إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حق تكوين الاسرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حق تكوين الاسرة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    حق تكوين الاسرة



    ان من اهم الحقوق الاساسية ذات الاثر في الفرد والمجتمع هو حق تكوين الاسرة ، إذ عدها الامام اللبنة الاولى في البناء الحضاري للانسان ، فقد " وضع الاسلام اساسا متينا لتكوين الاسرة القوية وشرع لها الضمانات التي تؤدي الى انجاح عملية الزواج والانجاب والتربية حتى تكون الاسرة قادرة على مواجهة عملية التنمية والتغيير " (1)، كما ان نظرية اهل البيت ، ولاسيما الامام علي(ع) في الاسرة والعلاقة الزوجية فيها خصوصيات وامتيازات تجعلها قادرة على مواجهة معظم المشكلات الاجتماعية ومواكبة التطورات الاجتماعية كذلك (2) . وانسجاما مع النظرة الاسلامية (3) ، فان الامام علياً (ع) عد مسالة الزواج هي المدخل الطبيعي والشرعي لتشكيل الاسرة ،اما المرحلة التالية فهي عملية الحفاظ على هذه الاسرة وصيانتها ، لذلك لابد لنا من التطرق الى مسالة الزواج عند الامام علي .

    لقد نظر الامام للزواج كحق اساسي ومهم للانسان ،حيث يتعامل الامام بواقعية وشفافية مع المشكلة الجنسية " فالغريزة هي القوة الحيوية الدافعة التي تتلاشى من دونها الحركة ، أي انها عبارة عن الشرط الداخلي للسلوك الانساني وهي التي تسبغ على الحياة حركتها وتدفقها ... ومن هنا كان موقف الاسلام من الغرائز الانسانية موقفا ايجابيا فلم يحاربها وانما اعترف بها ... ولكن الاسلام اذ يعترف بالغرائز لايدعو الى مادية صماء ... بل يدعو المسلم الى ان يوازن بين الروحي والمادي في حياته"(4)، وقد كان الامام علي يقول : " اياك وكثرة الوله بالنساء والاغراء باللذات فان الواله بالنساء والمغرى باللذات ممتهن "(5) ، وفي الوقت نفسه فان الامام تعامل مع حق الزواج على وفق خطة سياسية عملية وفاعلة لعلاج هذه المسالة ، اما اهم ابعاد التعامل فهي:

    1-حفظ المنهج الاسلامي والاخلاقي في المجتمع

    وقف الامام بحزم وقوة ضد أي عمل يؤدي الى المس بمؤسسة الاسرة ،كونها هي اللبنة ، الاساسية للمجتمع والدولة ، إذ يربط (ع) بين الفساد الاجتماعي والسياسي وهو ما نتلمسه في قوله : " عظمت الطاغية وقلت الداعية وصال الدهر صيال السبع العقور ... وتواخى الناس على الفجور ، وتهاجروا على الدين ... وكان اهل ذلك الزمان ذئابا وسلاطينه سباعا واوساطه اكالا وفقراؤه امواتا وغار الصدق ،وفاض الكذب واستعملت المودة باللسان وتشاجر الناس بالقلوب ، وصار الفسوق نسبا والعفاف عجبا"(6) وهنا يوضح الامام ان الفساد الاخلاقي ، داعم للطغيان والاستبداد السياسي ويقدم (ع) المشروع البديل لهذا الواقع مجسداً بما يرويه عن الرسول (‏صلى الله عليه وآله): "ان دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام ... الابالحق "(7).

    وعد الامام عملية النهوض بالمستوى الاخلاقي للمجتمع مسؤولية الجميع ،رافضا تحميل المراة المسؤولية الاكبر في الانحراف والتحلل الاخلاقي والنظر اليها كمصدر للخطيئة ، إذ ينقل(ع) عن الرسول (‏صلى الله عليه وآله) قوله : " لا تزنوا فيذهب الله لذة نسائكم من اجوافكم وعفوا تعف نسائكم "(8) ، ويرسم الامام فكرة امتزاج الاسلام بالاخلاق قائلا : " احسن العبادة عفة البطن والفرج "(9).

    ويحارب الامام اية ممارسة غير أخلاقية ، في المجتمع(10) ،ولاسيما الزنا والاباحية الجنسية، حيث عدها الامام واحدة من اهم عوامل تحطيم الاسرة وتردي المجتمع إذ يقول (ع): "اربعة لا تدخل منهن بيتا إلا خرب ولم يعمر الخيانة والسرقة وشرب الخمر والزنا "(11) ، ولكن مع الحكم على الانسان الزاني على وفق الشريعة الاسلامية ، الا انه (ع) تعامل مع هذه الخطيئة كحالة من الضعف الانساني يجب معالجتها وتجاوزها ، من داخل الانسان وليس عبر العقوبة فحسب فحين "اتى رجل امير المؤمنين (ع) فقال : انى زنيت فطهرني فاعرض علي عنه بوجهه ثم قال له اجلس ، فاقبل على القوم

    فقال : ايعجز احدكم اذا قارف هذه السيئة ان يستر على نفسه كما ستر الله ، فقام الرجل فقال: يا امير المؤمنين اني زنيت فطهرني فقال : وما دعاك الى ما قلت؟ قال : طلب الطهارة ، قال : واي طهارة افضل من التوبة "(12) .

    ويعلن الامام ان واحدة من اهم موانع انتشار الرذيلة في المجتمع هو تاكيد حق الانسان بالزواج وانشاء الاسرة حيث يقول (ع) : " لو وجدت مؤمنا على فاحشة لسترته بثوبي "(13) ، ونحن نفهم ان من اهم مقومات عملية الستر هو تزويج من يرغب في ذلك من ابناء الامة في دعامة ثانية نحو تشجيع الزواج في المجتمع.

    --------------------
    1- د. محسن عبد الحميد ، الاسلام والتنمية الاجتماعية ، ط1 ، (بغداد ، دار الانبار ، 1989) ، ص78.

    2- محمد باقر الحكيم ، دور اهل البيت في بناء الجماعة الصالحة ، مصدر سابق ، ج1، ص466 .

    3- مثل قوله تعالى : { يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } سورة النساء / الاية1 . قوله عز وجل : { يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير } سورة الحجرات / الاية 13 .
    4- محمد باقر الصدر ، رسالتنا ،ط2، (طهران ن مكتبة النجاح ، 1982) ، ص ص82 -83 .

    5- الواسطي ، مصدر سابق ، ص99. ويوضح الامام النمط الشهواني عند بعض الناس قائلا : " اقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها واصطلحواعلى حبها ، ومن عشق شيئا اعشى بصره،وامرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير سمعية ،قد خرقت الشهوات عقله ،واماتت الدنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ،ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زال اليها وحيثما اقبلت اقبل عليها ، لا ينزجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ " . الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي، مصدر سابق ،خطبة 108 ، ص194 .

    6- المصدر السابق ، خطبة 107 ، ص192.

    7- ابو العلا محمد بن عبد الرحمن المباركفوري ، تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي ، ج8 ، (بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1990) ، ص382 .

    8- رضي الدين ابي نصر الحسن بن فضل الطبرسي ، مكارم الاخلاق ، ط6 ،(د. م ، منشورات الشريف الرضي، 1972) ، ص238 .

    9- الواسطي ، مصدر سابق ، ص119 ؛ الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج2 ، ص64.

    10- حول محاربة الامام للمارسات الخاطئة ينظر : ايماني ، مصدر سابق ، ص57 ؛ النوري ، مصدر سابق ، ج15، ص463 .

    11- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج91 ، ص77 ؛ الطوسي ، الاستبصار ، مصدر سابق ، ص141 ؛ وللتطرق إلى سلبيات الزنا على وفق رؤية الامام على الصعيدين الدنيوي والاخروي ينظر : حسن القبانجي ، مصدر سابق ، م9 ، ص362 وما يليها .

    12- محمد التستري ، مصدر سابق ، ص20 .

    13- النوري ، مصدر سابق ، ج12 ، ص424 ؛ الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج3 ، ص2330 ؛ هادي النجفي ، الف حديث في المؤمن ، (قم ، مؤسسة النشر الاسلامية ، 1416) ، ص204 .



  • #2


    بسم الله الرحمن الرحيم

    2- تشجيع الزواج وديمومته

    لقد رفض الامام النظرة الدونية للجنس واعتباره كاحد وجوه الرذيلة ، بل انه (ع) عده في الإطار الشرعي أي الزواج من صفات المتقين حين وصفهم (ع) قائلاً:"سكنوا الدنيا بافضل ما يسكنون.. وتزوجوا بافضل ما يتزوجون ... وهم غدا جيران الله تعالى "(1) .

    ويعطي الامام للزواج اهمية قصوى ويعده ارادة السماء واصلاح الارض حيث يقول(ع): " ان النكاح مما امر الله تعالى به واذن فيه "(2) و"تزوجوا فان التزويج سنة رسول الله (‏صلى الله عليه وآله) ،فانه كان يقول من يحب ان يتبع سنتي فان سنتي التزويج "(3) ،ويعطي الامام للزواج بعده الاجتماعي والديني الايجابي حيث يقول (ع) : " ركعتان يصليهما المتزوج افضل من سبعين ركعة يصليهما اعزب "(4) .

    ويفعل الامام (ع) وصية الرسول (‏صلى الله عليه وآله) له ولكل قيادات المجتمع التي نصت : " ثلاثة ياعلي لا تؤخرهن الصلاة اذا اتت والجنازة اذا حضرت والايم اذا وجدت كفؤا"(5) ، وذلك عن طريق تشجيع الامام على الزواج وبناء الاسرة من الناحية المعنوية وهو ما يمكن عده طرف المعادلة الاول ، اما الطرف الثاني فهو توفير الجانب المالي واستحضار الاسس المادية لعملية الزواج كونها تحتاج الى هذه المتطلبات على وفق نظرة الامام الواقعية .

    ففي سبيل التشجيع في اطاره المادي على الزواج دعا الامام الى تقليل متطلبات الزواج المالية حيث يقول (ع) :" لاتغالوا بمهور النساء فتكون عداوة "(6) ، لقد رفض الإمام المعيار المادي لقياس من يتقدم لخطبة المراة ، وعد الاعتماد على هذا المقياس من بذور تحطم الاسرة مستقبلا ،واعطى الامام القدوة العملية بشأن اقامة الزواج بابسط المتطلبات المادية حيث تزوج السيدة فاطمة بابسط جهاز للعرس وباقل المهور(7) .

    ويحمل الامام الدولة والحكومة مسؤولية تزويج افراد المجتمع نساء ورجالاً ، حيث عد الامام الزواج هو الدرع الاقوى ضد الانحرافات في المجتمع ، إذ روي انه (ع) كان جالسا في اصحابه فمرت بهم امراة جميلة فرمقها القوم بابصارهم فقال(ع) :" اذ نظر احدكم الى امراة تعجبه فليلامس اهله فانما هي امرأة كامرأة"(8)،أي ان النصيحة والوعظ تأتي اكلها مع سد مجال النقص والحاجة في الانسان ، اما مع صعوبة او استحالة الزواج في المجتمع فليس هذا الامر الايجابي المرجو لتلك النصيحة والدعوة للاخلاق الفاضلة .

    ويستمر الامام في تقويم الاداء الحكومي ويعد الامام ان الحاكم الافضل هو ذلك الذي يهيئ اجواء تيسير الزواج إذ يقول (ع) : " افضل الشفاعات ان تشفع بين اثنين في نكاح حتى يجمع الله بينهما "(9) واذا كانت الشفاعة الفردية هي استخدام النفوذ المعنوي لتحقيق هدف الزواج ،فان الفهم الاوسع هو اتخاذ السلطة الحاكمة والقادة الدينيون ورجال الاقتصاد متكاتفين للقرارات الحكيمة لتيسير سبل انجاز هذا الهدف، ومما يعزز ماذهبنا اليه حول تاكيد الامام مسؤولية الحكومة والقوى الاجتماعية في ضمان حق الزواج لابناء المجتمع ما ورد في سيرته(ع) بأنه كان قد زوج ذوي فاقة من بيت المال فقد اتي الى الامام " برجل عبث بذكره فضرب يده حتى احمرت ثم زوجه من بيت المال "(10) ، بل ان الامام وتأكيدا على هذا الحق ذكر في وصيته ان يكون جزءاً من وقفه لتيسير سبل الزواج ، معطيا نموذجاً عملياً لما دعى اليه من تشجيع الزواج ، اذ ورد عن الامام: " انه اوقف ارضه ان ينكح بها الايم ويفك الغارم ،فلا تباع ولا تشترى ولاتوهب حتى يرثها الله الذي يرث الارض ومن عليها "(11) .

    ان تشجيع الامام للزواج ورفضه (ع) لفلسفة العزوبية والتبتل (12) ، وتهيأة المتطلبات المادية للزواج والمساعدة فيه يمكن عده الخطوة الاولى لسعيه (ع) لصيانة الاسرة ، أما المرحلة الثانية فيمكن القول ان الامام (ع) بذل قصارى جهده لديمومة واستمرار هذا الوجود وهذه المؤسسة ولعل اولى عوامل نجاح مشروع الزواج يحددها الامام بعقلانية لاختيار وتوفر صفات الزوجة الصالحة ، والتي رسم (ع) ملامحها قائلاً " ودودا ولودا شكورا قنوعا ... ان احسن شكرت وان اسأ غفرت ،وان ذكر الله تعالى اعانت وان نسي ذكرت وان خرج من عندها حفظت ، وان دخل عليها سرت "(13) . ناهيك عن ان هذه مواصفات تعكس على الزوج الصالح كذلك .

    ويوصي الامام ، لمرحلة ما بعد الزواج ، بحسن المعاملة فيخاطب الرجال قائلا : "ان النساء عندكم عوان .اخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق "(14) ، ويامر باحترام الزوجة واعطائها كامل حقوقها ، ولاسيما الحقوق المالية منها إذ يقول (ع) : " من اقذر الذنوب حبس مهر المرأة "(15)، و" من شرط لأمرأته شرطا فليف لها به فان المسلمين عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا او احل حراما "(16) ، هذا فضلاً عن تاكيده (ع) حق النفقة اللائقة والمسامحة والغفران التي الزم بها الزوج ازاء زوجته (17) .

    ولعل اظهار الحب للزوجة هو حق لها لتستمر مسيرة الحياة ، ولقد كان الامام يفخر بحبه للسيدة فاطمة (ع)(18) ، حتى انه وصف حاله بعد وفاتها بالقول :" اما حزني فسرمد واما ليلي فمسهد "(19) . ولم يغب عن توجه الامام ان يخاطب المراة معززا دورها الجهادي بتحمل اعباء صيانة الحياة الزوجية وديمومتها إذ يقول(ع) :" حسن التبعل جهاد المرأة "(20) ، ان تأكيد الامام الزواج وديمومته (21) والنظر اليه كحق يمكن ان يعد علاجاً لمشاكل المجتمع في هذا المجال .

    ان تأكيد الامام مسالة الزواج يعد الشق الاول من حق الاسرة الذي نحن بصدده ، اما الشق الثاني فهو صيانة وحماية هذه الاسرة ، إذ نظر الامام الى ان تماسك الاسرة هو الاساس لانشاء مجتمع قوي ومتجانس ، ويدعو الامام الى التعامل الانساني في اطار الاسرة رافضاً أي اضطهاد لها إذ يروى (ع) عن الرسول (‏صلى الله عليه وآله) قوله : " ان الرجل ليكتب جباراً وما يملك الا اهل بيته"(22) وكان الامام يأمر الفرد في ان "لايجحف بالعيال "(23) ، ويوصي (ع) : " لا يكن اهلك اشقى الخلق بك"(24) ، بل انه (ع ) جعل من رب الاسرة حاميا وخادما لها إذ يقول(ع): "لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شيء الى عياله "(25) ، ويحمل الامام رب الاسرة مسؤولية العناية المادية والمعنوية لافراد اسرته اذ يقول (ع) :" كفى بالمرء اثما ان يضيع من يقوت"(26).

    ووقف الامام بالضد من أي شيء يضر بالاسرة ، حتى ان ارتدى هذا الشيء رداء الدين، حيث اشتكى احدهم عند الامام اخاه بسبب انه كان قد "لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال : عليَّ به فلما جاء قال : ياعدي نفسه ! لقد استهام بك الخبيث ! اما رحمت اهلك وولدك " (27).

    واستناداً الى ما يكنه الامام من احترام واهتمام بمؤسسة الاسرة فانه ينطلق نحو تعزيز شتئ انواع العلاقات الاسرية ، ولاسيما بين الوالدين وابنائهما والعكس كذلك ، حيث يقول (ع) : "ليس لولد ولا والد حق في صدقة مفروضة ،ومن كان له ولد او والد فلم يصله فهو عاق "(28) ، وللوالدين مكانة مهمة عند الامام ويعدهما اساس الاسرة الصالحة إذ يقول :" مودة الاباء قرابة بين الابناء "(29) ويمكننا الفهم من هذه الحكمة ان اشاعة روح المحبة هي سبيل توطيد دعائم الاسرة والحفاظ عليها ، ويسمو الامام بالوالدين ومكانتهما حتى انه يقول :" لعن الله ولدا عق والديه ثلاثا"(30) ، وان عقوق الوالدين تعد من الكبائر عند الامام علي (31) ، ويفرض الامام على الابناء من الناحية الشرعية والقانونية ، لاسيما مع حالة التمكن ، وتحمل الاعباء المادية لاعالة الوالدين ، بل انه (ع) يخلق تداخلاً مشروعاً بين ملكية الابن وحاجة الاب معطيا الاولوية للثانية على الاولى، فحين سُأل (ع) " عن الرجل يحتاج الى مال ابنه ؟ قال: يأكل منه ما شاء بغير سرف - وفي احد كتب الامام - ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا الا باذنه ، والوالد ياخذ من مال ابنه ما شاء "(32) .

    وينطلق الامام من احترام وحب الابوين الى دائرة اوسع أي العائلة الكبيرة والعشيرة حتى يصل الى النظرة الانسانية التي لمسناها في الفصل الثاني ، ويؤكد الامام مفهوم صلة الرحم ويصف فوائدها بانها :" مثراة في المال ومنسأة في الاجل"(33). ويصف الامام سمات الحالة الجاهلية بأن "الارحام المقطوعة والغارات مشنونة"(34) ، ويدعو لحالة من التكافل بين هذه الحلقة في المجتمع قائلا: " من اتاه الله مالا فليصل به القرابة"(35) وينصح الامام ابناء الامة ، عن طريق قوله للامام الحسن : " اكرم عشيرك فانهم جناحك الذي به تطير واصلك الذي اليه تصير ، ويدك التي بها تصول "(36) ، ويقول (ع) في اظهار الاحترام لكبار السن والرحمة بصغار السن إذ يقول (ع) : " ليتاس صغيركم بكبيركم وليرأف كبيركم بصغيركم ولاتكونوا كجفاة الجاهلية"(37) ، ولعل قوله (ع) يطلب الرأفة للاطفال هو المدخل الافضل لاستعراض حق اخر في منظومة الحقوق عند الامام علي الا وهو حق التربية والرعاية للاطفال ، ولاسيما انهم جزء مهم من الاسرة، بل والحياة برمتها .

    لقد شغلت (مرحلة الطفولة ) حيزاً مهماً في الشريعة الاسلامية ، سواء في القران الكريم(38) ام السنة النبوية (39) . ولقد اخذ الامام علي (ع) على عاتقه تعزيز حقوق الطفل ايمانا منه باهمية هذه المرحلة في حياة الانسان التي تتشكل فيها معالم الشخصية فهو يخضع لانماط سلوك وعادات وخبرات تعيش في عمق شخصيته وتساهم في بنائها وصياغتها مستقبلا ، إذ اشار (ع) الى تأثر الانسان العميق في هذه المرحلة وذلك من خلال تجربته الشخصية اذ يقول (ع):" وقد علمتم موضعي من رسول الله ( ‏صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وانا وليد يضمني الى صدره ويكنفني في فراشه ... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل(40) اثر امه يرفع لي في كل يوم علما من اخلاقه ويأمرني بالاقتداء به "(41) . وتبرز اهمية مرحلة الطفولة وتاثيرها المستقبلي على الانسان والمجتمع وفق رؤيته (ع) إذ يقول (ع) :"انما قلب الحدث كالارض الخالية مهما القي فيها من شيء قبلته "(42).

    ويمكننا تحديد مرحلة الطفولة عند الامام من خلال كلامه حول التطور الذهني والجسدي للانسان إذ يقول (ع) ان الانسان " يثغر في سبع سنين ويحتلم في اربع عشرة سنة ، يستكمل طوله في اربع وعشرين ،فما كان بعد ذلك فانما هو بالتجارب"(43) .

    اذاً فمرحلة الطفولة تبدأ من تكون الانسان في رحم امه(44) الى ما قبل الخامسة عشرة من العمر ، مع مراعاة الفرق بين الذكور والاناث(45) ، ويقول (ع) :" ولدك ريحانتك سبعا وخادمك سبعا ،ثم هو عدوك او صديقك "(46).

    ونحن نميل الى فهم هذه الكلمة باطار اوسع من محيط العائلة الضيق الى دائرة المجتمع الرحب الذي دعاه الامام للتعامل مع الاطفال باسلوب وماهية خاصة تقوم على احترام حقوقهم الاساسية ليكونوا عناصر فاعلة وايجابية في اسرهم ومجتمعاتهم .
    -------------------------
    1-الطوسي ، الامالي ، مصدر سابق ، ص ص26-27 ؛ ويقول الامام (ع) :" ان الحسنة في الدنيا المراة الحسناء وفي الاخرة الحور العين " ؛ القرطبي ، مصدر سابق، ج2، ص432 . وينقل(ع) قول رسول الله (‏صلى الله عليه وآله) : " من اعطى اربع خصال فقد اعطى خير الدنيا الاخرة وفاز بحظه منهما [ ومنها ] زوجة صالحة تعينه على امر الدنيا والاخرة" ؛ المجلسي ، مصدر سابق ، ج1، ص238 . ويقول الامام(ع) العيش في ثلاث [منها ] زوجة تسرك اذا دخلت عليها " مدير ، مصدر سابق ، ج1 ، ص53 .

    2- المحمودي ، مصدر سابق ، ج1، ص23 .
    3- الحراني ، مصدر سابق ، ص229 .

    4- الكليني ، مصدر سابق ، ج5 ، ص328 ؛ للمزيد ينظر : عبد الهادي تقي الحكيم ، الفتاوي الميسرة (وفق فتاوى سماحة اية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ، (النجف ، مؤسسة الهادي ، د.ت) ، ص229 .

    5- ابن حنبل ، مسند الامام احمد ، مصدر سابق ، ج1، ص105 ؛ ابو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، سنن الترمذي ، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ، (بيروت ، دار الفكر ، 1403هـ)، ص111 . وفي سبيل تخفيف القيود المعنوية للزواج وفي سبيل التشجيع عليه ان الامام " سئل عن رجل ينظر الى محاسن امراة يريد ان يتزوجها قال : لاباس " .علي بن الحسين الكركي ، جامع المقاصد في شرح القواعد ، ج21، (قم ، مؤسسة ال بيت لاحياء التراث ، 1408هـ) ، ص28 .

    6- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج51 ، ص11 .

    7- محمد كاظم القزويني ، مصدر سابق ، ج9 ، ص529 ؛ ابو بشر محمد بن احمد الدولابي ، الذرية الطاهرة النبوية ، تحقيق سعد المبارك الحسن ، (الكويت ، الدار السلفية ، 1407هـ) ، ص63 ، الطبراني ، المعجم الكبير ، مصدر سابق ، ج42 ، ص37 .وذكر لما زفت فاطمة الى علي بن ابي طالب : " لم نجد في بيته الا رملا مبسوطا ووسادة وجرة وكوز " .

    8-الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق، حكمة 412 ، ص692 .

    9- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج2، ص323 .

    10- محمد التستري ، قضاء الامام علي ، مصدر سابق، ص171 ؛ ابن المطهر الحلي ، مصدر سابق ، ص499 .

    11- البلاذري ، انساب الاشراف ، مصدر سابق ، ص198 .

    12- كان علي (ع) " يتعوذ من بوار الايم " الصدوق ، من لايحضره الفقيه ، مصدر سابق ، ج3،ص181 . وسالت امراة احد فقهاء المسلمين فقالت : " اصلحك الله اني متبتلة ،قال لها : وما التبتل عندك ؟ قالت : لا اريد التزويج ابدا ،قال :ولم ؟ قالت : التمس في ذلك الفضل ، فقال : انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة(ع) احق به منك " أي ان زواج الامام اعطى وسائل الدفاع لكل من ينحرف عن الشريعة والطبيعة في دعواه او سلوكه . الطوسي ، الامالي ، مصدر سابق ، ص370 .

    13- المجلسي ، مصدر سابق ، ج1، ص268 .

    14- المصدر السابق ، ج2، ص281 .

    15- الريشهري ، ميزان الحكمة ، مصدر سابق ، ج2، ص989 ، وحول اراء الامام باداب الزواج وحقوق الزوجة، ينظر : حسن القبانجي ، مصدر سابق ، م5 ، ص ص 9-80.

    16- ابو يوسف البحراني ، الحدائق الناضرة ، مصدر سابق ، ج19، ص32 ؛الحر العاملي ، الفصول المهمة في معرفة الائمة ، مصدر سابق ، ج1، ص67.

    17- محمد بحر العلوم ، مصدر التشريع لنظام الحكم في الاسلام ، مصدر سابق ، ص ص58-59 .

    18- المجلسي ، مصدر سابق ، ج10، ص87 .

    19- الشريف الرضي (الجامع) ،نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي،مصدر سابق ، خطبة 202 ،ص ص402-403 .وعن الامام علي قال رسول الله (‏صلى الله عليه وآله) خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلي ما اكرم النساء الا كريم وما اهانهن الا لئيم " ابن عساكر ، مصدر سابق ، ج31 ، ص312 .

    20- الكليني ، مصدر سابق ، ج5 ، ص9 ، الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، شرح محمد عبدة ، مصدر سابق ، ج4 ، ص34 .

    21- وليس بعيد عن تاكيد الامام بشأن ديمومة الزواج تشدده (ع) بشروط الطلاق ، إذ قال": لمن ساله عن الطلاق: استشهدت رجلين عدلين كما امر الله عن وجل ؟ قال : لا ، قال اذهب فليس طلاقك بطلاق " سيد سابق، مصدر سابق ، ج2 ، ص258 .

    22- الهيثمي ، مصدر سابق ، ج8، ص24 .

    23- النوري ، مصدر سابق ، ج61 ، ص240 .

    24- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، كتاب 31 ، ص513 .

    25- المجلسي ، مصدر سابق ، ج7، ص207 . واعطى الامام المثل العملي للمساعدة في شؤون المنزل حيث كان يستسقي ويكنس وكانت فاطمة تطحن وتعجزن وتخبز ، ينظر : المصدر السابق ، ج14 ، ص54 . ويقول (ع) : " ان من اشترى لعياله لحما بدرهم كان كمن اعتق نسمة من ولدا اسماعيل " ، المصدر السابق، ج57، ص32.

    26- النوري ، مصدر سابق ، ج51 ، ص256. يقول (ع) : " عليك بلزم الحلال وحسن البر بالعيال وذكره الله في كل حال " الواسطي ، مصدر سابق ، ص334 .

    27- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، خطبة 209 ، ص408 .

    28- البيهقي ، مصدر سابق ، ج7، ص28 .

    29- بيضون ، مصدر سابق ، ص643 .

    30- جعفر الحلي ، المختصر النافع في فقه الامامية ، (طهران ، مؤسسة البعثة ، 1410هـ)، ص35 .حتى انه يقول: " من احزن والديه فقد عقهما " الحراني ، مصدر سابق، ص111 .

    31- الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، مصدر سابق ، ج11، ص254 ؛الصدوق ، علل الشرائع ، مصدر سابق ، ج2، ص475 .

    32- ابو يوسف البحراني ، مصدر سابق ، ج41 ، ص111 ،

    33- بيضون ، مصدر سابق ، ص648 ؛ وحول حث الامام على صلة الرحم . ينظر : حسن القبانجي ، مصدر سابق، م10 ، ص ص152-163 .

    34- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ،خطبة 192،ص372 .

    35- بيضون ، مصدر سابق ، ص648 .

    36- المصدر السابق ، ص648 .

    37- المصدر السابق ، ص648 .

    38- قوله تعالى " او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء"، سورة النور / الاية 13.

    39- ينظر : محمد بن ابي بكر بن قيم الجوزية ، تحفة الودود بأحكام المولود ، ج1 ، (دمشق ، مكتبة دار البيان ، 1971) ، ص ص224 - 229 ، ومواقع مختلفة .

    40- ولد الناقة .

    41- الشريف الرضي (الجامع) ، نهج البلاغة ، تعليق وفهرسة د. صبحي ، مصدر سابق ، خطبة 192 ، ص376.

    42- الواسطي ، مصدر سابق ، ص179؛ الريشهري ، ميزان الحكمة،مصدر سابق ، ج3 ، ص1400 .

    43- لجنة الحديث في معهد باقر العلوم ، كلمات الامام الحسين ، ط3 ،(قم ، دار المعروف ، 1416هـ) ، ص111.

    44- مدير ، مصدر سابق ، ج2، ص537 .

    45- حيث ان سن التكليف يتباين في الشريعة الاسلامية إذ يعد عمر 9 سنوات هو سن التكليف عند الاناث فان و15سنة هو سن التكليف للذكور.ينظر :عبد الهادي الحكيم ، مصدر سابق ، ص ص12-23 .

    46- حيث يقول (ع) عن هذه المرحلة في نظرته للانسان قائلاً : " هذا الذي انشاه في ظلمات الارحام وشغف الاستار نطفة دهاقا وعلقة محاقا وجنيناً رضاعا ووليدا يافعا ثم منحه قلبا حافظا ولسانا لافظا وبصرا لاحظا ليفهم معتبرا " . بيضون ، مصدر سابق ، ص671 .

    حقوق الانسانعند الامام علي (ع)/غسان السعد.
    التعديل الأخير تم بواسطة هدى الاسلام ; الساعة 05-06-2017, 03:58 PM. سبب آخر:

    تعليق

    يعمل...
    X