قال: بعضهم من يمكثُ فيها شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث سنة، وأطوَلهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خُلِقت إلى أن فُنيَت ! (١) جزعتُ من جوابه ، فما أصبَرني على العذاب فيه ! مضَت فترةٌ ونحن بانتظار أمر الجليل فينا، حتى أتى الوقت الذي جاءنا فيه (( مالِك )) خازِن كل النار وهو يحمل أمر العزيز الجبّار . لم يمضِ وقتٌ حتى أتى مالِك، وهو ملَك عظيم الخلقة، مَهيب الشكل، مرعب الوجه، قاطبٌ عابسٌ، له من الهَيبة والعظمة بدرجة أن زبانية النار لا يتجرؤون على الكلام معه، إلا من أذن له . توجه مالِك نحو بعض من الملائكة، وسألهم: من هؤلاء؟ ما ورد عليّ من الأشقياء أعجب منهم، لِمَ لمْ تَسوّد وجوههم، ولم توضع السلاسل والأغلال في أعناقهم ؟ تكلم احد الملائكة، فقال: هكذا أتُونا، فسُقناهم إلى هنا بانتظار أمركَ فيهم. توجه مالِك نحونا، فارتعشَت أبداننا رهبةً منه، ثم قال: يا معشر الأشقياء من أنتم ؟ أجاب جمعٌ منا وكنتُ معهم: نحن ممّن أُُنزل علينا القرآن، ونحن ممّن كنّا نصوم شهر رمضان، ونحجّ بيت الله الحرام، و.... قال مالِك : ما نزل القرآن إلا على النبيّ الخاتَم محمد (صلى الله عليه وآله) سمعنا اسم النبي محمد (صلى الله عليه وآله) فصِحنا وصاح الجميع معنا: نعم ، نحن من أمّة النبيّ الخاتَم محمد (صلى الله عليه وآله) قال: أمَا كان لكم في القرآن زاجراً عن معاصي الله؟ أمَا كان لكم في رسول الله وعترته أُسوَةٌ حسنة إن كنتم ترجون الله واليوم الآخر ؟ ❗️ أصابتنا الخَيبة من كلامه، ونكّسنا رؤوسنا إلى الأرض خجلاً واستحياءً منه، وارتفعَت أصواتنا بالبكاء، حتى لم تبقَ لعيوننا دموعاً بعد جفافها، فبكينا دماً! إستغرب مالِك منا ذلك، فقال: أتبكون دماً ، فما أحسن لو كان هذا في الدنيا من خشية الله ، ولو كنتم كذلك ما مسّتكم النار اليوم ❗️ توجه نحو الزبانية ، وقال لهم : يا خزنة جهنم، ألقوهم في النار، فإنهم قد عصوا أمر الجبّار، ويا نار خذيهم . ضجّ الجميع ، وعلَت الأصوات.. وبدأت النار تأخذ بنا كل حسب منزلته، ولا سبيل للفرار والتخلّف عنها، فمِنّا من أخذته إلى قدميه، ومنا من أخذته إلى ركبتيه ، ومنا من أخذته إلى عنقه.. أما أنا فقد أتتني النار لتأخذني، فهربت منها ولحقتني حتى حُجزتُ في موضعٍ لا مجال للفرار منه، حينها وقفَت النار أمامي وفرائصي ترتعش منها، وقالت : يا شقيّ ، أما علمتَ أن لا صغيرةً مع الإصرار ، ولا كبيرةً مع الإستغفار ؟ قلت لها : إني تبتُ من كل ذنبٍ كبير، والصغائر كنت غافلاً عنها ، فلماذا أحترق بكِ؟ اشتدّ لهيبها وكأنها غضِبت من كلامي، ثم قالت : هي الغفلة يا شقي، هي الغفلة ❗️ قالت ذلك وارتفع شهيقها، وقفزَت نحو قدمي ، فصرخت ألماً من حرارتها ، وناديت بأعلى صوتي : لا، لا تُحرقي قدمي ، لا تحرقيها... لم تسمع ندائي ، ولم ترحم صراخي ، فلصقَت بهما حتى احترق جلديهما، وراحت تتوَغل في أحشائهما وعظامهما... صاح مالِك بالنار : لا تحرقي جباههم فلطالما سجدوا للرحمن عليها، ولا تحرقي قلوبهم فلطالما عطشت في شهر رمضان، ولا تحرقي لهم ألسِنة فلطالما تلو بها القرآن . أنفذ الله حكمه فينا، وبقينا على هذه الحالة ما شاء الله لنا من المدّة الطويلة... مضَت فترة ونحن ندعو الله ونتوسل إليه، ونطلب منه أن يأذن بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فينا، حتى وصلتنا الأخبار من الملأ الأعلى تقول بأن الله سأل جبرائيل : ما فعل العاصون من أمّة محمد ؟ فقال جبرائيل : إلهي أنت أعلم بهم، فقال عز وجل : إنطلق يا جبرائيل وانظر ما حالهم. وصل إلى مالِك، فقال له : يا مالِك، ما حال العِصابة من أمّة محمد صلى الله عليه وآله خاتَم الأنبياء؟ أجابه وقال: ما أسوَء حالهم! وأضيَق مكانهم، قد أحرقت النار أجسامهم، وأكلت لحومهم، وبقيَت وجوههم وقلوبهم يتلألأ فيها الإيمان. سمِع جبرائيل منه ذلك فطلب منه أن يرفع الطبق عنا لينظر إلينا. بعد أن رفع الطبق عنا، وإذا بأنظارنا تقع على مخلوقٍ في غاية الجمال والهَيبة بين صفوف الملائكة تمعنتُ فيه فعلمت أنه ليس من ملائكة العذاب، وهو يستبشر كل من يشاهده وينظر إليه، تسائلنا فيما بيننا عمّن يكون، لم نرَ مخلوقاً من قبل أحسن منه وجهاً، و أجمل منه صورة. نادى مالِك ليخبرنا أن الذي أمامكم هو جبرائيل، الذي قال الله تعالى بشأنه في القرآن : (( ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ))، فهو أمين الوحي على نبيكم الخاتَم محمد، فهل عرفتموه؟ ضجّ الجميع، وراح الناس يتسائلون فيما بينهم عن سبب مجيئه.. أمّا أنا فاستبشرتُ كثيراً بقدومه، ولعلّ ذلك مقدمة لنجاتنا. تقدمتُ نحوه بصعوبةٍ بالغة، إذ كنتُ من بين أحسنهم حالاً رغم أن النار أحرقت قدماي، وكلّما تقدمتُ أكثر أصطحبتُ أُناساً هم في درجتي حتى وصلناه، فانبهرنا أكثر من عظمة خلقه. اضطربتُ عندما توجه نحوي جبرائيل وأنا في حالةٍ يُرثى لها، فقال لي: كيف حالكم وماذا تريدون ؟ أجبته بلسان من يتلكّأ في كلامه: يا جبرائيل، يا من حمل أعظم أمانة إلى أكمل إنسان خلقه الله، يا من هو في الملأ الأعلى مطاعٍ ثم أمين، إقرأ نبينا محمد منّا السلام، وأخبره أنّ معاصينا قد فرّقت بيننا وبينه، وأخبره بسوء حالنا وأننا بانتظار شفاعته فينا. لم يطل بقاؤه فينا بعد أن علم ما نريد، إذ غادرنا ثم أُغلِق طبق جهنم علينا من جديد.. وبعد أن غادرنا، وصلَنا خبر يقول: إن جبرائيل بعد أن ذهب من هنا قام بين يدي الله تعالى، فقال الله له: يا جبرائيل كيف رأيت العُصاة الموحدين من أمة محمد ، فأجاب جبرائيل: يا رب أنت أعلم بهم، ما أشدّ حالهم وأضيق مكانهم، تركتهم يستغيثون بنبيهم، ويطلبون شفاعته فيهم قال الله تعالى: هل سألوك شيئاً؟ فقال جبرائيل: نعم يا رب، سألوني أن أقرأ على نبيهم السلام وأخبره بسوء حالهم ، فقال الله تعالى: انطلق إلى حبيبي محمد و أبلغه ذلك.. إنطلق جبرائيل ودخل على النبيّ محمد (صلى الله عليه واله) فقال له بعد السلام عليه: يا محمد جئتك من عند العُصاة المُوَحدين من أمّتك، وقد تركتهم يعذّبون في النار، وهم يُقرِؤوك السلام، ويقولون: ما أسَوء حالنا، وأضيق مكاننا، فأين نبيّنا ليشفع فينا. فأتى النبي عند العرش وخرّ ساجداً، وأثنى على الله ثناءً لم يثنه أحد مثله، فقال الله عز وجل: إرفع رأسك يا محمد، واسأل تعطى، واشفع تشفّع فقال النبي( صلى الله عليه وآله ): يا ربّ، إن الأشقياء من أمّتي قد أنفذتَ فيهم حكمك، وأنت أرحم الراحمين فقال الله تعالى: قد شفّعتك فيهم يا محمد، فأتِ النار وأخرج منها من قال لا اله إلا الله، وكان أهلاً لشفاعتك. (2) وصل النبيّ (صلى الله عليه وآله ) وآله (عليهم السلام) إلى مالِك، وحينما نظر إليهم قام لهم تعظيماً لمقامهم، فقال النبي الخاتَم (صلى الله عليه وآله) بعد السلام عليه: يا مالِك ما حال الأشقياء من أمتي ؟ فقال مالِك: هم في حالة سيئة جداً، قد أحرقتهم ذنوبهم حتى وصلت لدى بعضهم إلى أعناقهم، وهم يستغيثون ويصطرِخون، ولشفاعتك يتأمَلون. قال الخاتَم (صلى الله عليه وآله): يا مالِك إفتح الباب، وارفع الطبق عنهم. فتح الباب، ورفع الطبق عنا... يا الهي ماذا أرى، إنهم خمسة أنوار يُحيط بهم الملائكة من كل جانب، إنهم أصحاب الكساء الخمسة، نعم، هم فاطمة وأبوها، وبعلها وبنوها، هم أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومهبط الوحي، ومعدن الرحمة... أجل! ها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتقدمهم، وقد أضاء كل ما في الوادي من انعكاس أنوارهم بعد أن كان معتماً شديد الظلمة. أمّا خزنة جهنم فقد قاموا أجمعهم إجلالاً، وأمروا الناس بالقيام إكراماً للنبي وآله، ثم عمّ صمتٌ وهدوءٌ في كل الأرجاء، وأنظار الجميع متوجهة نحوهم، قد شغل الناس عن أنفسهم جمال صُوَرهم، وعظمة خلقهم، وشدّة أنوارهم. حاول جمعٌ عظيمٌ من المعذّبين من الناس التوجه نحو خاتَم الأنبياء، والاقتراب منه، فلم يتمكنوا من ذلك، إذ هم لا يطيقون نوره عن قرب، ومقامهم لا يسمح لهم بنيل ما يرمون إليه، لذا نادوه من مكان بعيد، وطلبوا شفاعته فيهم ونجاتهم ممّا أصابهم في وادي الموحدين.. أجابهم خاتَم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) بغير ما كانوا يرجون! وبدأ الحديث معهم بغير ما يتأملون! إذ قال لهم: يا أهل هذا الوادي من أمّتي، أجيبوني ماذا فعلتم بالثقلَين من بعدي؟(3) صمتَ الجميع ولم يجبه أحد، وأصابتهم دهشةٌ شديدةٌ من سؤاله.. ثم تعالَت الأصوات وهي تقول... ------------------------- (١) في تفسير الميزان، عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ): قال رسول الله (صلى الله عليه واله) : "إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم، غير نادمين ولا تائبين ، ....... فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ، ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه ، ومنهم من تأخذه إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خُلقت إلى أن تفنى" (2) المضمون الإجمالي لأحداث عذاب الموحدين من أمة خاتَم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله)، وزيارة جبرائيل لهم في جهنم، ولقائه مع مالك، وطلبهم الشفاعة من نبيهم، وغيرها من الوقائع التي وردت في هذا الجزء من الرواية، تم استخلاصها من الرواية الواردة في كتاب عالم ما بعد الموت للفيض الكاشاني / باب ١٥ / ص ٢٦٩ إلى ٢٧٦. (3) في الكافي ، عن أبي جعفر (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنا أول وافد على العزيز الجبّار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم أمتي ، ثم أسألهم ما فعلتم بكتاب الله وبأهل بيتي. #يتبع
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
في أمواج القيامة ج17
تقليص
X