زهده: كانت شخصية الأردبيلي شخصية فذَّة تتحلى بأخلاق حسنة عالية، وجليلة، وكان قوي النفس، كثير المعروف والصدقة، وكان في كل عام يقاسم الفقراء ما عنده من الأطعمة ويبقي لنفسه سهم واحد منهم. "يحكى أن بعض الزوار، رآه في النجف فحسبه لرثة ثيابه من بعض الفقراء المتكسبين، فسأله هل تغسل هذه الثياب بالأجرة قال: نعم، وواعده مكاناً في الصحن، ليأتي بها إليه في الغد، فأخذها وغسلها بنفسه، وأتى إلى الصحن في الوقت المضروب، فوجد صاحبها، فأعطاه الثياب وأراد أن يعطيه الأجرة، فامتنع، فأخبره بعض المّارة أن هذا المقدس الأردبيلي، فوقع على أقدامه معتذراً بأنه لم يعرفه، فقال: لا بأس عليك، إن حقوق إخواننا المؤمنين أعظم من هذا". وكان المقدّس يأكل ويلبس ما يصل إليه بطريق الحلال ردّياً كان أم جيداً، وإذا أهدي إليه شيء من الثياب النفيسة لبسها وخرج بها إلى الزيارة فإذا سأله أحدهم شيئاً أعطاه إياها. صفاته وأخلاقه: جاء في الأنوار النعمانية للسيّد نعمة الله الجزائري: (كان في عام الغلاء يقاسم الفقراء فيما عنده من الأطعمة، ويبقي لنفسه مثل سهم واحد منهم، وقد اتفق أنّه فعل في بعض السنين الغالية ذلك، فغضبت عليه زوجته وقالت: تركت أولادنا في مثل هذه السنة يتكفّفون الناس، فتركها ومضى عنها إلى مسجد الكوفة للاعتكاف، فلمّا كان اليوم الثاني جاء رجل ومعه دواب قد حّملها الطعام الطيّب من الحنطة الصافية والطحين الجيّد الناعم، فقال: هذا بعثه إليكم صاحب المنزل، وهومعتكف في مسجد الكوفة، فلمّا جاء المقدّس الأردبيلي من الاعتكاف، أخبرته زوجته بأنّ الطعام الذي بعثه مع الإعرابي طعام حسن، فحمد الله تعالى، وما كان له خبر منه). كراماته: لقد تميز المقدَّس الأردبيلي بأنَّ له الكثير من الكرامات، وقد ذكر السيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية، والعلامة المجلسي في بحار الأنوار، كرامات عدة له، نذكر منها: أنه رأى في المنام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد جلس عنده موسى كليم الله، فسأل موسى رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هوهذا الرجل؟ فقال: اسأله. فقال موسى (عليه السلام) للمقدس: من أنت: قال المقدس: أحمد بن محمد من أردبيل أسكن في الزقاق الفلاني، والبيت الفلاني، فقال له موسى (عليه السلام) إنما سألتك عن اسمك، فلماذا هذا التفصيل؟! فقال له المقدس: إن الله سألك ما تلك بيمنك، فلماذا ذكرت له كل ذلك؟ فتوجه موسى (عليه السلام) لنبينا وقال له: صدقت، إذ قلت علماء أمتي مثل أنبياء بني إسرائيل". ومنها: قال العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار: أخبرني جماعة عن السيّد الفاضل أمير غلاّم قال: كنتُ في بعض الليالي في صحن الروضة المقدّسة بالغري ( النجف الأشرف ) على مشرِّفها السلام، وقد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها إذ رأيت شخصاً مقبلاً نحوالروضة المقدّسة، فأقبلت إليه، فلمّا قربتُ منه عرفتُ أنّه أستاذنا الفاضل العالم التقيّ مولانا أحمد الأردبيليّ قدّس الله روحه، فأخفيتُ نفسي عنه حتّى أتى البابَ وكان مغلَقاً فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل الروضة، فسمعته يكلّم كأنّه يناجي أحداً، ثمّ خرج وأُغلق الباب، فمشيتُ خلفه حتّى خرج من الغريّ وتوجّه نحومسجد الكوفة، فكنتُ خلفه بحيث لا يراني، حتّى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استُشهِد عنده أمير المؤمنين عليه السّلام، ومكث طويلاً.. ثمّ رجع وخرج من المسجد وأقبل نحوالغريّ، فكنتُ خلفه، حتّى قرب الحنّانة فأخذني سُعال لم أقدر على دفعه، فالتفتَ إليّ فعرفني وقال: أنت أمير علاّم ؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع ها هنا ؟ قلت: كنت معك حيث دخلتَ الروضة المقدّسة إلى الآن، وأقسم عليك بحقّ صاحب القبر أن تُخبرني بما جرى عليك الليلة من البداية إلى النهاية، فقال: أُخبرك على أن لا تخبر به أحداً ما دمتُ حيّاً. فلمّا توثّق ذلك منّي قال: كنتُ أفكّر في بعض المسائل وقد أُغلِقتْ علَيّ، فوقع في قلبي أن آتيَ أمير المؤمنين عليه السّلام وأسأله عن ذلك، فلمّا وصلتُ إلى الباب فُتح لي بغير مفتاحٍ كما رأيتَ، فدخلتُ الروضة وابتهلتُ إلى الله في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعتُ صوتاً من القبر أن ائتِ مسجد الكوفة وسَلِ القائم صلوات الله عليه؛ فإنّه إمامُ زمانك، فأتيتُ عند المحراب وسألته عنها وأُجِبت، وها أنا أرجع إلى بيتي. ومنها: كان الشيخ احمد الأردبيلي الملقب بالمقدس، احد الزّهاد الورعين، ومن اتقى أتقياء عصره. كان الشيخ لا يقطع صلاة اللّيل أبدا، ولا يشغله أي شيء عن عبادة الله. وذات مرة ذهب الشيخ احمد الى البئر ليستقي من الماء ويتوضأ. ولكنه لما اخرج الدلو رآه مملوء بدل الماء بالأحجار الكريمة.سبحان الله ما هذا؟ فأعادها الشيخ المقدس للبئر. وقال بتواضع: الهي إن احمد يريد الماء لوضوئه وصلاته، ولا يريد الأحجار الكريمة لتشغله عن صلاته وذكر ربه. ثم ألقى الدلوفي البئر ثانية. وإذا بالدلويخرج للمرة الثانية مملوء بالأحجار الكريمة نفسها. فقال بتضرع: يا رب إن احمد عبدك يريد الماء لوضوئه وصلاته ولا يريد الأحجار الكريمة لتشغله عن ذكرك وعبادتك.ثم ألقى الدلوفي البئر واستقى ثالثة...وإذا بالدلويخرج مملوء بالأحجار الكريمة للمرة الثالثة !!! فاخذ يردد: رحماك اللهم عبدك احمد يريد منك الماء، لتعبّده وتهجّده، وهويستغيث بك فأغثه بماء طهور يتوضأ. ثم استقى للمرة الرابعة، وإذا بالدلوفي هذه المرة يخرج مملوءا بالماء.فرح الشيخ المقدس بحصوله على الماء، واخذ يتوضأ بكل شوق وإقبال ليمتثل أمام ربّه، ويقوم بين يديه للصلاة والعبادة. ومنها: نقل عن حسن سريرة المقدس الأردبيلي مرجع الشيعة في زمانه وسيرته ما يقف له الإنسان حائراً متعجباً؛ إذ قيل إنه كان ذات يوم يمشي في صحن مرقد الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، فسأله أحد الزائرين ـ دون علمه بمن يكون ـ عما إذا كان يعرف محلاً خاصاً بغسل الملابس، فقال له المقدس الأردبيلي: أنا أغسلها لك بنفسي! ضارباً بذلك كل ما يمكن أن يكون عذراً قد يحول ما بين الإنسان وبين أداء الخدمة للمؤمنين والزائرين، الأمر الذي يكشف عن حقيقة السريرة الطاهرة لهذا الرجل النادر المثال، فقام بغسل ملابس الرجل الزائر، وعاد إليه بها في الوقت المحدّد لتسليمها، فشاهده بعض من يعرفه، فقال للزائر: هل تعرف من غسل ملابسك؟ إنه المرجع الأعلى! فأخذ الرجل يبدي كل الاعتذار، فردّه المقدس الأردبيلي قائلاً: إنما أنت صاحب الفضل عليّ، لأنك من زوّار أمير المؤمنين سلام الله عليه.. يُنقل أنّ الإمام سلام الله عليه، كان قد كافأه بأن كان يرحّب به في أيّ وقت أراد الزيارة حيث كانت الأبواب تفتح له دون مفتاح. وما أعظم ذلك من قدسية وفضل! قال العلاّمة المجلسي: المحقّق الأردبيلي في الورع والتقوى والزهد والفضل بلغ الغاية القصوى، ولم أسمع بمثله في المتقدّمين والمتأخّرين، جمع الله بينه وبين الأئمّة الطاهرين. خصال تحقيقيّة للمقدّس الأردبيلي فضائل حميدة وسيرة كريمة في التحقيق والنقد والاستنباط، تستفاد من خلال بحوثه ومصنّفاته، منها: • قوله في الإخلاص: الأمر الضروريّ المهمّ الذي لابدّ منه، ولا تصحّ بدونه العبادة، هو: الإخلاص، الذي هومدار الصحّة وبه تتحقّق العبودية والعبادة، وهوصعبٌ ونادر (مجمع الفائدة) ـ إنّ المدار على النيّة والإخلاص، وهوأمرٌ قلبيّ لا يخصّ الجهر والإخفاء، فقد يقع الرياء خَفاءً أكثر من الجهر ( زبدة البيان) • وقوله في الظنّ: ـ ينبغي الاحتياط التامّ؛ فإنّ الطريق صعب، وظنّي لا يُغني من جوعي، فكيف جوع غيري! ـ.... لكنّ ظنّي لا يغني من العلم شيئاً، فعليك طلبَ الحقّ والاحتياط ما استطعت..... فتأمّلْ لعلّك تجد غلطي (مجمع الفائدة). • وقوله في الدليل: ـ بالجملة ينبغي حفظ الضابط وعدم الخروج عنه إلاّ بدليل....العمدة تحقيق المسألة بالدليل ( مجمع الفائدة) • عدم الجرأة في الفتوى: ـ فتأمّلْ، ولا تقل على الله ما لا تعلم، فإنّ الذي يُتخيّل من استحسان العقل.. باطلٌ بطلاناً واضحاً.. فلا يمكن الجرأة في الأحكام الإلهيّة بمِثل هذه الأشياء (زبدة البيان)ـ وبالجملة، المسألة مجملة، والحُكْم على الوجه الإجمالي مشكل، فينبغي التفحّص والتأمّل في ذلك، وعدم الجرأة والاستعجال... نعوذ بالله من القول بالرأي والهوى (مجمع الفائدة) • قوله في الاحتياط: ـ إنّما يأمرُكُم ( أي الشيطان ) بالسُّوءِ والفحشاءِ وأن تقولوا على اللهِ ما لا تعلمون. معنى: أن تقولوا.. أنّ الشيطان يدعوكم إلى أن تقولوا على الله ما لا تعلمون.. فيُفهم ( من الآية ) حرمة القول على الله. ـ كلّ ما يُقال أنّه غِناء فهوحرام.. فإن ثبت اعتبار الترجيع والطرب في الغناء فهوالمحرَّم فقط، وما نعرفه، وإلاّ فيحرم الكلّ، والاحتياط في ترك الكلّ. ـ ( وفي مسألة النظر إلى الأجنبيّة قال: ) الاجتناب أحوط مهما أمكن.(زبدة البيان) ـ فتأمّل واحتطْ، فلا تخرج ( في السفر ) بعد دخول الوقت من المنزل حتّى تصلّي فيه تماماً لا في خارجه ( مجمع الفائدة). ـ لابدّ من الاحتياط مهما أمكن؛ فإنّ الدهر خالٍ عن العالم ( لعلّه يشير إلى غيبة الإمام الحجّة عليه السّلام )، والأخذُ من مردّ الكتب من غير سماع عن العلماء والعملُ به مع قلّة البضاعة، والاحتمالُ في الكلام وسوء الفهم والعمل به خصوصاً لغير الفاهم، مُشكِل! واللهُ دليل المتحيّرين، وقابل عذر المضطرّين والمعذورين ( مجمع الفائدة). ـ والاحتياط طريق السلامة، فلا يُترَك لوأمكن ( مجمع الفائدة). هذا.. وللمقدّس الأردبيليّ أدبٌ خاصّ في التعامل مع فتاوى العلماء، فيباحثهم ويستدلّ على خلاف رأيهم بأسلوبٍ مهذّبٍ رفيع، وربّما وجّه كلامَهم على حُسن ظنٍّ واحتياط ثمّ أدلى بفتواه رحمه الله. آراء خالدة في المقدّس: هذه بعض الكلمات التي قيلت في حق المقدّس والتي نستشف منها المكانة التي يحتلها في قلوبهم: ـ الشيخ الحر العاملي: مولاي الأجل الأكمل أحمد الأردبيلي، عالم فاضل، مدقق، عابد، ثقة، ورع عظيم الشأن جليل القدر. ـ المرحوم المامقاني: "وأمر هذا الرجل في وثاقته، وجلالته وفضله، ونبله، وزهده، ودينه، وورعه، وأمانته، أشهر من أن يحط به قلم، أوكتاب، وله مقامات وكرامات. ـ السيد علي الخامنئي: "لا شك أنّ الفقيه المحقق، المتبحّر الجليل المرحوم الملاّ أحمد المقدس الأردبيلي (قدس الله نفسه) يمثل إحدى النقاط المضيئة في تاريخ الفقاهة الشيعي. ودقة نظره في تطبيق الأدلة، مع الإدعاء الفقهي في كل مسألة، أضف إلى قوّة تحقيقه المقرونة بالتجديد والجرأة العلمية، هي من جملة الخصائص التي جعلته جديراً بصفة شيخ الطائفة والحبر المحقق. أما مكانته من الفذّة التي يضرب بها المثل، من حيث الورع والتقوى، فهي كما وصفها المحشِّي الجليل حين عدّه من جملة الذين تشدّ الملائكة أحزمتها لخدمتهم" وفاته: توفي المقدّس الأردبيلي في شهر صفر سنة 993هجرية، في المشهد المقدس الغروي، في مدينة النجف الأشرف، ودُفن في الحجرة المتصلة بالمخزن المتصل بالرواق الشريف. فقدس الله نفسه الزكية وحشرها مع من تحب.
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
علمائنا مفاخرنا 2
تقليص
X