن: النبيّ محمّد أم الإمام عليّ؟
            إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا إذاً لم يكلّف هو بالرسالة؟
            يعني الإمام عليّ(عليه السلام) دافع وجاهد وطبّق الإسلام، لكن الله اختار أنبياءه وأعطاهم ما لم يعطِ لأيّ أحد، ألا وهو الوحي.
            وإذا كانت النبوّة أقلّ من الإمامة، فلماذا لا يتمتّع الأعلى بما لدى الأقلّ؟
            طبعا هذه قاعدة، فلا يمكن أن نكون قد حصلنا على الأعلى بدون أن نكون قد حصلنا على مميزات الأقلّ.
            أتمنّى أن تتقبلوا سؤالي برحابة صدر؛ والله إنّي لم أتمكّن من تقبّل هذه الفكرة لحدّ الآن.
            الجواب:

            الإمام عليّ(عليه السلام) أفضل من جميع الأنبياء السابقين عدا نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فإنّه أفضل من عليّ(عليه السلام)، ولذا تميّز النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن عليّ(عليه السلام) بالنبوّة والرسالة مع كونه إماماً أيضاً، فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإضافة إلى نبوّته ورسالته لديه مرتبة الإمامة أيضاً، ولذا قلنا بأفضليّته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على عليّ(عليه السلام)؛ لأنّه إمام ونبيّ، بينما عليّ(عليه السلام) إمام فقط ولم يكن نبيّاً.
            والنبوّة لها مراتب، وكذا الإمامة، فقد يكون هناك إمام في مرتبة عليا من الإمامة أفضل من نبيّ معيّن، وقد يكون هناك نبيّ في مرتبة عليا أفضل من إمام من الأئمّة في الأُمم السابقة، مثلاً.
            تعليق على الجواب (4)
            يجب أن تكونوا واضحين في مسألة تفضيل الإمامة والنبوّة.
            سمعت من أحد مراجعنا الأعلام: أنّ النبوّة والرسالة والإمامة إذا اجتمعت في شخص واحد مثل النبيّ إبراهيم(عليه السلام) في هذه الحالة تكون الإمامة أفضل من النبوّة.
            نرجو التوضيح.
            الجواب:

            يظهر من مراجعة بعض الأدلّة التي ذكرت للاستدلال على أفضلية الإمامة على النبوّة، عدم اختصاص ذلك بما إذا كانت الإمامة مجتمعة مع النبوّة في شخص واحد؛ فهي مطلقة من هذه الناحية، أي: أنّ الإمام أفضل سواء أكان نبيّاً أم لم يكن.
            كما إنّا لا نفهم خصوصية لنبيّ الله إبراهيم(عليه السلام)؛ لأنّ المورد لا يخصّص الوارد.. فلاحظ ما رواه زيد الشحّام، قال: ((سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: (إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) (البقرة:124)، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: (( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، قال: لا يكون السفيه إمام التقي) ))(1).
            وهذا لا يعني: أنّ الإمام أفضل من النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنّ الخاتم جمعت له النبوّة والإمامة.
            ودمتم في رعاية الله
            (1) الكافي 1: 175 كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة، الحديث (2).


            تعليق على الجواب (5)
            ولكن ورد في كتاب عيون أخبار الرضا(عليه السلام)) للشيخ الصدوق أنّه قال رجل للإمام الرضا(عليه السلام): ((أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ وكأنّه أنكر ذلك عليه! فقال له أبو الحسن الرضا(عليه السلام): يا هذا! أيّهما أفضل: النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الوصي؟ فقال: لا بل النبيّ. قال: فأيّهما أفضل: مسلم أو مشرك؟ قال: لا بل مسلم. قال: فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف(عليه السلام) نبيّاً، وأنّ المأمون مسلم وأنا وصيّ، ويوسف سأل العزيز أنّ يولّيه حين قال: (( اجعَلنِي عَلَى خَزَائِنِ الأََرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ))، وأنا أُجبرت على ذلك))(عيون أخبار الرضا 2: 150).
            فالإمام (سلام الله عليه) يؤكّد أنّ الأنبياء هم أفضل من الأوصياء والأئمّة(عليهم السلام)؛ لأنّ النبيّ يتّصل بالله، وهو مُرسل من قِبله، والإمام مرتبطٌ بالله من خلال النبيّ..
            الجواب:

            أوّلاً: بغضّ النظر عن سند الرواية - إذ هي مرسلة، وفيها ما قد يناقش، فإنّ يوسف(عليه السلام) طلب الولاية من ملك مصر وليس من العزيز، ثمّ بعد ذلك عندما قبل الملك أصبح هو العزيز بدل العزيز السابق - فإنّها واردة في مقام الاحتجاج؛ فالإمام الرضا(عليه السلام) يريد أن يقنع المقابل بأنّه قَبِل ولاية العهد كما قَبلها نبيّ الله يوسف(عليه السلام)، وليس الإمام(عليه السلام) بصدد تقرير أنّ النبيّ أفضل من الإمام.
            ثمّ إنّ في الرواية سؤال الإمام(عليه السلام) بـ(أيّهما أفضل النبيّ أو الوصي؟)، والوصي أعمّ من الإمام، إذ قد يكون الوصي إماماً، كما في أئمّتنا(عليهم السلام)، وقد يكون وصيّاً فقط، كما في أكثر أوصياء الأنبياء، فليس منصب الوصاية على عمومه أفضل من النبوّة، بل النبوّة بعمومها أفضل من الوصاية بعمومها، وهنا فإنّ الإمام(عليه السلام) من جهة الاحتجاج استدلّ بمنصب وصايته للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا إمامته؛ إذ لم يأت في الرواية: ((أيّهما أفضل: النبيّ أو الإمام))؛ فافهم!
            ثانياً: لا شكّ أنّ للنبوّة مراتب، فبعض مراتبها تكون أعلى من مقام الوصيّ، كما هو الحال في النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فهو أرفع مقاماً من الوصيّ، ولا شكّ أنّ بعض مراتب الأوصياء أعلى من مرتبة النبوّة، بل إذا كانوا أئمّة فهم أعلى مرتبة، كما هو الحال في شأن الإمام عليّ(عليه السلام) والأئمّة الباقين من أولاده(عليهم السلام)؛ فإنّهم أعلى مرتبة من بقية الأنبياء غير الخاتم.
            تعليق على الجواب (6)
            هل من الممكن لأي نبيّ من الأنبياء السابقين أن يكون برتبة الإمام قبل أن يكون برتبة الرسول.
            بمعنى أصحّ: إنّ الله يجعل أحد أنبياءه برتبة الإمام دون رتبة الرسول؟
            وهل الرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان برتبة الإمام؟
            الجواب:

            قد تقدّم ذكر رواية زيد الشحّام عن الإمام الصادق(عليه السلام) التي يظهر منها أنّ الرسالة هي مرتبة أعلى من النبوّة، وأنّ الإمامة أعلى مرتبة من الرسالة، ولكن لا يفهم منها أنّ من شروط إعطاء الإمامة أن يكون الشخص رسولاً.
            نعم، تحقّق ذلك في إبراهيم بنصّ الآية، وفي نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد الفراغ من رسالته وثبوت الإمامة له بعدّة آيات؛ ولكن نصّ القرآن الكريم في بعض أنبياء بني إسرائيل إنّهم كانوا أئمّة مع أنّهم لم يكونوا رسل، قال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24).
            تعليق على الجواب (7)
            قلتم أن (الإمام فهو من كانت له مهمّة التطبيق وقيادة المجتمع البشري و تنفيذ الوحي، فهو أعلى رتبةً من النبي والرسول)وأن نبي الله ابراهيم عليه السلام لم يعطى مرتبة الإمامة إلى بعد مدة طويلة، فهل قبل أن يعطى مرتبة الامامه فهو لم يقوم بمهة التطبيق وقيادة المجتمع البشري وتنفيذ الوحي؟
            الجواب:

            تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 1 ص 275:
            فان قلت: لو كانت الإمامة هي الهداية بأمر الله تعالى، وهي الهداية إلى الحق الملازم مع الاهتداء بالذات كما استفيد من قوله تعالى: (( أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهدَى )) (يونس:35) كان جميع الأنبياء أئمة قطعا، لوضوح أن نبوة النبي لا يتم إلا باهتداء من جانب الله تعالى بالوحي، من غير أن يكون مكتسبا من الغير، بتعليم أو إرشاد ونحوهما، حينئذ فموهبة النبوة تستلزم موهبة الإمامة، وعاد الاشكال إلى أنفسكم .
            قلت: الذي يتحصل من البيان السابق المستفاد من الآية أن الهداية بالحق وهي الإمامة تستلزم الاهتداء بالحق، وأما العكس وهو أن يكون كل من اهتدى بالحق هاديا لغيره بالحق، حتى يكون كل نبي لاهتدائه بالذات إماما، فلم يتبين بعد، وقد ذكر سبحانه هذا الاهتداء بالحق، من غير أن يقرنه بهداية الغير بالحق في قوله تعالى: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِن قَبلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحيَى وَعِيسَى وَإِليَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلنَا عَلَى العَالَمِينَ * وَمِن آبَائِهِم وَذُرِّيَّاتِهِم وَإِخوَانِهِم وَاجتَبَينَاهُم وَهَدَينَاهُم إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَلَو أَشرَكُوا لَحَبِطَ عَنهُم مَا كَانُوا يَعمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكفُر بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَد وَكَّلنَا بِهَا قَومًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِه )) (الانعام:84-90).




            يتبع

            تعليق


            • #7
              السؤال: هل كلّ من كان نبيّاً يجب أن يكون إماماً؟
              تأمّلت في ثلاث مناهج إسلامية هي الشيعة والسُنّة والقرآنيين، ووجدت أنّ الخلاف الجوهري هو في حقيقة بعث الرسل والأنبياء.
              فمثلاً القرآني: يعتقد أنّ الرسول مجرّد سائق يرسل رسالة لقوم وهي الكتاب، ولا يوجد له عصمة إلاّ في تبليغ تلك الرسالة التي هي الكتاب، فلهذا تركوا أي شيء عدا الكتاب؛ لأنّهم يحسبون أنّ هذا هو السبب الحقيقي لبعث الرسول.
              أمّا السُنّة: فتخبّطوا تخبّطاً شديداً في هذه النقطة؛ إذ إنّهم قالوا معصوم فقط في التبليغ، واعتبروا التبليغ كتاب وسُنّة، والسُنّة لا تشمل كلّ حياة النبيّ، بل في أشياء لا نستطيع نحن الآن التفريق بين كونها تبليغاً أو غير تبليغ.
              ثمّ وجدت أنّ الشيعة: يعتقدون أنّ الرسول وجه الله، ومعصوم عصمة مطلقة، يُقتدى به في كلّ شيء من أُمور الدين والدنيا، وسمّوا هذا الوجه: (الإمامة)، على حدّ فهمي لكم. وهذا الرأي مقنع جدّاً وهو أفضلهم بلا ريب.
              ولكن أجد ثغرات في منهجكم، وليس في هذا الرأي، وهو: أنّكم لا تعتبرون كلّ رسول إمام، ولو أنّكم كنتم تعتقدون أنّ كلّ رسول إمام لكان هذا أوضح جدّاً، وكان الحقّ لا ريب؛ لأنّ الله لا يطلب منّا أن نؤمن به، وأن نؤمن بالوحي فقط، بل يطلب منّا أن نؤمن بقيادة الرسول لنا وإمامته علينا.
              أي أنّه يأمرنا أن لا نعتبر الرسول مجرّد رجل ينقل وحي الله، ولكن نعتبره قائداً (إماماً كما يعبّر الشيعة)، وهذا هو الواضح في قول الله تعالى: (( وَمَن يطع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَّه عَلَيهم منَ النَّبيّينَ وَالصّدّيقينَ وَالشّهَدَاء وَالصَّالحينَ وَحَسنَ أولَئكَ رَفيقاً )) (النساء:69)، وقوله تعالى: (( وَلَو كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَولِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنهُم فَاسِقُونَ )) (المائدة:81)، وقوله تعالى: (( قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُم جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ )) (الأعراف:158)، وقوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم وَأَزوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفعَلُوا إِلَى أَولِيَائِكُم مَّعرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسطُوراً )) (الأحزاب:6)، وقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ أَن تَحبَطَ أَعمَالُكُم وَأَنتُم لاَ تَشعُرُونَ )) (الحجرات:2)، وقوله تعالى: (( لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرجُو اللَّهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً )) (الأحزاب:21).
              وهذه الآيات لها دلالة واضحة على وجوب الاعتقاد بإمامة النبيّ، لأنّه لم يقل: نؤمن بالله فقط، بل قال: والنبيّ أيضاً, فكلّ هذه الآيات أدلّة واضحة جدّاً على وجوب الإيمان بإمامة النبيّ وليس نبوّته والوحي فقط، وهذا منهج جميل جدّاً، وهو الحقّ ولا ريب.
              لكن استشكالي الآن: أنّ البحوث التي أقراها من الشيعة في الإمامة لا أجدها بالمفهوم الذي أراه، فهل ما ذكرت سالفاً هو المفهوم الصحيح للإمامة عندكم أم أنّي أخطأت؟
              والاستشكال الآخر هو: لماذا لا يكون كلّ رسول إمام؟ إذ يجب أن يكون قدوة للناس، وإمام مقدّم عليهم، فلماذا لا تعتبرون إمامة أحد إلاّ إبراهيم ومحمّد؟
              إن شاء الله تعطوني بحث لمفهوم الإمامة عندكم، وهل مفهومي الذي ذكرته سالفاً صحيح ويطابق مفهومكم؟
              ولماذا لا تنشرون هذه الأدلّة الواضحة في آيات القرآن، وتنشروا أدلّة أُخرى غامضة؟!
              على ما اعتقد أنّ كلّ آية في القرآن تتكلّم عن الإمامة، وأنّها أصل من أُصول الدين، ولكن بمفهومي أنا، فهل مفهومي خاطئ بالنسبة لكم أم ماذا؟
              الجواب:

              أوّلاً: إنّ ما ذكرته خلافاً، لعلّه يكون أحد أوجه الخلاف، وإن كان كما تقول خلافاً رئيسياً في البين, وهو الخلاف في فهم مقام النبوّة والإمامة الإلهية, أو لنعبّر عنها: الخلافة الإلهية التي رسمها الله للبشرية، ولعلّك سوف تزداد إحاطة بالموضوع لو قرأت كتاب (الإمامة الإلهية) للشيخ محمّد السند، وذلك على موقعنا على الانترنيت.
              ثانياً: إنّ الشيعة الإمامية تعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، ولو خلت لساخت(1)، وهذا معناه وجود إمام في كلّ وقت، وأنّ مهمته لا تنحصر في هداية الناس وإلقاء التشريع، وإنّما تتعدّى إلى الهيمنة على العالم والهداية التكوينية للبشرية، باعتبار كونه خليفة الله.
              نعم، ربّما هناك خلاف في وجود الملازمة بين كون إنسان كامل ما رسولاً وبين كونه إماماً، أو: هل ثبت بأنّ كلّ أُولي العزم كانوا أئمّة أو لا؟
              نعم، نثبت ذلك بالنسبة لآدم(عليه السلام)، وإبراهيم(عليه السلام)، ونبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وربّما يمكن المناقشة في ثبوته لعيسى وموسى وداود وسليمان(عليهما السلام), ولكن القول بعدم ثبوت كون أحد الرسل إماماً لا يعني خلوّ الأرض من إمام في زمانه.
              وخلاصة القول هو: بأنّ هناك بحث مستمر لحدّ الآن في: هل أنّ هناك تلازم بين الرسالة وبين الإمامة من جهة الرسالة أو لا؟ وقولنا من جهة الرسالة: نعني به: أنّه هل ثبت أنّ كلّ رسول إمام لا العكس، إذ أنّ هناك قطع بوجود إمام ليس برسول؛ فلاحظ!
              ثالثاً: نحبّ أن نوضح أنّ مفهوم الإمامة أعمق وأكثر دقّة واتّساعاً ممّا ذكرت، ويحتاج منك إلى وقت أكثر في القراءة والاطّلاع.
              ودمتم في رعاية الله
              (1) انظر: بصائر الدرجات للصفّار: 507 الجزء (9) باب (11، 12)، الكافي للكليني 1: 178 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، الإمامة والتبصرة للصدوق: 25 باب (2)، وغيرها.




















              السؤال: عدم اجتماع إمامين في زمن واحد
              لماذا لا يمكن اجتماع إمامين في زمن واحد؟
              الجواب:

              يمكن تصوير عدم الإمكان بدليلين:
              الدليل العقلي: بما أنّ الإمامة هي حجّة الله على الخلق، فهي عامّة لجميع البشرية قاطبة, فهنا نقول: إنّ كان الإمام الثاني موافقاً للأوّل في جميع ما يطرح وما ينفي وما يثبت، فيكون وجوده وتنصيبه للإمامة لغواً وعبثاً, وأمّا إن خالفه وعارضه، فهذا يستلزم كذب أحدهما، وهو خلاف كونه إماماً عامّاً للناس أجمعين.
              الدليل النقلي: ورد عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (لا يكون إمامان إلاّ وأحدهما صامت)(1).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) الكافي للكليني 1: 178 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، الحديث (1).










              السؤال: الإمامة الفعلية لا تكون إلاّ لإمام واحد في كلّ زمان
              لا يمكن أن يكون في زمان واحد إمامان، وأمّا الأنبياء فإنّه يمكن أن يكون أكثر من نبيّ واحد في زمان واحد، لماذا؟
              الجواب:

              يمكن أن يوجد في زمان واحد إمامان، كما هو الحال في سائر حياة الأئمّة(عليهم السلام)؛ إذ كانوا موجودين بوجود آبائهم الأئمّة(عليهم السلام)، كما في زمن أمير المؤمنين(عليه السلام) والحسن والحسين(عليهما السلام)، وهكذا سائر الأئمّة(عليهم السلام).
              وإنّما الكلام في الولاية الفعلية للإمام(عليه السلام) على الأُمّة؛ هل يمكن أن تكون في عرض إمامة إمام آخر معصوم؟
              قد ثبت في الروايات أنّ الولاية الفعلية لا تكون في كلّ زمان إلاّ لإمام واحد ولا تكون لإمامين؛ ففي صحيحة الحسين بن أبي العلا: ((قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام؟
              قال: لا.
              قلت: يكون إمامان؟
              قال: لا، إلاّ وأحدهما صامت))(1).
              وجاء بسند موثّق عن الصدوق في (إكمال الدين): ((عن هشام بن سالم، قال: قلت للصادق(عليه السلام)... فهل يكون إمامان في وقت؟
              قال: لا، إلاّ أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه، والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، فأمّا أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا) ))(2).
              وجاء في (شرح أُصول الكافي) للمولى محمّد صالح المازندراني في شرحه للحديث الأوّل المتقدّم، قال: ((وفي شرح نهج البلاغة: أنّ في آخر الزمان لا يكون في كلّ وقت وزمان إلاّ إمام واحد، وأمّا الأنبياء والأوصياء في الزمن الأوّل كانوا في عهد واحد جماعة كثيرة، وفي آخر الزمان مذ عهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قيام الساعة لا يكون في كلّ حين إلاّ وصيّ واحد))(3).
              وقال الميرزا أبو الحسن الشعراني في تعليقته على ما ذكره المولى المازندراني في قوله: (إلاّ وصيّ واحد): ((وقد علمنا بالتجربة والتاريخ أنّ الحكومة تندرج إلى السعة والعظم من أوّل عصر الخليقة إلى زماننا، فقد كان في الأعصار القديمة في ناحية كالشام ملوك كثيرة، وكان أعظم ملك في القديم مصر، وأعظم ملوكهم الفراعنة، ثمّ ملك العراق وهم الكلدانيون، وبعد ذلك عظم الحكومات واتّسع الدول، فكان الروم وفارس أعظم من كلّ ملك قبلهما، ثمّ ملك الإسلام وكان أعظم من ملك الروم وفارس، ثمّ وجد دول في الأعصار الأخيرة عظيمة جدّاً..
              والناس يميلون إلى قبول حكومة واحدة لجميع أهل الأرض، ولذلك أسّسوا مجلس الأُمم، وهي أحسن من قبول حكومات متعدّدة متنافرة كلّ يجرّ النار إلى قرصه، ويسعى في جلب نفع أُمّته، والاستئثار بنعم الله تعالى دون غيره.
              ولو كان حكم واحد سارياً وإمام واحد في جميع أقطار الأرض، ينظر على السواء إلى جميع الأجناس والأُمم، من العرب والعجم، والأسود والأبيض، ولا يرجّح شعباً على شعب، وأُمّة على أُمّة، كما هو مذهبنا، فهو أحسن وأعدل، وأوفر نعمة، وأقوى مقدرة، وأقلّ فتنة))(4).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) الكافي 1: 178 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، الحديث (1).
              (2) إكمال الدين وإتمام النعمة: 416 الباب (40) الحديث (9)، وعنه بحار الأنوار 25: 106 كتاب الإمامة.
              (3) شرح أُصول الكافي 5: 122 باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، الحديث (1).
              (4) شرح أُصول الكافي 5: 122 الهامش (1).














              السؤال: هل تكون الإمامة لشخصين في زمان واحد
              نرجو من سيادتكم التكرّم بالإجابة على هذا السؤال: هل يجوز إمامتين في وقت واحد؟
              الجواب:

              نعم، يجوز أن يكون هناك إمامان في زمان واحد، إلاّ أنّه يكون أحدهما تابع للآخر، ولا يتصرّف في مقابل تصرّفات الآخر، وهذا واقع وموجود، كما كان الأمر بين أمير المؤمنين(عليه السلام) وبين النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبين الإمام الحسن والإمام الحسين(عليهما السلام).























              السؤال: هل يجتمع أكثر من إمام في وقت واحد؟
              س1: هل يجمع الله نبيّان (أو أكثر) في زمن واحد لقوم واحد، أو كلّ نبيّ لقوم؟
              س2: إذا كان الجواب لا، فما تفسير قوله تعالى: (( إِذ أَرسَلنَا إِلَيهِمُ اثنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُم مُرسَلُونَ )) (يس:14)، والآيات التي تدلّ على وجود أكثر من نبيّ في وقت واحد؟
              س3: إذا كان الجواب نعم، فلماذا يصحّ ذلك في النبوّة ولا يصحّ ذلك في الإمامة؟
              الجواب:

              يمكن أن يكون هناك أكثر من نبيّ في وقت واحد، كما هو الحال مع نبيّي الله موسى وهارون(عليهما السلام)، ونبيّي الله إبراهيم ولوط(عليهما السلام)، وغيرهم من الأنبياء الذين اجتمعوا في وقت واحد.
              وكذلك يمكن أن يكون هناك أكثر من إمام في وقت واحد، كما حصل مع الأئمّة عليّ والحسن والحسين(عليهم السلام)، فالكلّ أئمّة، ولكن أحدهم يكون الناطق والآخرين يكونوا صامتين. هكذا ورد عندنا(1).
              ولعلّ ذلك يختلف مع الأنبياء(عليهما السلام)؛ لأنّ بعض الأنبياء بعثوا إلى أقوامهم فقط، فيتعدّد الأنبياء، بينما أئمّتنا(عليهما السلام) كانوا أئمّة لجميع العالم؛ لأنّ رسالة نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عالمية، فكذلك إمامتهم(عليهم السلام).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) انظر: بحار الأنوار 25: 105 الإمامة، أبواب علامة الإمام وصفاته.








              السؤال: الولاية تكون لنبيّ من الأنبياء مع تعدّدهم
              في الزمن الواحد الذي يكون فيه أكثر من نبيّ من تكون له الولاية على الباقين؟ وما هو المرجّح الذي يكون التفضيل على أساسه؟
              الجواب:

              تكون الولاية مع تعدّد الأنبياء للإمام منهم، فهناك بعض الأنبياء لهم مقام النبوّة ومقام الإمامة كنبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونبيّ الله إبراهيم(عليهم السلام)، وهناك أنبياء لهم مقام النبوّة فقط، وقد كان إبراهيم(عليه السلام) نبيّاً وإماماً على غيره من الأنبياء، كلوط(عليه السلام)، و: لا تخلو الأرض من الإمام.. و: لا يكون فيها إمامان إلاّ أن يكون أحدهما صامت.. هكذا ورد في الأخبار(1).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) انظر: بصائر الدرجات للصفّار: 536 الجزء العاشر باب (18) الحديث (44).




















              السؤال: تواتر حديث (الأرض لا تخلو من حجّة)
              هل الأحاديث في كتاب (بحار الأنوار) جلد (23) باب (1): (الاضطرار إلى الحجّة، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة)، متواترة معنوياً؟
              الجواب:

              التواتر المعنوي: هو وجود معنى مشترك في مجموعة من الروايات، ذكرت تلك الروايات بطرق يمتنع تواطؤ رجالها على الكذب، وما ذكره صاحب (بحار الأنوار) في ذلك الباب يمكن إثبات تواتره لعدّة معانٍ، ويمكن إثبات تواتر لفظه أيضاً.












              السؤال: كيف لا تخلو الأرض من الحجّة؟
              (لولا الإمام المعصوم لساخت الأرض بأهلها).
              كيف حفظت الأرض في الفترات التي لم يكن فيها إمام منذ آدم إلى نبيّنا عليه وآله أفضل الصلاة والسلام؟
              الجواب:

              لا يمكن في عقيدتنا أن تخلو الأرض من حجّة، وذلك للأسباب التالية:
              1- إنّ خليفة الله أو الإمام واسطة الفيض, فإذا انقطعت الواسطة، ذهب العالم، وإذا ذهب من الأرض زالت الأرض.
              2- لولا الحجّة لَما عُرف الحقّ من الباطل، والحلال من الحرام, وقد جرت حكمته ومشيئته على أن يهديهم إلى سبيل الرشاد، وأن لا يتركهم سُدى؛ قال تعالى: (( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهلِكَ القُرَى حَتَّى يَبعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً )) (القصص:59).
              وفي هذه الآية بيان السُنّة الإلهية في عذاب القرى بالاستئصال، وهو: أنّ عذاب الاستئصال لا يقع منه تعالى إلاّ بعد إتمام الحجّة عليهم، بإرسال رسول يتلو عليهم آيات الله, وإلاّ بعد كون المعذّبين ظالمين بالكفر بآيات الله وتكذيب رسوله، وهذا لا يكون إلاّ بوجود الحجّة(1).
              وعلى كلا الوجهين وردت روايات..
              أمّا الأوّل، وهو: كون الإمام(عليه السلام) واسطة الفيض ومن دونه تزول الأرض، فـ: عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت)(2).
              وأمّا الثاني، وهو: لولا الإمام(عليه السلام) لَما عُرف الحقّ, فـ: عن أبي بصير, عن أحدهما(عليه السلام)، قال: (إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالم, ولولا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل)(3).
              ويؤيّد ذلك كلّه: ما روي عن عليّ(عليه السلام)، قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً, أو خائفاً مغموراً, لئلا تبطل حجج الله وبيّناته)(4).
              إذاً، فالقول بأنّ ((الأرض قد خلت في بعض من الأوقات من حجّة)) باطل؛ لأنّه خلاف الضرورة والأخبار المتواترة(5).
              ويؤيّد ذلك: ما ذكره المجلسي في (البحار) من أنّ أبا طالب كان هو الحجّة قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإن كانت الوصاية من جهات مختلفة، فأبو طالب كان من أوصياء إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)، وكان حافظ لكتبهم ووصاياهم من تلك الجهة(6).
              وأمّا من الجهة الأُخرى وهي جهة الوصاية عن موسى وعيسى(عليهما السلام)، فالذي يظهر من بعض الأخبار أنّ آخر الأوصياء من هذه الجهة قبل ولادة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو سلمان، ويؤيّد ذلك قول راهب الإسكندرية له حين وفاته: ((إنّ النبيّ قد حانت ولادته))، ففيه إشارة إلى أنّه الوصي لحين ولادة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم), ولأنّه لم ينقل أنه لقي بعد ذلك الراهب وصيّاً آخر, هذا وقد ورد أن آخر أوصياء عيسى(عليه السلام), آبي, أو بردة, أو بالط, وأنّه الذي لقيه سلمان أخيراً(7).
              ولعلّ مرد تعدّد هذه الجهات في الأوصياء إلى: أنّ هناك آيات ودلائل تشير إلى أنّ إبراهيم الخليل ونبيّنا الأكرم (على نبيّنا وعليه السلام) هما اللذان كان لديهما شريعة عالمية, وقد بعثا إلى الناس كافّة, أمّا الأنبياء: موسى وعيسى(عليهما السلام)، فإنّهما بعثا إلى بني إسرائيل خاصّة(8).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) انظر: تفسير الميزان 20: 16 سورة القصص، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهلِكَ القُرَى...)).
              (2) الكافي 1: 179 كتاب الحجّة باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
              (3) الكافي 1: 178 كتاب الحجّة باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
              (4) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 4: 37 (147).
              (5) انظر: إكمال الدين للصدوق: 201 باب (21)، و 211 باب (22)، و656 باب: في نوادر الكتاب, المحاسن 1: 234 كتاب مصابيح الظلم باب (21) باب لا تخلو الأرض من عالم, بحار الأنوار 23: 1 باب الاضطرار إلى الحجّة وإن الأرض لا تخلو من حجّة.
              (6) بحار الأنوار 17: 142 باب (17) علمه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما دفع إليه من الكتب والوصايا.
              (7) نفس الرحمن في فضائل سلمان: 38، 52، الباب الأوّل.
              (8) انظر: الصحيح من السيرة 2: 90 القسم الثاني، الباب الأوّل، الفصل الثاني، البحث الثاني: ملّة أبيكم إبراهيم.


              تعليق على الجواب (1)
              وكيف يمكن ان نفهم هذا الحديث المرو بأصل زيد الزراد:
              عن زيد الزراد عن محمدبن على الحلبى عن ابى عبدالله ع قال قلت له كانت الدنيا قط منذ كانت وليس في الارض حجة قال قد كانت الارض وليس فيها رسول ولانبى ولاحجة وذلك بين ادم ونوح في الفترة ولو سئلت هولاء عن هذا القالوالن تخلو الارض من حجة (الحجة خ د) وكذبوا انما ذلك شئ بدالله عزوجل فيه فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وقد كان بين عيسى ومحمد عليهما السلم فترة من الزمان ولم يكن في الارض نبى ولارسول ولاعالم فبعث الله محمداصلى الله عليه واله بشيرا ونذيرا وداعيا اليه.
              الجواب:

              أولاً: ذكر صاحب بحار الانوار بيانا بعد ذكره الرواية السالفة في ج4 ص122 : (لعل المراد عدم الحجة والعالم الظاهرين لتظافر الاخبار بعدم خلو الارض من حجة قط ) .
              ثانياً: ذكر الشيخ الكليني في الكافي ج1 ص178 باب ان الارض لا تخلو من حجة ثلاثة عشر رواية : (بَابُ أَنَّ الأَرضَ لَا تَخلُو مِن حُجَّةٍ
              1- عِدَّةٌ مِن أَصحَابِنَا عَن أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي عُمَيرٍ عَنِ الحُسَينِ بنِ أَبِي العَلَاءِ قَالَ قُلتُ لأَبِي عَبدِ اللَّه ع تَكُونُ الأَرضُ لَيسَ فِيهَا إِمَامٌ قَالَ لَا قُلتُ يَكُونُ إِمَامَانِ قَالَ لَا إِلَّا وأَحَدُهُمَا صَامِتٌ
              2- عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن أَبِيه عَن مُحَمَّدِ بنِ أَبِي عُمَيرٍ عَن مَنصُورِ بنِ يُونُسَ وسَعدَانَ بنِ مُسلِمٍ عَن إِسحَاقَ بنِ عَمَّارٍ عَن أَبِي عَبدِ اللَّه ع قَالَ سَمِعتُه يَقُولُ إِنَّ الأَرضَ لَا تَخلُو إِلَّا وفِيهَا إِمَامٌ كَيمَا إِن زَادَ المُؤمِنُونَ شَيئاً رَدَّهُم وإِن نَقَصُوا شَيئاً أَتَمَّه لَهُم
              3- مُحَمَّدُ بنُ يَحيَى عَن أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ عَن عَلِيِّ بنِ الحَكَمِ عَن رَبِيعِ بنِ مُحَمَّدٍ المُسلِيِّ عَن عَبدِ اللَّه بنِ سُلَيمَانَ العَامِرِيِّ عَن أَبِي عَبدِ اللَّه ع قَالَ مَا زَالَتِ الأَرضُ إِلَّا ولِلَّه فِيهَا الحُجَّةُ يُعَرِّفُ الحَلَالَ والحَرَامَ ويَدعُو النَّاسَ إِلَى سَبِيلِ اللَّه
              4- أَحمَدُ بنُ مِهرَانَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ عَنِ الحُسَينِ بنِ أَبِي العَلَاءِ عَن أَبِي عَبدِ اللَّه ع قَالَ قُلتُ لَه تَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ قَالَ لَا
              5- عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن يُونُسَ عَنِ ابنِ مُسكَانَ عَن أَبِي بَصِيرٍ عَن أَحَدِهِمَا ع قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّه لَم يَدَعِ الأَرضَ بِغَيرِ عَالِمٍ ولَو لَا ذَلِكَ لَم يُعرَفِ الحَقُّ مِنَ البَاطِلِ
              6- مُحَمَّدُ بنُ يَحيَى عَن أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الحُسَينِ بنِ سَعِيدٍ عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي حَمزَةَ عَن أَبِي بَصِيرٍ عَن أَبِي عَبدِ اللَّه ع قَالَ إِنَّ اللَّه أَجَلُّ وأَعظَمُ مِن أَن يَترُكَ الأَرضَ بِغَيرِ إِمَامٍ عَادِلٍ
              7- عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ عَن سَهلِ بنِ زِيَادٍ عَنِ الحَسَنِ بنِ مَحبُوبٍ عَن أَبِي أُسَامَةَ وعَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن أَبِيه عَنِ الحَسَنِ بنِ مَحبُوبٍ عَن أَبِي أُسَامَةَ وهِشَامِ بنِ سَالِمٍ عَن أَبِي حَمزَةَ عَن أَبِي إِسحَاقَ عَمَّن يَثِقُ بِه مِن أَصحَابِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ ع أَنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ ع قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَا تُخلِي أَرضَكَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلقِكَ
              8- عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن مُحَمَّدِ بنِ الفُضَيلِ عَن أَبِي حَمزَةَ
              عَن أَبِي جَعفَرٍ ع قَالَ قَالَ واللَّه مَا تَرَكَ اللَّه أَرضاً مُنذُ قَبَضَ آدَمَ ع إِلَّا وفِيهَا إِمَامٌ يُهتَدَى بِه إِلَى اللَّه وهُوَ حُجَّتُه عَلَى عِبَادِه ولَا تَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ حُجَّةٍ لِلَّه عَلَى عِبَادِه
              9- الحُسَينُ بنُ مُحَمَّدٍ عَن مُعَلَّى بنِ مُحَمَّدٍ عَن بَعضِ أَصحَابِنَا عَن أَبِي عَلِيِّ بنِ رَاشِدٍ قَالَ قَالَ أَبُو الحَسَنِ ع إِنَّ الأَرضَ لَا تَخلُو مِن حُجَّةٍ وأَنَا واللَّه ذَلِكَ الحُجَّةُ
              10- عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن مُحَمَّدِ بنِ الفُضَيلِ عَن أَبِي حَمزَةَ قَالَ قُلتُ لأَبِي عَبدِ اللَّه ع أتَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ قَالَ لَو بَقِيَتِ الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ لَسَاخَت
              11- عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن مُحَمَّدِ بنِ الفُضَيلِ عَن أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا ع قَالَ قُلتُ لَه أتَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ قَالَ لَا قُلتُ فَإِنَّا نُرَوَّى عَن أَبِي عَبدِ اللَّه ع أَنَّهَا لَا تَبقَى بِغَيرِ إِمَامٍ إِلَّا أَن يَسخَطَ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَهلِ الأَرضِ أَو عَلَى العِبَادِ فَقَالَ لَا لَا تَبقَى إِذاً لَسَاخَت
              12- عَلِيٌّ عَن مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى عَن أَبِي عَبدِ اللَّه المُؤمِنِ عَن أَبِي هَرَاسَةَ عَن أَبِي جَعفَرٍ ع قَالَ لَو أَنَّ الإِمَامَ رُفِعَ مِنَ الأَرضِ سَاعَةً لَمَاجَت بِأَهلِهَا كَمَا يَمُوجُ البَحرُ بِأَهلِه
              13- الحُسَينُ بنُ مُحَمَّدٍ عَن مُعَلَّى بنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الوَشَّاءِ قَالَ سَأَلتُ أَبَا الحَسَنِ الرِّضَا ع هَل تَبقَى الأَرضُ بِغَيرِ إِمَامٍ قَالَ لَا قُلتُ إِنَّا نُرَوَّى أَنَّهَا لَا تَبقَى إِلَّا أَن يَسخَطَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ عَلَى العِبَادِ قَالَ لَا تَبقَى إِذاً لَسَاخَت ) .
















              السؤال: لا بدّية وجود الحجّة في كلّ زمان لا يلازم حضوره جسداً في كلّ مكان
              ما دام لا يتوفّر وجود حجّة في كلّ مكان، فهذا يعني أنّ الحجّة قد لا توجد أيضاً في كلّ زمان، فلماذا توجبون وجود حجّة في كلّ زمان وعدم وجودها في كلّ مكان؛ إذ توجد بعض المناطق التي لم تصل إليها وجود الرسول أو الأئمّة أو الكتب والروايات؟
              الجواب:

              سوف نجيب على سؤالك في مستويات عدّة نتدرج فيها من الأسهل إلى الأصعب:
              إنّك تدّعي التلازم بين لا بدّية وجود إمام في كلّ زمان ووجوده في كلّ مكان، حتّى إذا انتفى أحد اللازمين انتفى الآخر! ولكن التلازم لا يقع إلاّ بين علّة ومعلول، أو معلولين لعلّة ثالثة، ومن الواضح أنّه لا علّية ولا معلولية بين لا بدّية الوجود في كلّ زمان وبين الوجود في كلّ مكان، فلا بدّ لك إذا أردت تصوير الملازمة بينهما من إثبات علّة واحدة لهما، أي: أنّ علّة لا بدّية وجود إمامٍ في كلّ زمان تؤدّي إلى ثبوت وجوده في كلّ مكان؛ لأنّ العلّة واحدة فيهما، وهذا لا يمكن المصير إليه!
              وقبل أن نذكر علّة لا بدّية وجود الإمام في كلّ زمان وعدم علّيتها لوجوده في كلّ مكان، نبيّن أنّ هذه الشبهة قد ذكرها القاضي عبد الجبّار المعتزلي في (المغني)، وأجاب عنها مفصّلاً الشريف المرتضى علم الهدى في ردّه عليه في كتابه (الشافي)، والشيخ الطوسي في (تلخيص الشافي).
              ثمّ نحن نقول: أنّه لا بدّ من وجود إمام في كلّ زمان؛ لأنّ الإمامة لطف في الدين عقلاً، أي: لطف في التكليف العقلي (فعل الواجبات وترك المقبحات) لا بدّ منه، ودليلنا على ذلك:
              أنّ الإنسان المدني بالطبع متى ما لم يكن عليه وعلى غيره من الناس رئيس مبسوط اليد قادر حاكم يدبّر أُمورهم ويقوم بسياستهم، اضطربت أُمورهم، وخربت دنياهم ومعيشتهم، وعلا بعضهم على بعض، يأكل القوي منهم الضعيف، وعمّ الظلم والفساد فيهم، وكثر الفجور والمعاصي عندهم.. ومتى كان فيهم رئيس انتظمت أُمورهم وتقوّمت سياستهم، وقلّت فيهم الفتن، وعمّهم الرخاء، وكانوا إلى الصلاح أقرب، وعن الفساد أبعد، وفي هذا ما لا يخفى من صلاح الدين والدنيا..
              وهذه الحاجة هي علّة وجود إمام في كلّ زمان، فالوجوب يدور مدار وجود الحاجة، والحاجة تثبت وجوب وجود رئيس في الجملة في كلّ زمان بحيث يرفع الحاجة، وهي غير ناظرة إلى كون الرئيس واحد أو متعدّد، وإنّما العقل يحكم بوجود رئيس وإمام كلّما وقعت الحاجة إلى ذلك، والحاجة مستمرّة باستمرار الزمان؛ لعلمنا بحال الناس وعدم عصمتهم في كلّ العصور.
              ثمّ إذا ثبتت الحاجة لوجوده في كلّ مكان، نلتزم بذلك لعدم الاستحالة فيه، وهو ممكن، ولكن الإمكان لا يكفي للإلزام كما هو واضح، إذ لا بدّ من إثبات الوجوب واللابدّية كما أثبتنا وجوب وجوده في كلّ زمان؛ إذ الدليل لا يدلّ إلاّ على أنّ وجوب وجود الرئيس والإمام يدور مدار الحاجة، وهي ثابتة في كلّ زمان، وأمّا ثبوتها في كلّ مكان، فيكون على وجهين، هما: وجود الإمام والرئيس بشخصه في كلّ مكان، أو وجود عدّة رؤساء في كلّ مكان، ووجود الإمام بشخصه في كلّ مكان مستحيل مادة، فلا بدّ من تدارك الحاجة بوجود عدّة رؤساء في كلّ مكان، وهذا الذي قلنا أنّه أمر ممكن، إذ الدليل لا يوجبه وإنّما يثبت أنّ وجوب الإمام والرئيس يدور مدار الحاجة وحسب المصلحة، فإذا قام دليل في شريعتنا على أنّ الإمام واحد في الزمان وقام الدليل العقلي على أنّ الحاجة ترتفع بوجود إمام واحد معصوم، يقوم برفعها بما ينصّبه من ولاة وأُمراء ونوّاب عنه، وهو قائم عليهم من خلفهم يسدّدهم وإنّ في ذلك تمام المصلحة، انتفت هذه اللابدّية المدّعاة لوجوده في كلّ مكان.
              فظهر من كلّ ذلك أنّ التلازم المدّعى في السؤال لا واقع له؛ إذ أنّ العلّة، وهي: الحاجة إلى الإمام، يمكن أن ترتفع مع وجود إمام واحد في الزمان له ولاة ونوّاب ينوبون عنه في كلّ مكان؛ فلاحظ!
              ثمّ إنّ هذا الإشكال سيّال على من قال: بوجوب قيام الأُمّة بنصب إمام في كلّ وقت عقلاً من غير الشيعة، ولا يختص بالشيعة؛ إذ لا يفترقون عن غيرهم إلاّ بقولهم: بوجوب نصبه من قبل الله عزّ وجلّ لعصمته؛ فتأمّل!
              هذا وأعلم أنّ قولنا: بوجوب وجود حجّة في كلّ زمان، يستند على خصوصية معنى: (الحجّة) وفرادته؛ فالزمان أوفق بالمراد من تلك الخصوصية والفرادة، لا المكان؛ لأنّ القول: بوجوب وجود حجّة في كلّ مكان، إن فُهم على ظاهره، أخلّ بالخصوصية والفرادة التي لوحظت في الحجّة؛ فإنّ لازم ذلك: أن يكون في كلّ مكان مكان من الأرض حجّة، أي: في كلّ شبر منها حجّة، فنصبح أنا وأنت بل وكلّ الناس حجج، فعلاوة على عدم جواز ذلك من الناحية الفعلية الواقعية باعتبار أن ليس كلّ أرض الله مسكونة بالناس؛ فالصحارى والبحار خالية من البشر، فإنّه غير جائز أيضاً من الناحية المنطقية؛ إذ أنّ الناس المنتشرين في أرض الله لو كانوا كلّهم حججاً لانتقض مفهوم الحجّية من أصله؛ لأنّ الحجّة من الناس هو المجعول في مقام هدايتهم حال ضلالهم، ومن تكون له فيهم منزلة يصحّ معها مراجعتهم له حال تنازعهم، لكي يرفع ذلك التنازع فيما بينهم.
              والحجّة في اللغة بمعنى: الدليل والبرهان، وقيل: هو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وإطلاقه على الإنسان من جهة حيازته للدليل ومقدرته على الظفر ظاهر، ومن هنا تتّضح فرادة وخصوصية معنى الحجّة، وينكشف سرّ عدم خلوّ الزمان منه.
              ومن جهة ثانية فإنّ الزمان في سياق هذه العبارة لا يراد منه الزمان القياسي، أي: الوقت، فالظاهر أنّ المراد هو: العصر أو الزمان بلحاظ حياة الناس في أمد محدود بمتوسّط عمر الإنسان، إذ إنّ وجود الحجّة في كلّ زمان معناه: وجوده في كلّ عصر ملحوظ فيه جميع المتعاصرين من بني البشر لا يشذّ عنهم أحد، ولازم ذلك: أن يكون المكان مضمّناً في المعنى، وإن لم يكن هذا اللازم بيّناً.
              وإن أُريد منه: وجود حجّة في كلّ بقعة من الأرض، بلدة أو ناحية أو ولاية، وكانوا كلّهم حجج، لأخلّ بالفرادة لمعنى الحجّية أيضاً، ولانتقض بعدم وجوده في جميع أماكن البلدة ولكلّ فرد فرد، فإن قيل: بأنّهم يستطيعون الوصول إليهم فرداً فرداً لقربهم أو بواسطة، لزال الفرق بينهم وبين وجود حجّة واحدة على الأرض، خاصّة في مثل زماننا هذا بعد أن قربت الأماكن وقصرت المسافات بما أحدثته التكنلوجيا من ابتكارات، ولأمكن الاستعاضة عن مثل ذلك بنوّابه وأُمرائه في الزمن السابق، فالإمام الحجّة يوصل إليهم وهم يوصلون إلى الناس.
              كلّ ذلك على مستوى الدليل الظاهري المستفاد من اللغة والاصطلاح، ونتيجته قاضية أنّ خلوّ المكان من الإمام ممكن بلحاظ تعدّد الأمكنة، لا خلوّه من المكان مطلقاً؛ إذ أنّ وجوده مثلاً في العراق يصدق معه أنّه موجود على الأرض، فلم تخلو الأرض منه، وأي صرف للمعنى إلى الاستغراق لجزئيات المكان يترتّب عليه التناقض، كما أثبتنا.
              ولكن للجواب شقّ فلسفي إن وفّقت لإدراكه وفّقت لخير كثير، وهو:
              إنّ الإمام - كما ثبت في محلّه - هو العلّة الغائية لخلق الكون؛ لأنّه أشرف الكائنات، وأنت تعلم أنّ القاعدة الفلسفية القائلة: بأنّ الأخس إذا وجد فلا بدّ أن يسبقه في الوجود ما هو أشرف منه، ويطلق على هذه القاعدة (قاعدة إمكان الأشرف)، ويتبيّن منها: أنّ الحجّة، وهو أشرف الكائنات، لا يمكن أن يرتفع مع وجود الأخسّ؛ فثبت أنّه لا بدّ أن يكون موجوداً في كلّ حين، لئلا يترتّب عليه الإخلال بتلك القاعدة العقلية، وأنت تعلم أنّ القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص؛ ففي تخصيصها نقضها.
              ولو سلّمنا جدلاً بأنّ القول: بعدم خلوّ الزمان من الحجّة دون المكان، هو ترجيح بدون مرجّح، كما تريد أن تثبت أنت في سؤالك، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ المعتبر في مقام وجود الإمام هو: وجود نفسه الطاهرة، المهيمنة على كافّة الآفاق والأكوان، لا خصوص وجود بدنه الطاهر، والنفس الملكوتية، كنفس الحجّة(عجّل الله فرجه)، لا تتقيّد بشروط الزمان والمكان، فوجودها في زمان ما كناية عن جميع الأكوان، أي: أنّ لفظة (الزمان) في العبارة إنّما هي إشارة إلى السعة الملكوتية للأنفس المقدّسة الطاهرة التي تطوي جميع الأمكنة والأزمنة.
              ولكي يتّضح لك المقصود أكثر، سنضرب لك مثلاً بالملائكة(عليهم السلام)، وذلك من جهة اختصاصهم بالهيمنة على ما أُنيط بهم من أدوار تستدعي أن لا يخلو منهم زمان ولا مكان، فمثلاً عزرائيل(عليه السلام) فإنّه الملك الموكّل بقبض الأرواح، فلو أنّ كارثة وقعت كزلزال، أو أظهر من ذلك: انفجار قنبلة ذرّية، إذ يهلك في ثوانٍ قليلة أكثر من مائة ألف إنسان، فكيف يتمكّن عزرائيل(عليه السلام) الحضور عند جميع من هلك لقبض روحه في نفس الآن لولا سعة وجوده الملكوتي الذي لا تقيّده الأمكنة والأزمنة.
              وإن أبيت إلاّ أنّ لعزرائيل(عليه السلام) أعوان أرسلهم لأجل انجاز هذه المهمّة في جميع الأمكنة المتقاربة التي حدث فيه هذا الهلاك الذريع، فإنّنا ننقض عليك بأنّ الإمام(عليه السلام) يمكن أن يرسل أعوانه في الآفاق، سواء كان هؤلاء الأعوان بشراً أم أعواناً روحانيين (جنّ أو ملائكة)، بحيث يمكن أن لا تخلو الأرض من حجّة في جميع الأزمنة والأمكنة.
              وهذا يقودنا إلى الجانب التشريعي من هذه القضية، فإنّ من مصاديق انطباق مفهوم العبارة، هو: أنّ وجود الإمام ببدنه الشريف وإن كان في أحد بلدان الأرض بحيث يخلو منه سائر البلدان الأُخرى، فإنّ وجود وكلائه وأتباعه ومندوبيه في تلك البلدان هو بمثابة وجوده؛ لأنّ الوكيل كالأصيل في تبليغ الشرائع والأحكام، فوكلاء الحجّة من العلماء لهم مقام الحجّية بالتبع، فإذا انتشروا في بلاد الله لم تخل الأرض من حجّة، وعلى هذا الأساس تؤخذ أحكام الشريعة اليوم عن العلماء الذين هم حجّة على الخلق، بنصّ الإمام: (فإنّهم حجّتي عليكم)(1). وكذا في زمان ظهوره المقدّس، يكون أصحابه الـ(313) هم قادة العالم والحجّة على جميع البلدان، كما ثبت في الروايات(2).
              ودمتم في رعاية الله
              (1) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 484 الباب (45) الحديث (4).
              (2) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 378 الباب (36) الحديث (2)، و654 الباب (57) الحديث (20).



              تعليق على الجواب (1)
              قاعدة (قاعدة إمكان الأشرف) هل يمكن تطبيقها بتلك الطريقة المذكورة اذا كانت العلة للخلق هي العبادة لذلك خلق الخلق على اصناف مختلفة لعلة واحدة وهي العبادة، فترتيب الاشرف والاخس اصبح ليس لها معنى بما ذكر سابقا.
              وهنا سؤال آخر
              انت تتحدث عن خلوه من بلد الى اخر وعدم معارضتها مع وجود الحجة، ولكن هذه غير مسلمة في حال المهدي كونه غير موجود في أي بلد بشكل واقعي عملي لاستحالة الوصول اليه أو حتى معرفة وكلائه المعتمدين بشكل قطعي وهذا لايفيد في القياس على وجود حاكم في مكان ووجود وكلائه في مكان آخر.
              الجواب:

              أولاً: إن قاعدة إمكان الاشرف هي قاعدة عقلية لا يمكن تخصيصها كما ذكرنا ذلك في جوابنا، وحينئذ فإن تطبيقها على كافة الجزئيات في السلسلتين الطولية والعرضية مما لا معدي عنه، وهو من الإمكان بمكان بحيث لا يتجشم في إثباته إلى الخوض في مناقشات طويلة، فلا يتخلف انطباق هذه القاعدة باختلاف العلة التي لأجلها كان الخلق، وسواء أكانت العلة هي العبادة أم غيرها فالقاعدة صحيحة ومنطبقة، فالعبادة إنما يقوم بها على الوجه الأكمل المرضي لله عزوجل هو الأشرف من بين الخلق ثم الأمثل فالأمثل، لأن العبادة مجعولة لأجل تكامل الناس وارتقائهم في درجات القرب منه سبحانه، وهي مفسرة في روايات أهل البيت عليهم السلام بالمعرفة، فقوله عزوجل (( وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ )) (الذاريات:56) معنى ليعبدون هو ليعرفون، والمعرفة أمر يتفاوت فيه الناس على قدر عقولهم وقابلياتهم، والعقول والقابليات ليست واحدة، ومنه يظهر بأن أشرف العباد في مقام العبادة هو أعرفهم لله سبحانه وتعالى، وهو المعصوم عليه السلام سواء أكان نبيا أم إماما، فاقتضت العبادة التي هي غاية للخلق أن يقوم بها الأشرف أولا ثم يتبعه الأخس، وذلك لأن الله تعالى إنما يُعبد من حيث يريد هو لا من حيث يريد الخلق فليس للخلق الحق في أن يبتدعوا من تلقاء أنفسهم طريقة للعبادة، إذ العبادة لها شروط وأصول ولا ينهض بها إلا الأشرف الذي يكون مؤهلا لأن يكلفه الله تعالى بمهمة تعليم الخلق كيفية العبادة الموصلة إلى مرضاته عزوجل
              ثانياً: إن المهدي عليه السلام موجود في بلد من البلدان قطعا، ولكنا لا نعرف على وجه اليقين في أي بلد يتواجد، وعدم المعرفة لا ينفي الوجود فما ذكرته في سؤالك لا نسلمه لأنك رتبت الوجود على المعرفة، والعقلاء لا ينفون ما جهلوه وإلا لصار كل مجهول معدوم، ولا يتلزم بذلك أحد من الناس فضلا عن عقلائهم. وأما استحالة الوصول إليه أو الاتصال به فهو ليس بسبب أنه في ذاته لا يمكن الوصول إليه بل لأجل ما تقتضيه الغيبة من خفائه عن الانظار حتى يأذن الله تعالى بظهوره، وبعبارة فلسفية فإن عدم تمكن عامة الناس من الوصول إليه عجل الله فرجه إنما هو لمانع يمكن الارتفاع في وقته عند حصول تمام شرائط ظهوره، وأما الوكلاء فالوصول إليهم أمر مقطوع به وقد جعل عليه السلام العلماء العدول في عصر الغيبة الكبرى حجة على الناس، وهم في مقام وكلائه بالمعنى الأعم إذ الوكلاء الخاصون أو السفراء قد كانوا في زمان الحضور ومدة الغيبة الصغرى فقط، وعهد بعدهم بالأمر إلى سائر من تتوفر فيه شروط العلم والعدالة من علمائنا رضوان الله عليهم وهم مستمرون على امتداد الغيبة وإلى يومنا هذا



              يتبع

              تعليق


              • #8
                السؤال: العلاقة بين النبوّة والوصاية
                س1: ما هي الوصاية؟ وهل كان كلّ وصيّ نبيّاً قبل خاتم الأنبياء(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو على الأقلّ يكون بأنّ كلّ وصيّ نبيّ ما لم يثبت العكس؟
                س2: هل يمكن أن تنقطع الأرض من إمام من آدم(عليه السلام) إلى يوم القيامة؟ مثلاً عندما لم يصل إبراهيم(عليه السلام) إلى مرتبة الإمامة هل كان هناك إمام غيره، أم أنّ الأرض كانت خالية من الأئمّة حينذاك؟
                س3: هل يشترط في النبوّة والوصاية إسلام جميع آباء النبيّ أو الوصيّ، أم أنّ مسألة توحيد الآباء والأجداد جميعاً هي من مختصّات نبيّ الإسلام محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يجب أن يشاركه فيها غيره من الأنبياء(عليهم السلام)؟
                الجواب:

                أولاً: ليست الوصية سوى إكمال المهمّة التي يبدأها الأنبياء في أقوامهم من نشر الأحكام وترسيخ القيم السماوية.. فمهمّة الوصيّ هي رعاية وحماية ما بدأه النبيّ قبله.. وقد ورد في الروايات: (أنّ لكلّ نبيّ وصيّ)(1)، إلاّ أنّه ليس كلّ وصيّ نبيّ.
                ثانياً: وأمّا إمكان خلوّ الأرض من حجّة، فتوجد هناك روايات تؤكّد عدم خلو الأرض من حجّة قائمة لله (نبيّ، وصيّ، إمام)، وقد ذكر الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) في كتابه (علل الشرائع) جملة من الروايات في باب أسماه: العلّة التي من أجلها لا تخلو الأرض من حجّة(2)؛ فراجع ثمّة!
                ثالثاً: أمّا عن إسلام آباء بقية الأنبياء عدا نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فالقدر المتيقّن وما دلّ عليه الدليل عند معظم الإمامية وبعض أهل السُنّة هو: إسلام آباء النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالملازمة إسلام آباء الأنبياء في عمود نسبه الشريف(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمّا البقية فلا نعلم ذلك بدليل.
                ودمتم في رعاية الله
                (1) انظر: من لا يحضره الفقيه للصدوق 4: 180 كتاب الوصية الحديث (5407)، كفاية الأثر للخزّاز القمّي: 80.
                (2) انظر: الكافي للكليني 1: 178 كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض لا تخلو من حجّة، علل الشرائع للصدوق 1: 195 الباب (153)، بصائر الدرجات للصفّار: 506 الجزء التاسع باب (1) الحديث (15، 17).













                السؤال: (لكلّ نبي وصيّ) في مصادر القوم
                (لكلّ نبيّ وصيّ)، هل هذا الاعتقاد من مختصات المذهب الحقّ، أم هو ظاهرة إسلامية يعترف بها الطرف المخالف؟
                وإذا كانوا يعترفون بها، فأرجو منكم ذكر المصادر التي تذكر هذا الأمر عندهم؟
                الجواب:

                نعم، يروي المخالفون أنّ لكلّ نبيّ وصي، لكن بعضهم يصرفها عن معناها في الخلافة بفهم معنى الوصية بالوصية بأهله فقط.
                ورد في (المعجم الكبير) للطبراني، و(مجمع الزوائد) للهيثمي: ((عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان، قال: قلت: يا رسول الله! لكلّ نبيّ وصيّ، فمن وصيّك؟ فسكت عنّي.
                فلمّا كان بعد رآني فقال: يا سلمان!
                فأسرعت إليه، قلت: لبيك.
                قال: تعلم من وصيّ موسى؟
                قلت: نعم، يوشع بن نون.
                قال: لِمَ؟
                قلت: لأنّه كان أعلمهم.
                قال: فإنّ وصيّي، وموضع سرّي، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني: عليّ بن أبي طالب))(1).
                وفي (الرياض النضرة) للطبري: ((عن بريدة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم): (لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي)، خرّجه البغوي في معجمه))(2).
                ودمتم في رعاية الله
                (1) المعجم الكبير 6: 221 أبو سعيد الخدري عن سلمان، مجمع الزوائد 9: 213 باب مناقب عليّ بن أبي طالب، باب في ما أوصى به(رضي الله عنه).
                (2) الرياض النضرة 3: 138 الفصل السادس: في خصائصه، ذكر اختصاصه بالولاية والإرث.











                السؤال: اختبار الله الناس بالإمامة
                هل امتحن الله أُمماً أُخرى غابرة بالإمامة مثلما امتحن أُمّة الإسلام؟
                الجواب:

                إنّ لكلّ نبيّ وصيّ، فمثلاً: لموسى(عليه السلام) وصيّ اسمه: يوشع بن نون، ولعيسى(عليه السلام) وصيّ باسم: شمعون الصفا، ولسليمان(عليه السلام) وصيّ اسمه: آصف بن برخيا، وكلّ أُولئك الأنبياء أشهدوا أُممهم على استخلاف أُولئك الأوصياء، وسقط في الاختبار من أُولئك الأُمم من لم يقبل بأوصياء أُولئك الأنبياء..
                فعن أبي سعيد الخدري، عن سلمان(رضي الله عنه)، قال: ((قلت: يا رسول الله! لكلّ نبيّ وصيّ، فمن وصيّك؟
                فسكت عنّي، فلمّا كان بعد رآني، فقال: يا سلمان!
                فأسرعت إليه، وقلت: لبيك.
                قال: تعلم من وصيّ موسى؟
                قلت: نعم، يوشع بن نون.
                قال: لِمَ؟
                قلت: لأنّه كان أعلمهم.
                قال: فإنّ وصيّي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني: عليّ بن أبي طالب))(1).
                وفي (ذخائر العقبى): عن بريدة، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لكلّ نبيّ وصيّ ووارث، وإنّ عليّاً وصيّي ووارثي)(2).
                ودمتم في رعاية الله
                (1) انظر: المعجم الكبير للطبراني 6: 221 أبو سعيد عن سلمان، الإكمال في أسماء الرجال: 96 ترجمة سليمان، علل الشرائع للصدوق 2: 469 الباب (222)، وغيرها.
                (2) ذخائر العقبى للطبري: 71، وانظر: تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 392 ترجمة الإمام عليّ، المناقب للخوارزمي: 85 الفصل السابع، وغيرها.



                تعليق على الجواب (1)
                هل أنّ کبرى لکلّ نبيّ وصيّ سارية في کلّ الأنبياء؟
                وإذا کانت کذلك فهل يُلتزم بأنّ الأنبياء الذين کانوا في زمن واحد کالإخوة مثلاً لهم أوصياء، بل وحتّى النبيّ الذي بعث إلى عائلته، بل والذي بعث إلى نفسه، کما دلّت الروايات على هکذا أنبياء؟
                وهل هناک دليل محکم على هذه الکبرى؟ وهل لا يمکن تأويله؟
                الجواب:

                وردت عندنا وعند المخالفين روايات تشير إلى أنّ: لكلّ نبيّ وصيّ(1)، وهذا من عقائد الشيعة الإمامية(2).
                نعم، هناك رواية تشير إلى أنّ لكلّ نبيّ وصيّ راجعة إلى أربعة آلاف نبيّ بعثهم الله؛ إذ ورد عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (أيّها الناس! اسمعوا قول نبيّكم: إنّ الله بعث أربعة آلاف نبيّ، لكلّ نبيّ وصيّ، وأنا خير الأنبياء، ووصيّي خير الأوصياء)(2).
                ويمكن الجمع بينها وبين تلك الروايات العديدة، بأنّ الحديث عن الوصاية لأربعة آلاف نبيّ لا ينفي الوصاية لباقي الأنبياء، بل هي مسكوت عنها في هذا الحديث، ومصرّح بها في تلك الأحاديث العامّة. وإلاّ إذا لم يمكن الجمع فيطرح ما موجود في الرواية الواحدة مقابل الروايات المستفيضة.
                ودمتم في رعاية الله
                (1) كفاية الأثر للخزّاز القمّي: 80 ما جاء عن أبي هريرة، مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي: 167 الحديث (212)، مناقب آل أبي طالب 2: 35 فصل: الإخوة، العمدة لابن بطريق: 234 الفصل التاسع والعشرون، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 392 ترجمة الإمام عليّ، المناقب للخوارزمي: 85 الفصل السابع، وغيرها.
                (2) انظر: الاعتقادات في دين الإمامية للصدوق: 92 باب الاعتقاد في عدد الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام).
                (3) دلائل الإمامة للطبري: 90 الحديث (24) خبر الخطبة بجمع من الناس، نوادر المعجزات للطبري: 89 الحديث (2) الباب (2).






















                السؤال: أسئلة متعدّدة عن الوصية والإمامة وعلاقتها بالنبوّة والرسالة
                بسم الله الرحمن الرحيم
                والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين وصحبه الأخيار الميامين.
                وبعد، فإنّي قد بحثت كثيراً في كتب الشيعة لأجد إجابات عن هذه الأسئلة، ولكنّي لم أجد شيئاً حاسماً، بل وجدت كلاماً متناقضاً يضرب بعضه بعضاً، فأرجو أن تجيبوني عن هذه الأسئلة أجوبة واضحة كافية مدعمة بالأدلّة والبراهين، وسوف أقوم بعرض أقوال بعض علماء الشيعة عن موضوع الإمامة وسأعلّق عليها، وفي ختام هذا البحث سأذكر ملخّصاً يحتوي بعض الأسئلة حول الموضوع، وهذه الأسئلة مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً.
                - كتاب ظلامة أبي طالب للسيّد جعفر مرتضى العاملي ص (9) إعداد مركز الأبحاث العقائدية:
                ((ثمّ هم في الجانب الآخر يصوّرون أبا طالب، شيخ الأبطح(عليه السلام)، ومستودع الوصايا، والذي تقول النصوص إنّه من أوصياء النبيّ عيسى(عليه السلام)، على أنّه الرجل المصرّ على الشرك، والعناد، فلا يخضع للحقّ، ولا يستجيب لنداء الله، رغم أنّه يعيش كلّ أجواء الإيمان، ويرى الدلائل والمعجزات لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الواحدة تلو الأُخرى)).
                أقول: هل هذا يعني أنّ أبا طالب كان مسيحياً؟ وهل كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل نزول الوحي عليه مسيحياً؟
                - كتاب ظلامة أبي طالب للسيّد جعفر مرتضى العاملي ص (44):
                ((أبو طالب في كلمات النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة(عليهم السلام): ثمّ إنّه قد روي عن عليّ(عليه السلام): (أنّ نور أبي يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار: نور محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونوري، ونور الحسن والحسين، ونور تسعة من ولد الحسين)))(البحار 35: 69 و110 عن الاحتجاج وعن الكراجكي).
                وروي أيضاً: أنّ مثله كان مثل أصحاب الكهف.
                وأنّه كان مستودعاً للوصايا، فدفعها إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(البحار 35: 72 و73، وراجع الكافي 1: 445).
                وقال الصدوق: ((روي أنّ عبد المطّلب كان حجّة، وأنّ أبا طالب كان وصيّه)).(الاعتقادات في دين الإمامية للصدوق: 85 طبع المطبعة العلمية، قم سنة 1412هـ).
                وقال المجلسي: ((بل كان من أوصياء إبراهيم)). (البحار 35: 138).
                وفي روضة الواعظين: ((أنّ جابراً قال لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): يقولون: إنّ أبا طالب مات كافراً؟! قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا جابر، الله أعلم بالغيب! إنّه لما كانت الليلة التي أُسري بي إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار، فقلت: إلهي، ما هذه الأنوار؟! فقال: يا محمّد، هذا عبد المطّلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا أخوك طالب. فقلت: إلهي وسيّدي، فيم نالوا هذه الدرجة؟! قال: بكتمانهم الإيمان، وإظهارهم الكفر، وصبرهم على ذلك حتّى ماتوا) ))(البحار 35: 15، وروضة الواعظين: 101) انتهى.
                أقول: هل يطفئ نور أبي طالب يوم القيامة نور الزهراء؟ وهل أبو طالب من أوصياء إبراهيم(عليه السلام)، أو عيسى(عليه السلام)؟
                - قال الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات ص (26) إعداد مركز الأبحاث العقائدية:
                ((واتّفقت الإمامية على أنّ كلّ رسول فهو نبيّ، وليس كلّ نبيّ فهو رسول، وقد كان من أنبياء الله - عزّ وجلّ - حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام، وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء - (عليهم السلام) ــ.واتّفقوا على جواز بعثة رسول يجدّد شريعة من تقدّمه، وإن لم يستأنف شرعاً، ويؤكّد نبوّة من سلف وإن لم يفرض غير ذلك فرضاً. وأجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين، ومع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة وكافّة أصحاب الحديث)).
                أقول: هل كلّ الشيعة يعتقدون أنّ كلّ رسول إمام؟ وهل يمكنكم شرح كلام المفيد هذا لنا: ((وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء - (عليهم السلام)))؟
                - (الكافي 1: 175):
                1- محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور، عنه، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): (الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام، مثل: ما كان إبراهيم على لوط(عليهما السلام)، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كيونس؛ قال الله ليونس: (( وَأَرسَلنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلفٍ أَو يَزِيدُونَ )) (الصافات:147)، قال: يزيدون: ثلاثين ألفاً وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل: أُولي العزم.
                وقد كان إبراهيم(عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام، حتّى قال الله: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً).
                2- محمّد بن الحسن، عمن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: (إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء، قال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، قال: فمن عظّمها في عين إبراهيم قال: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، قال: لا يكون السفيه إمام التقي).
                أقول: الحديث الثاني يدلّ على أنّه ليس كلّ رسول إمام.
                - (الكافي 1: 177):
                محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقي، عن العبد الصالح(عليه السلام)، قال: (إنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام حتّى يعرف).
                محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن خلف بن حمّاد، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): (الحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق).
                أحمد بن مهران، عن محمّد بن علي، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا.
                أقول: هذا يدلّ على أنّ المقصود بالحجّة: الإمام، وليس النبيّ أو الرسول.
                - (الكافي 1: 179):
                عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قال: (والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم(عليه السلام) إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله، وهو حجّته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده).
                أقول: هذا الحديث يدلّ على أنّه في كلّ زمان إمام.
                - (الكافي للكليني 1: 269):
                (باب في أنّ الأئمّة بمن يشبّهون ممّن مضى وكراهية القول فيهم بالنبوّة).
                أقول: وهذا يدلّ على جواز القول بأنّ الأئمّة أنبياء.
                - (الكافي للكليني 1: 270): عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: (الأئمّة بمنزلة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)).
                أقول: هل الفرق بينه وبين النبيّ هو أمر الزوجات فقط؟
                - الشيخ علي الكوراني، كتاب (العقائد الإسلامية 1: 341 ط2):
                ((المقنعة/32: ويجب على كلّ مكلّف أن يعرف إمام زمانه ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنه أفضل أهل عصره وسيّد قومه، وأنّهم في العصمة والكمال كالأنبياء(عليهم السلام)، ويعتقد أن كلّ رسول لله تعالى إمام، وليس كلّ إمام نبيّاً ولا رسولاً).
                وقال المفيد في (المقنعة ص30): (باب ما يجب من الاعتقاد في أنبياء الله تعالى ورسله(عليهم السلام): ويجب أن يعتقد التصديق لكلّ الأنبياء(عليهم السلام)، وأنّهم حجج الله على من بعثهم إليه من الأُمم، والسفراء بينه وبينهم، وأنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتمهم وسيّدهم وأفضلهم، وأنّ شريعته ناسخة لما تقدّمها من الشرائع المخالفة لها، وأنّه لا نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته، وكلّ من ادّعى النبوّة بعده فهو كاذب على الله تعالى، ومن يغيّر شريعته فهو ضال، كافر من أهل النار، إلاّ أن يتوب ويرجع إلى الحقّ بالإسلام، فيكفّر الله تعالى حينئذ عنه بالتوبة ما كان مقترفاً من الآثام.
                ويجب اعتقاد نبوّة جميع من تضمّن الخبر عن نبوّته القرآن على التفصيل، واعتقاد الجملة منهم على الإجمال. ويعتقد أنّهم كانوا معصومين من الخطأ، موفّقين للصواب، صادقين عن الله تعالى في جميع ما أدّوه إلى العباد، وفي كلّ شيء أخبروا به على جميع الأحوال، وأنّ طاعتهم طاعة لله ومعصيتهم معصية لله، وأنّ آدم، ونوحاً، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وإدريس، وموسى، وهارون، وعيسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وإلياس، وذا الكفل، وصالحاً، وشعيباً، ويونس، ولوطاً، وهوداً، كانوا أنبياء الله تعالى ورسلاً له صادقين، عليه كما سمّاهم بذلك، وشهد لهم به، وأنّ من لم يذكر اسمه من رسله على التفصيل كما ذكر من سمّيناه منهم، وذكرهم في الجملة، حيث يقول: (( وَرُسُلاً قَد قَصَصنَاهُم عَلَيكَ مِن قَبلُ وَرُسُلاً لَم نَقصُصهُم عَلَيكَ )) (النساء:164)، كلّهم أنبياء عن الله، صادقون وأصفياء له، منتجبون لديه، وأنّ محمّداً(صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيّدهم وأفضلهم، كما قدّمناه). (ورواه في علل الشرائع 1: 204، وأمالي الصدوق: 731، والخصال: 215))). انتهى كلام الكوراني هنا...
                أقول: هذا يخالف كلام الكليني حينما قال: ((كراهية القول فيهم بالنبوّة)).
                - قال الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار 26: 82): ((إنّ استنباط الفرق بين النبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال))، ثمّ قال: ((ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلاّ رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة)).
                أقول: هذا اعتراف خطير للمجلسي بعجزه عن حلّ هذه المشكلة العويصة في مسألة الإمامة؛ لأنّه وردت روايات كثيرة في مصادر الشيعة تنصّ على أنّ الأئمّة كانوا يرون الملائكة التي توحي إليهم.
                - (أصل الشيعة وأُصولها: 224) لكاشف الغطاء:
                ((إنّ الإمامية تعتقد أنّ الله سبحانه لا يخلي الأرض من حجّة على العباد، من نبيّ أو وصيّ)).
                أقول: هل يعنى هذا الكلام أنّ كلّ الأنبياء كانوا أئمّة؟ وهل يعني أنّ الأوصياء كلّهم كانوا أئمّة؟
                - (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي: 299 ط2) للشيخ علي الكوراني العاملي، تحت عنوان (يحكم بعد المهدي اثنا عشر من ولده)، وقد ذكر الشيخ عدّة مصادر تذكر ذلك، منها: غيبة الطوسي: 285، ومنتخب الأنوار: 201، والإيقاظ: 393، والبحار 53: 145و 148، ومختصر البصائر: 159 و 182، وشرح الأخبار 3: 400، وغيبة الطوسي: 151، وقال الشيخ الكوراني بعد ذلك ص (303) من نفس الكتاب: ((وقد وقع المرحوم البياضي العاملي(رحمه الله) في شبهتهم (يقصد علماء السُنّة)، فردّ حديث الاثني عشر مهدياً بعد الإمام المهدي(عليه السلام)، وناقش الشريف المرتضى في ذلك في الصراط المستقيم 2: 152)).
                الأسئلة:
                ما تعريف كلّ من الرسول والإمام والنبيّ والحجّة والوصيّ والمهديين لديكم، وما هو الشيء المشترك بينهم، وما هو الشيء غير المشترك؟
                الإمام عليّ حتّى يصبح نبيّاً ماذا ينقصه؟
                هل كلّ رسول إمام؟
                هل كلّ نبيّ إمام؟
                هل كلّ وصيّ إمام؟
                هل كلّ إمام محدّث؟ وهل العكس صحيح؟
                هل تشترطون وجود الرسول أو الإمام أو النبيّ أو الحجّة أو الوصيّ في كلّ زمان؟
                هل الإمام يكون إمام منذ ولادته، أم الأمر يكون بالتدريج، أم حتّى تنتهي إمامة من قبله؟
                ما الفرق بين الإمام الناطق والصامت، وهل يجوز أن يكون الإمام الصامت أفضل من الناطق؟
                هل إبراهيم(عليه السلام) لم يكن إمام ثمّ كان؟ وإذا كان الأمر كذلك هل أنّ إبراهيم كان تابعاً لإمام آخر قبل أن يصبح هو إمام، أو أنّكم لا تشترطون وجود إمام في كلّ زمان؟
                من هو الحجّة أو الإمام أو الوصيّ قبل النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة؟
                هل يكره القول بنبوّة الأئمّة أو يحرم؟
                هل الإمام المهدي هو آخر إمام؟ وهل يوم القيامة بعده مباشرة؟ وهل يحكم أحد بعده، وهل يكون معصوم؟ وهل يكون إمام أو وصيّ أو مهدي من المهديين؟ وهل بذلك يصبح عدد الأئمّة أكثر من (12)؟
                روت بعض المصادر: أنّ أبا طالب كان وصيّاً، فهل انتهت وصايته بولادة النبيّ، أم بقي النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تابعاً لأبي طالب حتّى وفاته (أي وفاة أبي طالب)، أم أنّ الإمام لا يشترط أن يكون الأعلم، وأنّه المتبوع وليس التابع?
                الجواب:

                لكثرة الأسئلة التي طرحتها وكرّرتها بالرغم من إجابتنا عنها سابقاً، سوف يكون الجواب إجماليّاً مع إهمال بعض الأسئلة المتكرّرة.
                أوّلاً: إنّ هناك روايات قد يفهم منها أنّ أبا طالب كان من أوصياء عيسى(عليه السلام)، ولكن الذي عليه الرأي الأدقّ هو كونه من أوصياء إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) كما أشار إلى ذلك صاحب (البحار)، وكونه من أوصياء إسماعيل وإبراهيم(عليهما السلام) لا ينافي كونه مستودعاً لوصية أحد أوصياء عيسى(عليه السلام)، فإنّ الوصاية غير استيداع الوصاية؛ فلاحظ!
                ثانياً: إنّ الروايات تختلف في تعداد الأنوار التي لا يطفئها نور أبي طالب، فواحدة من الروايات ما ذكرتها أنت، والأُخرى تذكر نور محمّد ونور عليّ ونور فاطمة ونور الحسن ونور الحسين وولده الأئمّة التسعة(عليهم السلام)(1).
                ثالثاً: قد يثبت أنّه كلّ رسول إمام، أي: أنّ نوح(عليه السلام) وإبراهيم(عليه السلام) وموسى(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام) ومحمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم رسل قد يثبت لهم أنّهم أئمّة، ولكن ليس كلّ إمام فهو رسول، إذ أنّ أئمّتنا الاثني عشر(عليهم السلام) ليسوا رسلاً قطعاً، فدائرة الأئمّة أوسع من دائرة الرسل، وقد تكون دائرة الرسل أخصّ من وجه، أي: أنّ يوجد رسول وهو ليس إمام، كما دلّت عليه الرواية، فإنّ إبراهيم(عليه السلام) كان رسولاً قبل أن يكون إماماً.
                رابعاً: قال المفيد(ره): ((وقد كان من أنبياء الله - عزّ وجلّ - حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام))، أي: أنّ بعض الأنبياء بما هم أنبياء ولكن دورهم كان حفظ شريعة من تقدّمهم من الرسل، كهارون(عليه السلام) بالنسبة لموسى(عليه السلام)؛ فإنّ هارون(عليه السلام) مع كونه نبيّاً فهو وصيّ موسى(عليه السلام)، ولم يكن دوره إلاّ حفظ شريعة موسى(عليه السلام)، ثمّ إنّ هؤلاء الخلفاء مع كونهم خلفاء وأنبياء قد يكونوا أئمّة أيضاً.
                ثمّ قال (ره): ((وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك))، هذا جواب على إشكال ذكره متأخّراً عن الجواب، وخلاصة الإشكال هو: إذا كان هناك أنبياء دورهم حفظ شريعة الرسول الذي قبلهم فلماذا لا نسمّي أئمّتنا أنبياء مع أنّ دورهم مماثل لدور هؤلاء الأنبياء، أي: أنّ دورهم هو حفظ شريعة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا مانع عقلي من أن نسمّي أئمّتنا أنبياء لحصول نفس الدور الذي حصل للأنبياء الذين خلفوا رسلهم.
                وبعبارة أُخرى: أن لا مانع عقلي أن يبعث الله أنبياء بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحفظون رسالته، كما بعث أنبياء حفظوا رسالة من سبقهم من الرسل، ويكون هؤلاء الأنبياء بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم أئمّتنا (لحصولهم على المعنى)، أي: الدور والوظيفة، (الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء(عليهم السلام)) الذين كانوا بعد رسلهم.
                وأجاب عن هذا الإشكال: بأنّ المانع من ذلك: الشرع. أي: أنّ الله سبحانه وتعالى ختم النبوّة والرسالة بنبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يبعث بعده بنبيّ، وإن كان العقل لا يجد مانعاً من ذلك، ولكن الأمر لله سبحانه وتعالى، ولذلك فإنّ شريعتنا الخاتمة تمنع من الاعتقاد ببعثة أنبياء بعد نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                ثمّ قال: ((واتّفقوا على جواز بعثه رسول يجدّد شريعة من تقدّمه - أي: من الرسل - وإن لم يستأنفه شرعاً، ويؤكّد نبوّة من سلف وأن لم يفرض غير ذلك فرضاً))(2)، كما أرسل عيسى(عليه السلام) مجدّداً لشريعة موسى(عليه السلام) ولم يبعثه بشريعة جديدة.
                خامساً: بعض الروايات عامّة تشير إلى أنّه لا تخلو الأرض من حجّة، والحجّة أعمّ من الإمام والنبيّ والرسول، وأمّا تلك الروايات فيمكن حملها على فترة ما بعد نبوّة نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ حيث لا نبوّة ولا رسالة، فيجيب الإمام: أنّه لا تخلوا الأرض من الإمام، باعتبار أنّ الحجّة بعد نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الإمام لا غير، وأمّا الخبر الذي لا يحتمل ذلك، فلا بدّ من فهم الإمام بمعنى الهادي، والنبيّ والرسول أئمّة بهذا المعنى، أو نلتزم بوجود إمام في كلّ زمان وهو الحجّة، ولكن لا نعرفهم، وإنّما نعرف بعضهم كإبراهيم وموسى وعيسى(عليهم السلام) إماماً، أمّا ما بينهم فلا نعرفهم.
                وهذا الأخير هو الأصحّ، والتزم به كثير من علمائنا، ورواية الباقر(عليه السلام) تدلّ عليه؛ قال: (والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم(عليه السلام) إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله وهو حجّته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)(3)، وقال تعالى: (( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً )) (البقرة:30).
                وربّما اجتمعت الإمامة مع النبوّة والرسالة، فيكون الرسول أو النبيّ إماماً على غيره من الأنبياء وليس كلّ الأنبياء إمام؛ قال أبو عبد الله(عليه السلام): (الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام، مثل: ما كان إبراهيم على لوط(عليهما السلام)، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كيونس... وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل: أُولي العزم، وقد كان إبراهيم(عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام، حتّى قال الله: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ))، فقال الله: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً)(4).
                عن يزيد الكناسي، قال: ((سألت أبا جعفر(عليه السلام): أكان عيسى بن مريم(عليه السلام) حين تكلّم في المهد حجّة لله على أهل زمانه؟
                فقال: كان يومئذ نبيّاً حجّة الله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: (( قَالَ إِنِّي عَبدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَينَ مَا كُنتُ وَأَوصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمتُ حَيّاً )) (مريم:30-31)؟!
                قلت: فكان يومئذ حجّة لله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟
                فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلّم فعبّر عنها، وكان نبيّاً حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثمّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضيت له سنتان، وكان زكريا الحجّة لله عزّ وجلّ على الناس بعد صمت عيسى بسنتين، ثمّ مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عزّ وجلّ: (( يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيّاً )) (مريم:12)، فلمّا بلغ عيسى(عليه السلام) سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين، وليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوماً واحداً بغير حجّة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدم(عليه السلام) وأسكنه الأرض.
                قلت: جعلت فداك، أكان عليّ(عليه السلام) حجّة من الله ورسوله على هذه الأُمّة في حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
                فقال: نعم، يوم أقامه للناس ونصبه علماً، ودعاهم إلى ولايته، وأمرهم بطاعته.
                قلت: وكانت طاعة عليّ(عليه السلام) واجبة على الناس في حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعد وفاته؟
                فقال: نعم، ولكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكانت الطاعة لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أُمّته وعلى عليّ(عليه السلام) في حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكانت الطاعة من الله ومن رسوله على الناس كلّهم لعليّ(عليه السلام) بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان عليّ(عليه السلام) حكيماً عالماً)(5).
                سادساً: العنوان الذي ذكره صاحب (الكافي) من عنده وليس هو بنصّ معصوم! ومعنى الكراهية هنا لا يدلّ على الجواز، فهو ليس بصدد بيان حكم شرعي، بل يقصد: أنّ النبوّة لا تطلق عليهم.
                وقد شرحنا لك المراد من قول المفيد في النقطة (الرابعة).
                سابعاً: الفرق بين الإمام وبين النبيّ: هو أنّ النبيّ له ميزة خاصّة لم تثبت للإمام وهي رتبة النبوّة، ولهذه الرتبة خصوصيات، وأمّا السماح له بتعدّد الزوجات فهي ميزة عرضيّة، ذكرها الإمام ليتّضح الفرق بينهما في ذهن السائل.
                ثامناً: الذي نقطع به أنّ أئمّتنا(عليهم السلام) ليس عندهم ميزة وصفة النبوّة، فلذا فهمنا عبارة الكليني وفق هذا القطع من أنّهم ليسوا بأنبياء.
                تاسعاً: ما قاله المجلسي أنّهم(عليهم السلام) أفضل من الأنبياء ولكن مع ذلك هم ليسوا بأنبياء، وعلّل ذلك برعاية خاتم الأنبياء(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبعد ذكره لعدّة وجوه للفرق بين الأنبياء والأئمّة، ذكر أنّه لا يستطيع الوصول إلى حقيقة الفارق عقلاً بين النبوّة والإمامة، مع أنّه ذكر عدّة وجوه للمسألة تبعاً للأخبار لكنّه أقرّ بوجود الإشكال فيها.
                وكلامه وجه آخر لكلام المفيد الذي شرحناه.
                عاشراً: يمكن أن يكون هناك أنبياء ليسوا أئمّة، وأئمّة ليسوا بأنبياء، وذكرنا أنّ الحجّة أعمّ من النبيّ أو الإمام، ولو أردنا أن نقول: إنّ الحجّة هو الإمام، يبقى كلامكم غير دقيق من افتراض أنّ كلّ الأنبياء لا بدّ أن يكونوا أئمّة!
                فالصحيح أن تقولوا: إنّ كلّ زمان لا يخلو من حجّة، وهو إمّا إمام، أو نبيٍّ إمام، أو رسول إمام.
                ودمتم في رعاية الله
                (1) انظر: الأمالي للشيخ الطوسي: 702 المجلس (40) الحديث (1499).
                (2) أوائل المقالات: 45.
                (3) الكافي للكليني 1: 178 كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
                (4) الكافي للكليني 1: 174 كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة(عليهم السلام).
                (5) الكافي للكليني 1: 382 كتاب الحجّة، باب حالات الأئمّة(عليهم السلام) في السن.



                يتبع

                تعليق


                • #9
                  السؤال: توضيح لمعنى الرسول والنبيّ والإمام والوصيّ والحجّة والمهدي
                  هذه أسئلة من طالب حقّ أودّ أن أُوجّهها لحضرتكم..
                  فبعد طول بحث لم أتوصّل حتّى الآن لنتيجة ترضني، فأرجو أن تجيبوني أجوبة حاسمة للموضوع.
                  قد حاولت كثيراً أن أجد إجابة لهذه الأسئلة من كتبكم، ولكني لم أجد شيئاً واضحاً، بل وجدت كلام متناقض وخصوصاً في مقام الإمام، وقد أتبعت هذه الأسئلة ببعض أقول علمائكم المتناقضة والغريبة أحيانا.
                  فأرجو الردّ سريعاً, وأرجو المعذرة إن أطلت.
                  ما تعريف كلّ من: الرسول والإمام والنبيّ والحجّة والوصيّ والمهديين لديكم؟ وما هو الشيء المشترك بينهم، وما هو الشيء غير المشترك؟ هل من الممكن للشخص أن يحمل أكثر من صفة من الصفات السابقة الإمام عليّ حتّى يصبح نبيّاً ماذا ينقصه؟ هل كلّ رسول إمام؟ هل كلّ نبيّ إمام؟ هل كلّ وصيّ إمام؟
                  هل تشترطون وجود الرسول أم الإمام أم النبيّ أم الحجّة أم الوصيّ في كلّ زمان؟
                  هل الإمام يكون إمام منذ ولادته، أم الأمر يكون بالتدريج؟
                  ما الفرق بين الإمام الناطق والصامت؟
                  هل إبراهيم(عليهم السلام) لم يكن إماماً ثمّ كان؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل إبراهيم كان تابعاً لإمام آخر قبل أن يصبح هو إمام، أم أنّكم لا تشترطون وجود إمام في كلّ زمان؟
                  من هو الحجّة، أو الإمام، أو الوصيّ قبل النبيّ محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة؟
                  هل الإمام المهدي آخر إمام؟ وهل يوم القيامة يكون بعده مباشرة؟ وهل يحكم أحد بعده؟ وهل يكون معصوم؟ وهل يكون إمام أم وصيّ أم مهدي من المهديين؟ وهل بذلك يصبح عدد الأئمّة أكثر من 12؟
                  هل العصمة إجبارية؟
                  هل العصمة بمعنى: أنّ الله يجبرهم على العصمة، ولكنّهم في أنفسهم يشعرون أنّهم غير معصومين، فيأخذون الأجر لذلك؟ وهل هذا يعقل؟
                  هل العصمة من المعصومين، أم من الله، أم منه ومن الله؟ وكيف يكون ذلك؟
                  هل هم معصومون منذ أن خلقهم الله، أم أنّ الله أجرى لهم اختباراً ثمّ أصبحوا معصومين؟
                  هل العصمة تكون من الذنب، أم من الخطأ، أم أنّهم يتركون أنواع معيّنة من الخطأ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يتكرّر منهم، أم لمرّة واحدة فقط؟
                  هل هم معصومون من المكروهات؟
                  هل المعصومين يتركون فعل الأولى؟ وهل يتكرّر منهم ذلك؟ ولماذا يتركون فعل الأولى؟
                  هل عصمتهم كعصمة الملائكة؟
                  لماذا لا يكون للمعصومين مكانة واحدة؟ وهل تفاوت مقاماتهم بسبب ترك بعض الأولويات، أو ترك بعض السنن؟ (مهم جدّاً، راجع: الكافي ج1 باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته).
                  - كتاب (أصل الشيعة وأُصولها) لكاشف الغطاء، ص222: ((وعرفت أنّ مرادهم بالإمامة: كونها منصباً إلهياً يختاره الله بسابق علمه بعباده، كما يختار النبيّ، ويأمر النبيّ بأن يدلّ الأُمّة عليه، ويأمرهم باتّباعه)).
                  - كتاب (العصمة) للسيّد علي الميلاني، ص15: ((وقد رأيت في بعض الكتب أنّ سلمان الفارسي أيضاً معصوم، ولا يهمّنا الآن البحث عن ذلك القول)).
                  - كتاب (العصمة) للسيّد علي الميلاني، ص17: ((العصمة ومسألة الجبر: أوضح علماؤنا أنّ هذه الحالة تجتمع تماماً مع ما ذهبت إليه الطائفة من أنّ: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين.. وذلك بأنّ العصمة تمسّك المعصوم وتمنعه عن أي مناف, ولكن لا تلجئه إلى الطاعة, ولا تلجئه إلى ترك المعصية أو المنافي.
                  وهذا المعنى قد أشار إليه العلاّمة(رحمه الله) في تعريفه من جهتين: الأُولى: قوله: بالمكلّف، إذ قال: العصمة لطف يفعله الله بالمكلّف؛ فإنّه يريد أن يفهمنا بأنّ المعصوم مكلّف, أي: أنّه مأمور بالطاعة وترك المعصية, وأنّه إذا أطاع يثاب, وإذا عصى يعاقب, ولذا جاء في القرآن الكريم: (( فَلَنَسأَلَنَّ الَّذِينَ أُرسِلَ إِلَيهِم وَلَنَسأَلَنَّ المُرسَلِينَ )) (الأعراف:6), يعني: إنّ المرسلين كسائر أفراد أُممهم مكلّفون بالتكاليف, فلا يكون من هذه الناحية فرق بين الرسول وبين أفراد أُمّته, وعلى الرسول أن يعمل بالتكاليف, كما أنّ على كلّ فرد من أفراد أُمّته أن يكون مطيعاً وممتثلاً للتكاليف, فلو كان المعصوم مسلوب القدرة على المعصية, مسلوب القدرة على ترك الإطاعة, فلا معنى حينئذ للثواب والعقاب, ولا معنى للسؤال.
                  وقد بيّنا بالإجمال هذا المطلب في بحثنا عن آية التطهير.
                  والجهة الثانية: الموجودة في كلام العلاّمة(رحمه الله): قوله: بحيث لا يكون له داعٍ إلى ترك الطاعة وفعل المعصية؛ ففي هذه العبارة إشارة إلى أنّ ترك الطاعة وفعل المعصية إنّما يكون بداع نفساني، يحمل الإنسان على الإطاعة, أو يحمل الإنسان على إتيان المعصية وارتكابها, وهذا الإنسان قد أودع الله سبحانه وتعالى فيه مختلف القوى التي يستخدمها لأغراضه، الصحيحة وغير الصحيحة, إلاّ أنّ العصمة تمسّك المعصوم, بحيث لا يبقى له داع إلى ارتكاب المعصية، أو ترك الطاعة والتكليف الشرعي.
                  ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي صاحب (الميزان)(رحمه الله), عبّر عن هذا اللطف الإلهي بـ(الموهبة), فالعصمة عبّر عنها بالموهبة الإلهية, وأرجع العصمة إلى العلم, وذكر أنّها - أي: العصمة - نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلم في أنّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة, بل هي الغالبة القاهرة عليها، المستخدمة إياها, ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً.
                  وإذا كانت العصمة راجعة إلى العلم, فيكون الأمر أوضح؛ لأنّ الإنسان إذا علم بقبح شيء فلا يريده, وإذا علم بالآثار المترتّبة على الفعل الذي يريد أن يقدم عليه, تلك الآثار إن كانت حسنة فإنّه يقدم, وإن كانت سيئة فإنّه يحجم, فتكون العصمة حينئذٍ منبعثة عن العلم.. ويكون الفارق بين المعصوم وغير المعصوم: أنّ غير المعصوم لم يحصل له ذلك العلم الذي حصل عليه المعصوم, ولذا لا يبلغ غير المعصوم مرتبة العصمة؛ لعدم وجود العلم اللازم فيه, وعدم حصول ذلك العلم الخاص له, وكثير من الأشياء يعجز الإنسان عن درك حقائقها من محاسن ومساوي, أمّا إذا كان الإنسان عالماً وبتلك المرحلة من العلم, وكانت عنده تلك الموهبة الإلهية - كما عبّر السيّد الطباطبائي(رحمه الله) - فإنّه يعلم بحقائق الأشياء، ويمتنع صدور ما لا يجوز عنه.
                  ولا بدّ من التحقيق الأكثر في نظرية السيّد الطباطبائي(رحمه الله), وأنّه: هل يريد أنّ العصمة منبعثة من العلم, وأنّه هو المنشأ لهذه الحالة المعنوية الموجودة عند المعصوم, كما قرأنا في هذه العبارة, أو أنّه يريد أنّ العصمة نفس العلم؟
                  وعلى كلّ حال, فإنّ الإنسان إذا كان عالماً بحقائق الأشياء وما يترتّب على كلّ فعل يريد أن يفعله, أو حتّى على كلّ نية ينويها فقط, عندما يكون عالماً ومطّلعاً على ما يترتّب على ذلك, فسيكون عنده رادع على أثر علمه عن أن يقدم على ذلك العمل إذا كانت آثاره سيئة, أو أنّه سيقدم على العمل إذا كانت آثاره مطلوبة وحسنة)).
                  - قال الشيخ المفيد(رحمه الله) في (النكت الاعتقادية): ((العصمة لطف يفعله الله بالمكلّف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما)).
                  - قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص26: ((واتّفقت الإمامية على أنّ كلّ رسول فهو نبيّ، وليس كلّ نبيّ فهو رسول، وقد كان من أنبياء الله - عزّ وجلّ - حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام، وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك؛ لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء(عليهم السلام).
                  واتّفقوا على جواز بعثة رسول يجدّد شريعة من تقدّمه وإن لم يستأنف شرعاً، ويؤكّد نبوّة من سلف وإن لم يفرض غير ذلك فرضاً. وأجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين، ومع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة وكافّة أصحاب الحديث)).
                  - قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص63: ((القول في عصمة الأنبياء(عليهم السلام):
                  أقول: إنّ جميع أنبياء الله - صلوات الله عليهم - معصومون من الكبائر، قبل النبوّة وبعدها، وما يستخفّ فاعله من الصغائر كلّها، وأمّا ما كان من صغير لا يستخف فاعله، فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير تعمّد، وممتنع منهم بعدها على كلّ حال.. وهذا مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه.
                  القول في عصمة نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم):
                  وأقول: إنّ نبيّنا محمّداً(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممّن لم يعص الله عزّ وجلّ منذ خلقه الله عزّ وجلّ إلى أن قبضه، ولا تعمّد له خلافاً، ولا أذنب ذنباً على التعمّد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن وتواتر الخبر عن آل محمّد(عليهم السلام)، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه)).
                  - قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص64: ((وأقول: إنّ تعليق النبوّة تفضّل من الله تعالى على من اختصّه بكرامته؛ لعلمه بحميد عاقبته، واجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوّته في التفضيل على من سواه)).
                  - قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص66: ((وأقول: إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياء(عليهم السلام) في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وإنّهم لا يجوز منهم صغيرة إلاّ ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، وإنّه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم، وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد من هذا الباب)).
                  - قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص136: ((القول في العصمة ما هي؟ أقول: إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل. ومنه قولهم: (اعتصم فلان بالجبل)، إذا امتنع به، ومنه سمّيت: (العصم)، وهي: وعول الجبال؛ لامتناعها بها.
                  والعصمة من الله تعالى، هي: التوفيق الذي يسلم به الإنسان ممّا يكره إذا أتى بالطاعة، وذلك مثل: إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم، فهو إذا أمسكه واعتصم به، سمّي ذلك الشيء: عصمة له لمّا تشبّث به وسلم من الغرق، ولو لم يعتصم به لم يسمّ: (عصمة)، وكذلك سبيل اللطف، إنّ الإنسان إذا أطاع سمّي (توفيقاً) و(عصمة), وإن لم يطع لم يسمّ (توفيقاً) ولا (عصمة)..
                  وقد بيّن الله ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله: (( وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللَّهِ جَمِيعاً )) (آل عمران:103)، وحبل الله هو: دينه؛ ألا ترى أنّهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه، فصار تمسّكهم بأمره اعتصاماً، وصار لطف الله لهم في الطاعة عصمة، فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيّين والأئمّة معصومون؛ لأنّهم متمسّكون بطاعة الله تعالى. وهذه جملة من القول في العصمة ما أظنّ أحداً يخالف في حقيقتها، وإنّما الخلاف في حكمها كيف تجب، وعلى أي وجه تقع)).
                  - (الكافي) ج1 ص158: ((الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال: سألته فقلت: الله فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: الله أعزّ من ذلك. قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدل وأحكم من ذلك. قال: ثمّ قال: قال الله: يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك)).
                  - الكافي ج1 ص161: ((محمّد بن أبي عبد الله، عن حسين بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين. قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مثل ذلك: رجل رأيته على معصية، فنهيته، فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية)).
                  - (الكافي) ج1 ص175: ((1 - محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور، عنه، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد، وعليه إمام، مثل: ما كان إبراهيم على لوط(عليهما السلام)، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة، قلّوا أو كثروا، كيونس؛ قال الله ليونس: (( وَأَرسَلنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلفٍ أَو يَزِيدُونَ )) (الصافات:147)، قال: يزيدون: ثلاثين ألفاً، وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل: أُولي العزم، وقد كان إبراهيم(عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، من عَبَد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً.
                  2 - محمّد بن الحسن، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإن الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم، قال: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، قال: لا يكون السفيه إمام التقي)).
                  - (الكافي) ج1 ص177: ((محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقّي، عن العبد الصالح(عليه السلام)، قال: إنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلاّ بإمام حتّى يعرف.
                  محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن خلف بن حمّاد، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): الحجّة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق.
                  أحمد بن مهران، عن محمّد بن علي، عن الحسين بن أبى العلاء، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا)).
                  - الكافي ج1 ص179: ((عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قال: والله ما ترك الله أرضاً، منذ قبض آدم(عليه السلام)، إلاّ وفيها إمام يهتدي به إلى الله، وهو حجّته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)).
                  - كتاب (براءة آدم حقيقة قرآنية) للسيّد جعفر مرتضى العاملي، ص26: ((خلاف الأولى: وربّما نجد: أنّ بعضهم قد اختار في توجيه قضية آدم(عليه السلام) التعبير الذي يقول: إنّ ذلك كان من قبيل ترك الأولى؛ فقد قال العلاّمة الطباطبائي(رحمه الله)): ابتلاء آدم(عليه السلام) كان قبل تشريع الشرايع، فكان المتوجّه إليه إرشادياً. وما ابتلى به من المخالفة كان من قبيل: ترك الأولى (تفسير الميزان ج14 ص227).
                  وقال أيضاً عن التعبير القرآني الذي يوحي بصدور المعصية من آدم(عليه السلام): إنّما هي معصية أمر إرشادي، لا مولوي. والأنبياء(عليهم السلام) معصومون من المعصية والمخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يُوحى إليهم، فلا يخطئون، ومن جهة حفظه، فلا ينسون ولا يحرّفون، ومن جهة إلقائه إلى الناس وتبليغه قولاً، فلا يقولون إلاّ الحقّ الذي أوحي إليهم، وفعلاً، فلا يخالف فعلهم قولهم، ولا يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة؛ لأنّ في الفعل تبليغاً كالقول.
                  وأمّا المعصية بمعنى: مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلاّ إحراز المأمور خيراً أو منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح، كما يأمر وينهى المشير الناصح نصحاً؛ فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلّة العصمة. وهو ظاهر. وليكن هذا معنى قول القائل: إنّ الأنبياء(عليهم السلام) على عصمتهم يجوز لهم ترك الأولى، ومنه: أكل آدم(عليه السلام) من الشجرة.
                  ونقول: أوّلاً: علينا أن نحمل كلامهم على أنّ مقصودهم هو: الترك المستند إلى المقدّمات الصحيحة التي تناسب عصمة النبيّ أو الوصيّ، وحكمته، وعقله، وتدبيره، بحيث يكون تركه للأولى من أجل أنّه رأى في مرحلة الظاهر هذا الترك هو الأولى. وليس المقصود أنّه عرف أنّه الأولى، ثمّ تركه..
                  فإذا ظهر أنّ الواقع كان مخالفاً للظاهر، فإنّ ذلك لا يضرّ؛ لأنّه تكليفه هو العمل بما ثبت له في مرحلة الظاهر..
                  والسبب في ذلك هو: أنّ تركه للأولى، إذا كان من أجل أنّه لم يدرك أولويته، وكان عدم إدراكه لذلك يمثّل نقصاناً في مستوى وعيه، وفهمه، وحكمته، أي: أنّه لا يدرك ما هو أولى وراجح، ولا يدرك أيضاً: أن عليه أن يأخذ بالراجح، ويلتزم به)).
                  - (الكافي) للكليني ج1 ص269: ((باب في أنّ الأئمّة بمن يشبّهون ممّن مضى وكراهية القول فيهم بالنبوّة)).
                  - (الكافي) للكليني ج1 ص270: ((عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: الأئمّة بمنزلة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم))).
                  - الشيخ علي الكوراني كتاب (العقائد الإسلامية) ج1 ص341: ((المقنعة 32، ويجب على كلّ مكلّف أن يعرف إمام زمانه، ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنّه أفضل أهل عصره وسيّد قومه، وأنّهم في العصمة والكمال كالأنبياء(عليهم السلام)، ويعتقد أنّ كلّ رسول لله تعالى إمام وليس كلّ إمام نبيّاً ولا رسولاً)).
                  - (تفسير نور الثقلين) للشيخ عبد علي الحويزي ج3 ص142: ((في كتاب (معاني الأخبار) بإسناده إلى موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين(عليهم السلام)، قال: الإمام منّا لا يكون إلاّ معصوماً, وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها, وكذلك لا يكون إلاّ منصوصاً. فقيل: يا بن رسول الله فما معنى المعصوم؟
                  فقال: هو المعتصم بحبل الله, وحبل الله هو: القرآن, والقرآن يهدي إلى الإمام, وذلك قول الله عزّ وجلّ: (( إِنَّ هَذَا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ )) (الإسراء:9) )).
                  - وقال المفيد في (المقنعة)، ص30: ((باب ما يجب من الاعتقاد في أنبياء الله تعالى ورسله(عليهم السلام): ويجب أن يعتقد التصديق لكلّ الأنبياء(عليهم السلام)، وأنّهم حجج الله على من بعثهم إليه من الأُمم، والسفراء بينه وبينهم، وأنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتمهم وسيّدهم وأفضلهم، وأنّ شريعته ناسخة لما تقدّمها من الشرائع المخالفة لها، وأنّه لا نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته، وكلّ من ادّعى النبوّة بعده فهو كاذب على الله تعالى، ومن يغيّر شريعته فهو ضالّ كافر من أهل النار، إلاّ أن يتوب ويرجع إلى الحقّ بالإسلام، فيكفّر الله تعالى حينئذٍ عنه بالتوبة ما كان مقترفاً من الآثام.
                  ويجب اعتقاد نبوّة جميع من تضمّن الخبر عن نبوّته القرآن على التفصيل، واعتقاد الجملة منهم على الإجمال، ويعتقد أنّهم كانوا معصومين من الخطأ، موفّقين للصواب، صادقين عن الله تعالى في جميع ما أدّوه إلى العباد، وفي كلّ شيء أخبروا به على جميع الأحوال، وأنّ طاعتهم طاعة لله ومعصيتهم معصية لله، وأنّ آدم، ونوحاً، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وإدريس، وموسى، وهارون، وعيسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وإلياس، وذا الكفل، وصالحاً، وشعيباً، ويونس، ولوطاً، وهوداً، كانوا أنبياء الله تعالى ورسلاً له، صادقين عليه، كما سمّاهم بذلك، وشهد لهم به، وأنّ من لم يذكر اسمه من رسله على التفصيل - كما ذكر من سمّيناه منهم - وذكرهم في الجملة، حيث يقول: (( وَرُسُلاً قَد قَصَصنَاهُم عَلَيكَ مِن قَبلُ وَرُسُلاً لَم نَقصُصهُم عَلَيكَ )) (النساء:164)، كلّهم أنبياء عن الله صادقون، وأصفياء له، منتجبون لديه، وأنّ محمّداً(صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيّدهم وأفضلهم، كما قدّمناه)).
                  - ألف سؤال وإشكال للشيخ علي الكوراني العاملي ج2 ص148: ((نؤمن بالعدالة المطلقة لله تعالى، والعصمة التامّة للأنبياء والأئمّة، امتاز الشيعة عن غيرهم من جميع مذاهب المسلمين والأديان الأُخرى, بعقيدتهم بالعدالة الكاملة لله تعالى, والعصمة الكاملة لأنبيائه وأوصيائه، فهم ينزّهونهم عن جميع المعاصي والمعائب, قبل البعثة والإمامة وبعدها, في تبليغ الرسالة, أو في سلوكهم الشخصي والعام.
                  وقد عرّف الإمام الصادق العصمة كما في (معاني الأخبار) للصدوق، ص132: قال: سألت أبا عبد الله عن ذلك؟ فقال: المعصوم هو: الممتنع بالله من جميع محارم الله, وقال الله تبارك وتعالى: (( وَمَن يَعتَصِم بِاللَّهِ فَقَد هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ )) (آل عمران:101).
                  وفي (معاني الأخبار)، ص132: عن الإمام موسى بن جعفر, عن أبيه جعفر بن محمّد, عن أبيه محمّد بن علي, عن أبيه علي بن الحسين، قال: الإمام منّا لا يكون إلاّ معصوماً, وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيُعرف بها, ولذلك لا يكون إلاّ منصوصاً. فقيل له: يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟
                  فقال: هو: المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو: القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة, والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام, وذلك قول الله عزّ وجلّ: (( إِنَّ هَذَا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ )) (الإسراء:9).
                  وفي (معاني الأخبار)، ص132: عن محمّد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام؛ فإنّي سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم؟ فقال: نعم. فقلت: فما صفة العصمة فيه؟ وبأي شيء تُعرف؟
                  فقال: إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه، ولا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة, فهذه منفية عنه..
                  لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين, فعلى ماذا يحرص! ولا يجوز أن يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد, فكيف يحسد من هو دونه؟!
                  ولا يجوز أن يغضب لشيء من أُمور الدنيا إلاّ أن يكون غضبه لله عزّ وجلّ, فإنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود, وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود الله عزّ وجلّ.
                  ولا يجوز له أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا, فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ, وثوباً ليناً لثوب خشن, ونعمةً دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟!
                  (رواه في علل الشرائع 1: 204، وأمالي الصدوق ص731، والخصال ص215))). انتهى كلام الكوراني.
                  - (الشيعة في عقائدهم وأحكامهم), للكاظمي القزويني, ص322: ((قوّة في العقل تمنع صاحبها من مخالفة التكليف مع قدرته على مخالفته)).
                  ((إنّ استنباط الفرق بين النبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال)). (بحار الأنوار: 26/82.).
                  ثمّ قال: ((ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلاّ رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة)) (بحار الأنوار: 26/82).
                  الجواب:

                  قد ذكرنا الفرق بين الرسول والنبيّ في أجوبتنا ضمن عنوان: (النبوّة والأنبياء/ الفرق بين النبيّ والرسول)؛ فراجع!
                  أمّا تعريف الإمامة فقد عرّفها العلاّمة الحلّي بأنّها: رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
                  وقال المقداد السيوري: ((الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني))(1)، وقد عرّفناها نحن هنا في هذا العنوان بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فراجع!
                  ومعنى كون (الأنبياء والأئمّة حجّة الله على عباده)، أي: أدلّته وعلامته التي بها يهتدون إليه سبحانه، إذ بهم يعرفون وعده ووعيده وصراطه وغاية وجودهم، وبهم يحتجّ الله تعالى عليهم يوم القيامة(2).
                  ومعنى وصيّ النبيّ، هو: القائم مقامه في الأمر والنهي بعهد من النبيّ إليه.
                  وأمّا المقصود من (المهديين)، فمرّة يراد بهم: الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)(3)، وهناك أخبار آحاد تشير أنّ بعد القائم اثني عشر مهدياً، وهم ليسوا بأئمّة كما تصرّح بعض الروايات(4).
                  ومن الممكن أن يكون هناك شخص يحمل أكثر من صفة من تلك الصفات؛ فالإمام عليّ(عليه السلام) هو إمام ووصيّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو حجّة الله على خلقه في فترة إمامته، ونبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) نبيّ ورسول وإمام وحجّة الله على خلقه في فترة نبوّته.
                  والإمام عليّ(عليه السلام) لا يمكن أن يكون نبيّاً؛ فإنّ درجته الكمالية التي وصل إليها والتي اختاره الله واصطفاه هي: الإمامة لخاتم الأنبياء. ويمكنك الرجوع إلى عنوان: (الإمامة/ أعلى رتبةً من النبوّة) لاستيضاح الأمر.
                  وليس كلّ رسول إمام - على خلاف في هذه المسألة؛ فبعضهم يقول: أنّ كلّ رسول إمام - ولا كلّ نبيّ إمام، ولا كلّ وصيّ إمام، فقد يكون هناك نبيّ أو رسول - على الخلاف - دون أن يصل إلى الإمامة، كما حصل مع إبراهيم(عليه السلام) قبل إمامته، ويمكن أن يكون هناك وصيّ ليس بإمام كأن يكون نبيّ، كما هو الحال في بعض أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا أوصياء لمن سبقهم من الأنبياء(عليهما السلام).
                  نعم، الشيخ المفيد يرى أنّ كلّ رسول فهو نبيّ إمام؛ فهو يرى أنّ العلاقة بين الرسول والنبيّ هي العموم والخصوص المطلق(5)، وقد عرفت الحال منها سابقاً، والروايات تشير إلى أنّه لا تخلو الأرض من حجّة بشكل مطلق، وهو يشمل النبيّ والرسول والإمام والوصيّ، وطريق الجمع بينها وبين الروايات التي تشير إلى أنّه لا تبقى الأرض بغير إمام: أنّ الإمام المقصود في هذه الروايات بمعنى: الهادي، الذي يشمل النبيّ والرسول والإمام بالمعنى الأخصّ، فيكون المدار على وجود الحجّة في الأرض، أو القول بأنّ الحجّة مساوق للإمام كما عليه الكثير من علمائنا التزاماً بالروايات، وقد مضى بيان ذلك في السؤال السابق.
                  والإمام يختاره الله ويصطفيه لعلمه به منذ ولادته إماماً.
                  ويطلق الإمام الصامت في بعض الروايات على الإمام الذي يكون مع إمام آخر الذي يكون هو الإمام الفعلي الذي يحقّ له التكلّم، والآخر يكون صامتاً(6).
                  وكان إبراهيم(عليه السلام) هو الحجّة في زمانه حتّى قبل أن يكون إماماً على القول بالمعنى المطلق للحجّة، وأمّا القول الآخر، فلا بدّ من أن يكون عليه إمام لا نعرفه.
                  وربّما كان الحجّة قبل نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: أبو طالب، كما تشير بعض الروايات. وأوضحنا ذلك في عنوان (أبو طالب/ هو الحجّة قبل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم))، وهل كان عليه إمام، العلم عند الله في ذلك؛ إذ لم يصلنا شيء من الروايات بهذا الخصوص.
                  وآخر الأئمّة(عليهم السلام) هو: الإمام المهدي(عليه السلام). لكن تشير بعض الروايات إلى رجوع بعض الأئمّة(عليهم السلام) بعد ظهوره(عجّل الله فرجه الشريف)(7).
                  ولا يزيد عدد أئمّتنا عن اثني عشر إماماً.
                  نعم، هناك روايات تشير إلى اثني عشر مهدياً، وهم غير الأئمّة وليسوا المعصومين(8)، ولعلّهم سيكونون قادة في ظلّ حكومة أحد المعصومين(عليهم السلام) في الرجعة.
                  أمّا أسئلة العصمة، فقد فصّلنا القول فيها في عنوانها الخاص بها؛ فراجع!
                  ودمتم في رعاية الله
                  (1) النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: 94 الفصل السادس.
                  (2) انظر: شرح أُصول الكافي للمازندراني 4: 229 كتاب التوحيد باب النوادر.
                  (3) انظر: كامل الزيارات: 438 الباب (84)، الأمالي للصدوق: 188 الحديث (197) المجلس (26)، وغيرها.
                  (4) انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: 358 الحديث (56) الباب (33).
                  (5) انظر: المقنعة: 32 الباب الثالث.
                  (6) انظر: بصائر الدرجات للصفّار: 392 الجزء الثامن والعاشر، الإمامة والتبصرة: 101 باب إمامة القائم، الكافي 1: 178 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
                  (7) انظر: بحار الأنوار 53: 46 الباب (29).
                  (8) انظر: الغيبة للطوسي: 478 الحديث (504) فصل (8).
























                  السؤال: الإمامة منصب يحصل بعد الاختبار
                  سؤالي هو: هل هناك أنبياء نالوا منصب الإمامة غير نبيّنا الكريم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونبيّ الله إبراهيم(عليه السلام)؟
                  وهل الآية الكريمة: قال تعالى: (( وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ))(الأنبياء:72-73)، تعني: أنّ نبيّ الله إسحاق، ونبيّ الله يعقوب(عليهما السلام) نالا منصب الإمامة؟
                  فإن كان كذلك، فكيف نفسّر كون نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) حصل على منصب الإمامة بعد عدّة ابتلاءات، بينما نبيّ الله إسحاق ولنبيّ الله يعقوب(عليهما السلام) لم يأتِ ذكر لابتلاءاتهما؟ هل يعني هذا أنّهما أفضل من نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام)؟
                  الجواب:

                  إنّ عدم ذكر الابتلاء أو الاختبار الذي جعل لهما لا يدلّ على عدم حصوله أصلاً وأنّهما حصلاً على الإمامة من دون اختبار أو استحقاق، بل السكوت في هذه الآية أعمّ من حصول الاختبار وعدمه.
                  وقد أشارت آيات أُخرى إلى ما يدلّ على ذلك؛ فقال تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)، فالصبر واليقين هما السبب في تنصيبهم للإمامة..
                  ولعلّ في سورة يوسف بعضاً من تلك الابتلاءات التي لم تذكر في هذه الآية، والتي على أساسها حصل الاجتباء؛ فقد قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى آلِ يَعقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِن قَبلُ إِبرَاهِيمَ وَإِسحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) (يوسف:6).


















                  السؤال: من صفاتها: تنزّه الإمام عمّا تنفر منه الطباع
                  من صفات اختيار الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام): السلامة من العاهات والأمراض المعدية.
                  س1: فلماذا شاء الله تعالى أن يبلى النبيّ أيّوب بالأمراض المعدية؟
                  س2: عندما استلم الإمام عليّ السجّاد(عليه السلام) الإمامة، هل كان عليلاً، أم سليماً؟
                  الجواب:

                  يجب في النبيّ أو الإمام أن يكون منزّهاً عن كلّ ما هو منفّر، سواء كانت هذه المنفّرات خَلقية أو خُلقية، وذلك لأنّ هذه الأُمور صارفة عن الأخذ منه والقبول لقوله، فكان تنزيهه عنها من اللطف المقرّب للخلق على طاعته واستمالة القلوب إليه، فوجودها يكون منافياً للغرض من البعثة أو الإمامة(1).
                  ومنه يعرف أنّه لا يجب تنزيه النبيّ أو الإمام(عليه السلام) من كلّ مرض، بل يجب تنزيهه من الأمراض المنفّرة لما ذكرناه في الكبرى، وعلى هذا ما جاء في بعض الروايات عن أئمّتنا(عليهم السلام):
                  روى الصدوق في (الخصال): ((حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا الحسن بن علي السكري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا الجوهري، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهم السلام)، قال: (إنّ أيّوب(عليه السلام) ابتُلي من غير ذنب، وإنّ الأنبياء لا يذنبون؛ لأنّهم معصومون مطهّرون، لا يذنبون ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً).
                  وقال(عليه السلام): (إنّ أيّوب(عليه السلام) مع جميع ما ابتلى به لم ينتن له رائحة، ولا قُبحت له صورة، ولا خرجت منه مدّة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا يدوّد شيء من جسده، وهكذا يصنع الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرّمين عليه، وإنّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره؛ لجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره من التأييد والفرج...))(2) الخ.
                  وعلّق المجلسي على هذه الرواية بقوله: ((هذا الخبر أوفق بأُصول متكلّمي الإمامية من كونهم(عليه السلام) منزّهين عمّا يوجب تنفّر الطباع عنهم؛ فتكون الأخبار الأُخر محمولة على التقيّة، موافقة للعامّة في ما رووه، لكن إقامة الدليل على نفي ذلك عنهم مطلقاً، ولو بعد ثبوت نبوّتهم وحجّيتهم، لا يخلو من إشكال، مع أنّ الأخبار الدالّة على ثبوتها أكثر وأصحّ.. وبالجملة للتوقّف فيه مجال))(3).
                  ومراده من الأخبار الدالّة على ثبوتها: ما ورد من إصابة أيّوب(عليه السلام) بالقرحة في بدنه حتّى ظهر الدود فيه ونتن، فأخرجه أهل القرية ورموه على المزبلة(4)، وهو موافق لما ورد عن العامّة بأنّه(عليه السلام) أصيب بالجذام.
                  وممّا بيّنه المجلسي يمكن أن يلتزم بقولٍ ثان، وهو: أنّ الدليل على تنزّههم عن الأمراض المنفّرة تام في بداية البعثة حتّى لا ينصرف الناس عنهم، فإذا ثبتت نبوّتهم وقامت حجّتهم فلا مانع من ابتلائهم بمثل هذه الأمراض؛ إذ بعد ثبوت الحجّية على الناس قد تم اللطف المقرّب لهم.
                  وربّما يقال: أنّ ما وقع لأيّوب(عليه السلام) كان ابتلاء خاص به، كما هو ظاهر من الروايات؛ إذ أنعم الله عليه بنعم كثيرة، فشكر، فابتلاه وامتحنه، فصبر وشكر، ولا مانع من ابتلائه بمثل هذه الأمراض، أو بما يتسبّب بهجران الناس له بعد أن عرفوا نبوّته أوّلاً، ولما يعلمه الله من عاقبته وما سيردّه عليه من النعم ثانياً، لأنّه يكون من المعجزة الظاهرة له تؤكّد نبوّته ومنزلته.
                  ثمّ إنّ كلّ ما جاء في القرآن الكريم فهو إرشادات لنا لا إرشادات لأُمّة موسى أو عيسى أو أيّوب أو سليمان أو داود(عليهم السلام)... والله سبحانه وتعالى صنع بأيّوب(عليه السلام) ما صنع لكي يدلّ على شيء واحد، وهو: أنّ الله سبحانه وتعالى يرضى بأن يقتل نبيّه الذي بعثه لهداية الناس، فقد قال: (( قُل فَلِمَ تَقتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبلُ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ )) (البقرة:91), وقال: (( فَبِمَا نَقضِهِم مِّيثَاقَهُم وَكُفرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيرِ حَقًّ وَقَولِهِم قُلُوبُنَا غُلفٌ بَل طَبَعَ اللّهُ عَلَيهَا بِكُفرِهِم فَلاَ يُؤمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً )) (النساء:155), وقال: (( أَفَكُلَّمَا جَاءكُم رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهوَى أَنفُسُكُمُ استَكبَرتُم فَفَرِيقاً كَذَّبتُم وَفَرِيقاً تَقتُلُونَ )) (البقرة:87).. وهذا التأكيد في الآيات الكريمة يفيد بأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعصم نبيّه عصمة مادية، أو بتعبير الحاضر: عصمة فيزيائية.
                  نعم، الله سبحانه وتعالى يعصم نبيّه عصمة معنوية، يعني: لا يرضى بهوان رسوله ولا بهوان نبيّه، ففي قصّة أيّوب(عليه السلام) التي جاء فيها: (( وَأَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ )) (الأنبياء:84)، ابتلى الله سبحانه وتعالى أيّوب(عليه السلام) حتّى يمتحن صبره، فلمّا تحوّل إلى نوع من الاستهانة نادى أيّوب ربّه، فأجابه سبحانه وتعالى: (( وَاذكُر عَبدَنَا أَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصبٍ وَعَذَابٍ * اركُض بِرِجلِكَ هَذَا مُغتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ )) (ص:41-42), ومثله في قصّة زكريا (( وَوَهَبنَا لَهُ يَحيَى وَأَصلَحنَا لَهُ زَوجَهُ )) (الأنبياء:90).
                  وهذا دليل على أنّ الله سبحانه وتعالى يرضى بقتل أوليائه، ولكن لا يرضى بهوانهم، فمن أراد أو عمل شيئاً يهينهم، فالله سبحانه وتعالى سوف ينتقم منهم في دار الدنيا، ويفضحهم على رؤوس الأشهاد.
                  ثمّ إنّ رسل الله سبحانه وتعالى لهم مسؤوليتان، المسؤولية الأُولى: إبلاغ ما شرّعه الله لعباده من أحكام.
                  والمسؤولية الثانية: قيادة من آمن بهم، أي قيادة الأُمّة، ولا بدّ لها نوع من الخصائص والامتيازات التي بها تنقاد الأُمّة، وإلاّ فالأُمّة لا تنقاد إلى عالم بعلمه، وإنّما تنقاد لعالم يتمكّن من جعل علمه مركز قوّة وسيطرة عقلية، لا مادية، على من يؤمنون بعلمه.. فالأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) بما أنّ مسؤوليتهم الثانية أنّهم قادة أُممهم، فلا بدّ أن تتوفّر فيهم المزايا والخصائص التي إن توفّرت في قائد تنقاد إليه الأُمّة، وبهذا لا يشترط أن يكون أجمل الخلق، لكن يشترط في حقّه أن لا يكون من حيث النظرة مشمئز النظرة، ومن حيث السلوك مشمئز السلوك.
                  فالعاهات إن كانت عاهات لا تمسّ كرامة النبيّ والوليّ فإنّهم يصابون بها، فالنبيّ والوليّ يصابون بالحمّى؛ لأنّ الحمّى والرمد وأمثال ذلك لا تشمئز منه النفوس، وأمّا البتور مثلاً أو التشوّهات، فهذه بما أنّ النفوس تشمئز منها، فالله سبحانه وتعالى يجنّب رسوله أو وليّه منها, والأساس هو: تملّك قلوب من ينقادون إليه، والناس اعتادوا أن تكون نظرتهم الحسّية مدخلاً للطاعة.
                  فمن هذه الناحية العاهات تختلف: عاهات لا تشمئز منها النفوس إن أُصيب بها واحد منهم، وإنّما يعالجونه، ويأتون لزيارته, وعاهات تشمئزّ منها النفوس، فالله سبحانه وتعالى لا يجنّب رسوله من كلّ مرض, ومن كلّ عاهة, ومن كلّ حمّى, ومن كلّ رمد، وأمثال ذلك, وأمّا الطاعون والبتور والأمراض المعدية، أو الأمراض التي توجب سوء المنظر، فالله سبحانه وتعالى يجنّب وليّه ونبيّه، لأنّه جعل له مسؤولية قيادة الأُمّة.
                  وهذا الدليل ربّما يكون تامّاً في مورد الأنبياء أصحاب الشرائع والرسل والأئمّة، المطلوب منهم قيادة الأُمّة، ولكن ربّما يمكن المناقشة فيه كما مرّ آنفاً، في بعض الموارد لو ثبتت، كما في قصّة نبيّ الله أيّوب(عليه السلام)، أو عمى يعقوب(عليه السلام)، لو قلنا بوقوعه.
                  وأمّا بالنسبة لمرض الإمام السجّاد(عليه السلام) في كربلاء، فإنّه لم يكن من هذا النوع الذي يصدق عليه أنّه: منفّر، فضلاً عن إنّه كان لمصلحة واقعية يقتضيها الحال، ومن كان حوله من الناس في ذلك الوقت قد انحصروا بين أهل بيته العارفين لحقّه، وبين أعدائه غير المتورّعين عن قتله، وهم غير قابلين للاستمالة نحوه قطعاً حتّى يتم الغرض، بأن يكونوا مورداً لحصول اللّطف المقرّب لهم بخلوّ الإمام من المنفّرات؛ إذ الملاك هو: عدم وقوع نقض الغرض، والغرض بهدايتهم قد انتفى عنهم البتة، ووقع عليهم غضب الله بعد قتلهم أبيه الإمام الحسين(عليه السلام). وأمّا بعد رجوعه إلى المدينة فقد شُفي الإمام(عليه السلام)؛ لثبوت الملاك المشار إليه في حينه، من حيث حصول اللّطف المقرّب لممارسة مهام الإمامة وقبول الناس له.
                  ودمتم في رعاية الله
                  (1) انظر: قواعد المرام: 127 القاعدة السادسة، الركن الثاني، البحث الثاني.
                  (2) الخصال: 399 الحديث (108) باب السبعة.
                  (3) بحار الأنوار 12: 349 الحديث (13) باب (10).
                  (4) انظر: تفسير القمّي 2: 239 قوله تعالى: ((وَاذكُر عَبدَنَا أَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصبٍ وَعَذَابٍ))(ص (38): 41).




                  يتبع

                  تعليق


                  • #10
                    السؤال: الهداية التكوينية والتشريعية للإمام
                    أسأل - وفّقكم الله - عن الهداية التكوينية للإمام المعصوم، فهي تختلف بالتأكيد عن الهداية التشريعية؟
                    ويا حبّذا بمثال توضيحي..
                    الجواب:

                    الهداية التشريعية: هي التي تتعلّق بالأُمور التشريعية، من بيان الاعتقادات الحقّة والتكاليف الشرعية، والأعمال الصالحة، وتتضمّن الإنذار والتبشير، وهي: وظيفة الأنبياء والرسل، قال تعالى: (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ )) (النساء:165).
                    وهذه الهداية في واقعها: بيان وتعليم، وإراءة للطريق، من أخذ بها هُدي، ومن تركها ضلّ، قال تعالى: (( وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ )) (إبراهيم:4).
                    وتسمّى بـ(الهداية الإرائية)، وهي هداية عامّة شاملة لكلّ الناس، وهي موجودة عند الأئمّة صلوات الله عليهم تبعاً لشريعة جدّهم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فهم الوارثين لعلمه والمبيّنين لرسالته.
                    وأمّا الهداية التكوينية، فهي: ليست إراءة للطريق فقط، وإنّما إيصال في الطريق وسوق للكائنات إلى ما ينبغي لها من الكمال، فمن وفّق للحقّ واختار الهدى في الهداية التشريعية، واختار الاقتداء بالإمام واتّباعه في أفعاله وأقواله, سوف ينال الهداية التكوينية، وسيسوقه الإمام إلى كماله حتماً، بأخذ يده وقيادته في طريق الحقّ والخير، ولذا تسمّى: هداية إيصالية، أي: لا بدّ من إيصالها إلى المطلوب فلا يتخلّف.
                    فهي تختلف عن الهداية الأُولى المقتصرة على البيان والتعليم والإرشاد؛ فهذه تتضمّن القيادة والإيصال والأخذ باليد، وإذا كان القائد معصوماً عن الخطأ، فسوف يكون الوصول إلى المطلوب حتمياً، ولكن بعد أن يوفَّق المهتدي لاختيار هذا الطريق بالتسليم لقيادة الإمامة، فهي بالنتيجة لا تخرج عن اختيار العبد، فإذا اختار الحقّ وصل. فهذه الهداية خاصّة وليست عامّة مثل سابقتها، قال الله تعالى: (( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلاَمِ )) (الأنعام:125).
                    فالإمامة تتضمّن من جهة الهداية التكوينية النفوذ الروحي للإمام وتأثيره على القلوب المستعدّة للهداية المعنوية، فهو بمنزلة الشمس التي تبعث الحياة في الأرض، فالقوّة الروحية للإمام لها التأثير العميق على هداية الناس(1).
                    ودمتم في رعاية الله
                    (1) انظر: تفسير الميزان 1: 272 قوله تعالى: ((وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ...))، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 1: 368 قوله تعالى: ((وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ...)).














                    السؤال: علّة عدم بقاء الأرض بإرتفاع الإمام
                    لماذا لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعة لساخت بأهلها وماجت؟
                    الجواب:

                    لا بدّ للأرض من حجّة، فإذا خلت من الحجّة ساخت بأهلها، فالإمام بمنزلة القطب من الرحى، والقلب من الإنسان، ولا رحى من دون قطب، وكذا لا إنسان من دون قلب، كذلك لا أرض من دون حجّة.
                    وقد روي في عظيم منزلة الإمام حديثاً جامعاً عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ذكره صاحب (البحار) في باب صفات الإمام، نقتبس منه موضع الحاجة: (فهم (أي: العترة) رأس دائرة الإيمان، وقطب الوجود، وسماء الجود، وشرف الموجود، وضوء شمس الشرف ونور قمره، وأصل العزّ والمجد، ومبدأه ومعناه ومبناه...)(1) الخ.
                    ودمتم في رعاية الله
                    (1) بحار الأنوار 25: 170 الحديث (38) باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة.








                    السؤال: معنى (لولا الحجّة لساخت الأرض)
                    ما معنى: (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها)؟ ولماذا ذلك؟ رجاءً رجاءً مع أدلّة قرآنية وعقلية رجاءً!
                    الجواب:

                    معنى (ساخ): أي: غاص، وساخت الأرض: أي: انخسفت، وساخ في الأرض، أي: دخل فيها، فمعنى (ساخت الأرض بأهلها): أي: غاصوا فيها، والمراد من قوله: (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها): لولا وجود الإمام المعصوم حيّاً في الأرض لغاصت الأرض بأهلها. ويرشد إلى هذا المعنى ما ورد في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام)، قال: (لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله)(1)، ففي قوله: (لساخت...) كناية عن هلاك البشر وفنائهم.
                    وروي عنه (عليه السلام) أنّه قال: (لو بقيت الأرض يوماً واحد بلا إمام لساخت الأرض بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه.. إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا بأمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله تعالى بهم ما شاء وأحبّ)(2).
                    وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهر مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً)(3).
                    والدليل من القرآن الكريم:
                    قال تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم )) (الأنفال:33)..
                    فقد روي عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: ((قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام): لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام؟ فقال: (لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام؛ قال الله عزّ وجلّ: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم ))، وقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون...) ))(4).
                    والدليل من العقل:
                    من الثابت أنّ الله تعالى قد خلق الخلق لغاية|؛ لأنّه حكيم، وإلاّ لكان عابثاً حاشاه، وقد خلق سبحانه الإنسان في هذه النشأة في أطوار من التدرّج، إذ جعل فيه قابلية التكامل، وجهّزه بالعقل لأجل هذا الهدف، غير أنّ العقل بمفرده لا يستقلّ بمعرفة الحقائق دائماً، فلا بدّ أن يسترشد بمنهاج إلهي يعينه على بلوغ الدرجة التي يمكن له أن يبلغها، ولا يجوز أن يبلغها من دون واسطة في التكامل، وهو: الرسول أو الإمام.
                    فوجب أن لا تخلو الأرض يوماً عن هذا المكمّل أو الإنسان الكامل، لئلا يضلّ الإنسان عن طريق بلوغه الغاية التي خُلق لأجلها، ممّا يترتّب عليه حصول الفساد في الأرض، وشيوع الاضطراب والتنازع والتصارع، وما ينجم عن ذلك من الكوارث التي يهلك فيه الخلق، وهو مصداق لقوله: (لساخت...)، وعندها تفوت الغاية ويلزم العبث، وقد تقدّم أنّه حكيم لا يعبث.
                    وأمّا من الناحية الفلسفية:
                    فقد ذكر بعض الفلاسفة عدّة براهين على لزوم وجود موجود كامل يكون واسطة بين الله والخلق (الكون) يصل من خلاله الفيض الإلهي، ويعبّرون عنه بـ(واسطة الفيض)، إذ كلّ ما عدا الله فهو متحقّق في الفقر، ووجوده وجود غير مستقلّ يحتاج إلى استمرار الفيض من الغني المطلق، ولا يتمّ وصول الفيض إلاّ بموصل، لنعبّر عنه بـ(الرابط)، فيكون هذا الموجود الكامل هو الرابط، أو الرابط الأعلى رتبة.
                    لكنّ هذه المعاني لا نستطيع الحكم بصدقها إلاّ إذا وصلنا ما يشرحها من النقل عبر روايات أئمّة الهدى(عليهم السلام)؛ فلاحظ!
                    ودمتم في رعاية الله
                    (1) الكافي 1: 179 الحديث (12) كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
                    (2)
                    إكمال الدين وإتمام النعمة: 204 الحديث (14) الباب الحادي والعشرون.
                    (3)
                    نهج البلاغة لمحمّد عبده 4: 37 (147) ومن كلام له(عليه السلام) لكميل بن زياد.
                    (4)
                    علل الشرائع 1: 123 العلّة التي من أجلها يحتاج إلى النبيّ والإمام(عليهما السلام).













                    السؤال: إيراد القاضي عبد الجبّار على القول: (لولا الإمام لما قامت السماوات...)، والجواب عليه
                    أرجو الإجابة على السؤال التالي:
                    ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قُبل من عبد عملاً)).. هل هذا الكلام من معتقداتنا، ومن أُصول المذهب؟
                    الجواب:

                    لكي نحيط بالمسألة من جميع جوانبها نذكر عدّة نقاط:
                    الأُولى: إنّ هذه العبارة الواردة في السؤال، وهي: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قبل من عبد عملاً))، وردت بهذا النص في كتاب (الشيعة في الميزان) لمحمّد جواد مغنية(1)، نقلاً من كتاب (الشافي) للسيّد المرتضى.
                    لكن الظاهر أنّ نسخة (الشافي) التي نقل عنها الشيخ مغنية كان فيها بعض التصحيف؛ فنصّ العبارة في (الشافي)، نقلاً عن كلام القاضي عبد الجبّار في (المغني) هكذا: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل))(2).. وهي كذلك في (المغني) للقاضي عبد الجبّار؛ قال: ((وزعم بعضهم - أي: الشيعة - أنّه: لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل))(3).
                    والفرق واضح بين: ((ولما قبل من عبد عملاً))، وبين: ((ولا صحّ من العبد الفعل))؛ فإنّ الأُولى مطابقة لاعتقاد الشيعة بتوقّف قبول الأعمال على التولّي، وإن كان من الممكن تقريب معنى العبارة الثانية من هذا المعنى، ولكن ظاهرها معنى آخر، كما هو واضح، وسيأتي..
                    الثانية: إنّ المقطع المذكور يبيّن عقيدتين متقارنتين من عقائد الشيعة الإمامية؛ ففي المقطع الأوّل يبيّن رتبة الإمام في المنظومة التكوينة، وأنّه واسطة الفيض، المعبّر عنها بـ(الولاية التكوينة)، والمشار إليها في الروايات بأنّه: (لولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها)(4).
                    وقد ذكر الصدوق(رحمه الله) أنّ هذه العبارة واردة في الأخبار، عند جوابه لركن الدولة عندما سأله بقوله: ((أنتم تقولون: إنّه غائب مستور, والحال أنّ إقامة الحدود والأحكام ورفع الظلم عن المظلوم من مناصب الإمام, فنصبه لهذه الأحكام لازم, ومع غيبته فلا بدّ من القول بعدم الحاجة إليه؟
                    قال الشيخ: إنّ الحاجة إلى وجود الإمام(عليه السلام) إنّما هو لبقاء النظام, وقد ورد بأنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما أنزلت السماء قطرة، ولا أخرجت الأرض بركتها)، وقال الله تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم )) (الأنفال:33), والإمام قائم مقام النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ في اسم النبوّة ونزول الوحي..
                    واتّفق أهل السير والنقل على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتى أهل السماء ما يكرهون، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون). وقال(عليه السلام): (لو بقيت الأرض بغير حجّة ساعة لساخت بأهلها)، وفي رواية أُخرى: (لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ))(5).
                    والمعنى ممّا ذكره الصدوق واضح..
                    وأمّا المقطع الثاني: ففيه إشارة إلى ما نعتقد، تبعاً للروايات الكثيرة: أنّ الموالاة للأئمّة(عليهم السلام) شرط قبول الأعمال وصحّتها, وقد ذكرنا بعضاً منها في عنوان (أهل البيت)، في أجوبة الأسئلة المتعلّقة بشرط ولايتهم(عليهم السلام) لقبول الأعمال.
                    والمقطع الثاني في أصل كتاب (المغني) يمكن أن يُفهم بهذا السياق، وهو: عدم صحّة العمل العبادي من دون موالاة ومعرفة الإمام, مع أنّ ظاهره بالقرائن الموجودة في نفس الكلام له معنى آخر، وهو: أن لا يقع عمل ولا يتمّ من قبل العبد (البشر) إلاّ بالإمام، أو بتوسّط الإمام.
                    وهو أوّلاً: معنى آخر غير صحّة العمل وتماميّته.
                    وثانياً: معنى خاطئاً إذا أُريد على ظاهره، كما فهمه القاضي عبد الجبّار, إلاّ إذا أدخلناه في معنى المقطع الأوّل، ويكون ذكر لجزئية من تلك الكلّية المذكورة في المقطع الأوّل من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ فيكون المعنى: أنّ الإمام أيضاً واسطة للفيض في أعمال وأفعال العباد؛ إذ أنّ العباد وأفعالهم من ضمن الأرض وما فيها.
                    الثالثة: إنّ القاضي عبد الجبّار فهم من هذين المقطعين معنى خاطئاً، غير ما نريده: من أنّهم واسطة الفيض، كما بيّنه الصدوق، بعد أن اعتبرهما يدلان على معنى واحد، وأنّ معنى المقطع الثاني دخل في معنى المقطع الأوّل..
                    قال في (المغني): ((وزعم بعضهم أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل)، فليس يخلو هذا القائل من أن يريد: أنّه تعالى لمكانه. أو لأنّ في المعلوم أنّه يخلقه ويخلق الأنبياء إمامها.. فإن يكن هذا مراده، فليس للإمامة تعلّق بالتمكين؛ لأنّه كان يجوز أن يخلقها ويقيمها مع فقد الإمام، وإنّما اختار ذلك - إن صحّ ما قاله - بمنزلة أن يكون في المعلوم أنّه لولا التكليف لما حسن في الحكمة خلق السماوات والأرض، وذلك لا يوجب أنّ المكلّف إنّما يتمكّن ممّا كلّف يريد.
                    وإن أراد: أنّ السماوات والأرضين لا يصحّ أن يقوما إلاّ بإمام، فليس يخلو أن يريد: أنّه يقيمهما, وهذا هو الذي قدّمناه، ولا فرق بينه وبين من قال: هو الذي يخلقهما. وقد علمنا من حال الأئمّة والأنبياء خلاف ذلك.
                    فإذا لم يصحّ هذا الوجه، فمن أين صحّة قيامهما بالإمام, والمعلوم أنّه تعالى قادر على ذلك، ولا حاجة بهما إلى وجود الإمام, ولا إلى كونه إماماً؟
                    على أنّ الإمام لا يصحّ كونه على الصفة التي معها يكون إماماً إلاّ مع قيامها, فلو لم يقوما إلاّ به لكانا محتاجين إليه وهو محتاج إليهما، وذلك يتناقض. وهذا ركيك من القول، لولا أنّ بعضهم أورده لكان ذكره عبثاً))(6).
                    فمن الواضح أنّه لم يفهم المراد من هذين المقطعين، وأنّه أدخل المقطع الثاني في باب التمكين, وأنّ العبد لا يتمكّن من الفعل لولا الإمام, وزعم في الاحتمال الثاني أنّ المقصود: أنّ الإمام يخلقهما. وهذا ما لا يقوله الشيعة قطعاً. ولذا كان جواب السيّد المرتضى(ره) في (الشافي) بالنفي القاطع لصدور مثل هذا الكلام بهذا المعنى الذي فهمه القاضي عن الشيعة, وقال: ((فأمّا ما حكاه عن بعضهم من أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل) فليس نعرفه قولاً لأحد من الإمامية تقدّم ولا تأخّر، اللّهمّ إلاّ أن يريد ما تقدّم حكايته من قول الغلاة))(7).
                    ومن الواضح أن النفي جاء بما تعلّق بهذا الكلام من المعنى الخاطئ عند القاضي، والموافق لقول الغلاة؛ فلاحظ!
                    ودمتم برعاية الله
                    (1) الشيعة في الميزان: 121 الإمامة بين شيخ الشيعة وشيخ المعتزلة.
                    (2)
                    الشافي في الإمامة 1: 42 فصل: في تتبّع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.
                    (3)
                    المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) 20: 18 الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.
                    (4)
                    انظر: الكافي 1: 179 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
                    (5)
                    انظر: طرائف المقال للبروجردي 2: 513 - 514 ترجمة الشيخ الصدوق.
                    (6)
                    المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) 20: 18 - 19 الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.
                    (7)
                    الشافي في الإمامة 1: 42 فصل: في تتبع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.









                    السؤال: الاستدلال على الامامة من خلال سلاح رسول الله (صلى الله عليه واله)
                    عندي أسئلة بخصوص طرق تعيين الأمام.
                    قال علمائنا ومنهم الشيخ المفيد رحمه الله في أوائل المقالات "اتفقت الإمامية ان الامامة لا تثبت لمدعيها مع عدم المعجز الا بالنص على عينه والتوقيف..."
                    لماذا علماء علم الكلام حصروا اثبات الامامة لمدعيها في النص والمعجزة مع ان الرويات قالت ان الامام أيضاً يُعرف بسلاح رسول الله صلى الله عليه وآله او راية رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ لماذا لم يقولوا ان الامامة تثبت لصاحبها بكون عنده راية او سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً ؟
                    وما المقصود من السلاح ؟ هل هو السيف او الدرع او كلاهما؟
                    وكيف يثبت مدعي الامامة ان السلاح او الراية التي معه هما عين سلاح وراية رسول الله صلى الله عليه واله ؟
                    فما هو وجه اقتصار علماء الكلام على النص والمعجزة؟
                    الشيء الثاني ان العلماء قالوا ان النص لابد ان يكون على عين الامام كما ذكرت بعض الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وآله عرف عليا باسمه وعينه ولكنه اذا أتينا لنصوص الأنبياء السابقين على رسول الله صلى الله عليه واله لم يكن النص على عينه صلى الله عليه واله، بل كان على صفاته ورسول الله قد احتج على اهل الكتاب بذلك النص وعلماء الكلام في مبحث النبوة ذكروا انه من طرق معرفة النبي هو نص النبي السابق عليه .
                    فهل ثمة تناقض بين ماقاله العلماء في مبحث الامامة ان النص لابد ان يكون على العين ومبحث النبوة في النص على رسول الله صلى الله عليه واله بصفاته وليس على عينه؟
                    الجواب:

                    الدليل على الامامة لابد ان يكون دليلا قطعيا يقينيا فما يذكره الشيخ المفيد من المعجر والنص هو الذي يوصل الى الدليل القطعي وما فعله بعض الائمة من اظهار سلاح رسول الله الذي هو ذو الفقار فلان ذلك ينفع في تلك الازمنة في اثبات الوصية حيث لا ينكر احد ان ذلك السيف هو سيف رسول الله اما مع تباعد الازمنة فلا ينفع اليوم اظهار سيف يدعي نسبته الى رسول الله صلى الله عليه واله لان ذلك لا يوصل لاكثر من الاحتمال او الظن وهو لا يغني عن الحق شيئا لذا فالاستدلال فقط بالصفات ايضا لا ينفع الا اذ اوصل الامر الى القطع واليقين وهذا ما يفعله النبي صلى الله عليه واله وسلم باثبات ان ذاته صلى الله عليه واله هي الوحيدة التي تنطبق عليها النصوص التي اعطت مواصفاته .
                    ثم ان النبي لا يحتاج لاثبات نبوته لانطباق المواصفات عليه فلديه من الاعجاز ما يثبت نبوته .






























                    السؤال: حدود معرفة الإمام
                    هل الغاية من معرفة الإمام هو من أجل أن نأخذ ديننا من قنوات الإتصال بالله سبحانه وتعالى؟ أم أن معرفة الإمام ع لها فوائد لا تنحصر في معرفة الدين في هذه الدنيا ؟ ولهذا السؤال ثمرة عملية مهمّة حيث إذا كان الهدف من معرفة الإمام ع هو معرفة الدين فيكفي حينئذ أن نتعرف على إسم الإمام وشخصه و بأنه معصوم وعلمه من الله وانتهى الأمر ولا يهمنا مقامه عند الله حيث أن الغاية هي معرفة المصدر فإذا عرفناه لايهم بعد ذلك عظمة المصدر . ولكن إذا قلنا بأن معرفة الإمام ع لا نتحصر الفائدة منها في معرفة الدين بل لها أبعاد أكثر بكثير من معرفة الدين ولها أثر كبير على مقام الشخص في عالم الخلود فحينئذ يصبح الحديث عن المقامات ذو ثمرة علمية وعملية هامّة . أرجوا أن ترشدونا الى الوجه الصحيح ولكم الأجر والثواب
                    الجواب:

                    يظهر من خلال بعض الروايات بأنه ليس لمعرفة الإمام حد محدود، بمعنى أنه لا يمكن للإنسان غير المعصوم أن يدرك حقيقة الإمام، فحينئذ أية معرفة يمكن أن تحصل لابد تكون فوقها معرفة أخرى، فلا يصح فرض حد نهائي لمعرفة الإمام، فقد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام حديثا مطولا في معنى الإمام ومقامه وحدود معرفته، نقتبس منه موضع الحاجة: قال عليه السلام:
                    (( بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد, وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة, والموعظة الحسنة، والحجة البالغة الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار. الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. الامام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرّة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد، الامام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله. الامام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟! وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟...)) الحديث (الكافي ج1 ص201)

                    وبما أنه ليس ثمة حد لمعرفة الإمام كما دلت عليه الرواية السابقة وجملة كبيرة من الروايات كرواية (نزلونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا..) أو ما في معناها، فلابد إذن للعقلاء المعتقدين بالإمامة، أن لا يكتفوا بحد دانِ من معرفة الإمام، لأنه فرع التقصير في حقه، مع العلم أن المؤمنين في الآخرة يتفاضلون في الدرجات بحسب المعرفة، كما دلت عليه الأخبار.
                    أما الحد الداني من معرفة الإمام فهو حسبما جاء في حديث للإمام الصادق عليه السلام مع معاوية بن وهب (بحار الأنوار ج36/407) إلى أن قال عليه السلام: ...وأدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة ووارثه، وإن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله، والتسليم له في كل أمر والرد إليه والأخذ بقوله، ويعلم: أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم أنا ثم من بعدي موسى ابني ثم من بعده ولده علي وبعد علي محمد ابنه وبعد محمد علي ابنه وبعد علي الحسن ابنه والحجة من ولد الحسن.. الحديث
                    وفيما يلي جملة من الروايات في معرفة الإمام نقلها ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي وهي وافية ببيان ما سألتم عنه إن شاء الله تعالى.
                    1- عن ابن أذينة قال : حدثنا غير واحد, عن أحدهما عليهما السلام أنه قال : لا يكون العبد مؤمنا حتى يعرف الله ورسوله والأئمة كلهم وإمام زمانه, ويرد إليه ويسلم له, ثم قال : كيف يعرف الآخر وهو يجهل الأول ؟ !
                    2- عن زرارة قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : أخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق ؟ فقال : إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الناس أجمعين رسولا و حجة لله على جميع خلقه في أرضه, فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه فإن معرفة الامام منا واجبة عليه, ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الامام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما ؟ ! قال : قلت : فما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله ويصدق رسوله في جميع ما أنزل الله, يجب على أولئك حق معرفتكم ؟ قال : نعم أليس هؤلاء يعرفون فلانا وفلانا قلت : بلى, قال : أترى أن الله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء ؟ والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان, لا والله ما ألهم المؤمنين حقنا إلا اله عز وجل.
                    3- عن جابر قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل ولا يعرف الامام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا .
                    4- عن ربعي بن عبد الله, عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب, فجعل لكل شيء سببا وجعل لكل سبب شرحا وجعل لكل شرح علما, وجعل لكل علم بابا ناطقا, عرفه من عرفه, وجهله من جهله, ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن .
                    5- عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كل من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول, وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله, ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها, فهجمت ذاهبة وجائية يومها, فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها, فحنت إليها واغترت بها, فباتت معها في مربضها فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها, فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها, فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها واغترت بها فصاح بها الراعي : الحقي براعيك, وقطيعك فأنت تائهة متحيرة عن راعيك وقطيعك, فهجمت ذعرة, متحيرة, تائهة, لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردها, فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها, فأكلها, وكذلك والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل ظاهر عادل, أصبح ضالا تائها, وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق, و اعلم يا محمد أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف, لا يقدرون مما كسبوا على شئ, ذلك هو الضلال البعيد.
                    6- عن مقرن قال, سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أمير المؤمنين " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ؟ فقال نحن على الأعراف, نعرف أنصارنا بسيماهم, ونحن الأعراف الذي لا يعرف الله عز وجل إلا بسبيل معرفتنا, ونحن الأعراف يعرفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط, فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه, ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه . إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه, فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا, فإنهم عن الصراط لناكبون, فلا سواء من اعتصم الناس به ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض, وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربها, لا نفاد لها ولا انقطاع .
                    7- عن أبي بصير, عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " فقال : طاعة الله ومعرفة الامام .
                    8- عن منصور بن يونس, عن بريد قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في قول الله تبارك وتعالى : " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " فقال : " ميت " لا يعرف شيئا و " نورا يمشي به في الناس " : إماما يؤتم به " كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " قال : الذي لا يعرف الامام .
                    9- عن عبد الرحمن بن كثير, عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أبو جعفر عليه السلام : دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين فقال عليه السلام : يا أبا عبد الله ألا أخبرك بقول الله عز وجل : " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين جعلت فداك، قال: الحسنة معرفة الولاية وحبنا أهل البيت والسيئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت، ثم قرأ عليه الآية.
























                    السؤال: حدود معرفة الامام
                    في الدعاء اللهم عرفني نفسك فانك ان لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك اللهم عرفني نبيك فانك ان لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فانك ان لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني السؤال ماحدود المعرفة الواجبة علينا لحجة الله كي لانكون من الضالين
                    الجواب:

                    يظهر من خلال بعض الروايات بأنه ليس لمعرفة الإمام حد محدود، بمعنى أنه لا يمكن للإنسان غير المعصوم أن يدرك حقيقة الإمام، فحينئذ أية معرفة يمكن أن تحصل لابد تكون فوقها معرفة أخرى، فلا يصح فرض حد نهائي لمعرفة الإمام، فقد ورد في الكافي عن الإمام الرضا (عليه السلام) (ج 1 ص 200 - 201):
                    ((بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار. الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به، والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. الامام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرّة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد، الامام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله. الامام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب. فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره، هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله، أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا كيف وأنى؟! وهو بحيث النجم من يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟))
                    أما الحد الداني من معرفة الإمام فهو حسبما جاء في حديث للإمام الصادق (عليه السلام) مع معاوية بن وهب (بحار الأنوار ج36/407) إلى أن قال عليه السلام: ...((وأدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة ووارثه، وإن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله، والتسليم له في كل أمر والرد إليه والأخذ بقوله، ويعلم: أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم أنا ثم من بعدي موسى ابني ثم من بعده ولده علي وبعد علي محمد ابنه وبعد محمد علي ابنه وبعد علي الحسن ابنه والحجة من ولد الحسن.. )) الحديث.

                    تعليق

                    يعمل...
                    X