إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تاريخ علم الاصول وتطوّره في سطور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تاريخ علم الاصول وتطوّره في سطور

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تاريخ علم الاصول وتطوّره في سطور


    المعروف أنّ أوّل ما دوّن علم الاصول هو رسالة دوّنها الشّيخ المفيد رحمه‌الله وأوردها المحقّق الكراجكي رحمه‌الله في كنز فوائده (1) ، ولكن من الواضح أنّ هذا لا يعني أنّ هذا المحقّق رحمه‌الله هو المبتكر لهذا الفنّ ، بل إنّ الفكر الاصولي وقد وضِعت دعائمه وانعقدت نطفته منذ عصر الأئمّة عليهم‌السلام بل منذ عصر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذلك العصر الذي شهد ظهور الفقه ، وتحرك فيه فقهاء الامّة ليسترفدوا من الكتاب والسنّة ـ بل إجماع المسلمين ودليل العقل أحياناً ـ لاستنباط الأحكام الالهيّة فإحتاجوا إلى معرفة أدلّة الأحكام الفقهيّة والمنابع الأصلية لها والإحاطة الدقيقة بمنابعها الأساسيّة وحدودها وخصوصيّاتها على أحسن وجه ، حيث كانت أحكام الدِّين وما يحتاج إليه المكلّفون مبثوثة في الكتاب والسنّة ، ولا بدّ للعلماء وأصحاب الحديث وغيرهم من رسم خطوط عامّة لكشفها واستنباطها عن أدلّتها ، فكان اللازم معرفة هذه الأدلّة التي يستكشف منها أحكام الشرع وكيفية الاستدلال بها عليها.



    لكن لا إشكال في أنّ علم الاصول كان في تلك العصور مجرّد قواعد بسيطة جدّاً ، متفرّقة غير مدوّنة في كتاب خاصّ ، مأخوذة من كتاب الله وسنّة النبي وأئمّة الهدى عليهم‌السلام وعُرف العقلاء ، ويلقيها العلماء في كلّ زمان إلى تلامذتهم ، فقد صرّح أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بأنّ « علينا إلقاء الاصول وعليكم التفريع » (2). وقال الإمام الباقر عليه‌السلام لأبان بن تغلب : « اجلس في مسجد

    المدينة وافتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك ». (3)



    فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي ، ويعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات ( حجّية قول الثقة ) ويعالجون تعارض العامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد ، من طريق التخصيص والتقييد ، ويعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط والغاية ، وحين وقوع التعارض بين الظاهر والأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل ، ويقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و ... إلى غير ذلك من أشباهه.



    هذا ، ولكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه وظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الاصول إلى يومنا هذا ، حتّى صار من أوسع العلوم وأعقدها ، مملوّاً من دقائق عقليّة ونقليّة ، وهكذا يتّسع يوماً بعد يوم.


    ومن الطريف جدّاً أنّ علم اصول الفقه ـ كالفقه نفسه ـ عند أتباع أهل بيت عليهم‌السلام الوحي أكثر توسّعاً من اصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة ، ودليله واضح ، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم وعدّوا الفقهاء الأربعة ( أئمّة المذاهب الأربعة ) خاتمي المجتهدين والمستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود والجمود وتوقّف بالطبع قرين علم الفقه وشقيقه ( علم الاصول ) عن النموّ والحركة ، ولكن أتباع أهل بيت العصمة ـ مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد ـ أفتوا بإتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت ، ولأجل ذلك لا يزال وفي كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة وأدلّتها المعتبرة ، ويقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي ، ويضعونها في متناول أيدي المسلمين ، وهذا الاعتقاد ـ مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة وإشراقاً ممّا كان سابقاً ـ أوجب إزدهار علم الاصول ونموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة وبدائيّة جدّاً ، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الاصول لدى الشيعة إلاّعند فحول وخبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية.


    المشكلة المهمّة في اصول الفقه :

    ولكن علم الاصول رغم هذا التوسّع والدقّة والظرافة في طرح المسائل ـ مضافاً إلى التعمق التوغّل في استكناه الحقائق ـ مازال بفتقد للنظام اللازم اللائق في كيفيّة الورود والخروج في المسألة ومنهج عرض المباحث.



    ومن جانب آخر : فإنّ الكثير من مسائله لم توضع موضعها الأصلي المناسب ، الأمر الذي يثير مشكلة جديدة على مستوى تحرير محلّ النزاع في المسألة والاستدلال عليها.



    ومن جانب ثالث : هناك بعض النواقص والتفريعات الزائدة في هذا العلم الشريف كانت مطروحة في سالف الزمان ، ممّا يُلزم المحقّقين الكرام في الحوزات العمليّة بذل الجهد لرفعها وإصلاحها ، فكأنّ الغواصّين في هذا البحر ( أعلى الله مقامهم الشريف ) على رغم احاطتهم بمسائل هذا العلم وإعمال الدقّة والسعي الوافر في تنقيحها كانوا ـ لشدّة اهتمامهم بالاصول ـ يطرحون في علم الاصول كلّ مسألة مهمّةٍ مرتبطة بالفقه والاستنباط بنوع من الارتباط ولم يبحث عنها في موضعها المناسب ، والذي أثار هذه المشكلة وشدّدها هو التنوّع البالغ والتفريع العجيب للمسائل الاصوليّة ، واختلاف مبادئها العقليّة واصولها النقليّة.



    ولكن هؤلاء الأعاظم ـ تغمّدهم الله تعالى في رحمته وعناياته ، وجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء ـ قد حرّموا علينا التقليد في طلب الحقائق العمليّة ، وأوصونا بأشدّ الجهاد وأوفر السعي لتفعيل هذا العلم وتطويره ، ولذا نستمدّ من المولى سبحانه ونعمل على البحث عمّا في مسائل هذا العلم كما يظهر في رأينا القاصر.


    رسم كلّي لأبحاث علم الاصول

    المشهور في تعريف علم الاصول أنّه : « العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة » ، وأنّ موضوعه « الأدلّة الأربعة ». وفي قول آخر : « ما هو الحجّة في الفقه » مطلقاً سواء كان من الأدلّة الأربعة أو غيرها.



    إذن ، البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة ونحوها بحث في المسائل الأصليّة لعلم الاصول ، كما أنّ البحث عن حجّية ظواهر الألفاظ وحجّية قول اللغوي أيضاً بحث من هذا القبيل ، فإنّ جميعها تقع في طريق الاستنباط ، أي تكون كبرى في القياس الذي ينتج حكماً من أحكام الشرع.

    نعم ، لا يخفى أنّه قد تقع في كبرى القياس عدّة مسائل اصوليّة معاً ، كمسألة حجّية
    الخبر الواحد وحجّية الظواهر ومرجّحات باب التعارض ، فيمكن وقوعها معاً كبرى قياس يُستنبط منه حكمٌ واحد كوجوب صلاة الجمعة مثلاً.



    وعلى هذا الأساس تخرج كثير من المسائل الموجودة في علم الاصول من المسائل الأصلية لهذا العلم وتلحق بالمبادىء.

    كما أنّ كثيراً من المباحث المطروحة في باب الألفاظ ليست من المباحث اللّفظيّة ، ولا بدّ فيها من تغيير وتبديل.



    ومن جانب آخر ، لا شكّ في عدم ترتّب ثمرة على بعض المسائل الاصوليّة ، فلابدّ من حذفها من علم الاصول ، وبالعكس توجد فيه نقائص لا بدّ من رفعها بإضافة مباحث كفيلة بذلك والانتهاء بعلم الاصول إلى كماله المطلوب.



    إذن ، يمكن تلخيص مشاكل علم الاصول في عدّة أمور :

    1 ـ وجود مسائل تُعدّ في الواقع من مبادىء علم الاصول ، ولكنّها امتزجت مع المسائل الأصلية ، فلابدّ من تفكيكها وطرح كلّ واحدة منهما في موضعها الحقيقي المناسب.


    2ـ عدم وجود بعض المسائل التي كانت مطروحة في كتب السابقين ولا نجدها الآن في علم الاصول.


    3 ـ توسّع بعض المسائل نظير مبحث الانسداد توسّعاً يوجب تضييع عدّة شهور من أوقات طلاّب هذا العلم.



    4 ـ عدم طرح كثير من المسائل في موضعها اللائق المناسب.



    5ـ وجود القواعد الفقهيّة التي لا بدّ من طرحها في علم على حدة ، ولكن قلّة العناية بعلم القواعد الفقهيّة أوجب طرح عدّة من مباحثه في علم الاصول ، وعدّة اخرى في علم الفقه في عرض المسائل الفقهيّة ، وهناك عدّة ثالثة بقيت بعدُ في بقعة النسيان.



    فمن موارد المشكلة الاولى مباحث الأوامر والنواهي ( معنى الأمر ومعنى النهي من حيث المادّة والصيغة وسائر خصوصّياتهما ) وكذلك مباحث العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد ومباحث المفاهيم والمشتقّ والصحيح والأعمّ والحقيقة الشرعيّة ، لأنّ جميعها تنقّح صغريات أصالة الظهور.



    وبعبارة اخرى : حجّية ظواهر الألفاظ تكون من المسائل الاصوليّة التي تقع في طريق استنباط الأحكام الفقهيّة ، وبدونها لا يمكن الاستفادة من أيّ دليل لفظي ، ولكن البحث في أنّ ظاهر اللفظ الفلاني هل هو الوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة؟ وهل هو عامّ أو خاصّ؟ وهل يكون له المفهوم أو لا؟ و ... كلّ ذلك بيان لموضوعات قاعدة أصالة الظهور وصغرياتها ، ولا موضع لها في مسائل الاصول.



    كما أنّ حجّية قول الثقة تعدّ من مباحث الاصول ، وأمّا مسألة أنّ زرارة أو محمّد بن مسلم هل هو من الثقات أو لا أو أنّ أصحاب الإجماع مَن هم؟ فليست منها قطعاً واتّفاقاً.



    وعلى هذا يكون جميع المباحث السابقة خارجة عن عداد مسائل علم الاصول وداخلة في مبادئها ، ولكن حيث إنّ علم اللّغة أو العلوم الأدبيّة لم تبحث هذه الامور كما هو حقّها ، لذا اضطرّ علماء الاصول إلى بحثها بعنوان مقدّمات لمسائل علم الاصول.



    هذا ، مضافاً إلى أنّا نشاهد مباحث في هذا العلم تُعدّ في الواقع مقدّمة لهذه المقدّمات ، وتكون في الحقيقة من قبيل مبادي المباديء لعلم الاصول ، نظير مباحث الوضع والمعاني الحرفيّة وعلائم الحقيقة والمجاز ونظائرها ، فهي في الواقع مقدّمة لمقدّمات علم الاصول.


    وأمّا المورد الثاني ـ أيّ المسائل التي ينبغي وجودها في علم الاصول ، بل كانت مذكورة في كتب الماضين ولكن لا أثر لها في علم الاصول فعلاً ـ فهي كثيرة ، كحجّية نفس الإجماع بأقسامه ( لا حجّية الإجماع المنقول فقط ) وحجّية أنواع السِير من سيرة المسلمين وسيرة الفقهاء ونحوهما من سائر أقسامها ، والمباحث المرتبطة بالأدلّة العقليّة ( حجّية دليل العقل ) ومسائل الحُسن والقُبح العقليّين ووجود الملازمة بين العقل والشرع ، وهكذا عدم حجّية الاستحسان والظنّ القياسي وسدّ الذرائع والمصالح المرسلة والاجتهاد الظنّي بمعناه الأخصّ وأشباهها التي هي ثابتة عند علماء أهل السنّة ، وهكذا المباحث المرتبطة بالخبر المتواتر والخبر المستفيض ، ونحوها.



    أمّا المباحث الزائدة التي لا حاجة إليها في هذا العصر فقد مرّ بعض نماذجها ( وهو مبحث الانسداد ).

    وأمّا المباحث التي لا بدّ من إيرادها في الاصول ولكن في موضعها المناسب فمن قبيل كثير من المباحث التي تعدّ في يومنا هذا من مباحث الألفاظ ولكنّها ليست منها قطعاً كمباحث مقدّمة الواجب ، واجتماع الأمر والنهي ، ودلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه ، ومبحث الترتّب ، ودلالة النهي في العبادات والمعاملات على الفساد أو عدمه ، ومباحث الإجزاء ، فإنّ جميع هذه المسائل من المباحث العقليّة التي لا بدّ من إدخالها تحت عنوان « الملازمات الحكمية » في ذيل دليل من الأدلّة الأربعة وهو دليل العقل ، لأنّ وجوب ذي المقدّمة مثلاً بأيّ طريق ثبت ـ سواء ثبت من خلال دليل لفظي أم لا ـ قابل للبحث عن أنّه هل يكون ملازماً لوجوب مقدّمته أو لا؟ وهكذا الأمر والنهي ـ سواء ثبتا بدليل لفظي أو عقلي أو الإجماع ـ يدخل في مبحث اجتماع الأمر والنهي وإمكانه واستحالته ، وجميع مسائل الضدّ والترتّب والإجزاء أيضاً من هذا القبيل.



    ومن المعلوم أنّ تغيير البحث من ناحية الموضع يوجب تغيير شكل البحث أيضاً ، فلا يتمسّك أحد بذيل استدلالات من قبيل أنّ وجوب ذي المقدّمة لا يدلّ على وجوب المقدّمة بإحدى الدلالات الثلاث ، أو أنّ النهي لا يدلّ على الفساد بإحدى الدلالات الثلاث ، فما ذكره بعض أعلام المعاصرين من أنّ هذا التبديل المكاني لا يوجب تغيير ماهية البحث وجوهره قابل للمناقشة ، حيث إنّه من المعلوم حينئذ تغيير كيفية الاستدلالات أيضاً ، فإنّ البحث اللّفظي يطلب دلائل معينة ، والبحث العقلي يطلب دلائل اخرى.



    وأمّا ما يكون من سنخ القواعد الفقهيّة لا اصول الفقه (4) ولا الفقه نفسه فحيث إنّه لم يدوّن لها سابقاً علمٌ على حدة دخلت عدّة منها في الاصول ( كقاعدتي الفراغ والتجاوز وقاعدة اليد ولا ضرر والقرعة ) وعدّة اخرى منها في علم الفقه ( نظير قاعدة ما يضمن وما لا يضمن وقواعد اخرى من هذا القبيل ) وعدّة ثالثة منها المظنون عندي أنّها غير معنونة في ما نعرفه من الكتب الفقهيّة والاصوليّة بل استند الفقهاء إليها في تضاعيف المباحث الفقهيّة من دون تعرّض لشرح أدلّتها وشرائطها (5).


    فتلخّص من جميع ما ذكرنا : أنّه لا بدّ من فذلكة جديدة في مباحث علم الاصول على مستوى الجهات الخمس المذكورة.
    -----------------------

    (1) وقد طبعها ونشرها أخيراً المؤتمر العالمي لألفيّة الشّيخ المفيد رحمه‌الله ، فراجع ج 9 من مصنّفات الشّيخ المفيد رحمه‌الله.

    (2) وسائل الشيعة : ج 27 ، طبع آل البيت ، ص 62 عن الإمام الرضا عليه‌السلام ، وقد نقل نفس الحديث في بحار الأنوار : ج 2 ، ص 245عن جامع البزنطي عن الإمام الرضا عليه‌السلام بتغيير يسير ، وهو « علينا إلقاء الاصول إليكم وعليكم التفرّع ».

    (3) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 315.

    (4) والفرق بين المسائل الاصوليّة والقواعد الفقهيّة هو : أنّ المسائل الاصوليّة لا تشتمل على حكم شرعي خاصّ بل تقع دائماً في طريق استنباط الأحكام ، بخلاف القواعد الفقهيّة فإنّها مشتملة على حكم شرعي خاصّ كلّي مثل نفي الضرر أو وجوب الإعادة ( في قاعدة لا تعاد ) أو الطهارة ( في قاعدة الطهارة ) أو وجوب التقيّة ( في قاعدة التقيّة ) أو غير ذلك. كما أنّ الفرق بين هذه القواعد والمسائل الفقهيّة أيضاً واضحة ، فإنّ القواعد تشتمل على أحكام كلّية لا يمكن اعطاؤها بيد المقلّد لأنّ تطبيقها على مواردها وإحراز شرائطها من وظيفة الفقهاء ، بخلاف الأحكام الفقهيّة فإنّها أحكام خاصّة تُعطى بأيدي المقلّدين ، فهذا هو الفرق الأصيل بين هذه العلوم الثلاثة.

    (5) ولتوضيح أكثر في هذا المجال راجع كتابنا « القواعد الفقهيّة ».


  • #2

    الأمر الأوّل : يشتمل على مسائل أربع


    المسألة الاولى : موضوع كلّ علم



    قال المحقّق الخراساني رحمه‌الله : « إنّ موضوع كلّ علم ـ وهو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة أي بلا واسطة في العروض ـ هو نفس موضوعات مسائله عيناً ... ».


    فقد تصدّى للبحث عن موضوع كلّ علم من دون أن يشير أوّلاً إلى أنّه هل يحتاج كلّ علم إلى موضوع جامع بين موضوعات مسائله أو لا؟

    والظاهر أنّه أرسله إرسال المسلّمات ، أي كانت حاجة كلّ علم إلى موضوع عنده أمراً قطعيّاً واضحاً مع أنّه وقع مورداً للسؤال والمناقشة بين أعلام المتأخّرين عنه ، فاللازم البحث في هذا قبل تعريف الموضوع.

    فنقول : هل يحتاج كلّ علم إلى موضوع واحد جامع لشتات موضوعات مسائله أو لا؟

    الدليل الوحيد الذي استدلّ به للزوم وحدة الموضوع هو قاعدة « الواحد لا يصدر إلاّمن الواحد » حيث إنّ لكلّ علم نتيجة واحدة فليكن ما تصدر منه هذه النتيجة أيضاً واحداً ، ولازمه أن يكون لجميع موضوعات المسائل جامع واحد يكون هو موضوع العلم.

    وقد أورد على هذه القاعدة المحقّق العراقي رحمه‌الله وبعض أعاظم العصر بامور :

    أوّل : إنّها مختصّة بالواحد الشخصي البسيط ، لا النوعي كما قرّر في محلّه ، ولا إشكال في أنّ الأهداف والأغراض المترتّبة على علم كعلم الاصول الذي يقع في طريق استنباط مسائل متنوعة في مختلف أبواب الفقه ليس لها وحدة شخصيّة.

    الثاني : سلّمنا جريانها في الواحد النوعي ، لكنّها مختصّة بالواحد الحقيقي الخارجي ولا تجري في الواحد الاعتباري كسلامة البدن التي هي غاية لعلم الطبّ ، ومركّبة من سلامة القلب والكبد والعروق والأعصاب وغيرها من سائر أعضاء البدن ، وليس واحداً في الخارج ،وكعلم الاصول فإنّه يدور مدار المباحث الاعتباريّة والقوانين التشريعيّة (1).

    الثالث : سلّمنا جريانها في الواحد الاعتباري أيضاً لكنّا لا نسلّم جريانها فيما يتركّب من الامور الوجوديّة والعدميّة ، أو من الوجوديّات التي يكون كلّ واحد منها داخلاً في إحدى المقولات التسع العرضيّة التي هي من الأجناس العالية ، وليس فوقها جنس ، وذلك لعدم إمكان تصوير جامع بين الوجود والعدم وبين الأجناس العالية.

    مثال القسم الأوّل : علم الفقه ( الذي يعدّ غاية لعلم الاصول ) حيث إنّ بعض موضوعات مسائله وجودي كالصّلاة وبعضها عدمي كالصوم ، ومثال القسم الثاني : الصّلاة التي تتركّب من مقولة الوضع ومقولة الكيف المسموع وهكذا ...

    الرابع : أنّه لا يحصل الغرض في كلّ علم من خصوص موضوعات مسائله ، بل يحصل من النسبة الموجودة بين الموضوع والمحمول ، مثلاً الغرض من علم الفقه الذي هو عبارة عن العلم بأحكام الصّلاة والصّوم وغيرهما لا يحصل من موضوع « الصّلاة » أو « الصّوم » حتّى نستكشف من وحدة النتيجة وحدة الموضوع ، بل إنّها تحصل من النسبة القائمة بين الموضوع والمحمول في قولنا « الصّلاة واجبة » ، وحينئذٍ فليكن المستفاد من القاعدة وحدة النسبة لا وحدة الموضوع ، ( انتهى ما ذكره الأعلام في المقام ملخّصاً ).


    أقول : الصحيح من هذه الإشكالات إنّما هو الأوّل الذي يندرج فيه الإشكال الثاني أيضاً ، وحاصلهما عدم جريان هذه القاعدة ـ على القول بها ـ في غير البسيط الحقيقي الخارجي ، ومنشأ الاستدلال بها في ما نحن فيه هو الخلط بين المسائل الاصوليّة التي هي من سنخ الاعتباريات وبين المسائل الفلسفية التي تدور حول الحقائق التكوينيّة ، فإنّ الفلسفة تبحث عن الحقائق الواقعيّة العينيّة ، والاصول يبحث عن امور اعتباريّة قانونيّة ، والفرق بين الأمرين غير خفيّ ، والمشاكل المتولّدة من ناحية هذا الخلط غير قليلة ، أي الخلط بين الحقائق والاعتباريات في طيّات أبواب علم الاصول من أوّله إلى آخره ، فلا تغفل.


    وأمّا الإشكال الثالث : فيرد عليه إنّ الموضوعات في جميع مسائل الفقه امور وجوديّة وليس فيها أمر عدمي ، لأنّ موضوعات مسائل الفقه عبارة عن أفعال المكلّفين من دون واسطة كما في الأحكام التكليفيّة أو مع الواسطة كما في الامور الوضعيّة ، وهي وجوديّة بأسرها غاية الأمر تارةً يكون الفعل هو الكفّ كما في الصّيام واخرى هو الأعمال الخارجيّة.

    وأمّا كونها من المقولات المتباينة ففيه : أنّ الموضوع المبحوث عنه في المسائل الفقهيّة إنّما هو فعل هذه الأوضاع والكيفيّات ، أعني إيجاد الركوع والسجود والقراءة وغيرها ، والفعل أمر واحد من مقولة واحدة.

    وأمّا الإشكال الرابع : ففيه أنّ الغرض وإن كان ناشئاً من النسبة بين الموضوعات والمحمولات ، إلاّ أنّ وحدتها تنشأ من وحدتهما لأنّها قائمة بطرفيها فتكون وحدة النسب الموجودة في المسائل دليلاً على وحدة موضوعاتها.

    فتلخّص من جميع ما ذكرنا إنّه لا دليل على وجوب تحصيل موضوع واحد جامع لجميع موضوعات مسائل كلّ علم حتّى يبحث عن تعريفه وتحديده كما فعله جمع كثير من الأصحاب.

    ملاك وحدة العلم :


    قد يقال : إن لم يكن ملاك وحدة العلم وحدة الموضوع كما مرّ فما هو الملاك في اتّحاد مسائل العلم وانسجامها؟

    قلنا : لا بدّ للحصول على الجواب الصحيح لهذا السؤال من الرجوع إلى تاريخ تدوين العلوم البشريّة ( لا إلى حكم العقل لعدم كون المسألة عقليّة كما لا يخفى ) فنقول : إذا رجعنا إلى تاريخ تدوين العلوم نجد بساطتها واختصارها في بدو تولّدها كما يظهر من ملاحظة فلسفة افلاطون مثلاً فإنّها متشكّلة من مسائل طفيفة في أبواب الالهيّات ومسائل في الطبيعيّات ومسائل اخرى في الفلكيّات ومباحث في سياسة المدن اندرج جميعها في علم واحد وكتاب واحد ، ثمّ بعد توسّعها واحتياجها إلى تجزئة بعضها عن بعض قصد موسّعوها ومدوّنوها في الأدوار اللاّحقة إلى تدوين المسائل التي توجد علاقة خاصّة بينها علماً على حدة وتأليفها بعنوان علم مستقلّ ، وكان المعيار في هذه العلاقة :

    تارةً : وحدة الموضوع ، كعلم معرفة الأرض في الطبيعيّات الذي يكون الموضوع في جميع مسائله شيئاً واحداً وهو الأرض وحالاتها مع أنّ الأغراض المترتّبة على مسائله مختلفة فإنّ له تأثيراً في مقاصد شتّى كما لا يخفى.

    أو كعلم النجوم الذي يكون الموضوع فيه أمراً واحداً وهو النجوم ، ولا يخفى أيضاً أنّ الأغراض فيه متعدّدة تظهر في باب التوحيد والعبادات ونظام المجتمع الإنساني وغيرها ، أو كعلم الكيمياء وهو علم تراكيب الأشياء وتجزئتها ، وموضوعها هو الأجسام من حيث التجزئة والتركيب ، مع أنّ فائدته تظهر في علم الطبّ والصنائع المختلفة.

    واخرى : وحدة المحمول كعلم الفقه لأنّ المحمول في جميع مسائله سواء كانت تكليفيّة أو وضعية هو حكم من الأحكام الشرعيّة وليس المعيار فيه وحدة الموضوع لأنّ الموضوع فيه ليس شيئاً واحداً فإنّ الموضوع لعلم الفقه ليس خصوص أفعال المكلّفين لعدم شمولها للأحكام الوضعيّة ، وارجاعها إلى أفعال المكلّفين بالواسطة لا يخلو من التكلّف.

    وثالثة : وحدة الغرض خاصّة ، كعلم المنطق لأنّ الغرض الحاصل من مسائله هو الحصول على التفكّر الصحيح والصيانة عن الخطأ ، ولعلّ من هذا القسم علم الاصول لوحدة الغرض في جميع قضاياه ، وهو تحصيل القدرة على استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها.

    ويمكن أن يكون ملاك الوحدة اثنين من هذه الامور الثلاثة أو جميعها كما لا يخفى.

    فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل على أنّ لكلّ علم موضوعاً واحداً حتّى نحتاج إلى البحث عن حدوده وخصوصّياته ، كما ظهر ضمناً أنّ الملاك في تمايز العلوم ليس أمراً واحداً بل إنّه يختلف باختلاف أنواعها كما سيأتي بيانه في محلّه تفصيلاً إن شاء الله تعالى.

    ثمّ إنّه لو سلّمنا حاجة كلّ علم إلى موضوع خاصّ فما هو الموضوع وما تعريفه؟

    ذكر كثير منهم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة كما حكيناه عن المحقّق الخراساني رحمه‌الله ، ولتوضيح العوارض الذاتيّة نقول : إنّ المعروف في محلّه عند القدماء أنّ العوارض على قسمين : ذاتيّة وغير ذاتيّة ( غريبة ) ، لأنّها إمّا أن تعرض للشيء بلا واسطة كالحرارة بالنسبة إلى النار ، أو تعرضه بواسطة أمر داخلي وهو على قسمين : أمر داخلي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الإنسان بواسطة الناطقية ، أو أمر داخلي أعمّ من المعروض كعروض الحركة على الإنسان بواسطة الحيوانيّة ، ( ولا يخفى أنّ الأمر الداخلي لا يمكن أن يكون مبايناً لمعروضه كما لا يمكن أن يكون أخصّ منه ) ، أو تعرّضه بواسطة أمر خارجي ، وهو على أربعة أقسام : أمر خارجي مباين للمعروض كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار ، وأمر خارجي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الضاحك بواسطة الناطقية ، وأمر خارجي أخصّ من المعروض كعروض الإدراك على الحيوان بواسطة الناطقية ، وأمر خارجي أعمّ من المعروض كعروض المشي على الناطق بواسطة الحيوانيّة ، فصارت الأقسام سبعة.

    كما أنّ المعروف أنّ الأوّلين منها من العوارض الذاتيّة وهما العارض بلا واسطة والعارض بأمر داخلي مساوٍ ، كما أنّه لا إشكال في كون الخامس والسابع منها ( وهما العارض بواسطة الخارجي الأعمّ والعارض بأمر خارجي مباين ) من العوارض الغريبة ، وأمّا الثلاثة الباقية فقد وقعت معركة للبحث والآراء ومحلّ الكلام منها هو المنطق أو الفلسفة.

    أقول : أوّلاً : ما الدليل على هذا التقسيم؟ وما هو الملاك فيه؟ وما المعيار في كون العرض ذاتياً أو غير ذاتي. فإن كان هناك مصطلح خاصّ فالأمر فيه سهل ولكن التفاوت الحقيقي بين العلوم لا يدور مداره ، وإن كان أمراً وراءه فلابدّ من بيانه.

    وثانياً : لا دليل على أنّ مصنّفي العلوم قصدوا من العوارض الذاتيّة المعنى المذكور.

    هذا ـ وقد أجاد بعضهم حيث اتّخذ طريقاً آخر وملاكاً جديداً للعرض الذاتي والعرض الغريب ، فقال : الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض ، أي بدون الواسطة مطلقاً أو مع الواسطة في الثبوت ( كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار ).

    والمقصود من كون الواسطة واسطة في الثبوت إنّما هو العروض حقيقة فإنّ الماء يصير بواسطة النار حارّاً حقيقة لا مجازاً وعناية ، فيكون من قبيل إسناد شيء إلى ما هو له الذي لا يصحّ سلبه عنه (2).

    مع أنّه بناءً على تفسير القوم داخل في العرض الغريب لأنّ النار مباينة للماء ، والغريب ما يعرض الشيء مع واسطة في العروض ، أي بالعناية والمجاز ، نحو عروض الحركة على الجالس في السفينة في جملة « زيد متحرّك » حيث إنّ المتحرّك الحقيقي إنّما هو نفس السفينة.

    ثمّ قال : المبحوث عنه في العلوم ما يعرض الموضوع إمّا بلا واسطة في العروض أو مع واسطة في الثبوت ، أي ما يعرض على الموضوع حقيقة لا عناية ومجازاً.

    أقول : دليل كلامه واضح فإنّه من القضايا التي قياساتها معها لوضوح إنّه لا يبحث في العلوم عن العوارض المجازيّة. اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ مسائل العلوم لا تنحصر في العوارض الذاتيّة بهذا المعنى فحسب بل قد تشمل العوارض مع الواسطة في العروض أيضاً ، فمثلاً في البحث عن السير والتاريخ وحالات الأشخاص ينضمّ إليها البحث عن حالات آبائهم وأبنائهم وأصحابهم مع أنّه يكون من قبيل « زيد قائم أبوه » والمجاز في الإسناد.

    كما أنّ قول بعضهم ( وهو المحقّق الخراساني رحمه‌الله ) : « إنّ موضوع كلّ علم ... هو نفس موضوعات مسائله عيناً ... وإن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلّي ومصاديقه والطبيعي وأفراده » ينقتض ببعض العلوم الدارجة كعلمي الجغرافيا والهيئة وما شابههما ممّا تكون النسبة بين موضوعها وموضوعات مسائلها نسبة الكلّ إلى أجزائه ولا إشكال في أنّ عوارض الجزء لا تعدّ من العوارض الذاتيّة للكلّ ( بناءً على كلا التفسيرين المذكورين للعارض الذاتي ) إلاّ بنحو من التكلّف ، ضرورة أنّ عارض الجزء وخاصّته عارض لنفس الجزء لا للكلّ الذي تركّب منه ومن غيره إلاّعلى نحو المجاز في الإسناد الذي مرّ ذكره آنفاً.

    هذا كلّه بالنسبة إلى المسألة الاولى من المسائل الأربعة في الأمر الأوّل.


    المسألة الثانيّة : في تمايز العلوم



    ذهب المحقّق الخراساني رحمه‌الله إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض واستدلّ عليه بوجهين :

    الأوّل : إنّه لو لم يكن بالأغراض فليكن بالموضوعات وهو يستلزم أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة من كلّ علم علماً على حدة لشموله على موضوع على حدة.

    الثاني : أنّ التمايز بالموضوعات يلزم منه تداخل العلوم بعضها في بعض لأنّه قد يكون شيء واحد موضوعاً لمسألة يبحث عنها في علوم عديدة ( كموضوع « التوبة » فإنّها يبحث عنها في
    علم الفقه في باب العدالة وفي علم الكلام والتفسير والأخلاق لارتباطها ببعض مسائل كلّ منها كما لا يخفى ).


    لكنّ المشهور أنّ تمايز العلوم بالموضوعات كما هو الظاهر من تعريفهم لموضوع كلّ علم بأنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة.

    وحيث إنّ بعضهم لاحظ اشتراك بعض العلوم مع بعض آخر في الموضوع كاشتراك علم الصرف مع علم النحو واللّغة والبلاغة فيه ( حيث إنّ الموضوع في جميعها هو الكلمة فيلزم منه اندراجها في علم واحد ) فقد أضاف إلى تعريف المشهور قيداً آخر وهو قيد الحيثيّة ، وقال إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات مقيّدة بقيد الحيثيّات ، فإنّ موضوع علم الصرف مثلاً هو الكلمة من حيث تصريفها ، وموضوع علم النحو هو الكلمة من حيث الاعراب والبناء ، وموضوع علم اللّغة الكلمة من حيث المعنى وهكذا ...

    وعلّق عليه المحقّق الإصفهاني رحمه‌الله بأنّه « ليس الغرض من تحيّث الموضوع كالكلمة والكلام بحيثيّة الاعراب والبناء في النحو وبحيثيّة الصحّة والاعتلال في الصرف أن تكون الحيثيات المزبورة حيثية تقييديّة لموضوع العلم ، إذ مبدأ محمول المسألة لا يعقل أن يكون حيثية تقييديّة لموضوعها ولا لموضوع العلم وإلاّ لزم عروض الشيء لنفسه ، ولا يجدي جعل التحيّث داخلاً والحيثية خارجة لوضوح أنّ التحيّث والتقييد لا يكونان إلاّبملاحظة الحيثية والقيد ، فيعود المحذور ، بل الغرض من أخذ الحيثيات كما عن جملة من المحقّقين من أهل المعقول هو حيثية استعداد ذات الموضوع لورود المحمول عليه ، مثلاً الموضوع في الطبيعيّات هو الجسم الطبيعي لا من حيث الحركة والسكون الفعليين كيف ويبحث عنهما فيها بل من حيث استعداده لورودهما عليه ... وفي النحو والصرف الموضوع هي الكلمة مثلاً من حيث الفاعلية المصحّحة لورود الرفع عليها ومن حيث المفعوليّة المعدّة لورود النصب عليه ... » (3).

    وهذا يمكن أن يكون قولاً ثالثاً في المسألة.

    وهيهنا قول رابع وهو ما أفاده في تهذيب الاصول من أنّ تمايز العلوم يكون بذواتها فإنّه قال : « كما أنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتّة التي يناسب بعضها بعضاً ...كذلك تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميّزة بذواتها عن قضايا علم آخر » (4).

    أقول : الإنصاف أنّ جميع هذه الأقوال لا يخلو من الإشكال ، والأولى أن يقال : إنّ تمايز العلوم كوحدتها قد يكون بالموضوعات واخرى بالمحمولات وثالثة بالأغراض وذلك لما مرّ في البحث عن ملاك الوحدة من تحليل تاريخي لتدوين العلوم وتأليفها ، فقد ذكرنا فيه أنّ ملاك وضع كلّ علم على حدة وتمييزه عن سائر العلوم هو وجود التناسب والتناسخ بين مسائله ودخولها تحت عنوان جامع ، ولا إشكال في أنّ تناسب المسائل قد يكون بوحدة الموضوع واخرى بوحدة المحمول وثالثة بوحدة الغرض فليكن التمايز أيضاً كذلك كما لا يخفى.

    وأمّا مقالة المشهور فلا يتصوّر لها دليل إلاّتوهّم احتياج كلّ علم إلى موضوع لقاعدة الواحد ، وقد مرّت المناقشة فيها. ومنه يظهر إشكال القول الثالث حيث إنّه مبني على قبول أن يكون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات.

    وأمّا ما ذهب إليه المحقّق الخراساني رحمه‌الله فيرد على دليله الثاني أنّ تداخل علمين في عدّة من مسائلهما لا يضرّ بتمايز أحدهما عن الآخر إذا كانت النسبة بين مسائلهما العموم من وجه ، لأنّ التمايز حينئذٍ يحصل بموضع الافتراق كما لا يخفى.

    كما يرد على دليله الأوّل أنّ القائل بكون التمايز بالموضوعات يدّعي أنّ تمايز العلوم يكون بتمايز الموضوعات لا العكس ( وهو أنّ كلّ متمايز بموضوعه يكون علماً على حدة ).

    وأمّا ما أفاده في تهذيب الاصول فيرد عليه أنّ ذوات العلوم ليست أمراً خارجاً عن مسائلها لأنّه لا ريب في أنّ مسائلها عبارة عن القضايا المبحوثة عنها فيها ، والقضايا ليست أمراً وراء الموضوعات والمحمولات والنسب بينهما ، فذوات العلوم عين موضوعاتها ومحمولاتها ونسبها ، فلابدّ أن يكون التمايز بأحد هذه الامور أو بالأغراض.

    المسألة الثالثة : في موضوع علم الاصول


    وهو عند جماعة من الأصحاب ( منهم صاحب القوانين ) الأدلّة الأربعة ، والظاهر من كلماتهم أنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة.

    وقد أورد عليه بأنّ لازمه خروج جلّ مباحث علم الاصول عن مسائله ودخولها في المباديء ، لأنّه حينئذٍ يكون البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة ودليليّتا بحثاً عن نفس الموضوع لا عن عوارضه ، فإنّ المفروض أنّ الدليليّة قيد للموضوع ، والبحث عن قيود الموضوع يكون من المباديء التصوّريّة للعلم.

    وقد تفطّن لهذا صاحب الفصول رحمه‌الله وقال في مقام دفعه : إنّ موضوع علم الاصول عبارة عن الأدلّة بذواتها لا بوصف دليليتها ، أي الأدلّة بما هي هي.

    ولكن أورد عليه المحقّق الخراساني رحمه‌الله ( بعد أن اختار أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة ) بما حاصله أنّ المراد من السنّة مثلاً إن كان هو السنّة الواقعيّة فلازم هذا القول أن يكون البحث عن السنّة في علم الاصول بحثاً عن ثبوت كلام المعصوم ووجوده بمفاد كان التامّة ، والحال أنّ المسائل تبحث عن عوارض الموضوع بمفاد كان الناقصة ، ثمّ قال :

    إن قلت : البحث عن السنّة في علم الاصول بحث عن ثبوت الكلام الواقعي للمعصوم بخبر الواحد تعبّداً وعدمه فيقال : هل السنّة الواقعيّة تثبت بخبر الواحد تعبّداً أو لا؟ والثبوت التعبّدي ( أي وجوب العمل على طبق الخبر ) إنّما هو من العوارض.

    قلنا : هو كذلك ولكنّه من عوارض الخبر ( أي السنّة الظاهريّة ) لا من عوارض السنّة الواقعيّة ( قول المعصوم وفعله وتقريره واقعاً ).هذا كلّه إذا كان المراد من السنّة السنّة الواقعيّة.

    وإن كان المراد من السنّة مطلق السنّة الأعمّ من الواقعيّة والظاهريّة فهو وإن كان لازمه كون المسائل المطروحة حول البحث عن حجّية الأدلّة الأربعة داخلة في علم الاصول إلاّ أنّه لا يكون بعدُ جامعاً لجميع المسائل ، لخروج مباحث الألفاظ وجملة من غيرها (5) عنها بل الداخل فيها إنّما هو مباحث حجّية خبر الواحد والتعادل والتراجيح ، ( انتهى كلامه بتوضيح منّا ).

    أقول : أضف إلى ذلك كلّه أنّ القول بأنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بذواتها وهكذا القول الأوّل ( وهو أنّ الموضوع الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة ) ينافي ما التزموا به من لزوم وحدة الموضوع لأنّه لا جامع بين الأدلّة الأربعة.

    وأمّا ما اختاره المحقّق الخراساني رحمه‌الله من « أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة » من دون أن يذكر له عنواناً خاصّاً واسماً مخصوصاً بإعتذاره بعدم دخل ذلك في موضوعيّته أصلاً ـ ففيه إشكال ظاهر لأنّه في الحقيقة فرار عن الإشكال ، وليس بحلّ له ، لأنّه لقائل أن يقول : أي دليل على وجود جامع واحد بين موضوعات المسائل بعد ما مرّ من المناقشة في التمسّك بقاعدة الواحد في هذا المجال؟ مضافاً إلى أنّه تعريف بأمر مبهم لا فائدة فيه ، ولا يناسب ما يراد من بيان موضوع العلم لا سيّما للمبتديء.

    وهاهنا قول رابع ، وهو ما أفاده المحقّق البروجردي رحمه‌الله من أنّ موضوع علم الاصول هو « الحجّة في الفقه » ، ولا يخفى أنّه أقلّ اشكالاً من الأقوال السابقة لأنّ عنوان « الحجّة في الفقه » عنوان جامع واحد لجميع الأدلّة فلا يرد عليه ما أُورد على القول الأوّل والثاني ، مضافاً إلى وضوحه وعدم ابهامه ، فيكون سالماً عمّا أوردناه على مقالة المحقّق الخراساني رحمه‌الله ، ومضافاً إلى شموله للُاصول العمليّة بأسرها لشموله للاستصحاب مثلاً ، لأنّه لا ريب في إنّه حجّة وإن لم يكن دليلاً ، كما يشمل أيضاً الظنّ الانسدادي حتّى على الحكومة لكونه حجّة ومعذّراً عن العقاب ، والاحتياط العقلي والبراءة العقليّة لأنّ الأوّل حجّة ومنجّز ، والثاني حجّة ومعذّر ، وحينئذ لا يرد على قوله ما اورد على مقالة صاحب الفصول كما لا يخفى.

    نعم يمكن الإيراد عليه من طريقين :


    الأوّل : إنّه لا يعمّ المباحث اللّفظيّة لأنّها لا تعدّ حجّة في الفقه لعدم اختصاصها بالألفاظ المستعملة في خصوص لسان الشارع بل إنّها قواعد عامّة تجري في جميع الألفاظ واللغات ، فإنّ قضيّة « صيغة الأمر تدلّ على الوجوب » مثلاً قاعدة لفظيّة عامّة تجري في جميع الأوامر شرعيّة كانت أو عرفيّة.

    ولكن يمكن الجواب عنه بأنّ دلالة الأمر على الوجوب مثلاً تكون بمنزلة عرض عامّ يعرض الأوامر الشرعيّة أيضاً ، فيمكن أن تعدّ الأوامر الشرعيّة بهذا اللحاظ مصداقاً من مصاديق « الحجّة في الفقه » كما أنّ كتاب الله تعالى أو العقل حجّة في الفقه وغيره معاً.

    الثاني : أنّه يرد على عنوان الحجّة في الفقه بوصف كونها حجّة نفس ما أورده على عنوان الأدلّة الأربعة بوصف كونها أدلّة إلاّ أن يقال أنّ الموضوع إنّما هو ذات الحجّة لا هي بوصف الحجّية كما هو المختار.

    وبهذا اندفع جميع الإشكالات الواردة على هذا القول ، وظهر أنّ ما ذكره المحقّق المذكور هو الذي ينبغي أن يركن إليه في هذا الباب ، غير إنّه يبقى عليه أنّه في الواقع راجع إلى وحدة الغرض ، وإنّما اشير إلى وحدة الموضوع من هذه الجهة ، فكأنّه قيل : إنّ موضوع اصول الفقه هو كلّ شيء ينفع في استنباط الأحكام الشرعيّة ، فلا جامع بين الكتاب والسنّة ودليل العقل والإجماع والاصول الأربعة العمليّة والشهرة الفتوائيّة ( على القول بحجّيتها ) وغيرها من أشباهها إلاّ أنّها تفيد الفقيه في استنباطاته.

    بقي هنا شيء :وهو أنّه لا يخفى إنّا في فسحة من ناحية إشكال عدم وحدة الموضوع لما اخترناه سابقاً من عدم توقّف وحدة العلم واستقلاله عليها بل يكفي فيه وحدة المحمول أو الغرض ، ولا إشكال في أنّ الغرض في المسائل الاصوليّة واحد وهو حصول القدرة على استنباط الحكم الشرعي.

    المسألة الرابعة : تعريف علم الاصول


    وقد ذكرت له تعاريف عديدة :

    الأوّل : ما ذهب إليه المشهور وهو أنّه « العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية ».

    وقد أورد عليه بعدم شموله للُاصول العقليّة ( وهي الاحتياط العقلي والبراءة والتخيير العقليين ) لأنّها تدلّ على وجود العذر أو عدمه ، ولا يستنبط منها الحكم الشرعي ، وهكذا الظنّ الانسدادي على الحكومة.

    نعم يمكن أن يقال : إنّ المراد من الحكم هو الأعمّ من الواقعي والظاهري ، ولا إشكال في أنّ مفاداة الاصول العمليّة أحكام شرعيّة ظاهريّة فإنّ البراءة الشرعيّة مثلاً تدلّ على الإباحة في مقام الظاهر ، لكن هذا يفيد في الاصول الشرعيّة ، ويبقى الكلام بعدُ في البراءة العقليّة والظنّ الانسدادي بناءً على الحكومة ، لأنّهما يكشفان عن عدم العقاب فحسب ولا يدلاّن على ثبوت الحكم ، وكذا الاحتياط العقلي ، نعم لا مانع من الاستطّراد في هاتين المسألتين.

    الثاني : ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه‌الله في الكفاية وهو « أنّه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل ».

    ولا يخفى أنّ قوله « يمكن أن تقع ... » عوضاً عن تعبير المشهور « الممهّدة » إنّما تكون لأجل شمول التعريف للمباحث اللّفظيّة لأنّها وإن لم تكن ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ومخصوصة به بل يستفاد منها في استنباط غيره أيضاً ، إلاّ إنّه لا إشكال في أنّها يمكن أن تقع في طريق الاستنباط.

    كما أنّ تعريفه يشمل الاصول العقليّة والظنّ الانسدادي على الحكومة أيضاً لدخولهما تحت عنوان « أو التي ينتهي إليها في مقام العمل » الوارد في ذيل التعريف.

    نعم يرد عليه : أوّلاً : أنّ تعبيره بأنّ علم الاصول « صناعة » بدل كلمة « العلم » تعبير غير مناسب عرفاً ، لأنّ الصناعة تطلق في العرف على العمل لا العلم إلاّمجازاً.

    وثانياً : أنّه ليس مانعاً عن دخول القواعد الفقهيّة لكونها أيضاً قواعد تقع في طريق الاستنباط.

    الثالث : ما أفاده المحقّق النائيني رحمه‌الله وهو « إنّه علم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي » (6).

    ويرد عليه : أنّه لا يعمّ البراءة العقليّة وشبهها والظنّ الانسدادي على الحكومة لأنّ مدلول كلّ واحد منها المعذّريّة عن العقاب ولا يستنبط منها الحكم الشرعي ، لا الواقعي ولا الظاهري كما أشرنا إليه آنفاً.

    الرابع : ما في تهذيب الاصول من أنّه « هو القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الكلّية الفرعيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة ».

    فأخرج بقيد « الآليّة » القواعد الفقهيّة لأنّها ينظر فيها لا بها فتكون استقلاليّة لا آليّة ، كما أدخل بقوله « يمكن أن تقع » نحو القياس والشهرة والاستحسان التي ليست حجّة عندنا ولكنّها يمكن أن تقع حجّة عند القائلين بها ، وبقوله « تقع كبرى » أخرج مباحث سائر العلوم ، ولم يقيّد الأحكام بالعمليّة ، لعدم كون جميع الأحكام عمليّة كالوضعيّات وكثير من مباحث الطهارة وغيرها ، وإضافة قيد « الوظيفة » لادخال مثل الظنّ على الحكومة ، وأمّا عدم اكتفائه بأنّه « ما يمكن أن تقع كبرى استنتاج الوظيفة » فهو لعدم كون النتيجة وظيفة دائماً ، وانتهائها إلى الوظيفة غير كونها وظيفة (7).

    أقول : هذا التعريف مع سلامته عمّا أُورد على غيره يرد عليه : أنّ قيد الآليّة لا يكفي لإخراج القواعد الفقهيّة بل لا بدّ من جعل قيد « التي لا تشمل على حكم شرعي » مكانه لما حقّقناه في محلّه من أنّ القواعد الفقهيّة تشتمل دائماً على حكم كلّي شرعي ، تكليفي أو وضعي ، وجودي أو عدمي تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة العمليّة ، ومجرّد كونها تطبيقية لا يضرّ بكونها آليّة كما لا يخفى. فظهر ممّا ذكرنا عدم تماميّة كلّ واحد من التعاريف الأربعة.

    والأولى أن يقال : « إنّه القواعد التي لا تشتمل على حكم شرعي وتقع في طريق استنتاج الأحكام الكلّية والفرعيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة » والاحتراز بكلّ من هذه القيود ممّا يجب إخراجه عن التعريف أو ادخاله يظهر ممّا ذكرناه.


    --------------------------------
    (1) توضيح ذلك : إنّ لنا نوعين من الإدراك : إدراك حقيقي وإدراك اعتباري ، والإدراك الحقيقي هو ما يكون المدرك فيه موجوداً في عالم الخارج مع قطع النظر عن الذهن المدرك له كإدراك السماء والأرض وزيد وعمرو وغيرها من الامور الموجودة في عالم الأعيان.
    والإدراك الاعتباري ما يكون مدركه مخلوقاً لأذهاننا ومصنوعاً لها مثل الملكيّة والزوجيّة ، فانّ وجود « زيد » مثلاً في قضيّة « الدار لزيد » وجود واقعي في عالم الخارج وهكذا وجود « الدار » ، وأمّا النسبة الموجودة بينهما وهي نسبة الملكيّة أمر ذهني اعتباري مصنوع لذهن من يعتبرها ، وهكذا في قضيّة « هند زوجة زيد » فإنّ « زيداً » و « هنداً » كليهما أمران واقعيّان موجودان في الخارج ، وأمّا رابطة الزوجيّة الموجودة بينهما أمر ذهني قانوني فحسب ، وكذلك في جميع الأوامر والنواهي ، أي كلّ « افعل » و « لا تفعل » ففي مثال « لا تشرب الخمر » ـ للخمر وجود حقيقي في الخارج ، وأمّا حرمة الشرب فهي أمر اعتباري موجود في عالم الذهن ، وهكذا في مثل « اشرب الدواء » وأمثال ذلك.
    وبالجملة إنّ الامور الاعتباريّة امور فرضيّة يعتبرها الإنسان ويفرضها لرفع حاجات حياته ، ثمّ يرتّب عليها آثاراً مختلفة في حياته الاجتماعيّة.
    ويظهر من ذلك كلّه امور :
    الأوّل : أنّ الامور التكوينيّة امور ثابتة في الخارج لا تتغيّر بالاعتبارات الذهنيّة ، ولو كان فيها تغيير وتكامل فهو تكامل جوهري داخلي ، وأمّا الامور الاعتباريّة فهي امور متغيّرة تتغيّر بتغيّر الاعتبار والجعل ، كما أنّ الامور التكوينيّة امور مطلقة ، فالشمس مثلاً مطلق لا إنّها تكون شمساً بالنسبة إلى زيد ولا تكون شمساً بالنسبة إلى عمرو ، وأمّا الامور الاعتباريّة فهي امور نسبية ، فالدار المعيّنة مثلاً ملك لزيد ولا تكون ملكاً لعمرو ، والفعل الفلاني مثلاً واجب على زيد وحرام على عمرو.
    الثاني : أنّ الامور التكوينيّة تحكم عليها الاستدلالات المنطقية والفلسفية كقاعدة العلّة والمعلول ، واستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، واستحالة الجمع بين الضدّين وتقديم المعلول على العلّة ، بخلاف الامور الاعتباريّة فإنّها خارجة عن نطاق القواعد المنطقية والفلسفية ، ولذلك يمكن اعتبار نقيضين أو ضدّين أي فرضهما ، فيعتبر مثلاً أنّ هذا ملك لزيد ثمّ يعتبر ثانياً إنّه ليس ملكاً لزيد.
    نعم إنّه لغو يستحيل صدوره من الحكيم من هذه الجهة ، أي من باب عدم ترتّب الأثر المطلوب من هذا الجعل والاعتبار لا من باب الاستحالة العقليّة الخارجيّة ، فإنّ المقصود من الجعل في الامور الاعتباريّة إنّما هو ترتّب أثر عقلائي ورفع حاجة من الحياة كما مرّ آنفاً ، وهو لا يترتّب على مثل هذا الجعل.
    الثالث : أنّه قد تصير الامور الاعتباريّة منشأ لآثار تكوينيّة في الخارج بمعنى إنّها تصير سبباً لانقداح إرادة فعل أو كراهته في نفس الإنسان فيفعل عملاً أو يتركه ، وهو يوجب إيجاد أمر تكويني في الخارج ، فمثلاً الأمر بالصيام في شهر رمضان يوجب انقداح إرادة الصّيام في نفس المكلّف فيصوم ، والصّيام يصير منشأً وسبباً
    لسلامة البدن ، وهكذا اعتبار قوانين المرور مثلاً فانّه يوجب انقداح إرادة مراعاتها ، والمراعاة الخارجيّة توجب حفظ النفوس والأموال ، كلّ ذلك للعلم بأنّ العقلاء يرتّبون آثاراً خاصّة على هذا الوجود الاعتباري ، أو إنّ الشارع المقدّس يرتّب عليه آثاراً مختلفة ، ففي الواقع باعث الحركة الخارجيّة هو الآثار التكوينيّة التي نعلم بترتّبها على تلك الامور الاعتباريّة من ناحية الشارع أو العقلاء في الحال أو المستقبل ، وحينئذ يكون الباعث لحدوث أمر تكويني في الخارج في الحقيقة هو أمر تكويني سابق عليه لا الاعتبار الذهني.
    إذا عرفت هذا كلّه فنقول : إنّ من أقسام الامور الاعتباريّة التشريعيات التي منها مسائل الفقه ( أو الحقوق ) وهكذا اصول الفقه فلا سبيل إليها للقواعد المنطقية والفلسفية الجارية في خصوص الحقائق الخارجيّة كقاعدة الواحد أو أحكام العرض والمعروض ( بأن يقال : الصّلاة مثلاً معروض والوجوب عرض ) أو استحالة اجتماع الضدّين ( بأن يقال مثلاً : اجتماع الأمر والنهي محال لاستحالة اجتماع الضدّين ).
    نعم اجتماع الضدّين وأشباهه باطل في الامور الاعتباريّة لكن لا من جهة الاستحالة بل من باب كون اعتبارها لغواً ، واللغويّة شيء والاستحالة شيء آخر.
    والإنصاف أنّ الخلط بين المسائل الاعتباريّة والامور الحقيقيّة وإدخال الثانيّة في الاولى أورد ضربة شديدة على مسائل علم الاصول بل مسائل الفقه أيضاً ، كما أنّ إدخال الاولى في الثانيّة وتصوّر إنّه لا حقيقة مطلقة في الخارج بل جميع الامور حقائق نسبيّة ( كما توهّمه النسبيّون من الفلاسفة المادّيين ) أوجب إرباكاً عظيماً في مسائل الفلسفة.
    وبالجملة فإنّ قاعدة الواحد لا ربط لها بالعلوم الاعتباريّة التي منها علم الاصول بل لا دخل لها حتّى في العلوم الحقيقيّة كعلم الطبّ لأنّ وحدة مسائل كلّ علم أمر اعتباري وإن كانت موضوعات مسائله اموراً واقعية خارجيّة.
    (2) وهذا التفسير للواسطة في الثبوت والعروض هو الذي ينبغي أن يكون مصطلحاً في الباب وإن كان يفارق ما اصطلح عليه القدماء في هذا المجال.
    (3) نهاية الدراية : ج 1، ص 9 ، الطبع الجديد للطباطبائي.
    (4) تهذيب الاصول : ج 1 ، ص 4، من الطبع القديم.
    (5) لعلّ المقصود من قوله « غيرها » هو الاصول العمليّة لعدم كونها من الأدلّة الأربعة بل هي بيان لوظيفة الشاكّ في الحكم الواقعي وإن كانت أدلّة حجّيتها من الأدلّة الأربعة.
    (6) فرائد الاصول : ج 1 ، ص 29 طبع جماعة المدرّسين.
    (7) راجع ص 6 من تهذيب الاصول : ج 1، الطبع القديم.
    التعديل الأخير تم بواسطة هدى الاسلام ; الساعة 13-07-2017, 03:06 PM. سبب آخر:

    تعليق

    يعمل...
    X