إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

(السَّلامُ عَلَى مَحَالِ مَعْرِفَةِ اللهِ)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • (السَّلامُ عَلَى مَحَالِ مَعْرِفَةِ اللهِ)


    بسم الله الرحمن الرحيم

    (السَّلامُ عَلَى مَحَالِ مَعْرِفَةِ اللهِ)

    السّلام على الأئمّة عليهم‌السلام الذين هم أماكن معرفة الله ، والمراد من هذه الجملة إمّا أنّه لم يعرف الله عزّ وجلّ أحد كمعرفتهم عليهم‌السلام ، فانّهم عليهم‌السلام عرفوا الله تعالى حقّ معرفته ، ولا يُعرف الله تعالى إلّا بهم ، ويكفي في إثبات هذا المعنى ما ورد عنهم عليهم‌السلام من الآثار والاخبار في بيان معنى التوحيد ، وبيان صفاته تعالى سواء كانت صفات الجلال أو الجمال ، الصفات الثبوتية والسلبية ، ووقد ورد في تفسير الفقرات الآنفة الذكر روايات تذكر في مضمونها أنّهم عليهم‌السلام عرفوا الله عزّ وجلّ ووحّدوه قبل جميع الكائنات ، وقد أخذت الملائكة وسائر الخلائق منهم مراتب المعرفة والتسبيح والتقديس والتهليل ، وقالوا في مقام المعرفة : «كيف أعبد رباً لم اره».
    وعن الحسين بن علي عليه‌السلام قال : سُئل أمير المؤمنين عليه‌السلام فقيل : هل رأيت ربَّك يا أمير المؤمنين؟
    قال الإمام علي عليه‌السلام : «وكيف أعبد من لم أره؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان» (1).
    فتراه القلوب بعين البصيرة ، وإلّا فإنّ الجسيمة والمخلوقية من لوازم الرؤية وسبحانه منزّه عن ذلك.
    والمراد من الفقرة في دعاء عرفة لسيّد الشهداء عليه‌السلام ، حينما يقول : «عميت عين لا تراك ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً» (2). وهي رؤية القلب ومعرفته واشارة الى كمال مرتبة المعرفة ، وهذه الميزة لم تتوفر في غيرهم عليهم‌السلام بالمعنى الحقيقي.
    أو يكون المراد ان الأئمّة عليهم‌السلام مظاهر أسماء الله الحسنى ، وصفاته العليا ، ومن عرف فيهم عليهم‌السلام العلم والجود والكرم والقدرة والاحسان وغيرها من الصفات الحميدة فقد عرف الله سبحانه وتعالى ، ومن لم يعرفهم عليهم‌السلام عجز عن معرفة الله تعالى أيضاً.
    ولو أخذنا كلمة «محال» مفرداً كما جاءت في بعض الروايات بلفظ مفرد ، فهو أشارة الى أنّ الأئمّة عليهم‌السلام كالنفس الواحدة في معرفة الله تعالى ، لأن هذه الصفة لا تقبل الاختلاف. خلافاً لبقية الصفات ، وورد هذا المعنى في الاخبار الشريفة ، أنهم عليهم‌السلام نور واحد ، ولا يخلو ذلك من تأييد ما قدمنا والله العالم.


    (وَمَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللهِ)
    فإنّ أهل البيت عليهم‌السلام مواضع ومساكن خيرات وبركات الله عزّ وجلّ ، لانّهم عليهم‌السلام لهم اللياقة والقابلية لنزول البركات والخيرات عليهم وسرايتها الى النّاس بواسطتهم ، فترى في كثير من الموارد حصول البركة الكثيرة مع قلة الماء والزرع ببركة وجودهم الشريف ولا يمكن ان يتحقق ذلك إلّا بالاعجاز والامور الخارقة للعادة.
    كما حلّت البركة في الطعام القليل ببركة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في موارد كثيرة منها : لما نزلت الآية الشّريفة : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (3) جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بني عبد المطلب وهم يومئذ اربعون رجلاً ، الرجل منه يأكل المسنّة ويشرب العسن ، فأمر عليّاً عليه‌السلام برجل شاة فأدمها (4) ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ادنو بِسم الله» فدنا القوم عشرة عشرة ، فأكلوا حتى صدروا ، ثمّ دعا بعقب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اشربوا بسم الله» فشربوا حتى رووا ، فبدرهم ابو لهب فقال : ما سحركم به الرجل ، فسكت صلى‌الله‌عليه‌وآله يومئذ ولم يتكلّم (5).
    ومنها : نزول البركة على مزرعة أبي الغيث ببركة دعاء الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام (6).
    وورد في معاجز الإمام الجواد عليه‌السلام أنّه لما توجه من بغداد منصرفاً من عند المأمون ومعه أُمّ الفضل قاصداً المدينة صار الى شارع باب الكوفة ومعه الناس يشيعونه ، فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس فنزل ودخل المسجد وكان في صحنه نبقة (7) لم تحمل بعد ، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة.
    وقام عليه‌السلام وصلى بالناس صلاة المغرب ، فقرأ في الاُولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله ، وقرأ في الثّانية الحمد وقل هو الله أحد ، وقنت قبل ركوعه فيها ، وصلّى الثّالثة وتشهّد وسلّم ، ثمّ جلس هُنيهة يذكر الله تعالى ، وقام من غير تعقيب فصلّى النّوافل أربع ركعات ، وعقّب بعدها وسجد سجدتي الشكر ثم خرج. فلمّا انتهى الى النّبقة رأها النّاس وقد حملت حملاً حسناً فتعجبوا من ذلك واكلوا منه فوجدوا نبقاً لا عجم له» (8).
    ونقل عن الشّيخ المفيد رحمه الله أنّه قال : وقد أكلت من ثمرها وكان لا عجم له أي لا نواه فيه (9).
    وقد يكون المراد من هذه الجملة «ومساكن بركة الله» أنّ الله عزّ وجلّ ينزل بركاته وارزاقه الدنيوية والمعارف والحقائق والعلوم الالهية على الناس والخلائق بواسطة الائمّة الطاهرين عليهم‌السلام.
    يقول الإمام الباقر عليه‌السلام : «إن المؤمن بركة على المؤمن ، وأن المؤمن حجّة الله» (10).
    وأهل البيت عليهم‌السلام أكمل الخلق إيماناً.

    (وَمَعَادِنِ حِكْمَةِ اللهِ)
    وردت كلمة الحكمة بمعنى العلم والقرآن والفقه والموعظة وغيرها ، وقال بعض العلماء : المراد من الحكمة علم يردع الإنسان من إرتكاب الرذائل ، ويرفع مكانته عند نفسه وعند الناس من الإقدام على المعاصي وقال آخرون : المراد من الحكمة الفهم والعقل كما قال الله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) (11).
    خلاصة الكلام : الحكمة بأي معنىً كانت ، فان الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام هم أهل لها ولحملها ، لأن العلوم والحكم مأخوذة من الله عزّ وجلّ ، والائمّة الاطهار عليهم‌السلام معدن الحكم الالهية روي عن خيثمة قال : قال لي الإمام الصّادق عليه‌السلام :
    «يا خيثمة نحن شجرة النّبوة ، وبيت الرّحمة ، ومفاتيح الحكمة ، ومعدن العلم ، وموضع الرّسالة ، ومختلف الملائكة ، وموضع سر الله ، نحن وديعة الله في عباده ، ونحن حرم الله الأكبر ، ونحن ذمّة الله ، ومن خفرها (12) فقد خفر ذمّة الله وعهده» (13).


    (وَحفَظَةِ سِرِّ اللهِ)
    حفظ الاسرار الالهية أمر يعجز عن حمله إلّا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان أمثال سلمان الفارسي (المحمّدي) ، وكميل بن زياد ،وجابر الجعفي (عليهم رضوان الله جميعا).
    روي عن جابر رحمه الله عن الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام أنّه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :
    «إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للايمان ، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد صلوات الله عليهم فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه ، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرّسول وإلى العالم من آل محمّد وإنما الهالك ان يحدث أحدكم بشيء منه لا يحتمله ، فيقول : والله ما كان هذا والله ما كان هذا ، والانكار هو الكفر» (14).
    ورد عن أبي الصامت قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : «إنّ حديثنا صعب مستصعب ، شريف كريم ، ذكوان ذكيٌّ وعر ، لا يحتمله ملك مقرّبُ ، ولا نبيٌّ مرسل ، ولا مؤمن ممتحن».
    قلت : فمن يحتمله فداك؟
    قال عليه‌السلام : «من شئنا يا أبا الصامت».
    قال أبو الصامت : فظننت أنّ لله عباداً هم أفضل من هؤلاء الثلاثة (15).
    توضيح ذلك : سبب عدم حمل الآخرين هذه الاحاديث سوى من اشارت إليهم الروايات ومنهم هؤلاء الثلاثة باستثناء نبيّنا الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يرجع إلى أن المراد من هذه الاحاديث هو الاسرار الغيبية ، والامور العجيبة التي لا طاقة لأحد على حملها سواهم.
    ورد عن جابر رحمه الله قال : حدثني أبو جعفر ـ الإمام الباقر ـ عليه‌السلام تسعين الف حديث لم احدث بها أحداً قط ولا اُحدث بها أحداً (16).
    قال جابر رحمه الله : فقلت لأبي جعفر عليه‌السلام جعلت فداك أنّك قد حملتني وقراً عظيماً بما حدثني به من سرّكم الذي لا احدث به أحداً ، فربّما جاش في صدري حتى يأخذني شبه الجنون ، قال الإمام عليه‌السلام :«يا جابر فاذا كان ذلك فاخرج الى الجبال فاحفر حفيرة ودل رأسك فيها ثمّ قل حدثني محمّد بن عليّ بكذا وكذا» (17).
    يقول المؤلف : المراد من جابر في هذه الروايات هو جابر بن يزيد الجعفي رحمه الله ، لا الانصاري رحمه الله واعتبره ابن شهر اشوب في مناقبه والكفعمي في جنّته وأنّه باب الامام الباقر عليه‌السلام والمراد من الباب بابهم عليهم‌السلام في علومهم واسرارهم.
    ونقل عن اجبر الجعفي رحمه الله كرامات كثيرة :
    منها : أنّه سأله قوم أن يعينهم في بناء مسجدهم ، قال لهم جابر رحمه الله : ما كنت بالذي اعين في بناء شيء وقع منه رجل مؤمن فيموت.فلمّا أراد البنّاء بناء المسجد زلّت قدمه فوقع فمات (18).
    ومنها : أنّه أخبر عن نعجةٍ أنّها دعت حملها فلم يجيء فقال له : تنح عن ذلك الموضع فإنّ الذئب اخذ أخاك معه.
    فسألوا من أهل المنطقة فيما إدعاه جابر فصدّقوه على قوله (19).
    ومنها : أنّه أخذ خاتم رجل رمى به في الفرات ثم أقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى اذا قرب تناوله وأخذه (20).
    ويظهر من بعض القرائن والاحوال أنّ من جملة الاسرار والعلوم التي كانت عند جابر رحمه الله عن الأئمّة عليهم‌السلام جانب من علم الطبيعة (الفيزياء ، والكيمياء) واسرار من عالم الطبيعة التي كانت غير مناسبة لدرك وفهم العصر الذي عاش فيه رحمه الله.
    نقل أحد العلماء أنّه ذهب الى لندن عاصمة انكلترا وتفقد مكتبتها لندن فرأى فيها مجموعة من الكتب الخطية عن جابر الجعفي روى فيها المأثور من الاحاديث عن الإمام الباقر عليه‌السلام في العلوم الغريبة والصّنائع العجيبة تفتخر الامم الحضارية اليوم بسبب وجود هذه الذخائر الثمينة عندها على سائر الامم.
    -------------------------
    (1) نهج البلاغة : خطبة ، 179.

    (2) مفاتيح الجنان : دعاء العرفة.

    (3) الشعراء : 214.

    (4) أي جعلها إداماً ، والادام طبخ اللحم بالماء.

    (5) ذكره العلّامة الطّباطبائي رحمه الله في تفسيره الميزان : ج 15 ، ص335 ، واليعقوبي في تاريخه : ج 3 ، ص 27٢٧ ، بألفاظ اُخرى.

    (6) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 48 ، ص 39 ، نقلاً عن كشف الغمّة ج 3 ، ص 11 ، أعلان الشيعة : للعلامة السيد محسن الامين رحمه الله ، ج 2، ص 7.

    (7) النّبقة : النبق ـ بفتح النون وكسر الباء ، وقد تسكّن : ثمر السّدر «النّهاية ـ نبق ـ ج 5 ، ص 10».

    (8) الارشاد : للشّيخ المفيد رحمه الله ، ح 2، ص 288 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 50 ، ص 89 ، ومستدرك العوالم : للشّيخ عبد الله البحراني الاصفهاني رحمه الله ، ج 23 ، ص 139.

    (9) الارشاد : للشّيخ المفيد رحمه الله ، ج 2 ، ص 289 ، مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام : لابن شهر اشوب ج 4 ، ص 390.

    (10) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 2 ، ص183.

    (11) لقمان : 12.

    (12) خفرها : أي خفر ذمتنا والخفر ، نقض العهد.

    (13) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص221 .

    (14) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 401 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 2 ، ص 189.

    (15) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ح 2، ص 192.

    (16) سفينة البحار : للمحدّث القمي رحمه الله ، ج 1 ، ص 141 ، عن رجال الكشي ، وقريب منه في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص157.

    (17) سفينة البحار : للمحدّث القمي رحمه الله ، ج 1 ، ص 141 ، عن رجال الكشي ، وقريب منه في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص 157.

    (18) سفينة البحار : للمحدّث القمي رحمه الله ، ج 1 ، ص 141 ، عن رجال الكشي ، وقريب منه في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص 157.

    (19) سفينة البحار : للمحدّث القمي رحمه الله ، ج 1 ، ص 141 ، عن رجال الكشي ، وقريب منه في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص 157.
    (20) سفينة البحار : للمحدّث القمي رحمه الله ، ج 1 ، ص141 ، عن رجال الكشي ، وقريب منه في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص 157. نفس المصدر.

  • #2

    (وَخَزَانَةِ عِلْمِ اللهِ)


    ورد عن سورة بن كليب قال : قال لي أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : «والله إنا لخزان الله في سمائه وأرضه ، لا على ذهب ولا على فضة إلّا على علمه» (1).
    وكذا عن سدير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قلت له : جعلت فداك ما أنتم؟
    قال الامام عليه‌السلام : «نحن خُزّان علم الله ، ونحن تراجمة وحي الله ، ونحن الحجّة البالغة على من دون السّماء ومن فوق الارض» (2).
    وعن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبد الله عليه‌السلام فقلت له : جعلت فداك إنّي أسألك عن مسألة ، ها هنا أحد يسمع كلامي؟ (3)
    قال ابو بصير : فرفع الإمام الصادق عليه‌السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فأطلع فيه ثم قال : «يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك».
    قلت : جعلت فداك إنَّ شيعتك يتحدثون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله علّم عليّاً عليه‌السلام باباً يفتح له فيه ألف باب؟
    فقال الإمام عليه‌السلام : «يا أبا محمّد علم رسول الله عليّاً عليه‌السلام ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب».
    قلت : هذا والله العلم.
    فنكت الإمام عليه‌السلام ساعة في الأرض ثم قال : «إنّه العلم وما هو بذاك» ثم قال عليه‌السلام : «يا أبا محمّد وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم مالجامعة».
    قلت : جعلت فداك وما الجامعة؟
    قال الإمام عليه‌السلام : «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإملائه (4) من فلق فيه (5) وخط علي بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام وكل شيء يحتاج النّاس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إليّ فقال : تأذن لي؟ (6)
    قلت : جعلت فداك إنّما أنا لك فافعل ما شئت.
    قال أبو بصير : فعمزني بيده قال عليه‌السلام : «حتى أرش هذا» ، كأنّه مغضب.
    قلت : هذا والله العلم.
    قال الإمام عليه‌السلام : «إنّه العلم وليس بذاك».
    ثم سكت ساعة ، ثم قال : «وإنّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟
    قلت : وما الجفر؟
    قال الإمام عليه‌السلام : «وعاء من أدم فيه علم النّبيّين والوصيين ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل».
    قلت : إن هذا هو العلم.
    قال الإمام عليه‌السلام : «إنّه العلم وليس بذاك».
    ثم سكت ساعة ثم قال : وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها‌السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها‌السلام؟
    قلت : وما مصحف فاطمة عليها‌السلام؟
    قال الإمام عليه‌السلام : «مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد» (7).
    قلت : هذا والله العلم.ثم سكت ساعة ثم قال عليه‌السلام : «إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة».قلت : فداك هذا والله العالم.قال الإمام عليه‌السلام : إنّه العلم وليس بذاك.
    قلت : جعلت فداك فأي شيّ العلم؟
    قال الإمام عليه‌السلام : «ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر ، والشيء بعد الشيء ، الى يوم القيامة» (8).

    (وَحَمَلَةِ كِتابِ اللهِ)
    فانّ الأئمّة الهدى عليهم‌السلام هم الحملة الواقعيون للقرآن الكريم وما جاء فيه من علم الاولين والاخرين ، ولأنّهم حملة علوم القرآن وأسراره ، ويعلمون ظاهره وباطنه ، ويقفون على خفايا أسراره ، ويحفظون ألفاظه دون زيادة ولا نقيصة ولا تغيير وتبديل ، ورد في رواية عبد الله بن بشير سمعوا الإمام الصادق عليه‌السلام يقول :«إنّي لأعلم ما في السّموات وما في الأرض ، وأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النّار ، وأعلم ما كان وما يكون».
    قال ابن بشير ، ثم سكت هنية ، فرأى أن ذلك كبر عليَّ من سمعه منه. فقال : «علمت ذلك من كتاب الله عزّ وجلّ حيث يقول : (تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) (9) (10).
    وعن محمّد بن الفضل قال سألت الصادق عليه‌السلام عن قوله تعالى عزّ وجلّ : (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (11).
    قال الإمام عليه‌السلام : «هم الأئمّة عليهم‌السلام خاصّة» (12).
    وعن أبي ولّاد قال : سألت أبا عبد الله الصادق عليه‌السلام عن قوله الله عزّ وجلّ : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَـظ°ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (13).قال الإمام عليه‌السلام : «هم الائمّة عليهم‌السلام» (14).


    (وَأوْصِياءِ نَبِيَّ اللهِ)
    أنّ أهل البيت عليهم‌السلام هم خلفاء واوصياء النّبي الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله من بعده ، لما ظهرت على ايديهم من المعاجز والامور الخارقة للطبيعة ، ودلت عليه النصوص المتواترة التي رويت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من طرق العامّة والخاصّة ، وأهل السنة والجماعة والتي بلغت ستين حديثاً ، وقد صرّحت بعض هذه الروايات بالاسماء المقدّسة للأئمّة عليهم‌السلام الى قائم آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله روى جابر بن سمرة عن النّبي الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قال سمعت النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يكون بعدي اثنا عشر أميراً ، وقال كلمة لم اسمعها فقال القوم ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «كلّهم من قريش» (15).
    وورد في صحيح البخاري مضمون هذا ال حديث عن جابر وطرق اُخرى ولكن ذكرت بدلاً عن اثنى عشر أميراً ، إثنى عشر خليفة (16).
    ونقل ابن عباس أنّه قال حين حضرته صلى‌الله‌عليه‌وآله الوفاة : إذا حدث ما نعوذ منه فالى من؟ فأشار صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ عليه‌السلام وقال :«الى هذا فإنّه مع الحقّ والحقّ معه ، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماماً مفترضة طاعتهم كطاعته» (17).
    وروي عن المثنى أنّه سأل عائشة : كم خليفة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : أخبرني باثني عشر أسماؤهم عندي مكتوبة باملائه ، فقلت : اعرضيها عليَّ فأبت (18).
    ذكر المرحوم شبر رحمه الله في كتابه الشّريف «الانوار اللامعة» : ومن المعلوم أنّه لا يمكن حمل هذه الأخبار على خلفاء الجور لزيادة عددهم من قريش على ذلك أضعافاً مضاعفة مع أن جملة منها صريحة في اتصال الاثني عشر بآخر الزّمان ، وفي بعضها أنّ آخرهم المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) (19).
    وذكر صاحب كتاب مستطرفات الآثار ما يحكي عن بعض الأمراء أنّه لمّا عثر على هذه الاخبار من طرقهم سأل علمائهم مورداً عليهم أنّه إن عنى مطلق قريش فعدد سلاطينهم فوق ذلك أضعافاً مضاعفة ، وإن أراد غير ذلك فبيّنوه فاستمهلوه عشرة أيّام فأمهلهم ، فلمّا حلّ الوعد تقاضاهم الجواب ، فحاروا وافتقد منهم رجلاً مبرزاً فطلب الامان فأعطاه ، فقال : هذه الأخبار لا تنطبق إلّا على مذهب الشيعة الاثنى عشرية ولكنّها أخبار آحاد لا توجب العمل فرضي بقوله وأنعم عليه «وهكذا أنطقه الله بالحقّ» : (فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (20).
    ولعمري أنها أخبار متواترة قد إتفق عليها الفريقان وحفظتها كتبهم وصحاحهم مع اقتضاء الحال اخفائها واعدامها ، هذا أدل دليل واصدق شاهد على صدقها وصحتها ، وليتهم أتوا بخبر واحد يدل على حقيقة خلافة أئمّتهم وإن شهد الوجدان وقام البرهان على خلافه مع أنهم رووا بأسانيد عديدة عنه أنّه قال : «من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية» (21).
    وفيه أبين دلالة على بقاء الائمّة إلى إنقضاء التكليف وان الامامة من اصول الدين وهو لا ينطق إلا على مذهبنا وروي ان هذا الحديث صار سبباً لتشيع بعض المخالفين» (22).إنتهى كلام المرحوم العلّامة شبر رحمه الله.


    (وَذُرِّيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)
    وهل تشمل هذه الجملة أمير المؤمنين عليه‌السلام لجهة التّغليب أو هي مختصّة بغيره من الأئمّة عليهم‌السلام ، وعلى أيّ حال كون الأئمّة عليهم‌السلام من ذرّية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لا شك فيه لانّهم أولاد فاطمة عليها‌السلام وفاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأولاد البنت أيضاً كأولاد الولد دون فرق كما عدّ الله عزّ وجلّ عيسى عليه‌السلام من ذراري نوح عليه‌السلام حيث قال عزّ وجلّ قائلاً :
    (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىظ° وَهَارُونَ وَكَذَظ°لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىظ° وَعِيسَىظ°) (23).
    وكما عدّ الله عزّ وجلّ في آية المباهلة الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما‌السلام من ابناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : (قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ) (24).
    أجمع المفسرون في تفسير هذه الآية الشّريفة أن المراد من (ابناءنا) الامام الحسن والامام الحسين عليهما‌السلام ومن (نساءنا فاطمة) عليها‌السلام ومن أنفسنا (رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام).
    ورد في ذيل رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه‌السلام في إستدلال أنّ الامام الحسن والإمام الحسين عليهما‌السلام من أولاد الرّسول الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه عليه‌السلام تلا هذه الآية الشريفة :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ...) الآية الى أن أنتهى الى قوله تبارك وتعالى : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ...) (25). فسلهم يا أبا الجارود هل كان يحلُّ لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نكاح حليلتهما؟ فان قالوا : نعم كذبوا وفجروا ، وإن قالوا : لا فَهُما إبناه لصلبه ...» (26).
    وورد في كتاب الاحتجاج : قال هارون الرّشيد للامام موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام : جوزتم للعامّة والخاصّة أنّ ينسبوكم الى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقولوا لكم : يا بني رسول الله ، وأنتم بنو علي ، وإنّما ينسب المرء الى أبيه ، وفاطمة إنّما هي وعاء ، والنّبي جدّكم من قبل اُمَّكم. قال الإمام عليه‌السلام : «لو أنّ النّبي نشر فخطب إليك كريمتك ، هل كنت تجيبه؟».
    قال هارون : سبحان الله ولم لا أجبه ، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك؟ قال الإمام عليه‌السلام : «لكنّه لا يخطب إليّ ولا اُزوجه».فقال هارون : ولم؟قال الامام عليه‌السلام : «لأنّه ولدني ولم يلدك».فقال هارون : أحسنت يا موسى! (27).والشواهد على ما ذكرنا في هذا الباب عقلاً ونقلاً كثيرة أعرضنا عنها طلباً للاختصار.
    (وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ)
    ذكرنا ترجمتها وشرحها آنفاً.
    ---------------------------

    (1) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8 ، ص 157 ، ج 1 ، ص 192 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26، ص 15 ، بصائر الدّرجات : ص 29.

    وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عليٌّ خازن علمي» شرح نهج البلاغة : لابن أبي الحديد ، ج 2، ص 448.

    (2) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8، ص 157 ، ج 1 ، ص 192، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 15 ، بصائر الدّرجات : ص 29.

    (3) كأنه يريد أن يسأله عن أمرٍ ينبغي صونه عن الاجنبي.

    (4) إملائه : يعني كتبه الإمام علي عليه‌السلام بأملاء من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

    (5) من فلق فيه : الى شق فمه.

    (6) تأذن لي : أي في غمزي إياك بيدي حتى تجد الوجع في بدنك.
    (7) يعني فيه اسرار إلهية اخرى وعلوم عجيبة لا يعلمها أحد.

    (8) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 338 ـ 340، الاختصاص : للشيخ المفيد رحمه الله ، ص 283.

    (9) النّحل : 89.

    (10) تفسير نو الثقلين : للحويزي رحمه الله ، ج 3، ص 76 ، وبسند آخر في اصول الكافي وعيون اخبار الرضا عليه‌السلام.

    وقد ورد عن علي عليه‌السلام أنه قال : «سلوني عن شيء يكون الى يوم القيامة إلّا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم ، أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل» الاتقان : ج 2 ، ص 319 ، تهذيب التهذيب ، ج 7 ، ص 338 ، الباري ، ج 8، ص 485 ، كلاهما لابن حجر ، وعمدة القاري للعيني ، ج9 ، ص 167 ، ومفتاح السعادة : ج 1 ، ص 400 ، وينابيع المودة : ص 74 ، وابن سعد في الطبقات : ج 2 ، ص 101.

    (11) العنكبوت : 49.

    (12) تفسير نور الثّقلين : للحويزي رحمه الله ، ج 4 ، ص 195 ـ تفسير الصافي : للشّيخ الفيض الكاشاني رحمه الله : ج 4 ، ص5 . 31، اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ح 1 ، ص 214.

    (13) البقرة : 121.

    (14) تفسير نور الثقلين : ج 1 ، ص 120، عن اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 315.

    (15) الخصال : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، ج 2 ، ص 47 ، الجامع الصحيح المسمى بصحيح مسلم : ج 6 ، ص 3.

    (16) نفس المصدر : أخرجه البخاري : ج 9 ، ص 81.

    (17) الصّراط المستقيم الى مستحقي التّقديم : للعلّامة المتكلم الشّيخ زين الدّين أبي محمّد علي بن يونس العاملي النّباطي البياضي رحمه الله ، ج 2 ، ص 121.

    (18) نفس المصدر : ج 2 ، ص 122.

    (19) علل الشرايع : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، ص 6.

    (20) الملك : 11.

    (21) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 23 ، ص 89 ، وورد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمتنا : أيضاً بهذا النص : «من مات وليس له امام مات ميتة الجاهلية». وراجع بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ح23 ، ص 88 ، واصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، 276 ، المقتطفات : ابن رويش ، ج 2 ، ص 118.

    وفي ذلك قال الحِميري :

    فمن لم لكن يدري إمام زمانه
    ومات فقد لاقى المنية بالجهل
    (22) الانوار اللامعة : للعلّامة السيد شبر رحمه الله ، ص 85 ـ 86.

    (23) الأنعام : 84 ، 85.

    (24) آل عمران : 61.

    (25) النّساء : 23.

    (26) تفسير نور الثقلين : للحويزي رحمه الله ، ج 1 ، ص 461. روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8 ، ص 318.

    (27) الاحتجاج : للشّيخ الطبرسي رحمه الله ، ج 3 ، ص 163.

    تعليق

    يعمل...
    X