إقترب المأمور من جمال، وقال مخاطباً إيّاه بلهجة غاضبة : إنّ لسعيد هذا مظلومية عندك، فماذا لديك كي يستوفيها منك ؟ صاعقةٌ كبرى نزلت على جمال حينما رآني لأول مرّة في ساحة المحشر، وصُدِم صدمةً عظيمةً جعلته ساكناً جامداً، لا ترى في أعضائه حركة، ولا دبيب إلا دبيب العرق الجاري، والدماء السائلة على بدنه المحترق. العجيب أني شاهدتُ عليه نفس ملَكاته التي كانت حاكمة عليه في عالم الدنيا، من الغضب والكذب ونكران الحق.. فاشتعل وجهه غضباً، وازداد سواداً وتفحّماً، وصرخ بوجه الملك قائلاً: إنني لم أعرف سعيد، وليس لديه أي مظلومية عندي. غضبتُ لكلامه، وصرختُ بوجهه: إنّك قتلتني، وعدمتني الحياة في الدنيا، حرمتني من فرصةٍ لا تقدّر بأثمان، ولولا فعلتك هذه لشغلتُ ما بقي من عمري في طاعة الله، ولرفعت درجتي بأعمالي، ولادّخرت ليومي هذا ما وَسِعني. قال الملك المأمور: إنّ حالَك وصورتك يا جمال تدلّ وتشهد على ذنبك بحقّه. صرخ جمال مرّة أخرى وقال: إنه يكذب إنه يكذب... وبين ذلك الصراخ والعويل، وإذا بصوت يخرج من نفس بدن جمال.. صمتَ الجميع وإذا بيديه تنطقان وتقولان كما قال تعالى: (( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )): ونحن نشهد عليه، إنه قتل سعيداً ظلماً، اذ استعملَنا لإلقائه من أعلى الطابق الخامس إلى الأرض، فبِنا عدمه الحياة في الدنيا وكنا شاهدَيْن على ذلك. دُهِش الجميع من شهادة اليدين..لا سيما جمال الذي بقي مبهوراً مدهوشاً، لا يعلم ما يقول.. وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة نطق جلده ليشهد هو الآخر بقوله: وأنا أشهد عليه، إنه قتل سعيداً ظُلماً بغير حق. دُهِشتُ من ذلك وسادَ الصمت على الجميع مرّة أخرى، أمّا جمال فعاد يصرخ ولكن هذه المرّة على يدَيْه وجلده: لمَ شهدتما بهذه الشهادة، ألا تخافان أن يصيبكما العذاب والنار ؟ نطق جلده مرّة أخرى وقال: لقد كنتَ غافلاً يا جمال عن اليوم الذي يتحقق فيه قول الله تعالى : (( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) لقد عدتَ يا جمال إلى الله الذي خلقك أول مرّة، ولكن إلى إسمه المنتقم الجبّار، بينما عاد غيرك إلى الله بإسمه الرحيم الغفّار.. وإنّما العذاب يصيبُك أنت لا غيرك، وما أنا سوى ناقلٍ له إليك، وسوف يتحقق وعيد الله لك، ويكون حالَك معي كما قال تعالى : (( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً )). ما أن أكمل الجلد كلامه حتى سمعنا نداءً من الأرض، ويبدو أنها كانت منتظرة فرصتها في الشهادة، إذ قالت : أنا الأرض أشهد أن جمال ألقى بسعيد من مكان مرتفع، وفارق حياته الدنيا على سطحي الممتلئ بقطع من الحديد المبعثر. لم يبقَ لجمال كلمة واحدة يتفوه بها ليدافع عن نفسه أو يُكذِّب بها شهوده، لذا استسلم ونكّس رأسه منتظراً ما سيُفعل به... قال الملك المأمور لمرافقيه من الملائكة: لا أجد في كتابه حسنات يمكن إعطاؤها لغريمه، لذا علينا نقل سيئات من سعيد إليه بمقدار جُرم القتل الذي ارتكبه بحقّه! (1) ما أن أنهى الملك كلامه حتى أحسستُ ُبخفّة الثقل على ظهري، وزيادة في نوري، وانخفاض الحرارة التي كانت تحرق أحشائي، وفي الوقت نفسه رأيت جمال قد ازداد صراخه، وشدّة آلامه، وسواد وجهه الذي خالطه دمه الجاري عليه، فازددتُ وحشة منه، ونفرة من رائحته النتنة. توجّه الملك نحوي، وقال: ألديك حقٌ آخر تأخذه منه ؟ إلتفت لعملي الصالح أسأله، وقبل أن ينطق بكلمةٍ واحدة سمعنا نداءً من الأرض يقول: نعم، أنا أشهد أنه كان المدبِّر لقتل زوجة سعيد بحادث سيارة متعمَّد ! قلتُ: سبحان الله ! وهذا سرٌّ آخر ما كنت أعلمه! نظرت لعملي الصالح متسائلاً عمّا يجب فعله، فأشار إلى الملك الذي بادرني بقوله : كلّ حق لك، صغير أو كبير، مُدوَّن في هذا الكتاب الذي لا يضّل ولا ينسى، سواءً كان حرمانك من تكميل حياتك مع زوجتك في الدنيا، أو غيبته لك، أو تسقيطه لسمعتك بأكاذيبٍ وإفتراءات عليك، أو سرقاته لأموالك، وما من ذرّة مَظلمة لك عنده إلا وانتزعنا لك حقّها منه. تحسَّن حالي بعد تصفية الحساب مع جمال، بينما هو أصبح أسوأ حالاً ممّا سبق .. كنتُ أشاهد دخان ناره المحترقة فيه يخرج من جميع أنحاء بدنه، أمّا نار باطنه فهي سوداء تتأجج في أعماق قلبه، وتخرج من فمه ومناخره، وهو يقوم ويقعد، ويعوي كعويل الكلاب والذئاب. كنت مندهشاً ممّا أشاهده، مستحضراً في فكري كبرياء جمال وتملّقاته، وإفتراءاته عليّ في دار الدنيا.. إستحضرت نصائحي له بترك الأعمال السيئة وسرقاته من الشركة، ولكنه ما كان يصغي لجملةٍ واحدة منها . ولم أفِق من هذه الذكريات إلا بنداء عملي الصالح الذي قال: سعيد أرأيتَ ما حصل لجمال ؟ نعم قد رأيتُ . لعلّك أول من استوفى حقه منه، فأصبح حاله هكذا، فكيف إذا جاء كل من لديه مَظلَمة عنده وانتزعها منه، تُرَى بأيّ حالٍ سيكون؟! إنطلقنا نبحث عن مظالِم أخرى نأخذها، وخلال مسيرتنا لفت نظري شخص مسوَّد وجهه، مُزرقّة عيناه، مائلاً شِدقه، سائلاً لُعابه، دالعاً لسانه من قفاه، بيده قدحٌ وهو أنتن من كل جيفة على وجه الأرض، يلعنه كل من يمّر به من الخلائق.. فقلت لعملي الصالح : ماذا كان يفعل هذا في دنياه؟ ----------------------- (1): ورد في شرح أصول الكافي، أن رجلاً من قريش سئل الإمام السجاد قائلاً له : يابن رسول الله إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مَظلَمة، أي شيء يأخذ من الرجل الكافر وهو من أهل النار ؟ فقال له السجاد (عليه السلام): يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكافر فيعذب الكافر بها. #يتبع
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
في أمواج القيامة ج9
تقليص
X