س21 : ماذا يلزم على نظرية الاشعري ؟
الجواب :
اولا: انكار العدل ان افعال الانسان كما هو مشهود تتضمن الخير والشر ولا يستطيع نكران ذلك أي احد وعليه لو كان الله تعالى هو الفاعل لكل شيء لانخرم العدل اللهي .
ثانيا: انكار الحسن والقبح العقلي فان الله تعالى هو الفاعل والعقل لا استقلالية لديه للحكم على الاشياء انها حسنة او قبيحة لان فعل الله تعالى بحكم ما يقتضيه الشرع حينئذٍ لا العقل .
ثالثا: عدم قبح التكليف بما لا يطاق وهذا الاخر ايضا يجيء وفق انكار قاعدة الحسن والقبح على اعتبار لايحق للعقل ان يقول :هذا يجوز, ولا يجوز ذاك بل ان الله تعالى فاعل كل شيء (لايسال عما يفعل وهم يسالون) الاية .
س22 : وذهب قوم آخرون ـ وهم المفوِّضة ـ إلى أنّه تعالى فوَّض الافعال إلى المخلوقين، ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الافعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة، وإن انتهت كلُّها إلى مسبِّب الاسباب والسبب الاول، وهو الله تعالى . بين كلام المصنف ؟
الجواب : هذا هو المذهب الثاني الذي ينسب الى المدرسة الاعتزالية حيث كانت نظريتهم معاكسة لنظرية الاشاعرة ,قالوا ان الله تعالى فوض الافعال الى الانسان وهو مستقل بفعله , والامر الذي دعاهم الى هذا الزعم ,هو ان نسبة افعال الانسان الى الله تعالى يستلزم الظلم ,باعتبار ان افعال الانسان خير وشر ومن المحال ان يكون الله تعالى هو الفاعل ,ولازم هذا ان يكون الانسان مستقل عن الله تعالى في فعله فهم اخرجوا الله تعالى من سلطانه وقدرته , على عكس ما افرزته نظرية الاشعري حفاظا على ان يكون الله تعالى قادر على كل شيء نسبوا اليه الفعل .
والنتيجة :
أـ التزمت الاشاعرة ان الله تعالى خالق كل شيء حفاظا على قدرته ,لكن رموه بالظلم والجور !
ب ـ التزمت المفوضة ان الله رفع يده وسلطانه , باعتبار ان نسبة الافعال اليه مستلزمة النقص قال الشيخ المظفر ره : باعتبار أنّ نسبة الافعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة ... ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه، وأشرك غيره معه في الخلق.
س23 : اعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الاطهار (عليهم السلام) من الامر بين الامرين، والطريق الوسط بين القولين بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : هذه هي النظرية الثالثة في المقام حيث اعتقدت الامامية ايدهم الله تعالى تبعا لما جاء عن ائمتنا عليهم السلام من الامر بين الامرين حيث لاجبر ولا تفويض بل امر بين امرين ,وبيان ذلك :
عكست نظرية الاشاعرة لون من التفسير يرمي الى ان الله تعالى هو الفاعل الوحيد ,وحيث كانت نظرية المفوضة مغايرة تماما لهذا الاتجاه قالوا ان الفاعل حقيقة هو الانسان لا غير , بينما تنظر نظريتنا الموسومة بالامر بين الامرين الى انه لا جبر ولا تفويض بل الامر الوسط بين القولين وهو , ان الانسان يختار مايفعله والله تعالى هو الذي يفيض عليه القدرة الاقتدار على الافعال فان الانسان على هذه النظرية لا يكون مستقلا في فعله بل له ان يختار فقط لكن الفعل المترتب على ذلك الاختيار هو نوع افاضة من الله تعالى .
وهم ودفع: ربما يتوهم البعض ان هذه النظرية هي عبارة عن خليط من النظريتين السابقتين .
الجواب : بل على العكس ان النظرية الاشعرية تنفي الاختيار عن الانسان والنظرية الاعتزالية تنفي القدرة اللهية .
اما نظرية الامامية (الامر بين الامرين) هي نظرية اثباتية لكلا المعنيين القدرة والاختيار ومن المعروف ان الاثبات ينافي السلب فلا يختلط عليك الامر .
قال الشيخ المظفر ره : ما أجلَّ هذا المغزى وما أدقّ معناه، وخلاصته: إنّ أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى وداخلة في سلطانه لانّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي لانّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوِّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والامر، وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد.
عقيدتنا في البداء
س24 : ماهو البداء ؟
الجواب : تعريف البداء : البداء في اللغة معناه الظهور او الابانة من بدا اي ظهر لي كذا اي بدا لي, او تجلى بعد ان كان خافياً .
واما اصطلاحاً : فيطلق على معنيين
الاول : الظهور بعد الخفاء او الوضوح او التجلي
الثاني : العلم بعد الجهل او ان يبدي للانسان بشيء لم يكن سابقاً عنده
اما الامر الاول الظهور بعد الخفاء فممكن حمله على الله تعالى بأعتبار انه اخفى الاشياء عنا ثم اظهرها من باب التسامح , واما الامر الثاني فهو من المستحيل عليه تعالى, لاستلزامه الجهل وهو محال في حقه تعالى .
س 25 : قال المصنف ره : غير أنّه وردت عن أئمتنا الاطهار (عليهم السلام) روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق (عليه السلام): «ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني» بين مراد المصنف ره ؟
الجواب : شرع الماتن ره في بيان الايهام الذي توهمه غيرنا من المذاهب على ان الشيعة تنسب الجهل الى الله تعالى ,تعالى الله عنه الروايات التي وردت في المقام ظاهرها ان الله تعالى كان لا يعلم ثم بدا له العلم ,ومنها مانقله المصنف انفاً في قضية اسماعيل الولد الاكبر للامام الصادق عليه السلام من اخترامه , حيث حصل النزاع عند اتباعه في انه هو الامام بعد ابيه الصادق ع ,ثم اخترمه الموت حتى قال الامام الصاق ع مابدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني ,لانه اعظم بداء حيث النزاع كان عن مقام الامامة واخترامه كان محل سد النزاع على تلك الخصوم , والسؤال هل كان الله تعالى لا يعلم بمحل النزاع سابقا ثم علم حتى اخترمه فيما بعد؟ ام كان يعلم من اول الامر ؟ الجواب قطعا يعلم من اول الامر لكن الله تعالى ليري رحمته وعظمته في سد الخصوم والنزاعات على القوم ,فكان البداء رحمة اللهية عظمى في ذلك الامر الخطير.
س26 : والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يَمحُوا اللهُ ما يَشَآءُ ويُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) بين كلام المصنف ره من هذه الاية ؟
الجواب : هذه الاية تشير الى ان الله تعالى ينزَّل الامر من عنده على نحو التدرج ويخفي الله تعالى علمه على الاخرين حفاظا على النظام ,ان الله تعالى يعلم حقائق الاشياء والامر المترتب عليها ,لكن بلحاظنا نحن تكون على نحو البداء ,امثلة على ذلك :
الاول : لو علم الانسان من اول الامر ان الله تعالى يشفيه في يوم كذا هل يحتاج الى الدعاء بالشفاء حينئذٍ ؟.
الثاني : لو علم المجرم انه لا يدخل الجنة وان استحقاقه للنار لا محال هل كان بمقدوره ان يقبل على التوبة ؟
الثالث : لو علم الانسان من اول الامر ان عمره كذا هل يحتاج حينئذٍ الى صلة الرحم ليطول عمره ؟.
الرابع : لو يعلم الانسان بعواقب الامور هل يعمل على وفق مقتضياتها ام يختل نظام الحياة ؟ .
ومن هنا نعلم عظمة ورحمة البداء الالهي في كل شيء ,فانه تعالى عنده لوحين من العلم .
الاول : اللوح المحفوظ الذي لا يعتريه التبديل ولا التغيير .
الثاني : وهو نفس الاول ,لكن بلحاظ نزوله تدريجيا يسمى المحو والاثبات فتدبر جيدا
س27 :قال المصنف ره : وقرب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل نسخ بعض الاحكام التي جاء بها بيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم). بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : قلنا سابقا ان البداء على الله تعالى هو من قبيل التجوز بأعتبار ان نزول الفيض تدريجيا وحصول عواقب الامر تدريجيا نصطلح عليه بالبداء ,والسؤال هل ان نسخ الشرائع السابقة كانت فاسدة حتى ينسخها في غير زمن ؟, وهل بعض الاحكام في زمن الاسلام يدل على انه والعياذ بالله غافلا عن المصلحة ثم بدا له بداء ندامة؟ .
الجواب قطعا لا يمكن حمله على هذا المحمل ,لاستلزامه الجهل عليه وهو محال ,وانما يراعي سبحانه المصلحة ,وليظهر رحمته وتسامحه مع الناس والاجيال ويتنازل وهو اللطيف الخبير ليعطي انطباع عن ان شريعته سمحاء ببركة البداء , ولهذا قال الشيخ ره : وقرب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيّنا .
عقيدتنا في أحكام الدين
س28 : نعتقد: أنّه تعالى جعل أحكامه ـ من الواجبات والمحرّمات وغيرهما ـ طبقاً لمصالح العباد في نفس أفعالهم، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه,وهكذا في باقي الاحكام، وهذا من عدله ولطفه بعباده. بين كلام الماتن ره ؟
الجواب : شرع المصنف ره في هذا المطلب الى بيان الامر الثالث الذي يتفرع على العدل اللهي حيث تقدم سابقا الكلام حول عقيدتنا بالقضاء والقدر والبداء وهذه المطالب كلها متفرعة عن هذه العقيدة اعني العدل , ان الاحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والحرمة والاستحباب و الكراهة والإباحة مشرعة طبق عدله وحكمته تعالى بيان ذلك : انه تعالى نظرا الى طبق مصالح العباد يرى المولى تعالى ان ما فيه المصلحة ضرورية وشديدة يجب ان يكون فرضا وما فيه المفسدة البالغة من الضرر يجب ان يكون محرما ,ولمزيد من البيان علينا بهذا السبر والتقسيم :
ان الفعل اما ان يكون فيه مصلحة ملزمة او لا ,و الاول هو الواجب ,والثاني اما مع جواز فعله ,او لا ,الثاني هو الحرام ,والاخر اما المصلحة راجحة او لا ,الثاني المستحب ,والاخر اما مرجوحة او لا راجحة ولا مرجوحة ,الاول المكروه والثاني المباح ,وهذا وان انسد باب العلم علينا في معرفة الاحكام لبعض الامور والمصاديق الا انا نعلم اجمالا ما من واقعة الا ولها حكم واقعي وان كنا نجهله بعينه قال الشيخ المظفر ره : ولابدّ أن يكون له في كل واقعة حكم، ولا يخلو شيء من الاشياء من حكم واقعي لله فيه، وإن انسدَّ علينا طريق علمه.
س29 : ونقول أيضاً: إنّه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة، أو ينهى عمّا فيه المصلحة,غير أنّ بعض الفرق من المسلمين يقولون: إنّ القبيح ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما أمر به، فليس في نفس الافعال مصالح أو مفاسد ذاتية، ولا حسن أو قبح ذاتيان، وهذا قول مخالف للضرورة العقلية,كما أنّهم جوَّزوا أن يفعل الله تعالى القبيح فيأمر بها فيه المفسدة، وينهى عمّا فيه المصلحة. وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة، وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه، تعالى علواً كبيراً . بين كلام الماتن ره ؟
الجواب : للاجابة عما عرضه المصنف لابد من بيانه في النقاط التالية :
النقطة الاولى : قوله ره :غير ان بعض المسلمين ... المقصود منهم هم الاشاعرة حيث زعموا ان الله تعالى من الجائز عليه ان يفعل الظلم وينهى عن الحسن ,لانه لاسلطان على الله تعالى حتى العقل ,ولا نقول بالوجوب العقلي لانه لايجب على الله تعالى شيء ,وهؤلاء فهموا من الوجوب على الله تعالى انه كالوجوب الشرعي وهذا الزعم لا قائل به ابدا انما الكلام في ان الله تعالى قد تعبدنا بالعقول فنحن والعقل الذي تعبدنا الله تعالى به فما اوجبه العقل من المؤكد يوجبه المولى تعالى كيف لا وهو سيد العقلاء وهو من خلق العقل على هذا النمط من التحليل .
النقطة الثانية : زعم الأشعري ان الحكام الشرعية المتقدمة ليس فيها مصالح ولا مفاسد ذاتية ,وهذا مايحتاج الى بيانه في مقدمتين :
المقدمة الاولى : ان المصلحة الذاتية او المفسدة الذاتية ,معناها ان الفعل ملازم لماهية الحسن ان كان حسنا , وان كان الفعل فاسد فلابد ان يحتوي على مفسدة من صميمة مندكة فيه ملازمة له ,لكن الأشعري زعم ان هذه الملازمات ممكن التفكيك بينها فممكن ان نرى الافعال الذميمة من دون ملاحظة المفسدة كما لو رأينا حالة سرقة فلا يمكن للعقل ان يحكم انها قبيحة ! وممكن ان نرى الصدق من دون الحكم عليه انه حسن في ذاته !
المقدمة الثانية : ان هذا القول مبني على إنكار الحسن والقبح العقلي ,أي ان العقل لا استقلالية له على حسن الاشياء وقبحها بل الشارع المقدس هو من يحكم بذلك , وفيه انا نجد من أنفسنا ان سيرة العقلاء متفقة على حسن الصدق وقبح الكذب حتى من لا ينتحل دينا فانه يحكم من نفسه انها امور حسنة ,أو قبيحة فلو كان ما زعمتم به وهو ان الحكم للشارع فكيف بمن لا ينتحل دينا أصلا ؟ قال الشيخ المظفر ره : وهذا قول مخالف للضرورة العقلية.
النقطة الثالثة : قوله ره: وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة، وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه . قد مر بيان ذلك في عقيدتنا بالعدل على ماذكرنا هنالك فراجع .
س30 : والخلاصة: أنّ الصحيح في الاعتقاد أن نقول: إنّه تعالى لامصلحة له ولا منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرَّمه، بل المصلحة والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف، ولامعنى لنفي المصالح والمفاسد في الافعال المأمور بها والمنهي عنها، فإنّه تعالى لايأمر عبثاً ولاينهى جزافاً، وهو الغني عن عباده . بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : قبل الجواب عن هذا المطلب نود الاشارة الى انه تقدم لدينا مطلبان الاول تقسيم الاحكام الشرعية ,وكونها متفرعة عن عدله تعالى ,والمطلب الثاني زعم الاشاعرة وانكارهم للمصلحة الذاتية , بعد ذلك شرع المصنف ره في بيان المطلب الثالث , وهو عبارة عن سؤال هل الله تعالى يفعل الافعال لغرض ام من دون غاية وغرض ؟
الجواب : زعمت الاشاعرة ان الله تعالى لا يفعل لغرض ,واستدلوا على ذلك :
ان الله تعالى غني بذاته ,والغني بذاته لا يفعل الافعال لغرض, فلو فعل الافعال لغرض ,لكان مستكملا بذلك الغرض ,وقد ثبت ان الله غني فلا يفعل لغرض .
وهذا الدليل فاسد لوجهين :
الاول : انه لِمَ لا يكون الباري يفعل الافعال لغرض ويكون الغرض عائدا الى العبد لا الفاعل وهو الله تعالى فلا يكون مستكملا به.
الثاني : من الذي حكم على ان الله تعالى لا يفعل لغرض هل العقل ام الشرع ؟
فان كان العقل, فقد التزمتم انه لا قابلية له على الحكم بالحسن والقبح ,وان كان الشرع هو من حكم بذلك (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) .
الجواب :
اولا: انكار العدل ان افعال الانسان كما هو مشهود تتضمن الخير والشر ولا يستطيع نكران ذلك أي احد وعليه لو كان الله تعالى هو الفاعل لكل شيء لانخرم العدل اللهي .
ثانيا: انكار الحسن والقبح العقلي فان الله تعالى هو الفاعل والعقل لا استقلالية لديه للحكم على الاشياء انها حسنة او قبيحة لان فعل الله تعالى بحكم ما يقتضيه الشرع حينئذٍ لا العقل .
ثالثا: عدم قبح التكليف بما لا يطاق وهذا الاخر ايضا يجيء وفق انكار قاعدة الحسن والقبح على اعتبار لايحق للعقل ان يقول :هذا يجوز, ولا يجوز ذاك بل ان الله تعالى فاعل كل شيء (لايسال عما يفعل وهم يسالون) الاية .
س22 : وذهب قوم آخرون ـ وهم المفوِّضة ـ إلى أنّه تعالى فوَّض الافعال إلى المخلوقين، ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الافعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة، وإن انتهت كلُّها إلى مسبِّب الاسباب والسبب الاول، وهو الله تعالى . بين كلام المصنف ؟
الجواب : هذا هو المذهب الثاني الذي ينسب الى المدرسة الاعتزالية حيث كانت نظريتهم معاكسة لنظرية الاشاعرة ,قالوا ان الله تعالى فوض الافعال الى الانسان وهو مستقل بفعله , والامر الذي دعاهم الى هذا الزعم ,هو ان نسبة افعال الانسان الى الله تعالى يستلزم الظلم ,باعتبار ان افعال الانسان خير وشر ومن المحال ان يكون الله تعالى هو الفاعل ,ولازم هذا ان يكون الانسان مستقل عن الله تعالى في فعله فهم اخرجوا الله تعالى من سلطانه وقدرته , على عكس ما افرزته نظرية الاشعري حفاظا على ان يكون الله تعالى قادر على كل شيء نسبوا اليه الفعل .
والنتيجة :
أـ التزمت الاشاعرة ان الله تعالى خالق كل شيء حفاظا على قدرته ,لكن رموه بالظلم والجور !
ب ـ التزمت المفوضة ان الله رفع يده وسلطانه , باعتبار ان نسبة الافعال اليه مستلزمة النقص قال الشيخ المظفر ره : باعتبار أنّ نسبة الافعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة ... ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه، وأشرك غيره معه في الخلق.
س23 : اعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الاطهار (عليهم السلام) من الامر بين الامرين، والطريق الوسط بين القولين بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : هذه هي النظرية الثالثة في المقام حيث اعتقدت الامامية ايدهم الله تعالى تبعا لما جاء عن ائمتنا عليهم السلام من الامر بين الامرين حيث لاجبر ولا تفويض بل امر بين امرين ,وبيان ذلك :
عكست نظرية الاشاعرة لون من التفسير يرمي الى ان الله تعالى هو الفاعل الوحيد ,وحيث كانت نظرية المفوضة مغايرة تماما لهذا الاتجاه قالوا ان الفاعل حقيقة هو الانسان لا غير , بينما تنظر نظريتنا الموسومة بالامر بين الامرين الى انه لا جبر ولا تفويض بل الامر الوسط بين القولين وهو , ان الانسان يختار مايفعله والله تعالى هو الذي يفيض عليه القدرة الاقتدار على الافعال فان الانسان على هذه النظرية لا يكون مستقلا في فعله بل له ان يختار فقط لكن الفعل المترتب على ذلك الاختيار هو نوع افاضة من الله تعالى .
وهم ودفع: ربما يتوهم البعض ان هذه النظرية هي عبارة عن خليط من النظريتين السابقتين .
الجواب : بل على العكس ان النظرية الاشعرية تنفي الاختيار عن الانسان والنظرية الاعتزالية تنفي القدرة اللهية .
اما نظرية الامامية (الامر بين الامرين) هي نظرية اثباتية لكلا المعنيين القدرة والاختيار ومن المعروف ان الاثبات ينافي السلب فلا يختلط عليك الامر .
قال الشيخ المظفر ره : ما أجلَّ هذا المغزى وما أدقّ معناه، وخلاصته: إنّ أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية وهي تحت قدرتنا واختيارنا، ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى وداخلة في سلطانه لانّه هو مفيض الوجود ومعطيه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي لانّ لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوِّض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والامر، وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد.
عقيدتنا في البداء
س24 : ماهو البداء ؟
الجواب : تعريف البداء : البداء في اللغة معناه الظهور او الابانة من بدا اي ظهر لي كذا اي بدا لي, او تجلى بعد ان كان خافياً .
واما اصطلاحاً : فيطلق على معنيين
الاول : الظهور بعد الخفاء او الوضوح او التجلي
الثاني : العلم بعد الجهل او ان يبدي للانسان بشيء لم يكن سابقاً عنده
اما الامر الاول الظهور بعد الخفاء فممكن حمله على الله تعالى بأعتبار انه اخفى الاشياء عنا ثم اظهرها من باب التسامح , واما الامر الثاني فهو من المستحيل عليه تعالى, لاستلزامه الجهل وهو محال في حقه تعالى .
س 25 : قال المصنف ره : غير أنّه وردت عن أئمتنا الاطهار (عليهم السلام) روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق (عليه السلام): «ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني» بين مراد المصنف ره ؟
الجواب : شرع الماتن ره في بيان الايهام الذي توهمه غيرنا من المذاهب على ان الشيعة تنسب الجهل الى الله تعالى ,تعالى الله عنه الروايات التي وردت في المقام ظاهرها ان الله تعالى كان لا يعلم ثم بدا له العلم ,ومنها مانقله المصنف انفاً في قضية اسماعيل الولد الاكبر للامام الصادق عليه السلام من اخترامه , حيث حصل النزاع عند اتباعه في انه هو الامام بعد ابيه الصادق ع ,ثم اخترمه الموت حتى قال الامام الصاق ع مابدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني ,لانه اعظم بداء حيث النزاع كان عن مقام الامامة واخترامه كان محل سد النزاع على تلك الخصوم , والسؤال هل كان الله تعالى لا يعلم بمحل النزاع سابقا ثم علم حتى اخترمه فيما بعد؟ ام كان يعلم من اول الامر ؟ الجواب قطعا يعلم من اول الامر لكن الله تعالى ليري رحمته وعظمته في سد الخصوم والنزاعات على القوم ,فكان البداء رحمة اللهية عظمى في ذلك الامر الخطير.
س26 : والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يَمحُوا اللهُ ما يَشَآءُ ويُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) بين كلام المصنف ره من هذه الاية ؟
الجواب : هذه الاية تشير الى ان الله تعالى ينزَّل الامر من عنده على نحو التدرج ويخفي الله تعالى علمه على الاخرين حفاظا على النظام ,ان الله تعالى يعلم حقائق الاشياء والامر المترتب عليها ,لكن بلحاظنا نحن تكون على نحو البداء ,امثلة على ذلك :
الاول : لو علم الانسان من اول الامر ان الله تعالى يشفيه في يوم كذا هل يحتاج الى الدعاء بالشفاء حينئذٍ ؟.
الثاني : لو علم المجرم انه لا يدخل الجنة وان استحقاقه للنار لا محال هل كان بمقدوره ان يقبل على التوبة ؟
الثالث : لو علم الانسان من اول الامر ان عمره كذا هل يحتاج حينئذٍ الى صلة الرحم ليطول عمره ؟.
الرابع : لو يعلم الانسان بعواقب الامور هل يعمل على وفق مقتضياتها ام يختل نظام الحياة ؟ .
ومن هنا نعلم عظمة ورحمة البداء الالهي في كل شيء ,فانه تعالى عنده لوحين من العلم .
الاول : اللوح المحفوظ الذي لا يعتريه التبديل ولا التغيير .
الثاني : وهو نفس الاول ,لكن بلحاظ نزوله تدريجيا يسمى المحو والاثبات فتدبر جيدا
س27 :قال المصنف ره : وقرب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل نسخ بعض الاحكام التي جاء بها بيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم). بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : قلنا سابقا ان البداء على الله تعالى هو من قبيل التجوز بأعتبار ان نزول الفيض تدريجيا وحصول عواقب الامر تدريجيا نصطلح عليه بالبداء ,والسؤال هل ان نسخ الشرائع السابقة كانت فاسدة حتى ينسخها في غير زمن ؟, وهل بعض الاحكام في زمن الاسلام يدل على انه والعياذ بالله غافلا عن المصلحة ثم بدا له بداء ندامة؟ .
الجواب قطعا لا يمكن حمله على هذا المحمل ,لاستلزامه الجهل عليه وهو محال ,وانما يراعي سبحانه المصلحة ,وليظهر رحمته وتسامحه مع الناس والاجيال ويتنازل وهو اللطيف الخبير ليعطي انطباع عن ان شريعته سمحاء ببركة البداء , ولهذا قال الشيخ ره : وقرب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيّنا .
عقيدتنا في أحكام الدين
س28 : نعتقد: أنّه تعالى جعل أحكامه ـ من الواجبات والمحرّمات وغيرهما ـ طبقاً لمصالح العباد في نفس أفعالهم، فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجباً، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه، وما فيه مصلحة راجحة ندبنا إليه,وهكذا في باقي الاحكام، وهذا من عدله ولطفه بعباده. بين كلام الماتن ره ؟
الجواب : شرع المصنف ره في هذا المطلب الى بيان الامر الثالث الذي يتفرع على العدل اللهي حيث تقدم سابقا الكلام حول عقيدتنا بالقضاء والقدر والبداء وهذه المطالب كلها متفرعة عن هذه العقيدة اعني العدل , ان الاحكام الشرعية الخمسة من الوجوب والحرمة والاستحباب و الكراهة والإباحة مشرعة طبق عدله وحكمته تعالى بيان ذلك : انه تعالى نظرا الى طبق مصالح العباد يرى المولى تعالى ان ما فيه المصلحة ضرورية وشديدة يجب ان يكون فرضا وما فيه المفسدة البالغة من الضرر يجب ان يكون محرما ,ولمزيد من البيان علينا بهذا السبر والتقسيم :
ان الفعل اما ان يكون فيه مصلحة ملزمة او لا ,و الاول هو الواجب ,والثاني اما مع جواز فعله ,او لا ,الثاني هو الحرام ,والاخر اما المصلحة راجحة او لا ,الثاني المستحب ,والاخر اما مرجوحة او لا راجحة ولا مرجوحة ,الاول المكروه والثاني المباح ,وهذا وان انسد باب العلم علينا في معرفة الاحكام لبعض الامور والمصاديق الا انا نعلم اجمالا ما من واقعة الا ولها حكم واقعي وان كنا نجهله بعينه قال الشيخ المظفر ره : ولابدّ أن يكون له في كل واقعة حكم، ولا يخلو شيء من الاشياء من حكم واقعي لله فيه، وإن انسدَّ علينا طريق علمه.
س29 : ونقول أيضاً: إنّه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة، أو ينهى عمّا فيه المصلحة,غير أنّ بعض الفرق من المسلمين يقولون: إنّ القبيح ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما أمر به، فليس في نفس الافعال مصالح أو مفاسد ذاتية، ولا حسن أو قبح ذاتيان، وهذا قول مخالف للضرورة العقلية,كما أنّهم جوَّزوا أن يفعل الله تعالى القبيح فيأمر بها فيه المفسدة، وينهى عمّا فيه المصلحة. وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة، وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه، تعالى علواً كبيراً . بين كلام الماتن ره ؟
الجواب : للاجابة عما عرضه المصنف لابد من بيانه في النقاط التالية :
النقطة الاولى : قوله ره :غير ان بعض المسلمين ... المقصود منهم هم الاشاعرة حيث زعموا ان الله تعالى من الجائز عليه ان يفعل الظلم وينهى عن الحسن ,لانه لاسلطان على الله تعالى حتى العقل ,ولا نقول بالوجوب العقلي لانه لايجب على الله تعالى شيء ,وهؤلاء فهموا من الوجوب على الله تعالى انه كالوجوب الشرعي وهذا الزعم لا قائل به ابدا انما الكلام في ان الله تعالى قد تعبدنا بالعقول فنحن والعقل الذي تعبدنا الله تعالى به فما اوجبه العقل من المؤكد يوجبه المولى تعالى كيف لا وهو سيد العقلاء وهو من خلق العقل على هذا النمط من التحليل .
النقطة الثانية : زعم الأشعري ان الحكام الشرعية المتقدمة ليس فيها مصالح ولا مفاسد ذاتية ,وهذا مايحتاج الى بيانه في مقدمتين :
المقدمة الاولى : ان المصلحة الذاتية او المفسدة الذاتية ,معناها ان الفعل ملازم لماهية الحسن ان كان حسنا , وان كان الفعل فاسد فلابد ان يحتوي على مفسدة من صميمة مندكة فيه ملازمة له ,لكن الأشعري زعم ان هذه الملازمات ممكن التفكيك بينها فممكن ان نرى الافعال الذميمة من دون ملاحظة المفسدة كما لو رأينا حالة سرقة فلا يمكن للعقل ان يحكم انها قبيحة ! وممكن ان نرى الصدق من دون الحكم عليه انه حسن في ذاته !
المقدمة الثانية : ان هذا القول مبني على إنكار الحسن والقبح العقلي ,أي ان العقل لا استقلالية له على حسن الاشياء وقبحها بل الشارع المقدس هو من يحكم بذلك , وفيه انا نجد من أنفسنا ان سيرة العقلاء متفقة على حسن الصدق وقبح الكذب حتى من لا ينتحل دينا فانه يحكم من نفسه انها امور حسنة ,أو قبيحة فلو كان ما زعمتم به وهو ان الحكم للشارع فكيف بمن لا ينتحل دينا أصلا ؟ قال الشيخ المظفر ره : وهذا قول مخالف للضرورة العقلية.
النقطة الثالثة : قوله ره: وقد تقدَّم أنّ هذا القول فيه مجازفة عظيمة، وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه . قد مر بيان ذلك في عقيدتنا بالعدل على ماذكرنا هنالك فراجع .
س30 : والخلاصة: أنّ الصحيح في الاعتقاد أن نقول: إنّه تعالى لامصلحة له ولا منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرَّمه، بل المصلحة والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف، ولامعنى لنفي المصالح والمفاسد في الافعال المأمور بها والمنهي عنها، فإنّه تعالى لايأمر عبثاً ولاينهى جزافاً، وهو الغني عن عباده . بين كلام المصنف ره ؟
الجواب : قبل الجواب عن هذا المطلب نود الاشارة الى انه تقدم لدينا مطلبان الاول تقسيم الاحكام الشرعية ,وكونها متفرعة عن عدله تعالى ,والمطلب الثاني زعم الاشاعرة وانكارهم للمصلحة الذاتية , بعد ذلك شرع المصنف ره في بيان المطلب الثالث , وهو عبارة عن سؤال هل الله تعالى يفعل الافعال لغرض ام من دون غاية وغرض ؟
الجواب : زعمت الاشاعرة ان الله تعالى لا يفعل لغرض ,واستدلوا على ذلك :
ان الله تعالى غني بذاته ,والغني بذاته لا يفعل الافعال لغرض, فلو فعل الافعال لغرض ,لكان مستكملا بذلك الغرض ,وقد ثبت ان الله غني فلا يفعل لغرض .
وهذا الدليل فاسد لوجهين :
الاول : انه لِمَ لا يكون الباري يفعل الافعال لغرض ويكون الغرض عائدا الى العبد لا الفاعل وهو الله تعالى فلا يكون مستكملا به.
الثاني : من الذي حكم على ان الله تعالى لا يفعل لغرض هل العقل ام الشرع ؟
فان كان العقل, فقد التزمتم انه لا قابلية له على الحكم بالحسن والقبح ,وان كان الشرع هو من حكم بذلك (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) .