بسم الله الرحمن الرحيم ( ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ) اللسان أضر الجوارح
اعلم أن اكثر ما تقدم من الرذائل المذكورة في هذا المقام: من الكذب والغيبة، والبهتان، والشماتة، والسخرية، والمزاح وغيرها، وفي هذا المقام ـ اعني التكلم عن آفات اللسان وهو اضر الجوارح بالإنسان، وأعظمها اهلاكاً له، وآفاته اكثر من آفات سائر الأعضاء، وهي وان كانت من المعاصي الظاهرة، إلا أنها تودي إلى مساوىء الأخلاق والملكات. إذ الأخلاق انما ترسخ في النفس بتكرير الأعمال، والاعمال انما تصدر من القلب بتوسط الجوراح، وكل جارحة تصلح لأن تصدر منها الاعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة، وأن تصدر منه الاعمال القبيحة المورثة للاخلاق السيئة، فلابد من مراعاة القلب والجوراح معا بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور. وعمدة ما تصدر منه الذمائم الظاهرة المؤدية إلى الرذائل الباطنية هو اللسان، وهو أعظم آفة للشيطان في استغواء نوع الإنسان فمراقبته اهم، ومحافظته أوجب وألزم. والسر فيه ـ كما قيل: أنه من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فانه وإن كان صغيراً جرمه، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يتبين الإيمان والكفر إلا بشهادته، ولا يهتدى إلى شيء من أمور النشأتين إلا بدلالته، وما من موجود أو معدوم إلا وهو يتناوله ويتعرض له باثبات أو نفي، إذ كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان ما بحق أو باطل، ولا شيء إلا والعلم يتناوله.
وهذه خاصية لا توجد في سائر الاعضاء، إذ العين لاتصل إلى غير الالوان والصور، والاذن لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الاعضاء، واللسان رحب الميدان وسيع الجولان ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى ولا حد، فله في الخير مجال رحب، وفي الشر ذيل سحب، فمن اطلق عذبة اللسان واهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، واوقعه في أودية الضلالة والخذلان، وساقه الله شفا جرف هار، إلى ان يضطره إلى الهلاك والبوار، ولذلك قال سيد الرسل (صلى الله عليه واله ): " (هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ) " . فلا ينجي من شر اللسان إلا أن يقيد بلجام الشرع، ولا يطلق إلا فيما ينفع في الدنيا والآخرة، ويكف عن كل ما يخشى غائلته في العاجلة والآجلة، وعلم ما يحمد اطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، وهو أعصى الاعضاء على الإنسان، اذ لا تعب في تحريكه ولا مؤنة في اطلاقه فلا يجوز التساهل في الاحتراز عن آفاته وغوائله، وفي الحذر عن مصائده وحبائله.
والآيات والأخبار الواردة في ذمه وفي كثرة آفاته وفي الأمر بمحافظته والتحذير عنه كثيرة، وهي بعمومه تدل على ذم جميع آفاته مما مر ومما يأتي. قال الله سبحانه:
( ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد )
وقال : " لا خير في كثيرٍ من نجواهم، إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس (
وقال رسول الله (صلى الله عليه واله): " من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه، اتكفل له بالجنة ". وقال (صلى الله عليه واله وسلم): " من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه، فقد وقى "[4]: والقبقب: البطن والذبذب الفرج، واللقلق: اللسان. وقيل له (صلى الله عليه واله): " ما النجاة؟ قل: إملك عليك لسانك ". وقال (صلى الله عليه واله ): " اكبر ما يدخل الناس النار إلا جوفان: الفم، والفرج "، والمراد بالفم اللسان. وقال (صلى الله عليه واله ): " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ ". وقال له رجل: " ما أخوف ما يخاف علي؟ فاخذ بلسانه، وقال: هذا ". وقال (صلى الله عليه واله ): " لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه " وقال (صلى الله عليه واله): " إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فانما نحن بك، فان استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا " وقال له رجل: اوصني! فقال (صلى الله عليه واله ): أعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى وان شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله ـ وأشار بيده إلى لسانه " وقال(صلى الله عليه واله ): " ان الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ على ما يقول ". وقال (صلى الله عليه واله): " من لم يحسب كلامه من عمله، كثرت خطاياه وحضر عذابه ". وقال (صلى الله عليه واله): يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذبه به شيئاً من الجوارح، فيقول أي رب! عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً من الجوارح. فيقال له: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الارض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام. وعزتي وجلالي! لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من جوارحك " وقال (صلى الله عليه واله): " ان كان في شيء سوم ففي اللسان ". وقال أمير المؤمنين (ع) لرجل يتكلم بفضول الكلام: " يا هذا إنك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، ودع مالا يعنيك وقال أمير المؤمنين(ع): " المرء مخبوء تحت لسانه، فزن كلامك، واعرضه على العقل والمعرفة، فان كان لله وفي الله فتكلم وان كان غير ذلك فالسكوت خير منه، وليس على الجوارح عبادة اخف مؤنة وافضل منزلة واعظم قدراً عند الله كلام فيه رضى الله عز وجل ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده، ألا ان الله لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسر اليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام، وكذلك بين الرسل والامم، فثبت بهذا أنه أفضل الوسائل (والكلف والعبادة) . وكذلك لا معصية أثقل على العبد وأسرع عقوبة عند الله وأشدها ملامة واجلها سآمة عند الخلق منه، واللسان ترجمان الضمير وصاحب خبر القلب، وبه ينكشف ما في سر الباطن، وعليه يحاسب الخلق يوم القيامة، والكلام خمر يسكر العقول ما كان منه لغير الله وليس شيء احق بطول السجن من اللسان " وقال السجاد (ع): " إن لسان ابن آدم يشرف في كل يوم على جوارحه كل صباح فيقول: كيف اصبحتم؟ فيقولون بخير ان تركتنا ويقولون: الله الله فينا ويناشدونه ويقولون: انما نثاب ونعاقب بك "
كتاب جامع السعادات
اعلم أن اكثر ما تقدم من الرذائل المذكورة في هذا المقام: من الكذب والغيبة، والبهتان، والشماتة، والسخرية، والمزاح وغيرها، وفي هذا المقام ـ اعني التكلم عن آفات اللسان وهو اضر الجوارح بالإنسان، وأعظمها اهلاكاً له، وآفاته اكثر من آفات سائر الأعضاء، وهي وان كانت من المعاصي الظاهرة، إلا أنها تودي إلى مساوىء الأخلاق والملكات. إذ الأخلاق انما ترسخ في النفس بتكرير الأعمال، والاعمال انما تصدر من القلب بتوسط الجوراح، وكل جارحة تصلح لأن تصدر منها الاعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة، وأن تصدر منه الاعمال القبيحة المورثة للاخلاق السيئة، فلابد من مراعاة القلب والجوراح معا بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور. وعمدة ما تصدر منه الذمائم الظاهرة المؤدية إلى الرذائل الباطنية هو اللسان، وهو أعظم آفة للشيطان في استغواء نوع الإنسان فمراقبته اهم، ومحافظته أوجب وألزم. والسر فيه ـ كما قيل: أنه من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فانه وإن كان صغيراً جرمه، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يتبين الإيمان والكفر إلا بشهادته، ولا يهتدى إلى شيء من أمور النشأتين إلا بدلالته، وما من موجود أو معدوم إلا وهو يتناوله ويتعرض له باثبات أو نفي، إذ كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان ما بحق أو باطل، ولا شيء إلا والعلم يتناوله.
وهذه خاصية لا توجد في سائر الاعضاء، إذ العين لاتصل إلى غير الالوان والصور، والاذن لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الاعضاء، واللسان رحب الميدان وسيع الجولان ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى ولا حد، فله في الخير مجال رحب، وفي الشر ذيل سحب، فمن اطلق عذبة اللسان واهمله مرخي العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، واوقعه في أودية الضلالة والخذلان، وساقه الله شفا جرف هار، إلى ان يضطره إلى الهلاك والبوار، ولذلك قال سيد الرسل (صلى الله عليه واله ): " (هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ) " . فلا ينجي من شر اللسان إلا أن يقيد بلجام الشرع، ولا يطلق إلا فيما ينفع في الدنيا والآخرة، ويكف عن كل ما يخشى غائلته في العاجلة والآجلة، وعلم ما يحمد اطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، وهو أعصى الاعضاء على الإنسان، اذ لا تعب في تحريكه ولا مؤنة في اطلاقه فلا يجوز التساهل في الاحتراز عن آفاته وغوائله، وفي الحذر عن مصائده وحبائله.
والآيات والأخبار الواردة في ذمه وفي كثرة آفاته وفي الأمر بمحافظته والتحذير عنه كثيرة، وهي بعمومه تدل على ذم جميع آفاته مما مر ومما يأتي. قال الله سبحانه:
( ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد )
وقال : " لا خير في كثيرٍ من نجواهم، إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس (
وقال رسول الله (صلى الله عليه واله): " من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه، اتكفل له بالجنة ". وقال (صلى الله عليه واله وسلم): " من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه، فقد وقى "[4]: والقبقب: البطن والذبذب الفرج، واللقلق: اللسان. وقيل له (صلى الله عليه واله): " ما النجاة؟ قل: إملك عليك لسانك ". وقال (صلى الله عليه واله ): " اكبر ما يدخل الناس النار إلا جوفان: الفم، والفرج "، والمراد بالفم اللسان. وقال (صلى الله عليه واله ): " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ ". وقال له رجل: " ما أخوف ما يخاف علي؟ فاخذ بلسانه، وقال: هذا ". وقال (صلى الله عليه واله ): " لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه " وقال (صلى الله عليه واله): " إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فانما نحن بك، فان استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا " وقال له رجل: اوصني! فقال (صلى الله عليه واله ): أعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى وان شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله ـ وأشار بيده إلى لسانه " وقال(صلى الله عليه واله ): " ان الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ على ما يقول ". وقال (صلى الله عليه واله): " من لم يحسب كلامه من عمله، كثرت خطاياه وحضر عذابه ". وقال (صلى الله عليه واله): يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذبه به شيئاً من الجوارح، فيقول أي رب! عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً من الجوارح. فيقال له: خرجت منك كلمة بلغت مشارق الارض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام. وعزتي وجلالي! لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئاً من جوارحك " وقال (صلى الله عليه واله): " ان كان في شيء سوم ففي اللسان ". وقال أمير المؤمنين (ع) لرجل يتكلم بفضول الكلام: " يا هذا إنك تملي على حافظيك كتاباً إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، ودع مالا يعنيك وقال أمير المؤمنين(ع): " المرء مخبوء تحت لسانه، فزن كلامك، واعرضه على العقل والمعرفة، فان كان لله وفي الله فتكلم وان كان غير ذلك فالسكوت خير منه، وليس على الجوارح عبادة اخف مؤنة وافضل منزلة واعظم قدراً عند الله كلام فيه رضى الله عز وجل ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده، ألا ان الله لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسر اليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام، وكذلك بين الرسل والامم، فثبت بهذا أنه أفضل الوسائل (والكلف والعبادة) . وكذلك لا معصية أثقل على العبد وأسرع عقوبة عند الله وأشدها ملامة واجلها سآمة عند الخلق منه، واللسان ترجمان الضمير وصاحب خبر القلب، وبه ينكشف ما في سر الباطن، وعليه يحاسب الخلق يوم القيامة، والكلام خمر يسكر العقول ما كان منه لغير الله وليس شيء احق بطول السجن من اللسان " وقال السجاد (ع): " إن لسان ابن آدم يشرف في كل يوم على جوارحه كل صباح فيقول: كيف اصبحتم؟ فيقولون بخير ان تركتنا ويقولون: الله الله فينا ويناشدونه ويقولون: انما نثاب ونعاقب بك "
كتاب جامع السعادات
تعليق