الاهداء :إلى من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ..إلى من نصح الأمة وهداها ..إلى سيد الكائنات ونور الله في العالمين ..الى من وصفه الله تعالى في كتابه ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ..إلى نبي الرحمة المصطفى المختار ..الى سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ..إلى من ارجوه بتصدقه علي بالقبول ..اهدي هذه البضاعة المزجاة .بسم الله الرحمن الرحيم وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ المقدمة بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى , والصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده , لاسيما خاتم الانبياء وسيد الرسل والاصفياء ابو القاسم المصطفى محمد ( صلى الله عليه وعلى آله الميامين النجباء ) اما بعد :فانه لاشك ولاريب باهمية التقليد في زمن الغيبة الكبرى لاسيما بعد طول هذه الغيبة لولي الله الاعظم وصاحب العصر والزمان الامام الحجة بن الحسن ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) حيث ان الانسان المكلف يدور امره بين الاجتهاد والاحتياط والتقليد , وبما ان الاول والثاني كثير ما يقع فيهما العذر والعسر , فلا يبقى له طريق في الامتثال الى اوامر الله تعالى والانتهاء بنواهيه الا تقليد غيره ممن اجتمعت فيه شروط الاجتهاد والاعلمية , وواحدة من صور هذا التقليد , هو تقليد المجتهد الميت الذي ذُكرت مسالته في الكتب الاصولية والفقهية من كونه محل خلاف بين الاعلام من الامامية وغيرهم من العامة , فلذى رأينا – مع قصور نظرنا - الكتابة فيه من الامور النافعة , ولهذا شرعنا بعد التوكل على الله تعالى بكتابة هذا البحث مبتدئين بتوطئة لبيان التقليد لغوياً واصطلاحياً , ومن ثم تقسيمه الى مبحثين اساسين , اولهما في تقليده ابتداءً والاخر استدامة , ثم قسمناهما الى مطالب في الادلة والمناقشة على الجواز , ومثلهما على المنع في الاول , كذلك الثاني بزيادةِ تتمةً في المسائل ,وبيان ما هي الخلاصة وابداء الراي , يتلوها بحمد الله خاتمة ففهرساً ,راجين ان يحظى هذا النزر اليسير بتقييم من اساتذتنا الاعلام امد الله في عمرهم وجعلنا تحت ظلهم , وما التوفيق الا من الله سبحانه , والحمد لله رب العالمينتقليد الميتتوطئة : في بيان التقليد :أ- لغوياً : مصدر : قلد يقلد تقليدا , قلده القلادة أي جعلها في عنقه , وقلده السيف : جعل حمالته في عنقه . وفي حديث الخلافة: عن الرضا(عليه السلام): (فقلّدها صلّى الله عليه وآله عليّاً عليه السلام) ، أي جعلها قلادة له. ب- اصطلاحياً : هو العمل على رأي الغير , واحداً كان او متعدداً , لا ترتيب صحة العمل واقعاً وعدمها على الجواز وعدمه . وعرف ايضاً : هو اخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات او للالتزام به في الاعتقاديات تعبداً بلا مطالبة دليل على رأيه . ثم ان هذا التقليد من قبل المكلف , اما يكون تقليداً لمن هو مجتهد حي , او تقليداً لمن هو ميت , والثاني اما ان يكون على نحو الابتداء او على نحو الاستدامة , والكلام في القسم الثاني منه وهو : تقليد الميت بنحويه .وينقسم الى مبحثين :المبحث الاول : في تقليد الميت ابتداءً : بمعنى هل يصح للمكلف ان يقلد مجتهداً ميتاً على نحو الابتداء ام لا بد من تقليد المجتهد الحي , فيه مطالب :المطلب الاول : في الادلة على الجواز :1- الايات والروايات الواردة في حجية فتوى الفقيه مطلقاً , وهي :أ- آية النفر , وهي قوله تعالى : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .وتقريب الاستدلال : على ان اخذ المكلفين احكامهم الشرعية من النافرين , هو تقليد منهم لأولئك الذين نفروا , وهو قد اجازه الله تعالى بمقتضى هذه الاية من دون فرق بين الحي والميت .ب- آية السؤال , وهي قوله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) .وتقريب الاستدلال بها : بان السؤال لو كان لغير الاخذ من اهل الذكر , او لقبول اقوالهم , لكان هذا السؤال لغواً , وعليه اذا كان قبول قولهم على اثر السؤال جائزاً , كان تقليدا منهم لاهل الذكر مطلقاً .ج- الرواية المنقولة عن الامام العسكري ( عليه السلام) : (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه ) وهي صريحة في معنى التقليد والاتباع من قبل العوام للفقهاء ولم تقيدهم الرواية في حال الحياة صريحاً .فأن هذه الادلة غير مقيدة بحال الحياة فلا فرق في حجيتها بين الحياة والممات على مقتضى اطلاقها فهي تشمل فتوى المجتهد الحي والميت على حد سواء والنتيجة هي التخيير.2- سيرة العقلاء في ان آراء الاموات المكتوبة في كتبهم كآراء الاحياء في جميع الفنون كالطبابة واللغة والرجال ونحوها , اما مهجورية بعض الآراء فلا اربط لها بالمقام , لانه كثيرا ما تهجر اراء الاحياء في زمن حياتهم لظهور رأي اقوى منه , ومن هنا لو مرض انسان وتشخص مرضه لرجعوا في علاجه الى ما كتب في الطب من مؤلفات وقوانين لاخذ العلاج منها للمريض , ولافرق في الرجوع الى هذه الكتب , بين كتب الاحياء والموات , مع انه لم يوجد ردع من قبل الشارع المقدس على هذه السيرة فتثبت انها حجة وممضاة من قبل الشارع .3- استصحاب بقاء الرأي والحكم وهو شامل للاحياء والاموات .المطلب الثاني : مناقشة الادلة الواردة في جواز تقليد الميت :1- الاختلاف الواقع بين العلماء الاحياء والاموات في المسائل الشرعية يدفع الدليل الاول - الايات والروايات - على تقدير اطلاقها وشمولها لفتوى الميت في نفسها , وذلك للتعارض الواضح بسبب الاختلاف بينهم , بل ما دلت عليه الاية الكريمة هو وجوب الحذر عند انذار المنذر والفقيه او الرجوع الى راوي الحديث او الناظر في الحلال والحرام , او على السؤال من اهل الذكر , او ما شابه ذلك من العناوين التي هي ظاهرة في الفعلية , كامثال : العالم يجب اكرامه , الظاهرة فيمن كان متصفاً بالعلم الفعلي لا الاعم فيمن اتصف به وتلبس بالفعل او انقضى منه التلبس .كذلك ما ذكره الشيخ الغروي الاصفهاني من ان الايات المقتضية للرجوع الى اهل الذكر والحذر بانذار المنذر , والروايات المقتضية لتقييد من كان من الفقهاء كذا وكذا والرجوع الى رواة الحديث والاعتماد على كل مسن في حبهم عليهم السلام وغير ذلك , هي ظاهرة بل صريحة في ان المسئول منه والمنذر والفقيه والمرجع حي , بل صريحة في الحياة حال الانذار والجواب وغيرهما , نعم هذا الظهور لا يتوقف على حياة المنذر والمسئول اذا كانت الايات والروايات مسوقة لحجية النقل والحكاية , فالاطلاق غير مناف للظهور , لان الحكم بعد ما صار محكياً عنه لا زوال للوصف عنه ابدا , فهو محكي عنه مات الحاكي ام لا , لكن اذا كانت مسوقة لحجية الرأي فالاطلاق مناف للظهور , لان الراي لابقاء له عند تعلق العمل به وليس كالحكاية حتى لا يكون له زوال . كذلك ما نقل في انوار الاصول من قوله ( دام ظله ) رداً على ان الاطلاقات منزلة على بناء العقلاء و لاتعد دليلاً مستقلاً برأسها . إذن مقتضى الأدلة المتقدمة أن من كان متصفاً بالانذار فعلاً أو بالفقاهة أو العلم أو غيرها من العناوين بالفعل ، هو الذي يجوز تقليده . ولا إشكال في أن الميت لا يتّصف بالانذار أو أهل الذكر أو بغيرهما من العناوين المتقدمة بالفعل ، وإنما كان منذراً أو فقيهاً سابقاً إذ لا إنذار للميت ، ولا أنه من أهل الذكر إلى غير ذلك من العناوين المتقدمة . ومن هذا يظهر الجواب عن الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معيّنين كزكريا بن آدم ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة وأضرابهم حيث إن ظهورها في إرادة الارجاع إلى الحي غير قابل المناقشة ، لأنه لا معنى للارجاع إلى الميت والأمر بالسؤال أو الأخذ منه ، وذلك لوضوح أن الارجاع فيها إنما هو إلى هؤلاء الأشخاص بأنفسهم ، لا أن الارجاع إلى فتاواهم ليقاس ذلك بالأخبار ويدعى أن الفتوى كالرواية لا يفرق الحال في حجيتها بين أن يكون المفتي حياً أو ميتاً ، كما هو الحال في راوي الحديث . إذن لا موضوع للارجاع بعد موتهم فهذا الوجه غير تام . 2-ويرد على دليل السيرة , ان جريانها على رجوع الجاهل الى العالم مطلقاً وان كان غير قابل للمناقشة , الا انها لو لم تكن مردوعة بالادلة التي تفيد ان حجية فتوى الفقيه ظاهرة في فتوى احيائهم , وذلك لان العامي لا تخفى عليه المخالفة بين العلماء في المسائل الشرعية , بلا فرق بين الاحياء منهم والاموات , فالسيرة غير شاملة للمتعارضين , ومع العلم بالمخالفة لا تشمل السيرة فتوى الميت بوجه .3- الرد على دليل الاستصحاب : بان الميت لا رأي له , وبقاء النفس الناطقة , وان الانسان بعد موته اعلم وافقه , فهذه من التدقيقات العقلية التي لايفهمها العرف , والعرف يحكم ببطلان الرأي بعد الموت وان الميت لا رأي له . اما الامارات الشرعية فمفادها هو المنجزية و المعذرية , و لا يمكن ان يتولد منها حكم كي يقال مثلاً ان صلاة الجمعة كانت واجبة على المقلد والان هي واجبة .وبعبارة اخرى : انه لا حاجة الى استصحاب بقاء الرأي , لان ارادة الفقيه ليست عبارة عن الصورة الذهنية له حتى تضمحل بموته , بل ان آرائه هي ما كتبه في كتبه الفقهية , والمحتاج الى الاستصحاب هو بقاء الحجية لهذه الآراء المكتوبة وهو نفس ما تقدم في استصحاب بقاء الحكم .وكذلك لو جاز التقليد للميت بحكم الاستصحاب , لجاز تقليد الحي اذا عرضه النسيان ايضاً , لبقاء آرائه في كتبه , مع انه غير جائز , الا ان جوابه بعدم التسليم بعدم الجواز بالنسبة الى آرائه السابقة , نعم لا يجوز الاعتماد على آرائه في الحال . الا ان السيد الخوئي (قدس سره) قال بالاستصحاب في معرض بيان الادلة , وذلك للقطع بحجية فتوى الميت قبل موته , فاذا شككنا في بقائها على حجيتها وعدمه , استصحبنا حجيتها , وبه يثبت ان العمل على الفتوى مؤمن من العقاب . نعم , قاعدة الاشتغال تقول بالرجوع الى فتوى الحي اذا لم نعمل على هذا الاستصحاب , لانها المتيقنة من حيث الحجية , بخلاف مشكوكة الحجية كفتوى الميت بموت المفتي , الا اذا قلنا بان حجية فتوى الميت جعلت في الشريعة المقدسة على نحو القضية الحقيقية لتشمل الموجود في عصره والمقدر الوجود الذي سيوجد بعد زمان المفتي . ثم ان الحجية المستصحبة لها معنيين : أ- الحجية الفعلية .ب- الحجية التعليقية .فان كان المراد من الحجية هو الحجية الفعلية فلا تيقن بحدوثها , لان المتيقن عدم الحجية الفعلية بالاضافة الى العامي المتاخر عن عصر المجتهد الميت , وزمان وجود المكلف العامي في عصر المجتهد هو الذي يحقق الفعلية , فاذن ليست فتاوى المجتهد الميت حجة فعلية على المكلف العامي الغير موجود في عصر المجتهد المفتي .اما اذا كان المراد منها هو الحجية التعليقية , او بمعنى آخر الانشائية , فهي ليست مورد الاستصحاب , لان دائرة سعتها وضيقها مشكوك فيه , ونحن لا نعلم هل هي حجة على من ادرك المجتهد المفتي ام انها تشمل من لم يدركه كذلك , ومن هنا منع جريان الاستصحاب في احكام الشرائع السابقة , وعدم النسخ في الشريعة المقدسة ولو على القول في جريانه في الاحكام لرجوع الشك حينئذ الى سعة جعل الحكم وضيقه . وما عن المحدث الاسترابادي من ان استصحاب عدم النسخ من الضروريات امر لا اساس له , فو وصلت النوبة الى الشك في النسخ لمنعنا عن جريانه , الا انه لا يفتي باحتماله لأطلاق الادلة المثبتة للأحكام , ولما دل على استمرار احكام النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى يوم القيامة . والمتحصل من هذا , ان ما استدل به على جواز تقليد الميت من الابتداء لا يمكن الاعتماد عليه.نعم ذهب العامة الى جواز تقليد الميت ابتداءً وفعلا قلدوا اشخاصاً معنيين من اموات علمائهم , ونسب القول بالجواز الى المحقق الميرزا القمي (قدس سره) , على ما سلكه وعلى ما هو صحيح عنده من انسداد باب العلم بالاحكام , وتعذر الاحتياط وكل ما يفيد الامثال القطعي على المكلفين , والتنزل الى ما هو مقدور في حقهم كالامتثال الظني , فيتعين على المكلف العمل بالظن , سواء حصل هذا الظن من من فتوى العلماء الاحياء ام الاموات من دون فرق بينهم . وكما عبر صاحب انوار الاصول : بانه لا ضير في كلام المحقق القمي لما ذهب اليه من انسداد باب العلم وحجية مطلق الظنون , فيكون ان المتيقن على المكلف هو العمل بالظن , سواء حصل من فتوى الميت او من فتوى الحي . الا ان السيد الخوئي(قدس سره)اجاب على ما سلكه المحقق القمي بانه فاسد مبنى وبناءً :اما فساده مبناً : باعتبار ان انسداد باب العلم بالاحكام فاسد من اساسه , لان ظواهر الاخبار حجة حتى بالنسبة الى غير المقصودين بالافهام , والاخبار الموثوق بها كالمقطوع بصحتها , فلا يتأتى انسداد باب العلم .اما فساده بناءً : فلان العامي لا يحصل له ظن بان ما افتى به الميت مطابق للواقع بسبب مخالفته للاحياء بل الاموات ايضاً ,خصوصاً فيما لو كان الاحياء بعظهم اعلم من بعض , وبهذا يقتضي اعتبار الظن على خصوص المجتهد بناءً على انسداد باب العلم , لانه يجب ان يعمل بظنه الحاصل من الادلة , وكما عبر السيد الخوئي (قدس سره ) : فالصحيح بناء على هذا المبنى الفاسد ، أن يقال : إن العامي يجب عليه العمل على فتوى المشهور في المسألة ، لأن فتواهم مفيدة للظن في حقه . وكذلك نسب القول الى المحدّثين بجواز تقليد الميت ابتداءً , لكن هذا ايضاً على مسلكهم , بناءً على عدم مشروعية التقليد بالكلية , وما ورد في رواية إسحاق بن يعقوب «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» , فالمفتي لا يفتي حقيقة حسب رأيه ونظره وانما ينقل الرواية فسواء كان المحدّث حياً أو ميتاً فان روايته حجة ويجوز العمل بها , لكن فرق كبير بين الراوي والمجتهد من حيثية الرجوع اليه , فالاول يكون الرجوع اليه من باب انه راو للحديث , بخلاف الثاني فان رجوع العامي للمجتهد من أجل أنه من أهل الخبرة والنظر والاطلاع , وقد دلت عليه آية النفر على أن إنذار الفقيه حجة , فهو من رجوع الجاهل إلى العالم , لا من رجوع العامي إلى رواة الحديث .ثم انه لو سلم بانه من باب الرجوع إلى راوي الحديث فلا يمكن ان يكون على نحو الاطلاق , لمعلومية الخلاف الواقع بين العلماء في المسائل الشرعية بسبب اختلاف المدارك والمباني والاخبار , فلا يمكن الرجوع الى المتعارضات في فرض التعارض بل لابد من التعويل على المرجحات , او العمل على مقتضى قاعدة التخيير او التساقط في حال التكافئ بين الخبرين , ففي هذا الفرد النادر في فرض التكافيء والاخذ بالتخيير لعدم المرجح يمكن القول بتقليد الميت والرجوع اليه , وهذا لا يصيره مطلقاً .اذن اتفاق الامامية على عدم الجواز في التقليد الابتدائي للميت مع تلقي الاصحاب لنفلهم له بالقبول بلا تشكيك او توقف من احد مع مايرى من بنائهم غالباً على التشكيك في الاجماعات المنقولة في الموارد الاخرى , فان ذلك كله موجب للحدس القوي بالاتفاق المزبور ويستكشف به رأي المعصوم عليه السلام في المسألة مضافاً الى انه لم ينقل الخلاف في المسألة الا من جماعة من علمائنا الاخبارين وبعض المجتهدين كالاردبيلي والفاضل التوني والمحقق القمي ونظرائهم . المطلب الثالث : في المنع من تقليد الميت ابتداءً :وقد استدلوا على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً بوجوه :الاول : دعوى الاجماع : وهذا ما امتازت به الشيعة عن غيرهم من اهل الخلاف بعدم قبولهم تقليد الميت ابتداءً ووجوب الرجوع الى المجتهد الحي , وقد حكي عن المحقق الثاني (قدس سره) في شرح الالفية انه : ( لا يجوز الاخذ عن الميت مع وجود الحي بلا خلاف بين الامامية ) . وقال صاحب المعالم (قدس سره): ( يظهر اتفاق العلماء على المنع من الرجوع الى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي , بل قد حكى الاجماع فيه صريحاً بعض الاصحاب ) . وحكي عن الفوائد للبهبهاني (قدس سره): ( انهم اجمعوا على ان الفقيه لو مات لا يكون قوله حجة ) . كذلك قول الشيخ الطوسي رحمه الله : يكون هذا الاتفاق بدرجة من القبول حتى شاع عند العوام ان قول الميت كالميت . وقد اشتهر بين اصحابنا المتاخرين والمعاصرين تحقق الاجماع على عدم جواز التقليد الابتدائي عن الميت , بل كاد ان يكون ذلك امراً قطعياً بينهم بحيث يكون هو المعتمد عند بعضهم للقول بعدم الجواز و او هو المانع عند البعض الاخر للقول بالجواز . الثاني : ظهور ادلة الكتاب والسنة في ارادة الرجوع الى الفقيه الحي , وذلك من خلال ظهور قوله تعالى : ( ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم ) فهي ظاهرة من ارادة المنذر الحي والا فلا معنى لانذار الميت والرجوع اليه .وكذلك قوله تعالى
فاسئلوا اهل الذكر ) , لظهور ان الميت لا يطلق عليه انه من اهل الذكر فعلاً .وكذلك الرواية : ( اما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ) فمن خلال لفظة ( كان ) نعلم ان المراد من كان متصفاً بالاوصاف الواردة في الرواية المذكورة بالفعل والميت غير متصف بها فعلاً وانما قد يكون متصف بها في الازمنة السابقة .كذلك الروايات القائلة والامرة بالرجوع الى اشخاص معينين من قبل الامام عليه السلام كزكريا بن ادم , ومحمد بن مسلم , و زرارة , فهي ظاهرة في بيان الرجوع اليهم حال حياتهم , ولامعنى للارجاع اليهم بعد مماتهم .واضافة الى ذلك عدم قيام السيرة وبناء العقلاء على الرجوع الى الاموات ابتداءً . الثالث : المحذور المستلزم للقول بحجية فتوى الميت , وذلك لان المفتي الميت اما ان يكون اعلم من غيره , او مساوياً في الفضيلة مع الاموات والاحياء .فان كان اعلم من الكل فالسيرة العقلائية جارية على الرجوع الى قول الاعلم من المتخالفين بلا فرق في ذلك بين الحي والميت كما في تشخيص المرض للمريض ومراجعة ما كتبه اعلم الاطباء القدماء في كتبهم اذا كانوا اعلم من غيرهم من الاحياء , الا ان السيرة هذه لا يمكن الاستدلال بها في هذا المقام لانها تؤدي الى حصر المجتهد المقلد في شخص واحد في كل الازمنة جميعها , وهذا يوجب رجوع الجميع اليه ومحذوره انه مخالف لضرورة المذهب فلا يمكن ان يكون هناك شخص يتصف بهذا الوصف من رجوع الكل اليه والا يؤدي الى كون الائمة ثلاثة عشر .وان كان مساوياً في الفضيلة مع الاموات والاحياء فهو غير متصور بحسب مرحلة الاثبات لقصور الدليل بسبب الاختلاف بين العلماء الاموات والاحياء جميعا المؤدي الى المتعارضين , وان كان ممكناً بحسب مرحلة الثبوت كما فعلته العامة من تقليدهم للاموات .المطلب الرابع : مناقشة ادلة المانعين من تقليد الميت ابتداءًاولا : مناقشة دليل الاجماع بانه على تقدير تحققه ليس اجماعاً تعبدياً قابلاً لاستكشاف قول المعصوم عليه السلام به , لاحتمال استناد المجمعين الى الظهور الادلة في اشتراط الحياة او الى اصالة الاشتغال , فورود الاحتمال على هكذا اجماع يصيره غير معتبر ولا يعتمد عليه , لان المعتبر ما يستكشف به قول المعصوم عليه السلام .وظاهر الاضراب في كلام صاحب المعالم وجود الفرق بين اجماع الاصحاب وبين اتفاقهم , فالاجماع يكون دليلاً تعبدياً يجب متابعته , لكن الاتفاق ليس من الادلة , فلا بأس بمخالفته عند مساعدة الدليل , فان المجتهد لايجوز له التقليد عن غيره . اضافة الى الكثير من اعاظم المذهب تطرقوا الى هذه المسالة الا انهم لم يذكروا الحياة بانها شرطاً من شروط الرجوع كامثال الشيخ الطوسي في العدة , وعلم الهدى في الذريعة , وابن زهرة في الغنية , والمحقق في المعارج , والعلامة في المباديء , وغيرهم .وعلق السيد رضا الصدر بعد ذكر هؤلاء الاعلام بقوله : (إن احتمال غفلة هؤلاء الأعاظم عن ذكر حكم إجماعي لمسألة مبتلى بها بين الناس بعيد جدا، سيما مع اتفاق أهل السنة على الجواز، مع عملهم المستمر على ذلك. و من ذلك يحصل الوثوق بأن عدم تعرض هؤلاء لمذهب إجماعي للإمامية لم يكن عن غفلة منهم . ثانياً : ويمكن مناقشة الدليل الثاني : وهو ظهور ادلة الكتاب والسنة في ارادة الرجوع الى الفقيه الحي , فيمكن القول بان هذه الادلة ليست ذات مفهوم لتدلنا على حصر الحجية في المفتي الحي وعدم شمولها للمفتي الميت , لانه يمكن ان تكون فتوى الميت حجة ايضاً , وبهذا لايمكن القول بانها تدل على عدم جواز تقليد الميت , بل جل ما تدل عليه هو انها غير دالة على الجواز , وللمتأمل بين الفرضين يجد البون البعيد . وكذلك ضعف رواية الاحتجاج ( من كان من الفقهاء ... ) وعدم صلاحيتها للاستدلال لمنع تقليد الميت ابتداءً , وبهذا لايمكن التعويل على الكتاب والسنة لاثبات المراد من دعوى دليليهما على عدم جواز تقليد الميت ابتداءً وحصر التقليد بالمجتهد الحي .الا ان السيد الخوئي (قدس سره ) اضاف بقوله : ( ثم إن الأدلة وإن لم تكن لها دلالة على عدم الحجية ، إلاّ أنه ظهر بما قدمناه أنه لا مجال للاستدلال باطلاقها على حجية فتوى الميت إذ لا إطلاق لها ، بل الأمر كذلك حتى على تقدير إطلاقها لما عرفت من أنه غير شامل للمتعارضين ) . المبحث الثاني : في البقاء على تقليد الميتبمعنى انه قلد المجتهد الحي ثم مات ذلك المجتهد فهل يبقى على تقليده ام انه ينتقل الى مجتهد حي ليقلده , فيه ايضاً خلاف بين الاعلام في الجواز مطلقاً او العدم كذلك او الفصل بين المسائل التي قلده فيها وعمل بها في حياته وبين غيرها بالجواز في الاول وعدم الجواز في الثاني . وفيه مطالب :المطلب الاول : احتمال موافقة فتوى الميت لفتوى الحي , وفيه صورتان :الصورة الاولى : احتمال الموافقة مع عدم العلم بالمخالفة بينهما .الصورة الثانية : احتمال الموافقة مع العلم بالمخالفة بينهما .اما الصورة الاولى , وهي احتمال الموافقة بينهما مع عدم العلم بالمخالفة , فيستدل عليها بما يلي :1- الاستصحاب : اي استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته , لان العامي كان موجوداً مستجمعاً للشرائط في زمن المجتهد الميت وقلده فترة من الزمن , فلا مانع من استصحاب حجية فتواه بعد الممات عند الشك في انها هل كانت ثابتة ومطلقة حتى بعد الممات , ام انها مقيدة بالحياة .وهذا الاستصحاب لايرد عليه الاشكال المتقدم الوارد على تقليد الميت ابتداءً , لان استصحاب بقاء الاحكام التكليفية والوضعية الظاهرية الناشئة من قيام رأي المجتهد وحجيته الثابتة في حق المقلد سابقاً في زمان حياته بناءً على ماهو التحقيق من كون مفاد دليل حجية الفتوى كسائر ادلة حجية الامارات وهو الامر بالمعاملة واحداث احكام تكليفية ظاهرية على طبق المؤدى , فاذا افتى المجتهد بوجوب السورة في الصلاة وحرمة العصير العنبي ونحو ذلك تكون هذه الاحكام بدليل حجية الفتوى ثابتة في حق المقلد ظاهراً ومنجزة عليه في زمن حياته وان لم يعمل بها فسقاً , فاذا شك في بقائها بعد موته لاجل الشك في حجية رأيه بعده يجري فيها استصحاب البقاء لتمامية اركانه من اليقين بالثبوت سابقاً والشك في البقاء لاحقاً واتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً . فيظهر من خلال ما ورد ان المستصحب هو الحكم الظاهري واركانه تامة وليس هو الحكم الواقعي ليرد عليه النقض بان الاستصحاب يعتبر في جريانه اليقين بتحقق المستصحب وحدوثه عند الشك في البقاء .ولافرق في ثبوت المستصحب باليقين الوجداني او التعبدي كما اذا ثبتت نجاسة العصير المغلي بالرواية وشككنا بوجه في بقائها , فيمكن حينئذ تحقق اليقين في ظرف الشك بحدوث المستصحب وان كان تعبدياً , كما لافرق بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية .بخلاف ما لو افتى المجتهد بنجاسة العصير العنبي بالغليان وشككنا فيها بعد موته للشك في حجية فتواه بعد الممات , فهنا لم يكن لنا يقين وجداني لدى الشك من ثبوت النجاسة للعصير بالغليان في حال حياة المفتي المجتهد , كذلك لايقين تعبدي لدينا بنجاسته وبما انه شك فيحتمل انقطاع حجية الفتوى بالممات , فلا يوجد طريق لاستكشاف نجاسة العصير بالغليان حتى يكون الاستصحاب في حال الشك في البقاء والارتفاع , وهذا من موارد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بفتوى المجتهد بعد موته الذي لايقين في حدوث المستصحب حين الشك ببقائه او ارتفاعه .2- اطلاقات الادلة : و يمكن تقرير الإطلاق بوجهين:أحدهما: أن تلك الأوصاف العنوانية بنفس مفاهيمها تشمل الأموات، مثلًا إذا قيل: اتفق الفقهاء، أو أجمعت العصابة، أو أطبقت العقلاء، أو قال النحاة، أو ذلك حديث الرواة، أو هذه سيرة الباحثين، فلا يشك أحد في عدم اختصاص هذه الأوصاف بالأحياء، و في أنها شاملة للأموات من هؤلاء الموصوفين.ثانيهما: أن شمول هذه الأوصاف للحي عند الاستنباط، و في حال الاجتهاد، و استخراج الحكم من الأدلة مما لا ريب فيه، فالإطلاق شامل له في حال حياته، و الرجوع إلى الميت باعتبار شمول الإطلاق له بذلك الاعتبار. فعلى ما بين تكون اية النذر تقتضي العمل على وفق ما انذر المنذر وهو حي ولم تختص ان يبقى على قيد الحياة , وكذلك اية السؤال والاخبار الامرة بالاخذ من زكريا ومحمد وزرارة , فالمطلقات شاملة للحي والميت على حد سواء لعدم العلم بمخالفتهما في الفتوى ومقتضاها بقاء الجواز على تقليد الميت .3- السيرة : ويمكن التمسك بها في المقام باعتبار ان سيرة العقلاء قائمة منذ القدم برجوع الجاهل الى العالم وصاحب الاختصاص , من دون فرق بين الحي والميت وهذا ما يشهد به الوجدان من رجوع العوام الى اهل الاختصاص في الحرف والصناعات والطب والرجوع الى القوانين بغض النظر عن حياة المقنن او مماته .وما افاده السيد الخوئي (قدس سره) في التنقيح : من ان الأدلة مقتضية لجواز البقاء ولا مانع عنه سوى الاجماع المدعى في كلام شيخنا الأنصاري (قدس سره) حيث استظهر من كلمات المجمعين وإطلاقها عدم جواز تقليد الميت مطلقاً ولو بحسب البقاء إلا أنه غير صالح للمانعية ، وذلك من أنا لم نعتمد على إجماعهم هذا في تقليد الميت الابتدائي فضلاً عن أن نستدل به على عدم جواز التقليد البقائي . فعلى ما تقدم تبين ان التفصيل بين الابتداء والبقاء في تقليد الميت هو الصحيح , فعلى نحو الابتداء لا يجوز , وعلى نحو البقاء يجوز في الجملة .تتمة في مسائل :الاولى : عدم اشتراط العمل بفتوى المجتهد الميت قبل موته , وهذا ما ذهب الية السيد ابو القاسم الخوئي (قدس سره) في تحقيقه لهذه المسألة حيث قال : (ان جواز البقاء على تقليد الميت او وجوبه لا يشترط فيه العمل برأيه في حياته ) . وذلك لان حجية فتوى المجتهد قبل موته غير مشروطة بعمل المكلف , وعند الشك في الفعلية وعدمها تستصحب الفعلية بعد الممات , وكذلك الادلة السابقة من الآيات الكريمة كآية الانذار وآية اهل الذكر , فان اطلاقها دليل على ان ثبوت الحجية على المكلف مطلقاً سواء عمل في حياة المجتهد بفتواه ام لم يعمل , ونفس الحكم في ادلة السيرة من رجوع الجاهل الى العالم فانها مطلقة من حيثية العمل بفتواه سواء عمل بها حال حياته ام لم يعمل .الثانية : يشترط في جواز او جوب البقاء على تقليد المجتهد الميت , ان يكون المقلد ذاكراً لفتواه , وذلك لان المقلد يحتاج الى رجوع جديد بعد نسيانه فتوى المجتهد الميت , وهذا الرجوع الجديد تقليد ابتدائي للميت , وقد ثبت عدم جوازه .الثالثة : وجوب العمل حال الامكان بالاحتياط ــــ المؤمن من العقاب ـــــ عند العلم بالمخالفة بين المجتهد الميت والحي الذي يسوغ الرجوع اليه في الفتوى , سواء اكان فتوى الميت ام الحي , مع عدم العلم باعلمية احدهما او مع تساويهما في الاعلمية , كما اذا افتى احدهما بالوجوب والآخر بالإباحة .الرابعة : تخيير المكلف في العمل على طبق اي منهما في حال عدم امكان الاحتياط , وهذا ما قامت عليه سيرة العقلاء في حال عالم الاجمالي باختلافهم في الاراء , المعبر عنه ( تنزل العقل الى الامتثال الاجمالي في حال لم يتمكن من الامتثال الجزمي ) الخاتمةبتوفيق من الحق سبحانه وتعالى , نضع السطور الاخيرة لهذا البحث المبارك الذي سعينا الى اخراجه بصورته الاخيرة , بعد التتبع والبحث فيمن كتب من الاعلام والاساطين في كتبهم الفقهية والاصولية , وبعد مراجعة امهات المصادر من كتاب الله الكريم والكتب اللغوية وما عهد الينا مراجعته من قبل الاستاذ الجليل والفاضل القدير جناب الشيخ الربيعي ( ادام الله بركاته ) , وبعد البحث في الادلة والشواهد والمناقشة والردود , رتبنا هذا السفر وعلى هذه المنهجية , مع الاعتراف بالتقصير وعدم الكمال , الا انها محاولة تتبعها محاولات , وخطوة تليها خطوات , وكلنا امل ان نصل الى مرتبة الرضا من اهل الفضل والفضيلة , والحمد لله رب العالمينوصلى الله على محمد وآله الطاهرين .المصادر :1- القرآن الكريم 2- بحوث في الاصول : الشيخ محمد حسين الغروي الاصفهاني .3- التنقيح في شرح العروة الوثقى : الشهيد الشيخ ميرزا علي الغروي .4- التقليد والاجتهاد : السيد رضا الصدر .5- الذريعة إلى أصول الشريعة : السيد علي بن الحسين المرتضى(علم الهدى)6- العدة في أصول الفقه : الشيخ محمد بن الحسن الطوسي .7- غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع : السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي .8- الكافي : الشيخ محمد بن يعقوب الكليني .9- كفاية الاصول : الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني .10- معارج الاصول : المحقق أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي 11- مبادئ الوصول الى علم الاصول : العلامة أبو منصور جمال الدين الحلي .12- المعجم الوسيط : إبراهيم أنيس - عبد الحليم منتصر 13- مستمسك العروة الوثقى : السيد محسن الطباطبائي الحكيم .14- نهاية الافكار : الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي .15- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : محمد بن الحسن الحر العاملي .16- الوصول الى كفاية الاصول : السيد محمد الحسيني الشيرازي .

تعليق