بقِيَ جمال متحيراً وبقيتُ أنا أنظر إليه منتظراً جوابه، فحينها أحسستُ الحيرة على وجهه، فهو لا يستطيع الإجابة بأنها قد انشطرت من تلقاء نفسها و تكونت بهذا الشكل، لأنه قد نفى إمكانية حصول ذلك قبل قليل . لم يطل صمته كثيراً وإذا به يجيب : 🔹لابدّ أن هناك فريقاً من المهندسين نجهلهم تعاونوا على صنع هذا الكون وإدارته. 🔸بالطبع، و هؤلاء المهندسين ليسوا مثلنا لأنَّ كَوْناً بهذه العظمة يحتاج إلى مهندسين فوق عظمته بالتصميم والتنفيذ كي لا يكونوا كالعامِل عبد الله بالنسبة إلى العمارة ذات الطوابق السبعة . 🔹نعم . 🔸هل تذكر يوم عقدنا اجتماعاً في مبنى الإدارة المحلية وذلك لتشكيل لجنة تصميم وتنفيذ مشروع المجمّع السكني ( الأنصار ) ، وكنتَ أنت أول مَن خالَف فكرة اللجنة المشتركة، وكنت تقول إن المشروع يجب أن يكون تحت إمرة وإدارة شخص واحد وإلَّا فمِنَ اليوم الأول سنُبتلَى بمشكلاتِ الاختلاف في الآراء ؟ 🔹صحيح، كان ذلك في العام الماضي، ولو عمِلوا بالرأي الذي قُلتُه لهم لما تأخر المشروع ثلاثة أشهر حتى تمّ تعيين مدير له . 🔸إذاً كيف تقول الآن أنّ فريقاً من المهندسين صنعوا هذا الكون وتعاونوا على تدبيره وإدارته، وأنت ترى أن الكون منذ آلاف بل ملايين السنين باقٍ على نظامه ودقته في الحركة والتناسق، إذن من المؤكّد أنّ صانعه ومدبّره هو مهندس واحد قدرتُه في التفكير والتنفيذ فوق قدرتنا وقدرة الكون، وهذا المهندس نحن نسميه《الله》. كأنّه أراد أن يقول شيئاً لكنّه لم ينطق به حينها أراد أن يشعرني بأنه مشغول بقيادة سيارته فقال : 🔹إنّ الأطفال يحتاجون إلى إنتباهٍ خاص إليهم، خصوصاً عند اجتماع عدد منهم، فإنهم يتجرءون على العبور أمام السيارات و إن كانت تسير بسرعة كبيرة . كنتُ أنظر إليه بدقة، فجأةً يلتفتُ إليّ وكأنه تذكر شيئًا وقال : 🔹إنك لحدّ الآن لم تثبت لي الموضوع الذي بدأ حديثنا من أجله .......................................... بدأنا شيئاً فشيئاً نقترب من الشارع الرئيسي الذي يؤدي أحد فروعه إلى بيتنا، ولذلك أحسست أن عليّ أن أُثبِتَ الموضوع بأقصر وقت وإلّا سيكون حديثنا ناقصاً لم يحقق الهدف الكامل الذي قصدته، فأجبته بقولي : 🔸صحيح ما تقول، لكن لديّ سؤال أجبني عنه . 🔹لم أمنتع عن إجابة أي سؤال لك حتى الآن . 🔸ما هو هدف خلق الإنسان على هذه الأرض ؟ تمَلْمَلَ قليلاً، ثم قال : 🔹ممكن أن يكون لتعمير الأرض وبنائها وإيصالها إلى مرحلة من العمران قد تكون فوق ما وصلت إليه الآن . 🔸لكن العلم الحديث أثبت أن الأرض تسير نحو الفناء، إذ سيأتي يومٌ تعادِل فيه درجة الحرارة ولا تكون هناك طاقة للتحرك، وتنعدم الحياة، ولا تبقى حينئذٍ جدوى من إعمارها كما تقول، كما أنّ الإنسان في كلّ جيل لا يشهد عمران الأرض الذي سيشهده الجيل التالي، فلا يتحقق الهدف إذن لا للجيل الأخير ولا للأجيال الحالية فضلاً عن الماضية. 🔹إذن بنظرك ما هي غاية خلق الانسان؟ 🔸الغاية يجب أن تكون أبدية ولكي تكون كذلك يجب أن يكون الإنسان أبدياً، أي لا يفنى عند موته، بل ينتقل إلى عالم آخر وآخر، فهل رأيت مهندساً يصمم مبنى لينهدم بعد عشرة أو عشرين عاماً؟! أم هل رأيت شخصاً يصنع لوحةً نفيسةً وجميلةً ثم يكسرها ويحطمها؟! 🔹حتى وإن سلّمنا أن الإنسان ينتقل بعد موته إلى عالمٍ آخر، فكيف نثبت أنني أسير نحو الهلاك والخسران، كما تقول، وما علاقة هذا بذاك؟ .................................................. ............. بدأ جمال يخفّف من سرعة سيارته شيئاً فشيئاً لقرب وصولنا إلى محلنا السكني، حينها أحسستُ بوجوب تدارك الوقت واستثمار الفرصة بأسرع ما يكون فأجبته قائلاً: 🔹لا يمكن للعقل أن يقبلَ تساوي مصير الطلّاب وقبولهم في الجامعات مع اختلاف درجاتهم، ولا يمكن قبول تساوي الظالِم والمظلوم أو السارِق والمسروق، بل العقل يحكم بوجوب أن يأخذَ الظالِم والسارِق جزاءَهُ بالسجن أو الغرامة وما شابه ذلك.. فإذا سلَّمنا بهذا كلّه، فهل يمكن للخالق أن يساوي بين خلقه بعد موتهم دون أن يعذب السارِق والظالم وأمثالهم؟! وأنت ترى أنّ كثيراً ممّن أكل حق الناس ومضى في ظلمِهم لم يأخذ جزاءه في هذه الدنيا! فتحتُ باب السيارة بعد توقفها وشكرته على إيصاله إيّـاي، ولا أعلم إن كان قد فَهِم كلامي الأخير ومقصده أم لا.. طرقتُ باب البيت، وإذا بصوت أقدام مرتضى يطرق سمعي وهو يركض بسرعةٍ حتى وصل الباب وفتحه، نظرتُ إليه لأرى وجهه مرتبكاً ولونُه مصفراً ودموعه جارية: ● بابا! بابا! ماما خرجَت وقالت: الآن أذهبُ وأعود، لكنها لم تعد لحدّ الآن!! ■ متى ذهبت؟ و إلى أين؟ ● بعد الصلاة قالت لي: سأذهبُ لأشتريَ شيئاً من الدكّان الذي في رأس الشارع، فلا تخرج من البيت وسأعود فوراً. لكنّها لم تعد. ■ أمسكتُ بيد مرتضى الذي لم يتجاوز سنينَه الأربع، و ذهبنا معاً إلى الدكّان الذي عادةً ما نشتري منه إحتياجاتنا، وما أن وصلتُ إليه وسلّمت على صاحبه حتى رأيتُ الإرتباك على وجهه، وبدأ يتَمَلْمَل في كلامه، فعلمتُ من ذلك أنّ أمراً ما قد حدث.. فسألته مستغرباً : 🔹هل أتتكم أم مرتضى قبل ساعتين ؟ 🔸نعم .. نعم .. و .. 🔹وماذا ؟!! كان مضطرِباً في كلامه، فقال : 🔸بعد أن اشترَت ما تريد أرادَت عبور الشارع إلى الجهة الأخرى، فلم تكد تخطو خطوةً حتى أتت سيارة بسرعة عالية و.. 🔹وأين هي الآن ؟! 🔸نقلوها الى المستشفى المركزي . إنتابني أسفٌ وحزنٌ عميق , وإسترجعتُ في نفسي وقلت :لاحول ولاقوة إلا بالله , والحمد لله رضاً بقضائِه وصبراً على بلائه. إتصلتُ بسائق سيارةِ أجرة أعرفه، وطلبت منه القدوم لِيَقِلني إلى المستشفى، ثم تقدمت خطواتٍ نحو مكان الحادث فرأيت آثار دماءٍ متفرقة لا تزال باقيةً هنا وهناك! وسيارةً وسط الشارع بصورةٍ غير اعتيادية قد لُطِّخت مقدمتها بدمٍ مبعثر، حينها أحسستُ أن الحادث كان شديداً قد لا يُبقِي على حياتها.. بابا أين ماما؟! لنذهب لرؤيتها . 🏻 حسناً يا ولدي سنذهب إليها عن قريب . بابا.. بابا! هذا عمّو جمال . لم ينتظر مرتضى جوابي له، وذهب مسرعاً نحو جمال بعد أن رآه قد نزل من سيارته، وقبل أن يصل إليه عاد ليمسك بيدي ويجرّها نحوه وهو يقول : بابا هذه سيارة عمو جمال لنذهب معه . تقدم جمال نحونا وهو يحاول إظهار تأسف وحزن مصطنع على ما حدث بعد إطلاعه على الموضوع من الأطراف فقال : 🔹يؤسفني ماحدث لزوجتك، أرجو أن تكون بحالٍ أحسن الآن ولا يكون الضرر كبيراً، لنذهب بسرعة إلى المستشفى فسيارتي بخدمتك . 🔸 أشكرُك فإني قد اتصلت بسيارةٍ لتأتي بعد قليل . 🔹 اتركها!! سيأتي ويعود وهل في ذلك شيء ؟ 🔸 نعم، فحين استأجرته يجب إعطاؤه حقّه وإرضاؤه ولا يجوز الفِرار من أجرته. لم تتأخر سيارة التاكسي كثيراً فقد جاء مسرعاً وكأنه يعلم بالحادث، فركبت معه وتحرك بينما أعيُن جمال كانت تلاحقُني بنظراتٍ ثاقبةٍ وأعين ساخطة... #يتبع
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
تحت اجنحة البرزخ3
تقليص
X
