بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد
والحمدالله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد
تبدأ أهميّة العلاقة بين الأم وطفلها بالظهور منذ اللحظات الأولى من حياة الطفل ، وتتمثل هذه الأهمّية في عوامل تبدو غير مترابطة في الظاهر ، لكن ينبغي في الواقع مراعاتها وفهمها فهماً صحيحاً . وربّما سأل سائل عن سبب توقّف الطفل عن البكاء فوراً عندما تحضنه أمّه بين ذارعيها ، أو عن سبب قدرة الطفل على تمييز الوجه البشري من بين الوجوه جميعاً ابتداء من لحظة الولادة . إن هذه العوامل تفسر لنا العناية الكبيرة بالولود الجديد في المستشفى منذ اللحظات الأولى من حياته .
ويتعرّف الوليد الجديد بسرعة على خواص أمّه ، فهو يشم رائحة جسمها ويحسّ بحرارته ، كما يتعرف على الخواصّ الأخرى لسلوكها . تلك هي بداية علاقة بين الطفل وأمه تظهر منذ الشهور الأولى من حياته، ولقد ثبت فعلاً أن الأطفال الحديثي الولادة ـ الذين تحضنهم أمهاتهم إلى صدروهن ـ يقلّ بكاؤهم ويتكيفون بصورة أسرع، ويتميزون بمزاج هادئ ، ويصبحون أقلّ عرضة للإصابة بالأمراض من الأطفال الذين يبقون بعيدين عن أمهاتهم .
ومن العوامل المهمة الأخرى صوت الأم ، فهو يمنح الطفل الدفء والأمن ، ويشرع الطفل بتمييزه ، فور سماعه ، عن الأصوات الأخرى جميعاً .
ومن الحقائق المعلومة كذلك أن الفترة الرئيسية في الاتصال الأولي بين الأم وطفلها هي فترة الاثنتي عشرة ساعة الأولى . والحقّ أن خمس عشر دقيقة حتى عشرين دقيقة من الإتصال بين الأم وطفلها تعدّ كافية لتوطيد علاقة صحيّة سليمة بينهما .
أما إرضاع الأم لطفلها من ثديها فقد أختلفت فيه وجهات النظر ولكن ماينبغي معرفته هنا أن الرضاعة من ثدي الأم ـ من الناحية النفسية ـ أفضل بكثير من الرضاعة بالزجاجة ، ذلك لأنها توجد رابطة لاتنفصم بين الطفل وأمّه ، فالطفل يشعر بلذّة لا توصف من التغذية بالثدي . والحقّ أن ارضاع الطفل من الثدي بعد الولادة مباشرة ، أي بعد تنظيفه وإلباسه ، ربما كان أفضل طريقة لايجاد ثقة متبادلة من الناحيتين النفسية والجسميّة بين الطفل وأمّه .
فهذه الرابطة القائمة على القرب والحنان هي من أقوى الغرائز الإجتماعية ، وهي تبدأ منذ الولادة والأمّ تحقق بذلك غرضاً واضحاً يمليه عليها وضع طفلها العاجز الضعيف ، فالطفل يحتاج إلى رعاية وحماية وإلى تغذية كافية ومؤانسة ، وهو يبدى أنواعاً من السلوك تعبّر عن رغبته في التماس الاتصال والاقتراب من الكبار ، كالبكاء والتعلّق بالكبار وتتبعهم بعينيه أو بكامل جسمه ، أو مجرّد الإمساك بذراعهم . وبهذه الصلة الوثيقة يتحقق هدف الطفل ، ويستطيع أن يسدّ حاجاته .
والحقّ أنّ قيام شخص كبير بتوفير الطعام للطفل ، ورعاية حاجاته الخاصّة الأخرى ، وقضاء قدر كبير من الوقت معه ، كل ذلك لا يؤدّي بالضرورة إلى ايجاد مشاعر المودّة ، بل يشيع حتماً جوّاً ملائماً ، ذلك أنّ مثل هذه الرابطة العاطفية يمكن أن تنمو نحو أشخاص لا يقومون بالباس الطفل أو بتغذيته ، بل يتجاوبون وإياه تجاوباً قوياً ، أي أنهم يرغبون في تكييف سلوكهم مع حاجات الطفل الخاصّة عن طريق اهتمامهم به وتعلّمهم اشاراته الخاصّة وتمييزها ، الأمر الذي يفسّر سبب تعلّق الطفل بأمّه دون المربيّة ، كما يفسّر كذلك سبب العاطفة التي يبديها الطفل نحو أمّه التي تقوم بمداعبته وتوليه اهتماماً بالغاً ، و في الحقيقة أن التعلّق بشخص واحد أو أكثر ليس مسألة ثابتة .
فهذا التعلّق يتغير شكلاً ومضموناً بما يتفق وسن الطفل ومواقفه وعلاقاته مع أبويه . فمع نموّ الطفل تزداد قدراته الحسيّة الحركيّة ، ويزداد تبعاً لذلك احتمال مواجهته لأشياء ومواقف جديدة توسع دائرة علاقاته الاجتماعيّة ، فيصبح وجود الأم غير ضروري لتوفير الحوافز للطفل بل لأداء وظائف مختلفة . ومهما يكن من أمر فإن دور الأمّ يبقى مهمّا في توفير التعليم لطفلها وتمكينه من ممارسة الأنشطة الثقافية والإجتماعية كافّة .
والله ولي التوفيق
تعليق