بسم الله الرحمن الرحيم
حق تكوين الاسرة
ان من اهم الحقوق الاساسية ذات الاثر في الفرد والمجتمع هو حق تكوين الاسرة ، إذ عدها الامام اللبنة الاولى في البناء الحضاري للانسان ، فقد " وضع الاسلام اساسا متينا لتكوين الاسرة القوية وشرع لها الضمانات التي تؤدي الى انجاح عملية الزواج والانجاب والتربية حتى تكون الاسرة قادرة على مواجهة عملية التنمية والتغيير " (1)، كما ان نظرية اهل البيت ، ولاسيما الامام علي(ع) في الاسرة والعلاقة الزوجية فيها خصوصيات وامتيازات تجعلها قادرة على مواجهة معظم المشكلات الاجتماعية ومواكبة التطورات الاجتماعية كذلك (2) . وانسجاما مع النظرة الاسلامية (3) ، فان الامام علياً (ع) عد مسالة الزواج هي المدخل الطبيعي والشرعي لتشكيل الاسرة ،اما المرحلة التالية فهي عملية الحفاظ على هذه الاسرة وصيانتها ، لذلك لابد لنا من التطرق الى مسالة الزواج عند الامام علي .
لقد نظر الامام للزواج كحق اساسي ومهم للانسان ،حيث يتعامل الامام بواقعية وشفافية مع المشكلة الجنسية " فالغريزة هي القوة الحيوية الدافعة التي تتلاشى من دونها الحركة ، أي انها عبارة عن الشرط الداخلي للسلوك الانساني وهي التي تسبغ على الحياة حركتها وتدفقها ... ومن هنا كان موقف الاسلام من الغرائز الانسانية موقفا ايجابيا فلم يحاربها وانما اعترف بها ... ولكن الاسلام اذ يعترف بالغرائز لايدعو الى مادية صماء ... بل يدعو المسلم الى ان يوازن بين الروحي والمادي في حياته"(4)، وقد كان الامام علي يقول : " اياك وكثرة الوله بالنساء والاغراء باللذات فان الواله بالنساء والمغرى باللذات ممتهن "(5) ، وفي الوقت نفسه فان الامام تعامل مع حق الزواج على وفق خطة سياسية عملية وفاعلة لعلاج هذه المسالة ، اما اهم ابعاد التعامل فهي:
1-حفظ المنهج الاسلامي والاخلاقي في المجتمع
وقف الامام بحزم وقوة ضد أي عمل يؤدي الى المس بمؤسسة الاسرة ،كونها هي اللبنة ، الاساسية للمجتمع والدولة ، إذ يربط (ع) بين الفساد الاجتماعي والسياسي وهو ما نتلمسه في قوله : " عظمت الطاغية وقلت الداعية وصال الدهر صيال السبع العقور ... وتواخى الناس على الفجور ، وتهاجروا على الدين ... وكان اهل ذلك الزمان ذئابا وسلاطينه سباعا واوساطه اكالا وفقراؤه امواتا وغار الصدق ،وفاض الكذب واستعملت المودة باللسان وتشاجر الناس بالقلوب ، وصار الفسوق نسبا والعفاف عجبا"(6) وهنا يوضح الامام ان الفساد الاخلاقي ، داعم للطغيان والاستبداد السياسي ويقدم (ع) المشروع البديل لهذا الواقع مجسداً بما يرويه عن الرسول (صلى الله عليه وآله): "ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام ... الابالحق "(7).
وعد الامام عملية النهوض بالمستوى الاخلاقي للمجتمع مسؤولية الجميع ،رافضا تحميل المراة المسؤولية الاكبر في الانحراف والتحلل الاخلاقي والنظر اليها كمصدر للخطيئة ، إذ ينقل(ع) عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله : " لا تزنوا فيذهب الله لذة نسائكم من اجوافكم وعفوا تعف نسائكم "(8) ، ويرسم الامام فكرة امتزاج الاسلام بالاخلاق قائلا : " احسن العبادة عفة البطن والفرج "(9).
ويحارب الامام اية ممارسة غير أخلاقية ، في المجتمع(10) ،ولاسيما الزنا والاباحية الجنسية، حيث عدها الامام واحدة من اهم عوامل تحطيم الاسرة وتردي المجتمع إذ يقول (ع): "اربعة لا تدخل منهن بيتا إلا خرب ولم يعمر الخيانة والسرقة وشرب الخمر والزنا "(11) ، ولكن مع الحكم على الانسان الزاني على وفق الشريعة الاسلامية ، الا انه (ع) تعامل مع هذه الخطيئة كحالة من الضعف الانساني يجب معالجتها وتجاوزها ، من داخل الانسان وليس عبر العقوبة فحسب فحين "اتى رجل امير المؤمنين (ع) فقال : انى زنيت فطهرني فاعرض علي عنه بوجهه ثم قال له اجلس ، فاقبل على القوم
فقال : ايعجز احدكم اذا قارف هذه السيئة ان يستر على نفسه كما ستر الله ، فقام الرجل فقال: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهرني فقال : وما دعاك الى ما قلت؟ قال : طلب الطهارة ، قال : واي طهارة افضل من التوبة "(12) .
ويعلن الامام ان واحدة من اهم موانع انتشار الرذيلة في المجتمع هو تاكيد حق الانسان بالزواج وانشاء الاسرة حيث يقول (ع) : " لو وجدت مؤمنا على فاحشة لسترته بثوبي "(13) ، ونحن نفهم ان من اهم مقومات عملية الستر هو تزويج من يرغب في ذلك من ابناء الامة في دعامة ثانية نحو تشجيع الزواج في المجتمع.
1- د. محسن عبد الحميد ، الاسلام والتنمية الاجتماعية ، ط1 ، (بغداد ، دار الانبار ، 1989) ، ص78.
2- محمد باقر الحكيم ، دور اهل البيت في بناء الجماعة الصالحة ، مصدر سابق ، ج1، ص466 .
3- مثل قوله تعالى : { يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } سورة النساء / الاية1 . قوله عز وجل : { يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير } سورة الحجرات / الاية 13 .
4- محمد باقر الصدر ، رسالتنا ،ط2، (طهران ن مكتبة النجاح ، 1982) ، ص ص82 -83 .
5- الواسطي ، مصدر سابق ، ص99. ويوضح الامام النمط الشهواني عند بعض الناس قائلا : " اقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها واصطلحواعلى حبها ، ومن عشق شيئا اعشى بصره،وامرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير سمعية ،قد خرقت الشهوات عقله ،واماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ،ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زال اليها وحيثما اقبلت اقبل عليها ، لا ينزجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ " . الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي، مصدر سابق ،خطبة 108 ، ص194 .
6- المصدر السابق ، خطبة 107 ، ص192.
7- ابو العلا محمد بن عبد الرحمن المباركفوري ، تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي ، ج8 ، (بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1990) ، ص382 .
8- رضي الدين ابي نصر الحسن بن فضل الطبرسي ، مكارم الاخلاق ، ط6 ،(د. م ، منشورات الشريف الرضي، 1972) ، ص238 .
9- الواسطي ، مصدر سابق ، ص119 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج2 ، ص64.
10- حول محاربة الامام للمارسات الخاطئة ينظر : ايماني ، مصدر سابق ، ص57 ؛ النوري ، مصدر سابق ، ج15، ص463 .
11- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج91 ، ص77 ؛ الطوسي ، الاستبصار ، مصدر سابق ، ص141 ؛ وللتطرق إلى سلبيات الزنا على وفق رؤية الامام على الصعيدين الدنيوي والاخروي ينظر : حسن القبانجي ، مصدر سابق ، م9 ، ص362 وما يليها .
12- محمد التستري ، مصدر سابق ، ص20 .
13- النوري ، مصدر سابق ، ج12 ، ص424 ؛ الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3 ، ص2330 ؛ هادي النجفي ، الف حديث في المؤمن ، (قم ، مؤسسة النشر الاسلامية ، 1416) ، ص204 .
تعليق