سلسلة الموضوعات
في الخلافة فحسب
أهم موضوع لعبت به أيدي الهوى، وعبثت به العواطف المضلة، هو موضوع الخلافة في السنة والحديث، وضع القوم فيها أحاديث مكذوبة على الله تضاد مبادئ الاسلام عند جميع فرقه، ولا توافق أيا من المذاهب الإسلامية، بل لازمها اجتماع الأمة على الخطأ - وهي لا تجتمع على الخطأ - إذ لا تخلو ممن يرى النص في علي أمير المؤمنين، ومن يقول بالانتخاب وعدم النص على أي أحد، فالأمة مجتمعة على الخطأ في رفض تلكم النصوص والصفح عنها، وإليك نماذج مما وقفنا عليه من تلكم المخازي:
1 - عن أنس بن مالك قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل إلى بستان فأتى آت فدق الباب فقال: يا أنس؟ قم فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعدي. قال: قلت يا رسول الله أعلمه؟ قال: أعلمه. فإذا أبو بكر. قلت: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاء آت فدق الباب فقال. يا أنس؟ قم فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعد أبي بكر. قلت: يا رسول الله أعلمه! قال: أعلمه. فخرجت فإذا عمر قال قلت له: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد أبي بكر. ثم جاء آت فدق الباب فقال: قم يا أنس وافتح له وبشره بالجنة وبالخلافة من بعد عمر وأنه مقتول. قال: فخرجت فإذا عثمان قلت: أبشر بالجنة وبالخلافة من بعد عمر وإنك مقتول. قال: فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لمه؟ والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك.
قال: هو ذاك يا عثمان!.
من موضوعات الصقر بن عبد الرحمن أبي بهز الكذاب. حكى الخطيب البغدادي في تاريخه 9 ص 339 عن علي بن المديني أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: كذب هذا موضوع
وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " 1 ص 467 فقال حديث كذب. وحكى ابن حجر في " لسان الميزان " 3 ص 192 عن علي المديني أنه قال: كذب موضوع. وقال في ص 193: لو صح هذا لما جعل عمر الخلافة في أهل الشورى وكان يعهد إلى عثمان بلا نزاع.
وذكره الذهبي في ميزانه 2 ص 91 بلفظ: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا لرجل فقرع الباب فقال: يا أنس افتح وبشره بالجنة وإنه سيلي الأمر من بعدي ففتحت فإذا أبو بكر.
ثم قال: وفي سنده عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك ضعيف ليس بشئ. وذكر صدره في ج 1 ص 162 عن بكر بن المختار بن فلفل وقال: قال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. وقال المقدسي في " تذكرة الموضوعات " ص 15: افتح له و بشره بالجنة. وفيه ذكر الخلافة وترتيبها رواه بكر بن المختار الصائغ وهو كذاب.
قال الأميني: وفي ترك هؤلاء الثلاثة الاحتجاج بهذه الرواية يوم فاقتهم إليها عند طلب الخلافة وقد بلغ الجدال أشده حتى كاد أن يكون جلادا دليل واضح على أنهم لم يدخلوا ذلك البستان الخيالي، ولا سمعوا تلك البشارة الموهومة، وإن الله سبحانه لم يبرء ذلك البستان ليوطد فيها أساس الفتن المدلهمة، ثم لماذا لم يروها لهم أنس يوم تزلفه إليهم وتركاضه معهم وتركها لأحد الرجلين بعده: الصقر وعبد الأعلى؟.
م - ألا تعجب من حافظين كبيرين كأبي نعيم في متقدمي القوم، والسيوطي في متأخريهم؟! يروي الأول هذه الرواية بإسناده الوعر في دلائل النبوة 2 ص 201 من طريق أبي بهز الكذاب ويركن إليها، ويرويها الثاني في الخصائص الكبرى 2: 122 ويتبهج بها ولم ينبس أحد منهما مما في إسنادها من الغمز ببنت شفة.
2 - عن عايشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ضمني وإياه الفراش قلت: يا رسول الله ألست أكرم أزواجك عليك؟ قال: بلى يا عايشة. قلت: فحدثني عن أبي بفضيلة قال: حدثني جبريل إن الله تعالى لما خلق الأرواح اختار روح أبي بكر الصديق من بين الأرواح وجعل ترابها من الجنة وماؤها من الحيوان، وجعل له قصرا في الجنة من درة بيضاء مقاصيرها فيها من الذهب والفضة البيضاء، وإن الله تعالى آلى على نفسه أن لا يسلبه حسنة ولا يسأله عن سيئة، وإني ضمنت على الله كما ضمن الله على نفسه أن لا يكون لي ضجيعا في حفرتي ولا أنيسا في وحدتي ولا خليفة على أمتي من بعدي،
إلا أبوك. يا عايشة! بايع على ذلك جبريل وميكائيل، وعقدت خلافته براية بيضاء وعقد لواؤه تحت العرش قال الله للملائكة: رضيتم ما رضيت لعبدي؟ فكفى بأبيك فخرا أن بايع له جبريل وميكائيل وملائكة السماء وطائفة من الشيطان يسكنون البحر فمن لم يقبل هذا فليس مني ولست منه. قالت عايشة: فقبلت أنفه وما بين عينيه فقال: حسبك يا عايشة فمن لست بأمه فوالله ما أنا بنبيه، فمن أراد أن يتبرأ من الله ومني فليتبرأ منك يا عايشة.
قال الخطيب البغدادي في تاريخه 14 ص 36: لا يثبت هذا الحديث ورجال إسناده كلهم ثقات ولعله شبه لهذا الشيخ القطان - أو ادخل عليه - مع إني قد رأيته من حديث محمد بن بابشاذ البصري عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات.
وذكر الذهبي منه جملا في " ميزان الاعتدال " 3 ص 31 وحكم بأنه موضوع. وذكر جملا في ص 246 وقال: حديث باطل كأنه المسكين - يعني هارون القطان - ادخل عليه ولا يشعر، وله إسناد آخر باطل. وقال: هذا لا يحتمله سلمة والظاهر أنه دس على ابن بابشاذ هذه فروى حديثا موضوعا راج عليه ولم يهتد.
وذكر الفيروز آبادي شطرا من صدره في خاتمة " سفر السعادة "، والعجلوني في " كشف الخفاء "، وعداه من أشهر المشهورات من الموضوعات، ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل، وأبطله السيوطي في لي 1 ص 150.
3 - عن عايشة قالت: أول حجر حمله النبي صلى الله عليه وسلم لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر حجرا آخر، ثم حمل عمر، ثم حمل عثمان حجرا آخر. فقلت: يا رسول الله! ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: يا عايشة هؤلاء الخلفاء من بعدي.
أخرجه الحاكم في " المستدرك " 3 ص 97 وقال: صحيح وإنما اشتهر بإسناد واه من رواية محمد بن الفضل بن عطية فلذلك هجر. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك:
قلت: أحمد منكر الحديث وممن نقم على مسلم إخراجه في الصحيح. ويحيى وإن كان ثقة فقد ضعف. ثم لو صح هذا لكان نصا في خلافة الثلاثة ولا يصح بوجه، فإن عايشة لم تكن يومئذ دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي محجوبة صغيرة فقولها هذا يدل على بطلان الحديث. إلخ.
أسفي على الحاكم فإنه يخرج عن عائشة هذه الرواية ويصححها وقد أخرج عنها قبلها في " المستدرك " ج 3 ص 78 أنها قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لاستخلف أبا بكر وعمر. وصححه هو وأقره الذهبي.
4 - عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال أذن في الناس: إن الخليفة بعدي أبو بكر. يا بلال ناد في الناس: إن الخليفة بعد أبي بكر عمر. يا بلال ناد في الناس: إن الخليفة من بعد عمر عثمان. يا بلال امض أبى الله إلا ذلك - ثلاث مرات -
أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة. والخطيب في تاريخه 7 ص 429 من دون أي غمز فيه. وابن عساكر في تاريخ الشام، ورواه الذهبي بإسناد الدارقطني وعمرو بن شاهين في ميزانه 1 ص 387 فقال: هذا موضوع. وقال في سعيد بن عبد الملك أحد رجال الاسناد: قال أبو حاتم يتكلمون فيه يروي أحاديث كذب.
لم لم تسمع أذن الدنيا قط نداء بلال حينما أذن في الناس بالخلافة؟ هل خالف بلال أمر النبي صلى الله عليه وآله ولم يناد؟ حاشاه. أو ضرب الله في آذان أمة محمد وقرا فلم يسمع أحد ذلك النداء؟ لاها الله. بل ما أمر صلى الله عليه وآله وسلم بشئ من هذا، ولا أذن بلال ولا أسمع، لكن الهوى خلق بعد لأي من عمر الدهر أذانا سمعه من لا يؤمن به.
5 - مرفوعا: أبو بكر يلي أمتي من بعدي.
ذكره الذهبي في ميزانه 3 ص 93 وقال: خبر كذب جاء به محمد بن عبد الرحمن وهو لا يعرف أو هو ابن قراد - الكذاب الوضاع المذكور ص 260.
6 - عن الزبير بن العوام قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الخليفة بعدي أبو بكر وعمر ثم يقع الاختلاف. فقمنا إلى علي فأخبرناه فقال: صدق الزبير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
من موضوعات عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة. ذكره الذهبي في ميزانه 1 ص 147 فقال: هذا باطل والآفة من عبد الرحمن.
إن كان أمير المؤمنين عليه السلام سمع ما سمعه زبير من رسول الله صلى الله عليه وآله فما باله يدعيها لنفسه عند طلب البيعة ويخالف رسول الله صلى الله عليه وآله فيما نص عليه؟ وكيف يكون ما شجر بينه وبين القوم من الخلاف الذي ملأ الخافقين حديثه؟ وما بال الزبير الراوي عن رسول
الله صلى الله عليه وآله تخلف عن بيعة أبي بكر يوم ذاك واخترط سيفه وهو يقول: لا أغمده حتى يبايع علي؟.
7 - مرفوعا: إن جبرائيل قال: أبو بكر وزيرك في حياتك وخليفتك بعد موتك.
من موضوعات أبي هارون إسماعيل بن محمد الفلسطيني. قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " 1 ص 114: ذكره ابن الجوزي بإسناد مظلم وقال: أبو هارون كذاب.
سبحانك اللهم ما أجرأهم على المهيمن الجبار وعلى أمين وحيه وعلى قدس صاحب الرسالة فعزوا إليه حكما نزل به الروح الأمين لأن يصدع به في الملأ من أمته ليسلكوا طريقه المهيع باتباع الخليفة من بعده لكنه صلى الله عليه وآله جعجع بتبليغه إلى أن يأتي الرجل من فلسطين فأنهاه إليه صلى الله عليه وآله ليبلغ من حوله من المهاجرين والأنصار. نعم: هكذا يكون الأكل من القفا. لا. هكذا يكون أمر دبر بليل، أو يتزلف الفلسطيني إلى صاحب السلطة الوقتية بالافتعال له.
8 - عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: قال لما عرج بي قلت: أللهم اجعل الخليفة من بعدي عليا قال: فارتجت السماوات وهتف بي الملائكة يا محمد إقرأ: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله، وقد شاء الله أبا بكر.
من موضوعات يوسف بن جعفر الخوارزمي. ذكره الذهبي في ميزانه 3 ص 329 وقال: ذكره ابن الجوزي، إن هذا من وضع يوسف. وأخرجه الجوزقاني وفي آخره: قد شاء الله أن يكون الخليفة من بعدك أبو بكر الصديق. ثم قال: موضوع وضعه يوسف بن جعفر - لي 1 ص 156 - وفي لفظ: إن الله يفعل ما يشاء الخليفة بعدك أبو بكر.
9 - عن علي [ أمير المؤمنين ] مرفوعا: يا علي سألت الله ثلاثا أن يقدمك فأبي علي إلا أن يقدم أبا بكر.
أخرجه الخطيب في تاريخه 11 ص 213 بسند تافه ساكتا عن الغمز فيه جريا على عادته. وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " 2 ص 222 من طريق الخطيب عن أبي حجيفة وقال: خبر باطل لعل آفته علي بن الحسين الكلبي. وزيفه ابن حجر في " الفتاوى الحديثية " ص 126. وعده السيوطي في " الجامع الكبير " كما في ترتيبه 6 ص 139 من فضائل أبي بكر نقلا عن الديلمي، وذكره محب الدين الطبري في الرياض 1: 150 باللفظ المذكور و
لفظ: نازلت الله فيك ثلاثا فأبى أن يقدم إلا أبا بكر ثم قال: غريب.
قال الأميني: إني مسائل مفتعل هذا الرواية وأعضاده من حفاظ الحديث - الأمناء على ودايع العلم والدين - بعد الفراغ عن أن أمر الخلافة لا يستقر في أحد إلا بتعين المولى سبحانه ومشيئته. والله يفعل ما يشاء. وما تشاؤن إلا أن يشاء الله. وقد شاء أبا بكر، أين يكون محل دعاء النبي صلى الله عليه وآله في أن يجعلها في علي عليه السلام من قبل أن يعلم مستقره عند الله تعالى؟ فكان من واجبه أن يسئله عن محله عنده لا أن يطلب منه طلبة ترتج لها السماوات والملائكة وما ذلك إلا لكونه منكرا من الطلب. نجل نبينا عن الاسفاف إلى هذه الضعة.
وكيف خفي عليه صلى الله عليه وآله من يستأهل الخلافة من أمته ويختار لها من يأبى الله والسماوات ومن فيها والمؤمنون (1) له ذلك؟ نعوذ بالله من السفاسف.
ثم ما بال النبي الأعظم يتأخر علمه بذلك عن علم الملائكة والسماوات والحاجة له ولأمته، وخطاب التبليغ متوجه إليه، والتكليف بالخضوع متوجه إلى أمته؟ و لم يكن جميع الملائكة والسماوات حملة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى يتقدم علمهم على علمه (2)
وما الذي دعاه صلى الله عليه وآله إلى ذلك التأكيد وتكرار المسألة مرة بعد أخرى وقد أبى الله أن يجيبها وشاء خلاف تلك الدعوة؟.
إلى أسؤله هامة تأتي وهي مشكلات لا أحسب أن يجد كل من يعتمد على هذه الرواية إلى حلها سبيلا. اف تف لمؤلف يذكر مثل هذه الأفيكة ويراها لطيفة (3) ولآخر يراها غريبا ويقول: يعتضد بالأحاديث الصحيحة (4) أللهم إليك المشتكى.
10 - أخرج الخطيب في تاريخه 14 ص 24 بإسناده عن إبراهيم بن هاني عن هارون المستملي المتوفى 247 عن يعلى (5) بن الأشدق عن عبد الله بن جراد قال: أتي
____________
(1) كما يأتي في حديث آخر.
(2) هذا على سبيل المماشاة والجدل وإن لنا في علمه صلى الله عليه وآله بالوحي خطة أخرى مع الاعتراف بنزول جبريل في كل واقعة للأذن في التبليغ ولتثبيت قلوب الأمة.
(3) راجع نزهة المجالس 2 ص 186.
(4) راجع الرياض النضرة 1 ص 150.
(5) في تاريخ الخطيب: علي. والصحيح ما ذكرناه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرس فركبه وقال: يركب هذا الفرس من يكون الخليفة من بعدي.
فركبه أبو بكر الصديق.
قال الأميني: كأن الخطيب أدهشه فرس الخلافة - ذاهلا عن أنه لم يخلق بعد - فسكت عما في سند الرواية من الغمز الفاحش الذي لا يخفى على مثل الخطيب فارس الجرح والتعديل، وإليك مجمل القول في رجاله:
1 - إبراهيم بن هاني، قال ابن عدي: مجهول يأتي بالبواطيل.
2 - هارون المستملي، قال له أبو نعيم: يا هارون أطلب لنفسك صناعة غير الحديث فكأنك بالحديث قد صار على مزبلة.
3 - يعلى بن الأشدق: أحد الكذابين كما مر في سلسلتهم.
4 - عبد الله بن جراد عم يعلى، قال الذهبي في ميزانه: مجهول لا يصح خبره لأنه من رواية يعلى بن أشدق الكذاب عنه، وقال أبو حاتم: لا يعرف ولا يصح خبره. وقال ابن حجر في " الإصابة " 2 ص 288: يعلى بن أشدق أحد الضعفاء، وعبد الله بن جراد واه ذاهب الحديث ولم يثبت حديثه.
وذكر السيوطي الرواية في الموضوعات - لي 1 ص 156 - وأردفه بقوله: موضوع، ابن جراد ليس بشئ. ثم نقل كلمات الحفاظ في تضعيف ابن جراد وتزييفه.
11 - عن جابر مرفوعا: أبو بكر وزيري والقائم في أمتي من بعدي. وعمر حبيبي ينطق على لساني. وعثمان مني. وعلي أخي وصاحب لوائي. وفي كنز العمال 6 ص 160 عن أنس: أبو بكر وزيري يقوم مقامي. وعمر ينطق بلساني. وأنا من عثمان وعثمان مني.
من موضوعات كادح بن رحمة الكذاب، أخرجه ابن السمان في " الموافقة " كما في " الرياض النضرة " ج 1 ص 28. وذكره الذهبي في ميزانه من طريق كادح وقال: قال ابن عدي عامة أحاديثه غير محفوظة ولا يتابع في أسانيده ولا في متونه. وقال الحاكم وأبو نعيم روى عن مسعر والثوري أحاديث موضوعة. [ لسان الميزان 4: 481 ].
12 - أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إئتني بدواة وكنت أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. كنز 6 ص 139.
13 - عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فأني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى و يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.
أخرجه مسلم وأحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد. ثم قال: دعيه معاذ الله أنه يختلف المؤمنون في أبي بكر.
وفي لفظ عن عبد الله بن أحمد: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر. " الصواعق " لابن حجر ص 13. شرح " مشارق الأنوار " 2 ص 258.
14 - عن عائشة مرفوعا: لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه [ أراد به عبد الرحمن ] وأعهد [ أي أوصي أبا بكر بالخلافة بعدي ] أن يقول القائلون [ أي كراهة أن يقول قائل: أنا أحق منه بالخلافة ] أو يتمنى المتمنون [ أي أو يتمنى أحد أن يكون الخليفة غيره ] ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون [ يعني تركت الايصاء اعتمادا على أن الله تعالى يأبى عن كون غيره خليفة وأن يدفع المؤمنون غيره ] أو: يدفع الله ويأبى المؤمنون.
أخرجه الصغاني في " مشارق الأنوار " عن البخاري. وفي هامشه: لم نجده في صحيح البخاري فليراجع. وشرحه ابن الملك بما جعلناه بين القوسين في شرحه 2 ص 90.
وذكره ابن حزم في الفصل 4 ص 108 فقال: فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده.
هذه صورة ممسوخة من حديث الكتف والدواة المروي بأسانيد جمة في الصحاح والمسانيد وفي مقدمها الصحيحان حولوه إلى هذه الصورة لما رأوا الصورة الصحيحة من الحديث لا تتم بصالحهم، لكنها الرزية كل الرزية كما قاله ابن عباس في الصحيح، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع في وقته عن كتابه ما رامه من الايصاء بما لا تضل الأمة بعده وكثر هناك اللغط، ورمي صلى الله عليه وآله بما لا يرصف به، أو قال قائلهم: إن الرجل ليهجر. أو:
إن الرجل غلبه الوجع. وبعد وفاته صلى الله عليه وآله قلبوا ذلك التاريخ الصحيح إلى هذا المفتعل وراء أمر دبر بليل.
قال ابن أبي الحديد في شرح " نهج البلاغة " 3 ص 17: وضعوه في مقابلة الحديث
المروي عنه في مرضه: ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدا فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله.
قال الأميني: لا تخلو هذه الاستعاذة (1) إما أن تكون في حيز الأخبار عن عدم الاختلاف أو في مقام النهي عنه. وعلى الأول يلزم منه الكذب لوقوع الاختلاف - و أي اختلاف - بالضرورة من أمير المؤمنين وبني هاشم ومن التف بهم من صدور الصحابة ومن سيد الخزرج سعد بن عبادة وبقية الأنصار، وإن أخضعت الظروف والأحوال أولئك المتخلفين عن البيعة للخلافة المنتخبة بعد برهة، فقد كان في القلوب ما فيها إلى آخر أعمارهم، وفي قلوب شيعتهم وأتباعهم إلى يوم لقاء الله، وكان لأمير المؤمنين عليه السلام وآله و شيعته في كل فجوة من الوقت وفرصة من الزمن نبرات وتنهدات ينبأ فيها عن الحق المغتصب والخليفة المهتضم.
وعلى الثاني يلزم تفسيق أمة كبيرة من أعيان الصحابة لمخالفتهم نهي النبي صلى الله عليه وآله بما شجر بينهم وبين القوم من الخلاف المستعاذ منه بالله في أمر الخلافة، وهذا لا يلتأم مع حكمهم بعدالة الصحابة أجمعين إلا أن يخصوها بغير أمير المؤمنين ومن انضوى إليه، و كل هذه يأدي إلى بطلان الرواية.
وهلم معي إلى أم المؤمنين الراوية لها نساؤلها عن أنها لم لم تنبس يوم التنازع عما روته ببنت شفة، فتجابه من ينازع أباها بنص الرسول الأمين وأخرت البيان عن وقت الحاجة؟ ولعلها تجيب بأنها لم تسمع قط من بعلها الكريم شيئا مما الصق بها، لكن رواة السوء بعد وفاتها لم ترع لها كرامة فصعدت وصوبت، وشاهد هذا الجواب ما سيوافيك عنها بطريق صحيح ما ينافي الاستخلاف.
15 - عن عايشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أئمة الخلافة من بعدي أبو بكر وعمر. الحديث.
ذكره الذهبي في ميزانه 2 ص 227 وقال: خبر باطل، المتهم بوضعه علي - بن صلح الأنماطي - فإن الرواة ثقاة سواه.
قال الأميني: من المأسوف عليه أن الدهشة بالقلاقل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنست
____________
(1) في قوله صلى الله عليه وآله: معاذ الله أن يختلف المؤمنون.
عايشة هذه الرواية يوم كان يستفيد بها أبوها ويسلم من مغبة الاختيار في أمر الخلافة بالإسناد إلى النص الصريح. أو خشيت حين ذلك إن فاهت أن يقال: حلبت حلبا لها شطرها، فأرجئتها إلى أن سبق السيف العذل، والصحيح: أنها أرجئت روايتها إلى أن لفظت نفسها الأخير، وسيوافيك عنها خلاف هذه الرواية من طريق صحيح.
16 - عن عبد الله بن عمر مرفوعا: يكون بعدي اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث بعدي إلا قليلا. وصاحب رحا دارة العرب يعيش حميدا ويقتل شهيدا عمر. و أنت يا عثمان سيسألك الناس أن تخلع قميصا كساك الله عز وجل إياه، والذي نفسي بيده لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
أخرجه البيهقي كما في تاريخ ابن كثير 6 ص 206 بإسناده وفيه عبد الله بن صالح الكذاب، وربيعة بن سيف قال البخاري: عنده مناكير. وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " 2 ص 48 من طريق يحيى بن معين وقال: أنا أتعجب من يحيى مع جلالته ونقده كيف يروي مثل هذا الباطل ويسكت عنه؟ وربيعة صاحب مناكير وعجائب.
17 - عن ابن عباس في قوله تعالى: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا.
قال: أسر إلى حفصة: أن أبا بكر ولي الأمر من بعده، وإن عمر واليه من بعد أبي بكر، فأخبرت بذلك عائشة. رواه البلاذري في تاريخه.
وفي " نزهة المجالس " 2 ص 192: قال ابن عباس رضي الله عنهما، والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي كتاب الله وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة أولياء الناس بعدي فإياك أن تخبري به أحدا.
وأخرج الذهبي عن عايشة: وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا. قالت: أسر إليها: أن أبا بكر خليفتي من بعدي. عده الذهبي في " ميزان الاعتدال " 1 ص 294 من أباطيل خالد بن إسماعيل المخزومي الكذاب.
18 - عن ابن عباس قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح جاء العباس إلى علي فقال: قم بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارا إلى رسول الله فسألاه عن ذلك فقال: يا عباس! يا عم رسول الله! إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه فاسمعوا له تفلحوا وأطيعوا ترشدوا، قال العباس: فأطاعوه والله فرشدوا.
وفي لفظ آخر: يا عم! إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه فأطيعوه بعدي تهتدوا واقتدوا به ترشدوا. قال ابن عباس: ففعلوا فرشدوا.
أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 11 ص 294 - من دون أي غمز في سنده و متنه - من طريق عمر بن إبراهيم بن خالد الكذاب، غير أن السيوطي حكى عنه " في " اللئالي " 1 ص 152 إردافه بقوله: عمر كذاب. وهذا لا يوجد في المطبوع من تاريخ بغداد فكأن يد الطبع الأمينة حرفته خدمة للمبده، وعمر هو ابن إبراهيم القرشي الكردي الكذاب الوضاع. وقال الذهبي في ميزانه 2 ص 249: هذا الحديث ليس بصحيح.
قال الأميني: أسفي إن كان العباس قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا النص الصريح، وكان ابنه يجد خلافة الشيخين في الكتاب العزيز، ويخبر به الناس مشفعا بالحلف بالله، و أمر بالطاعة والاقتداء بهما فلماذا خالف ذلك كله؟ ولماذا تخلف عن بيعة أبي بكر؟ (1)
وما الذي حداه إلى أن يأتي أمير المؤمنين عليه السلام يوم توفي النبي صلى الله عليه وآله في ضحاة فيقول له: إذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا. ويقول علي عليه السلام: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا. فتوفي رسول الله حين اشتد الضحى من ذلك اليوم (2).
وفي لفظ آخر: فانطلق بنا إليه فنسأله من يستخلف؟ فإن استخلف منا فذاك وإلا فأوصى بنا فحفظنا من بعده. الحديث.
وما دعاه إلى أن يقول لعلي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله: أبسط يدك أبايعك فيقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل (3) فيقول علي كرم الله وجهه: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا؟ (4).
____________
(1) العقد الفريد 2 ص 250. الرياض النضرة 1 ص 167، السيرة الحلبية 3 ص 385.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 766، تاريخ الطبري 3 ص 194، سيرة ابن هشام 4 ص 333، الإمامة والسياسة 1 ص 5، سنن البيهقي 8 ص 149 نقلا عن صحيح البخاري، تاريخ ابن كثير 5 ص 251.
(3) من الاقالة لا من القول.
(4) الإمامة والسياسة 1 ص 5.
وفي لفظ ابن سعد في طبقاته: قال علي: يا عم! وهل هذا الأمر إلا إليك؟ وهل من أحد ينازعكم في هذا الأمر؟
وما باله يلاقي أبا بكر فيسأله هل أوصاك رسول الله بشئ؟ فيقول: لا. أو يلاقي عمر ويسأل مثل ذلك فيسمع: لا. ثم بعد أخذ الاعتراف من الرجلين على عدم الاستخلاف يقول لعلي: أبسط يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك (1).
أو يقول: يا علي! قم حتى أبايعك ومن حضر فإن هذا الأمر إذا كان لم يرد مثله والأمر في أيدينا، فقال علي: وأحد يطمع فيه غيرنا؟ قال العباس: أظن والله سيكون (2)
وما حداه إلى كلامه لعلي يوم استخلف عثمان؟: إني ما قدمتك قط إلا تأخرت، قلت لك: هذا الموت بين في وجه رسول الله فتعال نسأله عن هذا الأمر فقلت: أتخوف أن لا يكون فينا فلا نستخلف أبدا. ثم مات وأنت المنظور إليه فقلت: تعال أبايعك فلا يختلف عليك فأبيت. ثم مات عمر فقلت لك: قد أطلق الله يديك فليس لأحد عليك تبعة فلا تدخل في الشورى عسى ذلك أن يكون خيرا (3).
صورة أخرى
قال العباس: لم أدفعك في شئ إلا رجعت إلي متأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك واحذر هذا الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا فيه غيرنا. العقد الفريد 2 ص 257.
19 - عن أبي هريرة قال: بينما جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر أبو بكر فقال: هذا أبو بكر. قال: أتعرفه يا جبريل؟ قال: نعم إنه لفي السماء أشهر منه في الأرض، فإن الملائكة لتسميه حليم قريش، وإنه وزيرك في حياتك وخليفتك بعد موتك.
أخرجه ابن حبان من طريق إسماعيل بن محمد بن يوسف وقال: إسماعيل يسرق الحديث لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن طاهر: كذاب. ورواه أبو العباس اليشكري
____________
(1) الإمامة والسياسة 1 ص 6.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 667.
(3) أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 23.
في فوائده اليشكريات كما في " اللئالي " 1 ص 152 من طريق أحمد بن الحسن بن أبان المصري وهو ذلك الكذاب الدجال الوضاع.
20 - أخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: أتيت عمر رضي الله عنه وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال: ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب قال: خليفة النبي صلى الله عليه وسلم صديقه. ذكره السيوطي في " الخصايص الكبرى " 1 ص 30 عند إثبات ذكر أبي بكر في كتب الأمم السابقة.
هذه الرواية لم نقف لها على إسناد وحسبها من الوهن إرسالها فيما نجد، ولم نعرف الكتابي الذي كان في مؤخر القوم حتى ينظر في مبلغه من الدين والثقة، وبعد فرض ثبوتها فهي إنما تدل على ما يحاوله عمر بعد أن يخصم المجادل في ثبوت هذا الاستخلاف وهذا اللقب من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعدم مشاركة غيره له فيهما، والأول محل نظر عند من لا يرى أبا بكر أول الخلفاء، وتلقيب الناس له بهما لا ينهض لإثبات تطبيق ما في الكتب السالفة عليه فإنه يدور مدار الواقع لا تلقيب الناس. وأما الثاني: فقد ثبت م - في الصحيح المتواتر قوله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم خليفتين. وليس أبو بكر أحدهما، وصح قوله لعلي عليه السلام: أنت أخي ووصي وخليفتي من بعدي (1) فعلي عليه السلام خليفة أخيه النبي الأقدس من يومه الأول وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ]
كما مر أن مولانا أمير المؤمنين لقبه رسول الله صلى الله عليه وآله بالصديق. وهو صديق هذه الأمة. وهو أحد الصديقين الثلاثة. وهو الصديق الأكبر. راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب 312 - 314 وتجد هنالك بسند صحيح رجاله ثقات عند الحفاظ تكذيب أمير المؤمنين كل من يدعي هذا اللقب غيره، إذن فلا شاهد في الرواية على أن المراد بالصديق والخليفة من حاولوه.
21 - قال محمد بن الزبير أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له: اشفني فيما اختلف فيه الناس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدا فقال: أو في شك هو؟ لا أبا لك، أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه، ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها
____________
(1) راجع الجزء الثاني من كتابنا هذا 278 - 286.
في الخلافة فحسب
أهم موضوع لعبت به أيدي الهوى، وعبثت به العواطف المضلة، هو موضوع الخلافة في السنة والحديث، وضع القوم فيها أحاديث مكذوبة على الله تضاد مبادئ الاسلام عند جميع فرقه، ولا توافق أيا من المذاهب الإسلامية، بل لازمها اجتماع الأمة على الخطأ - وهي لا تجتمع على الخطأ - إذ لا تخلو ممن يرى النص في علي أمير المؤمنين، ومن يقول بالانتخاب وعدم النص على أي أحد، فالأمة مجتمعة على الخطأ في رفض تلكم النصوص والصفح عنها، وإليك نماذج مما وقفنا عليه من تلكم المخازي:
1 - عن أنس بن مالك قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل إلى بستان فأتى آت فدق الباب فقال: يا أنس؟ قم فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعدي. قال: قلت يا رسول الله أعلمه؟ قال: أعلمه. فإذا أبو بكر. قلت: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاء آت فدق الباب فقال. يا أنس؟ قم فافتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعد أبي بكر. قلت: يا رسول الله أعلمه! قال: أعلمه. فخرجت فإذا عمر قال قلت له: أبشر بالجنة وأبشر بالخلافة من بعد أبي بكر. ثم جاء آت فدق الباب فقال: قم يا أنس وافتح له وبشره بالجنة وبالخلافة من بعد عمر وأنه مقتول. قال: فخرجت فإذا عثمان قلت: أبشر بالجنة وبالخلافة من بعد عمر وإنك مقتول. قال: فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لمه؟ والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك.
قال: هو ذاك يا عثمان!.
من موضوعات الصقر بن عبد الرحمن أبي بهز الكذاب. حكى الخطيب البغدادي في تاريخه 9 ص 339 عن علي بن المديني أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: كذب هذا موضوع
وذكره الذهبي في ميزانه 2 ص 91 بلفظ: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا لرجل فقرع الباب فقال: يا أنس افتح وبشره بالجنة وإنه سيلي الأمر من بعدي ففتحت فإذا أبو بكر.
ثم قال: وفي سنده عبد الأعلى بن أبي المساور وهو متروك ضعيف ليس بشئ. وذكر صدره في ج 1 ص 162 عن بكر بن المختار بن فلفل وقال: قال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. وقال المقدسي في " تذكرة الموضوعات " ص 15: افتح له و بشره بالجنة. وفيه ذكر الخلافة وترتيبها رواه بكر بن المختار الصائغ وهو كذاب.
قال الأميني: وفي ترك هؤلاء الثلاثة الاحتجاج بهذه الرواية يوم فاقتهم إليها عند طلب الخلافة وقد بلغ الجدال أشده حتى كاد أن يكون جلادا دليل واضح على أنهم لم يدخلوا ذلك البستان الخيالي، ولا سمعوا تلك البشارة الموهومة، وإن الله سبحانه لم يبرء ذلك البستان ليوطد فيها أساس الفتن المدلهمة، ثم لماذا لم يروها لهم أنس يوم تزلفه إليهم وتركاضه معهم وتركها لأحد الرجلين بعده: الصقر وعبد الأعلى؟.
م - ألا تعجب من حافظين كبيرين كأبي نعيم في متقدمي القوم، والسيوطي في متأخريهم؟! يروي الأول هذه الرواية بإسناده الوعر في دلائل النبوة 2 ص 201 من طريق أبي بهز الكذاب ويركن إليها، ويرويها الثاني في الخصائص الكبرى 2: 122 ويتبهج بها ولم ينبس أحد منهما مما في إسنادها من الغمز ببنت شفة.
2 - عن عايشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ضمني وإياه الفراش قلت: يا رسول الله ألست أكرم أزواجك عليك؟ قال: بلى يا عايشة. قلت: فحدثني عن أبي بفضيلة قال: حدثني جبريل إن الله تعالى لما خلق الأرواح اختار روح أبي بكر الصديق من بين الأرواح وجعل ترابها من الجنة وماؤها من الحيوان، وجعل له قصرا في الجنة من درة بيضاء مقاصيرها فيها من الذهب والفضة البيضاء، وإن الله تعالى آلى على نفسه أن لا يسلبه حسنة ولا يسأله عن سيئة، وإني ضمنت على الله كما ضمن الله على نفسه أن لا يكون لي ضجيعا في حفرتي ولا أنيسا في وحدتي ولا خليفة على أمتي من بعدي،
قال الخطيب البغدادي في تاريخه 14 ص 36: لا يثبت هذا الحديث ورجال إسناده كلهم ثقات ولعله شبه لهذا الشيخ القطان - أو ادخل عليه - مع إني قد رأيته من حديث محمد بن بابشاذ البصري عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات.
وذكر الذهبي منه جملا في " ميزان الاعتدال " 3 ص 31 وحكم بأنه موضوع. وذكر جملا في ص 246 وقال: حديث باطل كأنه المسكين - يعني هارون القطان - ادخل عليه ولا يشعر، وله إسناد آخر باطل. وقال: هذا لا يحتمله سلمة والظاهر أنه دس على ابن بابشاذ هذه فروى حديثا موضوعا راج عليه ولم يهتد.
وذكر الفيروز آبادي شطرا من صدره في خاتمة " سفر السعادة "، والعجلوني في " كشف الخفاء "، وعداه من أشهر المشهورات من الموضوعات، ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل، وأبطله السيوطي في لي 1 ص 150.
3 - عن عايشة قالت: أول حجر حمله النبي صلى الله عليه وسلم لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر حجرا آخر، ثم حمل عمر، ثم حمل عثمان حجرا آخر. فقلت: يا رسول الله! ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: يا عايشة هؤلاء الخلفاء من بعدي.
أخرجه الحاكم في " المستدرك " 3 ص 97 وقال: صحيح وإنما اشتهر بإسناد واه من رواية محمد بن الفضل بن عطية فلذلك هجر. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك:
قلت: أحمد منكر الحديث وممن نقم على مسلم إخراجه في الصحيح. ويحيى وإن كان ثقة فقد ضعف. ثم لو صح هذا لكان نصا في خلافة الثلاثة ولا يصح بوجه، فإن عايشة لم تكن يومئذ دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي محجوبة صغيرة فقولها هذا يدل على بطلان الحديث. إلخ.
4 - عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال أذن في الناس: إن الخليفة بعدي أبو بكر. يا بلال ناد في الناس: إن الخليفة بعد أبي بكر عمر. يا بلال ناد في الناس: إن الخليفة من بعد عمر عثمان. يا بلال امض أبى الله إلا ذلك - ثلاث مرات -
أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة. والخطيب في تاريخه 7 ص 429 من دون أي غمز فيه. وابن عساكر في تاريخ الشام، ورواه الذهبي بإسناد الدارقطني وعمرو بن شاهين في ميزانه 1 ص 387 فقال: هذا موضوع. وقال في سعيد بن عبد الملك أحد رجال الاسناد: قال أبو حاتم يتكلمون فيه يروي أحاديث كذب.
لم لم تسمع أذن الدنيا قط نداء بلال حينما أذن في الناس بالخلافة؟ هل خالف بلال أمر النبي صلى الله عليه وآله ولم يناد؟ حاشاه. أو ضرب الله في آذان أمة محمد وقرا فلم يسمع أحد ذلك النداء؟ لاها الله. بل ما أمر صلى الله عليه وآله وسلم بشئ من هذا، ولا أذن بلال ولا أسمع، لكن الهوى خلق بعد لأي من عمر الدهر أذانا سمعه من لا يؤمن به.
5 - مرفوعا: أبو بكر يلي أمتي من بعدي.
ذكره الذهبي في ميزانه 3 ص 93 وقال: خبر كذب جاء به محمد بن عبد الرحمن وهو لا يعرف أو هو ابن قراد - الكذاب الوضاع المذكور ص 260.
6 - عن الزبير بن العوام قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الخليفة بعدي أبو بكر وعمر ثم يقع الاختلاف. فقمنا إلى علي فأخبرناه فقال: صدق الزبير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.
من موضوعات عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة. ذكره الذهبي في ميزانه 1 ص 147 فقال: هذا باطل والآفة من عبد الرحمن.
إن كان أمير المؤمنين عليه السلام سمع ما سمعه زبير من رسول الله صلى الله عليه وآله فما باله يدعيها لنفسه عند طلب البيعة ويخالف رسول الله صلى الله عليه وآله فيما نص عليه؟ وكيف يكون ما شجر بينه وبين القوم من الخلاف الذي ملأ الخافقين حديثه؟ وما بال الزبير الراوي عن رسول
7 - مرفوعا: إن جبرائيل قال: أبو بكر وزيرك في حياتك وخليفتك بعد موتك.
من موضوعات أبي هارون إسماعيل بن محمد الفلسطيني. قال الذهبي في " ميزان الاعتدال " 1 ص 114: ذكره ابن الجوزي بإسناد مظلم وقال: أبو هارون كذاب.
سبحانك اللهم ما أجرأهم على المهيمن الجبار وعلى أمين وحيه وعلى قدس صاحب الرسالة فعزوا إليه حكما نزل به الروح الأمين لأن يصدع به في الملأ من أمته ليسلكوا طريقه المهيع باتباع الخليفة من بعده لكنه صلى الله عليه وآله جعجع بتبليغه إلى أن يأتي الرجل من فلسطين فأنهاه إليه صلى الله عليه وآله ليبلغ من حوله من المهاجرين والأنصار. نعم: هكذا يكون الأكل من القفا. لا. هكذا يكون أمر دبر بليل، أو يتزلف الفلسطيني إلى صاحب السلطة الوقتية بالافتعال له.
8 - عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: قال لما عرج بي قلت: أللهم اجعل الخليفة من بعدي عليا قال: فارتجت السماوات وهتف بي الملائكة يا محمد إقرأ: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله، وقد شاء الله أبا بكر.
من موضوعات يوسف بن جعفر الخوارزمي. ذكره الذهبي في ميزانه 3 ص 329 وقال: ذكره ابن الجوزي، إن هذا من وضع يوسف. وأخرجه الجوزقاني وفي آخره: قد شاء الله أن يكون الخليفة من بعدك أبو بكر الصديق. ثم قال: موضوع وضعه يوسف بن جعفر - لي 1 ص 156 - وفي لفظ: إن الله يفعل ما يشاء الخليفة بعدك أبو بكر.
9 - عن علي [ أمير المؤمنين ] مرفوعا: يا علي سألت الله ثلاثا أن يقدمك فأبي علي إلا أن يقدم أبا بكر.
أخرجه الخطيب في تاريخه 11 ص 213 بسند تافه ساكتا عن الغمز فيه جريا على عادته. وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " 2 ص 222 من طريق الخطيب عن أبي حجيفة وقال: خبر باطل لعل آفته علي بن الحسين الكلبي. وزيفه ابن حجر في " الفتاوى الحديثية " ص 126. وعده السيوطي في " الجامع الكبير " كما في ترتيبه 6 ص 139 من فضائل أبي بكر نقلا عن الديلمي، وذكره محب الدين الطبري في الرياض 1: 150 باللفظ المذكور و
قال الأميني: إني مسائل مفتعل هذا الرواية وأعضاده من حفاظ الحديث - الأمناء على ودايع العلم والدين - بعد الفراغ عن أن أمر الخلافة لا يستقر في أحد إلا بتعين المولى سبحانه ومشيئته. والله يفعل ما يشاء. وما تشاؤن إلا أن يشاء الله. وقد شاء أبا بكر، أين يكون محل دعاء النبي صلى الله عليه وآله في أن يجعلها في علي عليه السلام من قبل أن يعلم مستقره عند الله تعالى؟ فكان من واجبه أن يسئله عن محله عنده لا أن يطلب منه طلبة ترتج لها السماوات والملائكة وما ذلك إلا لكونه منكرا من الطلب. نجل نبينا عن الاسفاف إلى هذه الضعة.
وكيف خفي عليه صلى الله عليه وآله من يستأهل الخلافة من أمته ويختار لها من يأبى الله والسماوات ومن فيها والمؤمنون (1) له ذلك؟ نعوذ بالله من السفاسف.
ثم ما بال النبي الأعظم يتأخر علمه بذلك عن علم الملائكة والسماوات والحاجة له ولأمته، وخطاب التبليغ متوجه إليه، والتكليف بالخضوع متوجه إلى أمته؟ و لم يكن جميع الملائكة والسماوات حملة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى يتقدم علمهم على علمه (2)
وما الذي دعاه صلى الله عليه وآله إلى ذلك التأكيد وتكرار المسألة مرة بعد أخرى وقد أبى الله أن يجيبها وشاء خلاف تلك الدعوة؟.
إلى أسؤله هامة تأتي وهي مشكلات لا أحسب أن يجد كل من يعتمد على هذه الرواية إلى حلها سبيلا. اف تف لمؤلف يذكر مثل هذه الأفيكة ويراها لطيفة (3) ولآخر يراها غريبا ويقول: يعتضد بالأحاديث الصحيحة (4) أللهم إليك المشتكى.
10 - أخرج الخطيب في تاريخه 14 ص 24 بإسناده عن إبراهيم بن هاني عن هارون المستملي المتوفى 247 عن يعلى (5) بن الأشدق عن عبد الله بن جراد قال: أتي
____________
(1) كما يأتي في حديث آخر.
(2) هذا على سبيل المماشاة والجدل وإن لنا في علمه صلى الله عليه وآله بالوحي خطة أخرى مع الاعتراف بنزول جبريل في كل واقعة للأذن في التبليغ ولتثبيت قلوب الأمة.
(3) راجع نزهة المجالس 2 ص 186.
(4) راجع الرياض النضرة 1 ص 150.
(5) في تاريخ الخطيب: علي. والصحيح ما ذكرناه.
فركبه أبو بكر الصديق.
قال الأميني: كأن الخطيب أدهشه فرس الخلافة - ذاهلا عن أنه لم يخلق بعد - فسكت عما في سند الرواية من الغمز الفاحش الذي لا يخفى على مثل الخطيب فارس الجرح والتعديل، وإليك مجمل القول في رجاله:
1 - إبراهيم بن هاني، قال ابن عدي: مجهول يأتي بالبواطيل.
2 - هارون المستملي، قال له أبو نعيم: يا هارون أطلب لنفسك صناعة غير الحديث فكأنك بالحديث قد صار على مزبلة.
3 - يعلى بن الأشدق: أحد الكذابين كما مر في سلسلتهم.
4 - عبد الله بن جراد عم يعلى، قال الذهبي في ميزانه: مجهول لا يصح خبره لأنه من رواية يعلى بن أشدق الكذاب عنه، وقال أبو حاتم: لا يعرف ولا يصح خبره. وقال ابن حجر في " الإصابة " 2 ص 288: يعلى بن أشدق أحد الضعفاء، وعبد الله بن جراد واه ذاهب الحديث ولم يثبت حديثه.
وذكر السيوطي الرواية في الموضوعات - لي 1 ص 156 - وأردفه بقوله: موضوع، ابن جراد ليس بشئ. ثم نقل كلمات الحفاظ في تضعيف ابن جراد وتزييفه.
11 - عن جابر مرفوعا: أبو بكر وزيري والقائم في أمتي من بعدي. وعمر حبيبي ينطق على لساني. وعثمان مني. وعلي أخي وصاحب لوائي. وفي كنز العمال 6 ص 160 عن أنس: أبو بكر وزيري يقوم مقامي. وعمر ينطق بلساني. وأنا من عثمان وعثمان مني.
من موضوعات كادح بن رحمة الكذاب، أخرجه ابن السمان في " الموافقة " كما في " الرياض النضرة " ج 1 ص 28. وذكره الذهبي في ميزانه من طريق كادح وقال: قال ابن عدي عامة أحاديثه غير محفوظة ولا يتابع في أسانيده ولا في متونه. وقال الحاكم وأبو نعيم روى عن مسعر والثوري أحاديث موضوعة. [ لسان الميزان 4: 481 ].
12 - أخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إئتني بدواة وكنت أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا. ثم قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. كنز 6 ص 139.
أخرجه مسلم وأحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد. ثم قال: دعيه معاذ الله أنه يختلف المؤمنون في أبي بكر.
وفي لفظ عن عبد الله بن أحمد: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر. " الصواعق " لابن حجر ص 13. شرح " مشارق الأنوار " 2 ص 258.
14 - عن عائشة مرفوعا: لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه [ أراد به عبد الرحمن ] وأعهد [ أي أوصي أبا بكر بالخلافة بعدي ] أن يقول القائلون [ أي كراهة أن يقول قائل: أنا أحق منه بالخلافة ] أو يتمنى المتمنون [ أي أو يتمنى أحد أن يكون الخليفة غيره ] ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون [ يعني تركت الايصاء اعتمادا على أن الله تعالى يأبى عن كون غيره خليفة وأن يدفع المؤمنون غيره ] أو: يدفع الله ويأبى المؤمنون.
أخرجه الصغاني في " مشارق الأنوار " عن البخاري. وفي هامشه: لم نجده في صحيح البخاري فليراجع. وشرحه ابن الملك بما جعلناه بين القوسين في شرحه 2 ص 90.
وذكره ابن حزم في الفصل 4 ص 108 فقال: فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الأمة بعده.
هذه صورة ممسوخة من حديث الكتف والدواة المروي بأسانيد جمة في الصحاح والمسانيد وفي مقدمها الصحيحان حولوه إلى هذه الصورة لما رأوا الصورة الصحيحة من الحديث لا تتم بصالحهم، لكنها الرزية كل الرزية كما قاله ابن عباس في الصحيح، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع في وقته عن كتابه ما رامه من الايصاء بما لا تضل الأمة بعده وكثر هناك اللغط، ورمي صلى الله عليه وآله بما لا يرصف به، أو قال قائلهم: إن الرجل ليهجر. أو:
إن الرجل غلبه الوجع. وبعد وفاته صلى الله عليه وآله قلبوا ذلك التاريخ الصحيح إلى هذا المفتعل وراء أمر دبر بليل.
قال ابن أبي الحديد في شرح " نهج البلاغة " 3 ص 17: وضعوه في مقابلة الحديث
قال الأميني: لا تخلو هذه الاستعاذة (1) إما أن تكون في حيز الأخبار عن عدم الاختلاف أو في مقام النهي عنه. وعلى الأول يلزم منه الكذب لوقوع الاختلاف - و أي اختلاف - بالضرورة من أمير المؤمنين وبني هاشم ومن التف بهم من صدور الصحابة ومن سيد الخزرج سعد بن عبادة وبقية الأنصار، وإن أخضعت الظروف والأحوال أولئك المتخلفين عن البيعة للخلافة المنتخبة بعد برهة، فقد كان في القلوب ما فيها إلى آخر أعمارهم، وفي قلوب شيعتهم وأتباعهم إلى يوم لقاء الله، وكان لأمير المؤمنين عليه السلام وآله و شيعته في كل فجوة من الوقت وفرصة من الزمن نبرات وتنهدات ينبأ فيها عن الحق المغتصب والخليفة المهتضم.
وعلى الثاني يلزم تفسيق أمة كبيرة من أعيان الصحابة لمخالفتهم نهي النبي صلى الله عليه وآله بما شجر بينهم وبين القوم من الخلاف المستعاذ منه بالله في أمر الخلافة، وهذا لا يلتأم مع حكمهم بعدالة الصحابة أجمعين إلا أن يخصوها بغير أمير المؤمنين ومن انضوى إليه، و كل هذه يأدي إلى بطلان الرواية.
وهلم معي إلى أم المؤمنين الراوية لها نساؤلها عن أنها لم لم تنبس يوم التنازع عما روته ببنت شفة، فتجابه من ينازع أباها بنص الرسول الأمين وأخرت البيان عن وقت الحاجة؟ ولعلها تجيب بأنها لم تسمع قط من بعلها الكريم شيئا مما الصق بها، لكن رواة السوء بعد وفاتها لم ترع لها كرامة فصعدت وصوبت، وشاهد هذا الجواب ما سيوافيك عنها بطريق صحيح ما ينافي الاستخلاف.
15 - عن عايشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أئمة الخلافة من بعدي أبو بكر وعمر. الحديث.
ذكره الذهبي في ميزانه 2 ص 227 وقال: خبر باطل، المتهم بوضعه علي - بن صلح الأنماطي - فإن الرواة ثقاة سواه.
قال الأميني: من المأسوف عليه أن الدهشة بالقلاقل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنست
____________
(1) في قوله صلى الله عليه وآله: معاذ الله أن يختلف المؤمنون.
16 - عن عبد الله بن عمر مرفوعا: يكون بعدي اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث بعدي إلا قليلا. وصاحب رحا دارة العرب يعيش حميدا ويقتل شهيدا عمر. و أنت يا عثمان سيسألك الناس أن تخلع قميصا كساك الله عز وجل إياه، والذي نفسي بيده لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
أخرجه البيهقي كما في تاريخ ابن كثير 6 ص 206 بإسناده وفيه عبد الله بن صالح الكذاب، وربيعة بن سيف قال البخاري: عنده مناكير. وذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " 2 ص 48 من طريق يحيى بن معين وقال: أنا أتعجب من يحيى مع جلالته ونقده كيف يروي مثل هذا الباطل ويسكت عنه؟ وربيعة صاحب مناكير وعجائب.
17 - عن ابن عباس في قوله تعالى: وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا.
قال: أسر إلى حفصة: أن أبا بكر ولي الأمر من بعده، وإن عمر واليه من بعد أبي بكر، فأخبرت بذلك عائشة. رواه البلاذري في تاريخه.
وفي " نزهة المجالس " 2 ص 192: قال ابن عباس رضي الله عنهما، والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي كتاب الله وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة أولياء الناس بعدي فإياك أن تخبري به أحدا.
وأخرج الذهبي عن عايشة: وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا. قالت: أسر إليها: أن أبا بكر خليفتي من بعدي. عده الذهبي في " ميزان الاعتدال " 1 ص 294 من أباطيل خالد بن إسماعيل المخزومي الكذاب.
18 - عن ابن عباس قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح جاء العباس إلى علي فقال: قم بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارا إلى رسول الله فسألاه عن ذلك فقال: يا عباس! يا عم رسول الله! إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه فاسمعوا له تفلحوا وأطيعوا ترشدوا، قال العباس: فأطاعوه والله فرشدوا.
أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 11 ص 294 - من دون أي غمز في سنده و متنه - من طريق عمر بن إبراهيم بن خالد الكذاب، غير أن السيوطي حكى عنه " في " اللئالي " 1 ص 152 إردافه بقوله: عمر كذاب. وهذا لا يوجد في المطبوع من تاريخ بغداد فكأن يد الطبع الأمينة حرفته خدمة للمبده، وعمر هو ابن إبراهيم القرشي الكردي الكذاب الوضاع. وقال الذهبي في ميزانه 2 ص 249: هذا الحديث ليس بصحيح.
قال الأميني: أسفي إن كان العباس قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا النص الصريح، وكان ابنه يجد خلافة الشيخين في الكتاب العزيز، ويخبر به الناس مشفعا بالحلف بالله، و أمر بالطاعة والاقتداء بهما فلماذا خالف ذلك كله؟ ولماذا تخلف عن بيعة أبي بكر؟ (1)
وما الذي حداه إلى أن يأتي أمير المؤمنين عليه السلام يوم توفي النبي صلى الله عليه وآله في ضحاة فيقول له: إذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا. ويقول علي عليه السلام: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا. فتوفي رسول الله حين اشتد الضحى من ذلك اليوم (2).
وفي لفظ آخر: فانطلق بنا إليه فنسأله من يستخلف؟ فإن استخلف منا فذاك وإلا فأوصى بنا فحفظنا من بعده. الحديث.
وما دعاه إلى أن يقول لعلي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله: أبسط يدك أبايعك فيقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل (3) فيقول علي كرم الله وجهه: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا؟ (4).
____________
(1) العقد الفريد 2 ص 250. الرياض النضرة 1 ص 167، السيرة الحلبية 3 ص 385.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 766، تاريخ الطبري 3 ص 194، سيرة ابن هشام 4 ص 333، الإمامة والسياسة 1 ص 5، سنن البيهقي 8 ص 149 نقلا عن صحيح البخاري، تاريخ ابن كثير 5 ص 251.
(3) من الاقالة لا من القول.
(4) الإمامة والسياسة 1 ص 5.
وما باله يلاقي أبا بكر فيسأله هل أوصاك رسول الله بشئ؟ فيقول: لا. أو يلاقي عمر ويسأل مثل ذلك فيسمع: لا. ثم بعد أخذ الاعتراف من الرجلين على عدم الاستخلاف يقول لعلي: أبسط يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك (1).
أو يقول: يا علي! قم حتى أبايعك ومن حضر فإن هذا الأمر إذا كان لم يرد مثله والأمر في أيدينا، فقال علي: وأحد يطمع فيه غيرنا؟ قال العباس: أظن والله سيكون (2)
وما حداه إلى كلامه لعلي يوم استخلف عثمان؟: إني ما قدمتك قط إلا تأخرت، قلت لك: هذا الموت بين في وجه رسول الله فتعال نسأله عن هذا الأمر فقلت: أتخوف أن لا يكون فينا فلا نستخلف أبدا. ثم مات وأنت المنظور إليه فقلت: تعال أبايعك فلا يختلف عليك فأبيت. ثم مات عمر فقلت لك: قد أطلق الله يديك فليس لأحد عليك تبعة فلا تدخل في الشورى عسى ذلك أن يكون خيرا (3).
صورة أخرى
قال العباس: لم أدفعك في شئ إلا رجعت إلي متأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عني واحدة كلما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك واحذر هذا الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا فيه غيرنا. العقد الفريد 2 ص 257.
19 - عن أبي هريرة قال: بينما جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر أبو بكر فقال: هذا أبو بكر. قال: أتعرفه يا جبريل؟ قال: نعم إنه لفي السماء أشهر منه في الأرض، فإن الملائكة لتسميه حليم قريش، وإنه وزيرك في حياتك وخليفتك بعد موتك.
أخرجه ابن حبان من طريق إسماعيل بن محمد بن يوسف وقال: إسماعيل يسرق الحديث لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن طاهر: كذاب. ورواه أبو العباس اليشكري
____________
(1) الإمامة والسياسة 1 ص 6.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 667.
(3) أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 23.
20 - أخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: أتيت عمر رضي الله عنه وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال: ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب قال: خليفة النبي صلى الله عليه وسلم صديقه. ذكره السيوطي في " الخصايص الكبرى " 1 ص 30 عند إثبات ذكر أبي بكر في كتب الأمم السابقة.
هذه الرواية لم نقف لها على إسناد وحسبها من الوهن إرسالها فيما نجد، ولم نعرف الكتابي الذي كان في مؤخر القوم حتى ينظر في مبلغه من الدين والثقة، وبعد فرض ثبوتها فهي إنما تدل على ما يحاوله عمر بعد أن يخصم المجادل في ثبوت هذا الاستخلاف وهذا اللقب من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وعدم مشاركة غيره له فيهما، والأول محل نظر عند من لا يرى أبا بكر أول الخلفاء، وتلقيب الناس له بهما لا ينهض لإثبات تطبيق ما في الكتب السالفة عليه فإنه يدور مدار الواقع لا تلقيب الناس. وأما الثاني: فقد ثبت م - في الصحيح المتواتر قوله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم خليفتين. وليس أبو بكر أحدهما، وصح قوله لعلي عليه السلام: أنت أخي ووصي وخليفتي من بعدي (1) فعلي عليه السلام خليفة أخيه النبي الأقدس من يومه الأول وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ]
كما مر أن مولانا أمير المؤمنين لقبه رسول الله صلى الله عليه وآله بالصديق. وهو صديق هذه الأمة. وهو أحد الصديقين الثلاثة. وهو الصديق الأكبر. راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب 312 - 314 وتجد هنالك بسند صحيح رجاله ثقات عند الحفاظ تكذيب أمير المؤمنين كل من يدعي هذا اللقب غيره، إذن فلا شاهد في الرواية على أن المراد بالصديق والخليفة من حاولوه.
21 - قال محمد بن الزبير أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له: اشفني فيما اختلف فيه الناس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدا فقال: أو في شك هو؟ لا أبا لك، أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه، ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها
____________
(1) راجع الجزء الثاني من كتابنا هذا 278 - 286.
يتبع |
تعليق