بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
فكان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أستاذ الفيلسوف منذ كان، ودليل الأديب إلى الأبد، لأنّه عرف ما يعرفه الفيلسوف والأديب معاً، وعرف ما لم يعرفاه، وهو الرابط العام بين مظاهر الطبيعة وما وراء الطبيعة، وبين الدنيا والدين، فلم يعرّف ما وراء الطبيعة إلاّ بما يهيمن على الطبيعة، ولم يفسّر الدين إلاّ بما يصلح الدنيا، وعبّر عن هذا التكامل الشامل بأقوال موجزة معجزة:
(من خاف الله، أخاف الله منه كلّ شي، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كلّ شيء).
(من أحبّ أن يكون أعزّ الناس فليتّق الله، ومن أحبّ أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله).
وقد بلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) في التجرّد لمعالجة الموضوع الذي يعرضه أن ترفّع عن التكلفة البلاغيّة إلى حدّ التقشّف، حتى يجري مع هدفه بعفوية عازفة عن كلّ التزويقات الأدبية، فإذا كان هنالك سجع موزون، فهو كما يكون من الطير في غنائه والبحر في هديره، والأسد في زئيره، يأتي من صنع الطبع الزاخر، الذي لا يعرف التكلّف والرياء، فيكون سجعاً يردّ النغم على النغم، ويذيب الوقع في الوقع، على قرارات لا أوزن منها على السمع، ولا أحب على الذوق. ومثال ذلك هذا القول الشهيّ الرقيق:
(الشمس والقمر، يبليان كلّ جديد، ويقربان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّ وعد ووعيد، فأعدّوا الجهاز، لبعد المجاز).
وتأمّل في هذا الكلام المسجّع، وفكّر في مقدار ما يشفّ عنه، من سلامة الذوق، وقوة الطبع:
(... فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة... وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواماً، فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويهتدي بفعالهم، وينتهي إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم...).
فلو حاولت إزاحة كلمة عن مكانها، أو استبدال لفظ مسجوع بآخر غير مسجوع، لبدا لك كيف أن السجع في هذه الرائعة، ضرورة فنيّة يقتضيها الطبع، الذي يمزج اللفظ بالمعنى، حتى لكلنهما من معدن واحد، فيبعث النثر شعراً له أوزانه وأنغامه، وليس له تكلّفة واصطناعه.
وقد تميّزت نظرات الرسول (صلى الله عليه وآله) الاجتماعية، بملاحظة نادرة غذّت خياله المبدع، فإذا بهيا تتعاون مع تجاربه الكثيرة، لتظهير المجتمع، في لوحات لها من الحياة أكثر ممّا للأحياء، فتعبّر عن واقعيّة صادقة، لها آفاق ترى، وأبعاد لا ترى إلاّ بالتأمّل الكثير.
فاستمع إليه، كيف يصوّر العاقل، ليعطي صورة ودرساً:
(... إذا أراد أن يتكلّم تدبّر، فإن كان خيراً تكلّم فغنم، وإن كان شرّاً سكت فسلم...).
وكيف يفسّر الظواهر الاجتماعية يبعضها، ليمنح فكرة وخبرة:
(لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أفضل من العقل).
وكيف ينبئ عن الغيب المجهول، لينذر ويحذّر، حتى تبحث العقول المذعورة عن ملجأ، فيأتي توجيهه إلى القرآن، كما يومئ النجم للتائهين:
(إذا التبست عليكم الأمور، كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن).
ويتسع أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) للحقوق العامّة، التي أكّد عليها في كلّ وصيّة صدرت منه إلى أحد، وكلّ عهد عقده لوالٍ، ويظهر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في كلّ تأكيداته على الحقوق العامة، جادّاً يتدفّق بصورة حارة، تشفّ عمّا وراءها من إيمان عميق، بضرورة إقامة مجتمع عادل تهيمن عليه إرادة السماء، وكرهٍ عنيد للمجتمع المتأرجح، بين حقّ مسلوب وضعيف مطلوب، وما يقدح بينهما من إعصار يلفّ الغاصب والمغصوب على السواء.
وبدت صرامته في الحقوق، حتى في وصاياه إلى ولاته العدول، ففي وصيته إلى (معاذ):
(... أنزل الناس منازلهم، خيرهم وشرهم، وأنفذ فيهم أمر الله، لا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنها ليست بولايتك ولا مالك...).
ورغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) رسول دين، يتوقع أن يكرّس أدبه لزحزحة الناس عن الدنيا ودفعهم إلى الآخرة، لم يجمد أدبه على التوجه إلى الآخرة، وإنما وزّع أدبه على حاجات الإنسان كلها، سواء أكانت حاجاته دنيوية أو أخروية، فكان أدباً جمّاً يضيء الدرب أمام الإنسان أنّى سار.
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
فكان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أستاذ الفيلسوف منذ كان، ودليل الأديب إلى الأبد، لأنّه عرف ما يعرفه الفيلسوف والأديب معاً، وعرف ما لم يعرفاه، وهو الرابط العام بين مظاهر الطبيعة وما وراء الطبيعة، وبين الدنيا والدين، فلم يعرّف ما وراء الطبيعة إلاّ بما يهيمن على الطبيعة، ولم يفسّر الدين إلاّ بما يصلح الدنيا، وعبّر عن هذا التكامل الشامل بأقوال موجزة معجزة:
(من خاف الله، أخاف الله منه كلّ شي، ومن لم يخف الله، أخافه الله من كلّ شيء).
(من أحبّ أن يكون أعزّ الناس فليتّق الله، ومن أحبّ أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله).
وقد بلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) في التجرّد لمعالجة الموضوع الذي يعرضه أن ترفّع عن التكلفة البلاغيّة إلى حدّ التقشّف، حتى يجري مع هدفه بعفوية عازفة عن كلّ التزويقات الأدبية، فإذا كان هنالك سجع موزون، فهو كما يكون من الطير في غنائه والبحر في هديره، والأسد في زئيره، يأتي من صنع الطبع الزاخر، الذي لا يعرف التكلّف والرياء، فيكون سجعاً يردّ النغم على النغم، ويذيب الوقع في الوقع، على قرارات لا أوزن منها على السمع، ولا أحب على الذوق. ومثال ذلك هذا القول الشهيّ الرقيق:
(الشمس والقمر، يبليان كلّ جديد، ويقربان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّ وعد ووعيد، فأعدّوا الجهاز، لبعد المجاز).
وتأمّل في هذا الكلام المسجّع، وفكّر في مقدار ما يشفّ عنه، من سلامة الذوق، وقوة الطبع:
(... فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة... وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى، لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواماً، فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، ويهتدي بفعالهم، وينتهي إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم...).
فلو حاولت إزاحة كلمة عن مكانها، أو استبدال لفظ مسجوع بآخر غير مسجوع، لبدا لك كيف أن السجع في هذه الرائعة، ضرورة فنيّة يقتضيها الطبع، الذي يمزج اللفظ بالمعنى، حتى لكلنهما من معدن واحد، فيبعث النثر شعراً له أوزانه وأنغامه، وليس له تكلّفة واصطناعه.
وقد تميّزت نظرات الرسول (صلى الله عليه وآله) الاجتماعية، بملاحظة نادرة غذّت خياله المبدع، فإذا بهيا تتعاون مع تجاربه الكثيرة، لتظهير المجتمع، في لوحات لها من الحياة أكثر ممّا للأحياء، فتعبّر عن واقعيّة صادقة، لها آفاق ترى، وأبعاد لا ترى إلاّ بالتأمّل الكثير.
فاستمع إليه، كيف يصوّر العاقل، ليعطي صورة ودرساً:
(... إذا أراد أن يتكلّم تدبّر، فإن كان خيراً تكلّم فغنم، وإن كان شرّاً سكت فسلم...).
وكيف يفسّر الظواهر الاجتماعية يبعضها، ليمنح فكرة وخبرة:
(لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أفضل من العقل).
وكيف ينبئ عن الغيب المجهول، لينذر ويحذّر، حتى تبحث العقول المذعورة عن ملجأ، فيأتي توجيهه إلى القرآن، كما يومئ النجم للتائهين:
(إذا التبست عليكم الأمور، كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن).
ويتسع أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) للحقوق العامّة، التي أكّد عليها في كلّ وصيّة صدرت منه إلى أحد، وكلّ عهد عقده لوالٍ، ويظهر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في كلّ تأكيداته على الحقوق العامة، جادّاً يتدفّق بصورة حارة، تشفّ عمّا وراءها من إيمان عميق، بضرورة إقامة مجتمع عادل تهيمن عليه إرادة السماء، وكرهٍ عنيد للمجتمع المتأرجح، بين حقّ مسلوب وضعيف مطلوب، وما يقدح بينهما من إعصار يلفّ الغاصب والمغصوب على السواء.
وبدت صرامته في الحقوق، حتى في وصاياه إلى ولاته العدول، ففي وصيته إلى (معاذ):
(... أنزل الناس منازلهم، خيرهم وشرهم، وأنفذ فيهم أمر الله، لا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنها ليست بولايتك ولا مالك...).
ورغم أن النبي (صلى الله عليه وآله) رسول دين، يتوقع أن يكرّس أدبه لزحزحة الناس عن الدنيا ودفعهم إلى الآخرة، لم يجمد أدبه على التوجه إلى الآخرة، وإنما وزّع أدبه على حاجات الإنسان كلها، سواء أكانت حاجاته دنيوية أو أخروية، فكان أدباً جمّاً يضيء الدرب أمام الإنسان أنّى سار.