بسم الله الرحمن الرحيم
التنمية الشخصية
عندما نفتش فيما بين أيدينا من النصوص فإنها قد لا تسعفنا بطريق مباشر في أن نجد شرحاً بالصورة التي نأمل فيها ونتوقعها لكننا نستطيع بعمليات استدلال واستنباط ان نجد عدداً غير هين من النصوص التي تتضمن بعض الدلالات والمعاني التي من شأنها في المجموع العام أن تشير إلى مفهوم يقرب العملية التربوية من ذلك المعنى الذي يجعلها عملية تنمية الشخصية الإنسانية في جوانبها المختلفة فمن ذلك قول الإمام: فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثم علمت وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ثم تبصره بعد ذلك(1).
فخلو الإنسان من المعارف حال ولادته يفيد معنى الاكتساب بمرور الخيرات والأحداث عبر حياة الإنسان وان هذا الاكتساب لا يجيء سهلاً هينا وإنما يقتضي عمليات مجاهدة وبحث حيث أن الحقيقية لا تستبان لأول وهلة.
والتربية عملية إنسانية بالدرجة الأولى حيث خلق الله الإنسان قادراً على التعلم قابلاً له بحكم ما في فطرته من مرونة وقدرة على التكيف فقد جاء عن الإمام قوله: إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك(2). وقد تناول الإمام جعفر الصادق هذا المعنى بالشرح والتحليل فكان مما قاله: فصار – أي الطفل – يخرج إلى الدنيا غبياً غافلاً عما فيه أهله فيلقي الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلاً قليلاً وشيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية. ويعلل الإمام الصادق ذلك بقوله: فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلاً بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم(3).
وقد أبان الإمام عليّ عليه السلام ركيزتين أساسيتين لا قيام للتربية بدونهما ألا وهما ما أسميناه بمرونة الفطرة الإنسانية وكذلك الميل الفطري لدى الإنسان إلى التقليد يقول: يا بني أني لما رأيتني قد بلغت سناً ورأيتني أزداد وهنا، أردت بوصيتي إياك خصاً لا منهن أني خفت أن يعجل بي أجلي قبل أن أفضي إليك بما في نفسي وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، ومن هنا بدأ بتربيته التربية الصاحة ليوفر له أسس الشخصية السوية لتستقبل بجد رأيك ما قد كفاك أهل التجارب بغيبة وتجربة فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة(4).
فقد أكد الإمام عليّ أهمية الركيزتين بتعبيره البليغ عن التقليد قوله: فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ويعني بذلك أنه سيسأله أو سيسأل غيره حتماً في هذه الأمور فلذلك بادره هو قبل أن يبادر إليه غيره وتعبيره عن مرونة الطفل اليافع قوله: أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور فإن قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها شيء قبلته مشيراً بذلك إلى فترة النضوج ومرحلة التكامل الإنساني(5).
والتربية لابدّ لها من أساس عقيدي ونبع تغترف منه ما يعين المربين على سلوك الطريق المستقيم ومصدر تهتدي بما فيه لتحدد أهدافها وتعين وسائل الوصول إلى هذه الأهداف ومختلف البدائل التي تخطط لها في سبيل ذلك وغنى عن البيان ان هذا الأساس العقيدي وذلك النبع الفياض والمصدر الملهم قائم في كتاب الله عز وجل كتاب ربكم فيكم مبيناً حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله وناسخه ومنسوخه ورخصه وعزائمه وخاصه وعامه وعبره وأمثاله ومرسله ومحدوده ومحكمه ومتشابهه مفسراً مجمله ومبيناً غوامضه بين مأخوذ ميثاق في عمله وموسع على العباد جهله وبين مثبت في الكتاب ومعلوم في السنة نسخة وواجب في السنة أخذه ومرخص في الكتاب تركه وبين واجب بوقته وزائل في مستقبله ومباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه أو صغير أرصد له غفرانه وبين مقبول في أدناه موسع في أقصاه(6).
فليس كتاب الله فقط هو الأساس الذي تستند إليه عملية التربية في الإسلام كما يرى الإما وإنما هناك كذلك سنّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا كان القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة يشكلا نبع التبرية فإن خبرة الحياة وحركة الدنيا مصدر هام لابدّ من حسن التعامل معه لتكتمل العملية التربية فوفقا لسلوك المتعلم فيها وما يمر به من أحداث تكون حياته أن خيراً فخيراً وان شراً فشراً , ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غني لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد أذنت بنيها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها وشوقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة وذكرتهم الدنيا فتكذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا(7).
وقد حرص الإما م عليّ على أن يوثق الصلة بين التربية النظرية والتربية التطبيقية ببيان أهمية العمل بما نعلم ويظهر هذا فيما ورد نقلاً عنه حيث قال: الدنيا كلها جهل إلاّ مواضع العلم والعلم كله حجة إلاّ ما عمل به والعمل كله رياء إلاّ ما كان مخلصاً والاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم به(8). وتجيء كلماته أكثر صراحة في قوله: العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه، وقوله لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر قوام الدنيا بأربعة عالم مستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم فإن ضيع الالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم(9).
وتلعب الأسرة دوراً أساسياً في تشكيل البذور الأولى للشخصية مما يجعلها أول وأخطر وسيط تربوي بحيث يشكل الوعي بها وبأهميتها مقياساً هاماً للحكم على الفكر التربوي في مذهب من المذاهب أو عند علم من أعلام التربية ومن هنا نلمس حرص الإسلام على ضمان القواعد الراسخة والأسس القويمة التي لابدّ أن تقوم عليها الأسرة بحيث تكون بالفعل خير نموذج يحتذى به الأبناء وأروع قدوة ترسم المنهج المطلوب قال عزوجل حكاية عن عباده الصالحين الذين يعون ذلك حق الوعي ويسعون بالفعل إلى تحقيقه: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) وفي مقدمة قواعد التربية كما رسمها الإسلام أن توجد عملياتها التربوية القدوة الحسنة والمثل الأعلى للخير والصلاح(10).
ومن هنا يعتبر الأب هو المسؤول الأول عن تربية أبنائه تربية قويمة حتى يمكن أن يكونوا قرة أعين له في مقبل الأيام يقول الإمام عليّ لولده الحسن: ... وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئاً لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي. فالولد ليس بعضاً من الأب بل هو نفسه يحكي وجوده وكيانه فعليه أن يهتم بشؤونه التربوية وأن يعني في تهذيبه وكماله ليكون فخراً له وفي ذلك يقول الإمام كذلك: ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق ، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل بين ذي النقية والنية وان أبدأك بتعليم كتاب الله... (11).
1ـ عليّ محمّد الحسين الأديب: منهج التربية عند الإمام عليّ / بيروت دار الكتاب العربي 1979 ص34 .
2ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 149 .
3ـ المرجع السابق: 150.
4 ـ منهاج التربية عند الإمام عليّ: 36.
5ـ المرجع السابق: 37 .
6ـ المرجع السابق:43 .
7 ـ المرجع السابق: 48 .
8 ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية : 162 .
9 ـ المرجع السابق: 163.
10ـ باقر شريف القرشي: النظام التربوي في الإسلام بيروت دار التعارف للمطبوعات 1979 ص 83 .
11ـ الفكر التربوي عند الشيعة الإمامية: 189 .
سعيد إسماعيل عليّ ،جامعة عين شمس مصر.
تعليق