بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
معنى الإعجاز:
قد ذكر للإعجاز في اللغة عدة معان: الفوت. وجدان العجز. إحداثه كالتعجيز. فيقال: أعجزه الأمر الفلاني أي فاته، ويقال: أعجزت زيدا أي وجدته عاجزا، أو جعلته عاجزا.
وهو في الاصطلاح أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهدا على صدق دعواه.
وإنما يكون المعجز شاهدا على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل، أو بحكم النقل الثابت عن نبي، أو إمام معلوم العصمة، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق، ولا يسمى معجزا في الاصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله:
مثال : كما إذا ادعى أحد النبوة بعد نبي الإسلام، فإن هذه الدعوى كاذبة قطعا بحكم النقل المقطوع بثبوته الوارد عن نبي الإسلام، وعن خلفائه المعصومين بأن نبوته خاتمة النبوات، وإذا كانت الدعوى باطلة قطعا، فماذا يفيد الشاهد إذا أقامه المدعي؟ ولا يجب على الله جل شأنه أن يبطل ذلك بعد حكم العقل باستحالة دعواه، أو شهادة النقل ببطلانها.
وقد يدعي أحد منصبا إلهيا ثم يأتي بشيء يعجز عنه غيره من البشر ويكون ذلك الشيء شاهدا على كذب ذلك المدعي ، كما يروى أن "مسيلمة" تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء، وأنه أمر يده على رؤوس صبيان بني حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كل صبي مسح رأسه، ولثغ كل صبي حنكه (1) فإذا أتى المدعي بمثل هذا الشاهد لا يجب على الله أن يبطله، فإن في هذا كفاية لإبطال دعواه، ولا يسمى ذلك معجزا في الاصطلاح.
وليس من الإعجاز المصطلح عليه ما يظهره الساحر والمشعوذ، أو العالم ببعض العلوم النظرية الدقيقة، وإن أتى بشيء يعجز عنه غيره، ولا يجب على الله إبطاله إذا علم استناده في عمله إلى أمر طبيعي من سحر، أو شعبذة، أو نحو ذلك وإن ادعى ذلك الشخص منصبا إلهيا، وقد أتى بذلك الفعل شاهدا على صدقه، فإن العلوم النظرية الدقيقة لها قواعد معلومة عند أهلها، وتلك القواعد لابد من أن توصل إلى نتائجها، وإن احتاجت إلى دقة في التطبيق، وعلى هذا القياس تخرج غرائب علم الطب المنوطة بطبايع الأشياء، وإن كانت خفية على عامة الناس، بل وإن كانت خفية على الأطباء أنفسهم.
وليس من القبيح أن يختص الله أحدا من خلقه بمعرفة شيء من تلك الأشياء، وإن كانت دقيقة وبعيدة عن متناول أيدي عامة الناس، ولكن القبيح أن يغري الجاهل بجهله، وأن يجري المعجز على يد الكاذب فيضل الناس عن طريق الهدى.
لابد للنبي من إقامة المعجز:
تكليف عامة البشر واجب على الله سبحانه، وهذا الحكم قطعي قد ثبت بالبراهين الصحيحة، والأدلة العقلية الواضحة، فإنهم محتاجون إلى التكليف في طريق تكاملهم، وحصولهم على السعادة الكبرى، والتجارة الرابحة. فإذا لم يكلفهم الله سبحانه، فإما أن يكون ذلك لعدم علمه بحاجتهم إلى التكليف، وهذا جهل يتنزه عنه الحق تعالى، وإما لأن الله أراد حجبهم عن الوصول إلى كمالاتهم، وهذا بخل يستحيل على الجواد المطلق، وإما لأنه أراد تكليفهم فلم يمكنه ذلك، وهو عجز يمتنع على القادر المطلق، وإذن فلابد من تكليف البشر، ومن الضروري أن التكليف يحتاج إلى مبلغ من نوع البشر يوقفهم على خفي التكليف وجليه:
{..ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}(8: 42).
ومن الضروري أيضا أن السفارة الإلهية من المناصب العظيمة التي يكثر لها المدعون، ويرغب في الحصول عليها الراغبون، ونتيجة هذا أن يشتبه الصادق بالكاذب، ويختلط المضل بالهادي. وإذن فلابد لمدعي السفارة أن يقيم شاهدا واضحا يدل على صدقه في الدعوى، وأمانته في التبليغ، ولا يكون هذا الشاهد من الأفعال العادية التي يمكن غيره أن يأتي بنظيرها، فينحصر الطريق بما يخرق النواميس الطبيعية.
وإنما يكون الإعجاز دليلا على صدق المدعي، لأن المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من الله تعالى، وإقدار منه، فلو كان مدعي النبوة كاذبا في دعواه، كان إقداره على المعجز من قبل الله تعالى إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى. فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقه، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته.
وما ذكرناه قاعدة مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما يشبه هذه الأمور، ولا يشكون فيها أبدا، فإذا ادعى أحد من الناس سفارة عن ملك من الملوك في أمور تختص برعيته، كان من الواجب عليه أولا أن يقيم على دعواه دليلا يعضدها، حين تشك الرعية في صدقه، ولابد من أن يكون ذلك الدليل في غاية الوضوح، فإذا قال لهم ذلك السفير: الشاهد على صدقي أن الملك غدا سيحيّيني بتحيته الخاصة التي يحيي بها سفراءه الآخرين. فإذا علم الملك ما جرى بين السفير وبين الرعية، ثم حياه في الوقت المعين بتلك التحية، كان فعل الملك هذا تصديقا للمدعي في السفارة ولا يرتاب العقلاء في ذلك لأن الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه أن يصدق هذا المدعي إذا كان كاذبا، لأنه يريد إفساد الرعية.
وإذا كان هذا الفعل قبيحا من سائر العقلاء كان محالا على الحكيم المطلق، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله في كتابه الكريم:
{ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}( 69: 44 – 46).
والمراد من الآية الكريمة أن محمدا الذي أثبتنا نبوته، وأظهرنا المعجزة لتصديقه، لا يمكن أن يتقول علينا بعض الأقاويل، ولو صنع ذلك لأخذنا منه باليمين، ولقطعنا منه الوتين، فإن سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء منا لها، وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء، كما وجب علينا في مرحلة الحدوث.
ولكن دلالة المعجز على صدق مدعي النبوة متوقفة على القول بأن العقل يحكم بالحسن والقبح. أما الأشاعرة الذين ينكرون هذا القول، ويمنعون حكم العقل بذلك فلا بد لهم من سد باب التصديق بالنبوة. وهذا أحد مفاسد هذا القول، وإنما لزم من قولهم هذا سد باب التصديق بالنبوة، لأن المعجز إنما يكون دليلا على صدق النبوة إذا قبح في العقل أن يظهر المعجز على يد الكاذب وإذا لم يحكم العقل بذلك لم يستطع أحد أن يميز بين الصادق والكاذب.
وقد أجاب "الفضل بن روزبهان" عن هذا الإشكال بأن فعل القبيح وإن كان ممكنا على الله تعالى، ولكن عادة الله قد جرت على تخصيص المعجزة بالصادق، فلا تظهر معجزة على يد الكاذب، ولا يلزم سد باب التصديق بالنبوة على قول الأشعريين. وهذا الجواب بين الضعف، متفكك العرى.
أولا: إن عادة الله التي يخبر عنها "ابن روزبهان" ليست من الأمور التي تدرك بالحس، ويقع عليها السمع والبصر، فينحصر طريق العلم بها بالعقل، وإذا امتنع على العقل أن يحكم بالحسن والقبح - كما يراه الأشعري - لم يكن لأحد أن يعلم باستقرار هذه العادة لله تعالى.
ثانيا: إن إثبات هذه العادة يتوقف على تصديق الأنبياء السابقين، الذين جاءوا بالمعجزات حتى نعلم أن عادة الله قد استقرت على تخصيص المعجزة بالصادق. أما المنكرون لتلك النبوات، أو المشككون فيها فلا طريق لهم إلى إثبات هذه العادة التي يدعيها "ابن روزبهان " فلا تقوم عليهم الحجة بالمعجزة.
ثالثا: إذا تساوى الفعل والترك في نظر العقل، ولم يحكم في ذلك بقبح ولا حسن، فأي مانع يمنع الله أن يغير عادته؟ وهو القادر المطلق الذي لا يسأل عما يفعل، فيظهر المعجزة على يد الكاذب.
رابعا: إن العادة من الأمور الحادثة التي تحصل من تكرر العمل، وهو يحتاج إلى مضي زمان. وعلى هذا فما هي الحجة على ثبوت النبوة الأولى الثابتة قبل أن تستقر هذه العادة؟ وسنتعرض لأقوال الأشعريين فيما يأتي، ونوضح وجوه فسادها.
خير المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر:
المعجز-كما عرفت - هو ما يخرق نواميس الطبيعة، ويعجز عنه سائر أفراد البشر إذا أتى به المدعي شاهدا على سفارة إلهية. ومما لا يرتاب فيه أن معرفة ذلك تختص بعلماء الصنعة التي يشابهها ذلك المعجز، فإن علماء أي صنعة أعرف بخصوصياتها، وأكثر إحاطة بمزاياها، فهم يميزون بين ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله وبين ما يمكنهم. ولذلك فالعلماء أسرع تصديقا بالمعجز. أما الجاهل فباب الشك عنده مفتوح على مصراعيه مادام جاهلا بمبادئ الصنعة، وما دام يحتمل أن المدعي قد اعتمد على مبادئ معلومة عند الخاصة من أهل تلك الصنعة، فيكون متباطئا عن الاذعان. ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يخص كل نبي بمعجزة تشابه الصنعة المعروفة في زمانه، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنه أسرع للتصديق وأقوم للحجة، فكان من الحكمة أن يخص موسى(عليه السلام) بالعصا واليد البيضاء لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون. ولذلك كانت السحرة أسرع الناس إلى تصديق ذلك البرهان والاذعان به، حين رأوا العصا تنقلب ثعبانا، وتلقف ما يأفكون ثم ترجع إلى حالتها الأولى. رأى علماء السحر ذلك فعلموا أنه خارج عن حدود السحر وآمنوا بأنه معجزة إلهية. وأعلنوا إيمانهم في مجلس فرعون ولم يعبأوا بسخط فرعون ولا بوعيده. وشاع الطب اليوناني في عصر المسيح (عليه السلام) وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب، كان للطب رواج باهر في سوريا وفلسطين، لأنهما كانتا مستعمرتين لليونان.
وحين بعث الله نبيه المسيح في هذين القطرين شاءت الحكمة أن تجعل برهانه شيئا يشبه الطب، فكان من معجزاته أن يحيي الموتى، وأن يبرئ الأكمه والأبرص. ليعلم أهل زمانه أن ذلك شيء خارج عن قدرة البشر، وغير مرتبط بمبادئ الطب، وأنه ناشئ عما وراء الطبيعة.
وأما العرب فقد برعت في البلاغة، وامتازت بالفصاحة، وبلغت الذروة في فنون الأدب، حتى عقدت النوادي وأقامت الأسواق للمباراة في الشعر والخطابة. فكان المرء يقدر على ما يحسنه من الكلام، وبلغ من تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم، وكتبوها بماء الذهب في القباطي، وعلقت على الكعبة، فكان يقال هذه مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره (2).
واهتمت بشأن الأدب رجال العرب ونساؤهم، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في شعر الشعراء. يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبة حمراء من الادم، فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها ليحكم فيها(3) ولذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الإسلام بمعجزة البيان، وبلاغة القرآن فعلم كل عربي أن هذا من كلام الله، وأنه خارج ببلاغته عن طوق البشر، واعترف بذلك كل عربي غير معاند.
ويدل على هذه الحقيقة ما روي عن ابن السكيت أنه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام):
"لماذا بعث الله موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله) وعلى جميع الأنبياء – بالكلام
والخطب؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والابرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام – وأظنه قال الشعر – فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم "(4).
وقد كانت للنبي معجزات أخرى غير القرآن، كشق القمر، وتكلم الثعبان، وتسبيح الحصى، ولكن القرآن أعظم هذه المعجزات شأنا، وأقومها بالحجة، لأن العربي الجاهل بعلوم الطبيعة وأسرار التكوين، قد يشك في هذه المعجزات، وينسبها إلى أسباب علمية يجهلها. وأقرب هذه الأسباب إلى ذهنه هو السحر فهو ينسبها إليه، ولكنه لا يشك في بلاغة القرآن وإعجازه، لأنه يحيط بفنون البلاغة، ويدرك أسرارها. على أن تلك المعجزات الأخرى مؤقتة لا يمكن لها البقاء، فسرعان ما تعود خبرا من الأخبار ينقله السابق للاحق، وينفتح فيه باب التشكيك. أما القرآن فهو باق إلى الأبد، وإعجازه مستمر مع الأجيال. وسنضع بحثا خاصا عن معجزات النبي غير القرآن، ونتفرغ فيه لمحاسبة من أنكر هذه المعجزات من الكتّاب المعاصرين وغيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل لابن الأثير: 2 / 38 1.
(2) العمدة: لابن رشيق: 1 / 78.
(3) شعراء النصرانية: 2 /. 64، ط. بيروت.
(4)اصول الكافي: 1 / 24، الحديث : 20.