إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ولادة النبي (صلى الله عليه وآله) ونشأته - الحلقة الثانية -

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ولادة النبي (صلى الله عليه وآله) ونشأته - الحلقة الثانية -

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

    4- والدة النبي (صلى الله عليه وآله) آمنة بنت وهب (عليها السلام)
    في الكافي: 1/454 ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (( لما ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فُتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام ، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة ، فأعلمته ما قالت آمنة ، فقال لها أبو طالب: وتتعجبين من هذا إنك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره)).

    وفي الكافي:8/302، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:((كان حيث طَلَقَتْ آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي (صلى الله عليه وآله) ، حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب ، فلم تزل معها حتى وضعت ، فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب !
    فبينما هما كذلك إذا دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما من أي شئ تعجبان ؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك ؟ فقالت: بلى ، فقال: أما إنك ستلدين غلاماً يكون وصي هذا المولود)).
    وفي الكافي:1/452(إصبري سبتاً أبشرك بمثله إلا النبوة ، وقال: السبت ثلاثون سنة وكان بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ثلاثون سنة)).ومعاني الأخبار/403 . وهو يدل على أن أبا طالب كان كأبيه يعلم بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله) وإمامة علي (عليه السلام) .
    وفي الكافي:8/300 ، بسند صحيح عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:(( لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله) جاء رجل من أهل الكتاب (الحاخام يوسف) إلى ملأ من قريش فيهم هشام بن المغيرة ، والوليد بن المغيرة ، والعاص بن هشام ، وأبو وجزة بن أبي عمرو بن أمية ، وعتبة بن ربيعة ، فقال: أوُلدَ فيكم مولودٌ الليلة ؟ فقالوا: لا ، قال: فولد إذاً بفلسطين غلام اسمه أحمد به شامة كلون الخز الأدكن ، ويكون هلاك أهل الكتاب واليهود على يديه ، قد أخطاكم والله يا معشر قريش !
    فتفرقوا وسألوا فأخبروا أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام فطلبوا الرجل فلقوه ، فقالوا: إنه قد ولد فينا والله غلام ! قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم ؟ قالوا: قبل أن تقول لنا ، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه ، فانطلقوا حتى أتوا أمه فقالوا: أخرجي ابنك حتى ننظر إليه ، فقالت: إن ابني والله لقد سقط وما سقط كما يسقط الصبيان ، لقد اتقى الأرض بيديه ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها ، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى ، وسمعت هاتفاً في الجو يقول: لقد ولدتيه سيد الأمة فإذا وضعتيه فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وسميه محمداً ، قال: فأخرجيه فأخرجته فنظر إليه ثم قلبه ونظر إلى الشامة بين كتفيه فخر مغشياً عليه !
    فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى أمه وقالوا: بارك الله لك فيه . فلما خرجوا أفاق فقالوا له: ما لك ويلك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة ! هذا والله من يُبيرهم ! ففرحت قريش بذلك ، فلما رآهم قد فرحوا قال: قد فرحتم ؟! أما والله ليسطون بكم سطوةً يتحدث بها أهل المشرق والمغرب)).
    وفي الكافي:1/446 ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:(( نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك ، وبطن حملك ، وحجر كفلك ، فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب ، والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب ، وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب. وفي رواية ابن فضال وفاطمة بنت أسد )).
    وفي الخصال/293، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (( هبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن الله عز وجل قد شفعك في خمسة: في بطن حملك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطلب ، وفي حجر كفلك ، وهو عبد المطلب بن هاشم ، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطلب أبو طالب ، وفي أخ كان لك في الجاهلية . قيل: يا رسول الله من هذا الأخ؟ فقال: كان أنسي وكنت أنسه ، وكان سخياً يطعم الطعام .
    قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: إسم هذا الأخ الجلاس بن علقمة)).
    أقول: هم من أهل الجنة(عليهم السلام)، وهذه الشفاعة كرامة خاصة أهداها الله لنبيه وكرمه بتكريم هؤلاء برفع درجتهم في الجنة . وليس معناها كما تخيل البعض أنهم بدون شفاعته من أهل النار .
    وروى في الكافي:5/50 ، عن الإمام الصادق افتخار النبي (صلى الله عليه وآله) بأمه وجداته قال (عليه السلام) : ((أغار المشركون على سرح المدينة فنادى فيها مناد: يا سوء صباحاه ! فسمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخيل ، فركب فرسه في طلب العدو وكان أول أصحابه لحقه أبو قتادة على فرس له وكان تحت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرج دفتاه ليف ليس فيه أشر ولا بطر ، فطلب العدو فلم يلقوا أحداً ، وتتابعت الخيل فقال أبو قتادة: يا رسول الله إن العدو قد انصرف فإن رأيت أن نستبق؟ فقال: نعم ، فاستبقوا فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) سابقاً عليهم ، ثم أقبل عليهم فقال: أنا ابن العواتك من قريش ، إنه لهو الجواد البحر ، يعني فرسه)).
    وفسره في الحدائق:22/356 ، فقال:(( جمع عاتكة وهي المرأة المجمرة بالطيب ، وكان هذا الاسم لثلاث نسوة من أمهاته (صلى الله عليه وآله) إحداهن عاتكة بنت هلال أم عبد مناف بن قصي ، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال ، أم هاشم بن عبد مناف ، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال ، أم وهب أبي آمنة أم النبي (صلى الله عليه وآله) ، فالأولى من العواتك عمة الثانية ، والثانية عمة الثالثة ، قيل: وبنو سليم كانوا يفتخرون بهذه الولادة . وقيل: العواتك في جدات النبي (صلى الله عليه وآله) تسع ثلاث من بني سليم وهن المذكورات ، والبواقي من غيرهم )).
    وفي كمال الدين/196:(( فروي عنها أنها قالت: لما حملت به لم أشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل ، فرأيت في نومي كأن آت أتاني فقال لي: قد حملت بخير الأنام ، فلما حان وقت الولادة خفَّ عليَّ ذلك حتى وضعته ، وهو يتقي الأرض بيده وركبتيه ، وسمعت قائلاً يقول: وضَعْتِ خير البشر فعوَّذيه بالواحد الصمد من شر كل باغ وحاسد . فولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة مضت (بقيت) من ربيع الأول يوم الإثنين .
    فقالت آمنة: لما سقط إلى الأرض اتقى الأرض بيديه وركبتيه ورفع رأسه إلى السماء ، وخرج مني نور أضاء ما بين السماء والأرض...
    وكان بمكة يهودي يقال له يوسف ، فلما رأى النجوم يقذف بها وتتحرك ، قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة ، وهو الذي نجده في كتبنا أنه إذا ولد وهو آخر الأنبياء ، رجمت الشياطين وحجبوا عن السماء ! فلما أصبح جاء إلى نادي قريش فقال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ قالوا: لا قال: أخطأتم والتوراة ولد إذاً بفلسطين وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، فتفرق القوم. فلما رجعوا إلى منازلهم أخبر كل رجل منهم أهله بما قال اليهودي فقالوا: لقد ولد لعبد الله بن عبد المطلب ابن في هذه الليلة ، فأخبروا بذلك يوسف اليهودي فقال لهم قبل أن أسألكم أو بعده ؟ قالوا: قبل ذلك ، قال: فاعرضوه عليَّ ، فمشوا إلى باب آمنة فقالوا: أخرجي ابنك ينظر إليه هذا اليهودي ، فأخرجته في قماطه فنظر في عينيه ، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء بين كتفيه وعليها شعرات ، فلما نظر إليه وقع على الأرض مغشياً عليه ، فتعجبت منه قريش وضحكوا منه ! فقال: أتضحكون يا معشر قريش ، هذا نبي السيف ليتبرنكم ، وقد ذهبت النبوة من بني إسرائيل إلى آخر الأبد ! وتفرق الناس وهم يتحدثون بخبر اليهودي !
    ونشأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في اليوم كما ينشأ غيره في الجمعة ، وينشأ في الجمعة كما ينشأ غيره في الشهر )). ونحوه في أمالي الصدوق/361.
    5- بعض الآيات الربانية عند ولادته (صلى الله عليه وآله)
    في أمالي الصدوق/360 ، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال:((كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع ، فلما ولد عيسى (عليه السلام) حجب عن ثلاث سماوات . وكان يخترق أربع سماوات ، فلما ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجب عن السبع كلها ، ورميت الشياطين بالنجوم ، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه ! وقال عمرو بن أمية ، وكان من أزجر أهل الجاهلية: أنظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف ، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ ، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث !
    وأصبحت الأصنام كلها صبيحة مولد النبي (صلى الله عليه وآله) ليس منها صنم إلا وهو منكبٌّ على وجهه ، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرفة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وفاض وادي السماوة ، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، ورأى المؤبذان (عالم المجوس) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً ، قد قطعت دجلة وانسربت في بلادهم ، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه ، وانخرقت عليه دجلة العوراء ، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ، ثم استطار حتى بلغ المشرق ، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح مُنكَّساً ، والملك مُخْرَسّاً ، لا يتكلم يومه ذلك ، وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة ، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها ، وعظمت قريش في العرب ، وسموا آل الله عز وجل .
    قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) : إنما سموا آل الله عز وجل ، لأنهم في بيت الله الحرام. وقالت آمنة: إن ابني والله سقط فاتقى الأرض
    بيده ، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها ، ثم خرج مني نور أضاء له كل شئ ، وسمعت في الضوء قائلاً يقول: إنك قد ولدت سيد الناس
    فسميه محمداً ، وأتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمه فأخذ فوضعه في حجره ، ثم قال:
    الحمد لله الذي أعطاني


    هذا الغلام الطيب الأردانِ

    قد سـاد في المهـد علـى الغلمـانِ

    ثم عوذه بأركان الكعبة وقال فيه أشعاراً . قال: وصاح إبليس لعنه الله في أبالسته فاجتمعوا إليه فقالوا: ما الذي أفزعك يا سيدنا ؟ فقال لهم:
    ويلكم ، لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة ، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ، ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم ، فاخرجوا
    وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث ، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً ! فقال إبليس: أنا لهذا الأمر . ثم انغمس في الدنيا
    فجالها حتى انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوفاً بالملائكة ، فذهب ليدخل فصاحوا به فرجع ، ثم صار مثل الصِّر وهو العصفور فدخل من
    قبل حراء ، فقال له جبرئيل: وراءك لعنك الله . فقال له: حرف أسألك عنه يا جبرئيل ، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض؟
    فقال له: ولد محمد (صلى الله عليه وآله) ! فقال له: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا. قال: ففي أمته ؟ قال: نعم. قال: رضيت)). ومناقب آل أبي
    طالب:1/29.
    وفي دعائم الإسلام:2/142، في تفسير قوله تعالى في سورة الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا: (( عن علي (عليه السلام) قال: كنا مع رسول الله ذات ليلة إذ رمي نجم فاستضاء ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : للقوم: ما كنتم تقولون في وقت الجاهلية إذا رأيتم مثل هذا ؟ قالوا: كنا نقول: مات عظيم وولد عظيم ، فقال: فإنه لايرمى بها لموت أحد ولا لحياة أحد ، ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبَّح حملة العرش فقالوا: قضى ربنا بكذا ، فيسمع ذلك أهل السماء التي تليهم فيقولون ذلك . حتى يبلغ ذلك أهل السماء الدنيا ، فتسترق الشياطين السمع فربما اعتقلوا شيئاً فأتوا به الكهنة ، فيزيدون وينقصون ، فتخطئ الكهنة وتصيب .
    ثم إن الله منع السماء بهذه النجوم فانقطعت الكهانة فلا كهانة ، وتلا قول الله عز وجل: إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ، وقوله جل ثناؤه: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَداً)). ومفصلاًُ في تفسير القمي:2/4.
    6- رضاع النبي (صلى الله عليه وآله) من أمه آمنة(عليها السلام) ونشأته في البادية
    (( روى أبو الحسن البكري في كتابه الأنوار قال: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة أنه كان من عادة أهل مكة إذا تم للمولود سبعة أيام ، التمسوا له مرضعة ترضعه... ثم ذكر أن الهاتف أخبر آمنة بأن مرضعته في بني سعد ، وإسمها حليمة ، فظلت تتوقع مجيئها حتى جاءت فأعطتها إياه )). (الصحيح من السيرة: 2/83).
    أقول: أكثروا الروايات في رضاع النبي (صلى الله عليه وآله) فضاعت الحقيقة في مكذوباتهم ! قالوا إن أمه (صلى الله عليه وآله) لم ترضعه لأنها كانت قليلة اللبن ، أو أرضعته أياماً قليلة ، ثم أرضعته ثويبة أمة أبي لهب أياماً ، ثم جاءت حليمة !
    والصحيح أن أمه(عليها السلام) أرضعته مدة قد تزيد علة السنة ، ثم أعطاه جده لزوج حليمة لينشأ في باديتهم قرب الطائف ، فقد صحح الشهيد الثاني (رحمه الله) وغيره افتخار النبي (صلى الله عليه وآله) برضاعه الأول من أمه ، ثم بنشأته في بني سعد . قال في شرح اللمعة:5/165، والمسالك:1/376:(( قال النبي (صلى الله عليه وآله) : أنا أفصح العرب ، بَيْدَ أني من قريش ونشأت في بني سعد ، وارتضعت من بني زهرة. وكانت هذه القبائل أفصح العرب ، فافتخر (صلى الله عليه وآله) بالرضاع كما افتخر بالنسب)). والمجموع: 18/227.
    فرضاعه الأول من أمه آمنة بنت وهب الزهرية(عليها السلام) ، هو المؤثر في شخصيته ورضاعه الثاني من حليمة مكمل له ! وقوله (صلى الله عليه وآله) ( ارتضعت من بني زهرة)) لا يتحقق إلا بأن يكون رضع من حليب أمه شهوراً ، أو سنة حتى صار يأكل .
    أما الحديث المشهور:(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد)) (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد)) (الفايق: 1/9و126).
    فقد شهد علماء الجرح والتعديل بأنه لا أصل له ! (كشف الخفاء: 1/200).
    ومع ذلك صححوه ! فهل رأيت حديثاً صحيحاً لا أصل له !
    وقد تناقضت روايتهم في كيفية أخذ حليمة له ومدة إرضاعه ! ولم أجد ما يطمأن اليه في ذلك عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) . والأمر المؤكد أن عبد المطلب (رحمه الله) سلمه الى زوجها الحارث السعدي ، فأخذه الى منازلهم في بادية الطائف ، وربما أرضعته حليمة مدة من الزمن ، وأعادته الى جده فأكرمهم .
    ومن مقولاتهم الكاذبة أن ثويبة مولاة أبي لهب أو امرأته أرضعته (صلى الله عليه وآله) !
    ولعل غرضهم تخفيف العذاب عن أبي لهب (البخاري: 6/125) لأنه حليف أعداء النبي الذين حكموا دولته بعده !
    ومنها ، قولهم إنه (صلى الله عليه وآله) كان يتيماً فزهدت فيه المرضعات ، مع أنه حفيد عبد المطلب زعيم العرب على الإطلاق !
    ومنها ، قولهم إن الله أرسل ملكين فشقّا صدره (صلى الله عليه وآله) وغسلا قلبه من الرجس ! وكأنه كان فيه رجس ! وقد صححه الذهبي في تاريخه:1/49 ، وقال:(( إن جبريل شرح صدره مرتين في صغره ووقت الإسراء به)).
    ولم أجد في ذلك عن أهل البيت(عليهم السلام)شيئاً يطمأن اليه .
    وقد روي أن حليمة السعدية رحمها الله توفيت قبل هجرته (صلى الله عليه وآله) فبكى لها ، كما وقعت ابنتها الشيماء في أسر المسلمين ، وكانت تحضنه (صلى الله عليه وآله) فأكرمها .
    ففي الكافي: 2/161، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال(إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتته أخت له من الرضاعة فلما نظر إليها سُرَّ بها وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها ، ثم أقبل يحدثها ويضحك في وجهها ، ثم قامت وذهبت وجاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها ، فقيل له: يا رسول الله صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل ؟! فقال: لأنها كانت أبر بوالديها منه )).

    وفي جواهر العقود: 2/161: (( روي أن وفد هوازن قدموا على النبي(ص) فكلموه في سبي أوطاس: فقال رجل من بني سعد: يا محمد ، إنا لو كنا ملَّحنا للحارث بن أبي شمر (ملك الشام) أو للنعمان بن المنذر (ملك الحيرة) ثم نزل منزلك هذا منا لحفظ ذلك لنا ، وأنت خير المكفولين فاحفظ ذلك. وإنما قالوا له ذلك لأن حليمة التي أرضعت النبي كانت من بني سعد )). وفسروا ملَّحْنَا بأرضعنا .
    وفي البحار:22/262:(( لم يكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قرابة من جهة أمه إلا من الرضاعة فإن أمه آمنة بنت وهب لم يكن لها أخ ولا أخت.. إلا أن بني زهرة يقولون: نحن أخواله لأن آمنة منهم ، ولم يكن لأبويه عبد الله وآمنة ولد غيره.. وكان له خالةٌ من الرضاعة يقال لها سلمى ، وهي أخت حليمة بنت أبي ذؤيب ، وله أخوان من الرضاعة عبد الله بن الحارث وأنيسة بن الحارث ، أبوهما الحارث بن عبد العزى بن سعد بن بكر بن هوزان )). انتهى.
    وقد سمتها بعض الروايات الشيماء ، وسماها في الفضائل/87: حُرَّة ، وروى قصتها مع الحجاج ، قال:‌(( لما وردت حرة بنت حليمة السعدية على الحجاج بن يوسف الثقفي فمثلت بين يديه‌ قال لها: الله‌ جاء بك ، فقد قيل عنك إنك تفضلين علياً على أبي بكر وعمر وعثمان؟! فقالت: لقد كذب الذي قال إني أفضله‌ على هؤلاء خاصة ؟ قال: وعلى من غير هؤلاء ؟ قالت: أفضله‌ على آدم ونوح ولوط وإبراهيم وعلى موسى وداود وسليمان وعيسى بن مريم ! فقال لها: ويلك أقول لك إنك تفضلينه على الصحابة وتزيدين عليهم سبعة من الأنبياء من أولي العزم من الرسل؟ إن لم تأت ببيان ما قلت وإلا ضربت عنقك ! فقالت: ما أنا مفضلته‌ على هؤلاء الأنبياء ، ولكن الله‌ عز وجل فضله‌ عليهم في القرآن..الخ.)).
    أقول: لعل هذه ابنة الشيماء أخت النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلو كانت نفسها لكان عمرها في زمن الحجاج أكثر من مئة سنة !
    وفي كنز الفوائد/72، مرسلاً:(( وشرف الله تعالى حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية برضاعه وخصها بتربيته ، وكانت ذات عقل وفضل ، فروت من آياته ما يبهر عقول السامعين ، وأغناها الله ببركته في الدنيا والدين ، وكان لايرضع إلا من ثديها اليمين. قال ابن عباس: ألهم العدل حتى في رضاعه ، لأنه علم أن له شريكاً فناصفه عدلاً منه (صلى الله عليه وآله) !
    قالت حليمة... ولم أر قط ما يرى للأطفال طهارة ونظافة ، وإنما كان له وقت واحد ثم لايعود إلى وقته من الغد ، وما كان شئ أبغض إليه من أن يرى جسده مكشوفاً ، فكنت إذا كشفته يصيح حتى أستر عليه...
    وكان بنو سعيد يرون البركات بمقامه معهم وسكناه بينهم ، حتى أنهم كانوا إذا عرض لدوابهم بؤس أتوا بها إليه ليمسها بيده فيزول ما بها وتعود إلى أحسن حالها ! ولم يزل كذلك الى أن ردته حليمة إلى أهله فاشتمل عليه جده عبد المطلب يحبوه التحف ويمنحه الطرف ، ويعد قريشاً به ويخبرهم بما يكون من حاله ، إلى أن دنت وفاته فوضعه في حجر أبي طالب وأوصاه به ، وأمره بحياطته ورعايته ، وعرفه ما يكون من أمره)).
    وفي مناقب آل أبي طالب:1/32: (( وروي عن حليمة أنه جلس محمد وهو ابن ثلاثة أشهر ، ولعب مع الصبيان وهو ابن تسعة ، وطلب مني أن يسير مع الغنم يرعى وهو ابن عشرة ، وناضل الغلمان بالنبل وهو ابن خمسة عشر ، وصارع الغلمان وهو ابن ثلاثين ، ثم رددته إلى جده)).
    وفي الإختصاص/187، أن أعرابياً سأله:((يا رسول الله من أدبك ؟ قال: الله أدبني وأنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش وربيت في حجر من هوازن ، بني سعد)).
    7- يُتْمُ النبي (صلى الله عليه وآله) ووفاة والديه قبل السابعة من عمره
    قال اليعقوبي: 2/10:(( توفي عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله على ما روي عن جعفر بن محمد (عليه السلام) بعد شهرين من مولده...عند أخوال أبيه بني النجار في دار تعرف بدار النابغة ، وكانت سنه يوم توفي خمساً وعشرين سنة...
    وتوفيت أمه آمنة بنت وهب...بعد ما أتى عليه ست سنين وثلاثة أشهر ، ولها ثلاثون سنة. وكانت وفاتها بموضع يقال له الأبواء بين مكة والمدينة )).
    وقال الحموي في معجم البلدان:1/79: (( وبالأبواء قبر آمنة بنت وهب أم النبي وكان السبب في دفنها هناك أن عبد الله والد رسول الله (ص) كان قد خرج إلى المدينة يمتار تمراً فمات بالمدينة ، فكانت زوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، تخرج في كل عام إلى المدينة تزور قبره ، فلما أتى على رسول الله (ص) ست سنين خرجت زائرة لقبره ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله (ص) ، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها ، ويقال إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة وحمل معه آمنة أم رسول الله فلما رجع منصرفاً إلى مكة ، ماتت آمنة بالأبواء)).
    وقال ابن سعد:1/116:((كان رسول الله (ص) مع أمه آمنة بنت وهب فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به ، ومعه أم أيمن تحضنه وهم على بعيرين ، فنزلت به في دار النابغة فأقامت به عندهم شهراً. فكان رسول الله (ص) يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك: لما نظر إلى أطَمِ بني عدي بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم ، وكنت مع غلمان من أخوالي نطيِّر طائراً كان يقع عليه.
    ونظر إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب ، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار ، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه ، فقالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته ، فوعيت ذلك كله من كلامه ، ثم رجعت به أمه إلى مكة فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب فقبرها هناك ، فرجعت به أم أيمن على البعيرين اللذين قدموا عليهما مكة ، وكانت تحضنه مع أمه ثم بعد أن ماتت. فلما مرَّ رسول الله(ص) في عمرة الحديبية بالأبواء قال: إن الله قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه ، فأتاه رسول الله(ص) فأصلحه وبكى عنده ، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله (ص))). راجع في ترجمة أم أيمن الملحق رقم (5) .
    أقول: زعم أتباع مذاهب (الخلافة) أن والدة النبي (صلى الله عليه وآله) آمنة(عليها السلام) في جهنم ! وأنه استأذن ربه في زيارة قبرها وهو في طريقه الى الحديبية فأذن له ، فبكى وأجهش بالبكاء طويلاً وأبكى المسلمين معه ، واستأذن ربه أن يستغفر لها فلم يأذن له ، وأبقاها في نار جهنم والنبي يرى عذابها !
    ففي شرح مسند أبي حنيفة للقاري/335: ((فمكث طويلاً ثم اشتد بكاؤه حتى ظننا أنه لا يسكن.. قال: استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي ، فاستأذنته في الشفاعة فأبى ، فبكيت رحمة لها )) !
    وفي تفسير الطبري: 11/58:(( وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ )) !
    وفي السيرة الحلبية:1/173:((وفي رواية إن جبريل ضرب في صدره قال: لا تستغفر لمن مات مشركاً ، فما رؤى باكياً أكثر منه يومئذ )) ! انتهى.
    وقال محمد ناصر الألباني في أحكام الجنائز/187:((عن أبي هريرة قال: زار النبي (ص) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي)) ! (مسلم:3/65، وأبو داود:2/72).
    أقول: هكذا صوروا ربهم عز وجل قاسياً لايرحم عواطف نبيه الإنسانية تجاه والدته ، ولا يعبأ ببكائه وحرقته عليها ، ولايسمح له أن يقول: اللهم اغفر لها ! فالمهم عندهم أن يكون آباء النبي (صلى الله عليه وآله) وأمهاته في النار! لأنهم إذا كانوا مؤمنين كان آله(عليهم السلام)ورثة إسماعيل دونهم ! وكانت الخلافة في عترة النبي (صلى الله عليه وآله) دونهم !
    والحمد لله أنهم كذبوا أنفسهم ، فرووا أن هذه الآية نزلت قبل الحديبية وأن سبب نزولها غير هذا ! ثم كذبوا أنفسهم فرووا أن النبي (صلى الله عليه وآله) شفع لعمه أبي طالب (عليه السلام) فنقله من قعر جهنم الى ضحضاحها ! (صحيح بخاري: 4/247 ) !
    ثم كذبوا أنفسهم فرووا في قوله تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، ((قال (ص)( أجورهم: يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله: الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا )). (الدر المنثور: 2/249).
    وروى ابن ماجة: 2/1215: (( يُصَفُّ الناس يوم القيامة صفوفاً فَيَمُرُّ الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟ قال: فيشفع له. ويمر الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً ؟ فيشفع له )) !
    لكنهم ضيقوا رحمة الله على والدي النبي (صلى الله عليه وآله) وأجداده وعمه أبي طالب(عليهم السلام)، وقلدوا اليهود فنسبوا الى الله تعالى القسوة على رسوله وأحب خلقه اليه (صلى الله عليه وآله) ! وكل ذلك لأنهم بحاجة الى تكفير أسرته(عليهم السلام) ، ليرثوا سلطانه ويبعدوا عترته !
    قل للمغيب تحت أطباق الثرى إن كنت تسمع صرختي و ندائيا
    صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا
    ************
    السلام عليكِ يا أم أبيها
يعمل...
X