خرجتُ حاجّاً في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية ، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم ، فنظرت إلى فتى حسن الوجه ، شديد السمرة ضعيف ، فوق ثيابه ثوب من صوف ، مشتمل بشملة ، في رجليه نعلان ، وقد جلس منفرداً ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاًّ على الناس في طريقهم ، والله لأمضين إليه ولأوبخنّه . فدنوت منه فلما رآني مقبلاً قال : يا شقيق !.. { ا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }(1) ثم تركني ومضى ، فقلت في نفسي : إنّ هذا الأمر عظيم ، قد تكلّم بما في نفسي ونطق باسمي ، وما هذا إلا عبدٌ صالحٌ لألحقنه ولأسألنه أن يحلّلني ، فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب من عيني .فلما نزلنا واقصة ، وإذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري ، فقلت : هذا صاحبي !.. أمضي إليه وأستحلّه ، فصبرت حتى جلس ، وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلاً قال : يا شقيق !.. اتل {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}(2) ثم تركني ومضى ، فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال ، لقد تكلّم على سرّي مرتين .. فلما نزلنا زبالة إذا بالفتى قائمٌ على البئر ، وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء ً، فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه ، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء*** وقوتي إذا أردت الطعاما اللهم سيدي !.. ما لي غيرها فلا تعدمنيها .. قال شقيق : فو الله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها فمدّ يده وأخذ الركوة وملؤها ماء ، فتوضأ وصلّى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلّمت عليه ، فردّ عليّ عليه السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك ، فقال : يا شقيق !.. لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسنْ ظنّك بربك ، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر ، فوالله ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب ريحاً فشبعت ورويت ، وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً .. ثم لم أره حتى دخلنا مكة ، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائماً يصلّي بخشوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاّه يسبّح ثم قام فصلّى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعاً وخرج فتبعته وإذا له غاشية (أي زوّار) وموال ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه .. فقلت لبعض من رأيته يقرب منه : من هذا الفتى ؟.. فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فقلت : قد عجبت أن يكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد .المصدر:كشف الغمة 3/4 ص 82.
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
قصة شقيق و الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
تقليص
