بسم الله الرحمن الرحيم
يقول صاحب (الميزان ج17 ص43) : المراد بالعلماء العلماء بالله وهم الذين يعرفون الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفة تامة تطمئن بها قلوبهم وتزيل وهمة الشك والقلق عن نفوسهم وتظهر آثارهم في أعمالهم فيصدق فعلهم قولهم.
إذن ليس المقصود من العلماء في الآية مطلق العلماء بل المقصود فئه خاصة منهم وهم الذين اوضحهم الإمام الصادق (عليه السلام ) بقوله يعني بالعلماء من صدّق قوله فعله،ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم وقد صرح الإمام الباقر (ع) في حديث آخر: ان الذي يحرم الخشية لا يكون عالماً حتى لو شق الشعر بمتشابهات العلم.
وفي (تفسير الأمثل ج14 ص77 ): ملخص القول، ان العلماء ـ بالمنطق القرآني ـ ليسوا أولئك الذين تحولت ادمغتهم إلى صناديق للآراء والأفكار المختلفة من هنا وهناك، ومليئه بالقوانين والمعادلات العلمية للعالم وتلهج بها ألسنتهم ،أو الذين سكنوا المدارس والجامعات والمكاتب بل ان العلماء هم أصحاب النظر الذين اضاء نور العلم والمعرفة كل وجودهم بنور الله والإيمان والتقوى والذين هم أشد الناس بتكاليفهم مع ما يستشعرونه من عظم المسؤولية إزاءها.
وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) انه قال لهشام: (والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم والتعلم بالعقل يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني ومعرفة العلم بالعقل ثم قال انه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابته يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ولا يكون احد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً وسره لعلانيته موافقاً).
وقال المازندراني في شرح قول الإمام (- ج 1 - ص 175 – 176 ):
(إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله) لأن من لم يكن علمه بذات الله وصفاته وشرائعه وأركان الأعمال وشرائطها وأحوال الآخرة مستندا إلى الله تعالى بأحد الوجهين المذكورين كان علمه ، إما تقليدا محضاً كما في أكثر العوام ،وإما رأيا وقياسا كما في أكثر الناس ، وإما ظنا وتخمينا وجدليا كما في أكثر المتكلمين الذين وضعوا لأنفسهم دلائل على هذه الأمور واستحسنوها وكل ذلك لا يوجب الخوف من الله سبحانه والخشية من عذابه ، أما التقليد فظاهر لأنه لم يحصل لهم من الحقيقة الإلهية إلا الاسم ومن حقيقة الأحكام الشرعية وأركانها وشرائطها إلا الرسم ، ومن أحوال الآخرة وشدايد أهوالها إلا اللفظ ، والخوف منوط بادراك حقائق هذه الأمور ، وأما القياس فهو أيضا ظاهر وكذا تخمين المتكلمين على أن أكثرهم القائلين بالفاعل المختار ينكرون السببية في الممكنات ويجوزون مغفرة الكافر الشقي ومعاقبة المؤمن السعيد فلا يحصل لهم خوف وخشية ، وإذا انتفى الخوف انتفى العمل وكماله والجد فيه ، وأما العلماء الراسخون الآخذون علومهم من مشكاة النبوة فهم يعلمون الحقائق كما هي وصفات الواجب وما يجوز له وما يمتنع عليه وأحكام الدين وأركانها وشرائطها وأحوال الآخرة وشدائد أهوالها كأنهم يشاهدونها ويعلمون أن الله تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة وأن ما يرجع إليهم من الخير والشر فهو من نتايج نفوسهم ولوازم أخلاقهم وتبعات أعمالهم وأفعالهم فيخافون من الله عز شأنه غاية الخوف كما قال سبحانه ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) فلا جرم يعملون في الدنيا للآخرة ويسعون لها غاية السعي ويحصلون ما يوجب نجاتهم من النار وفوزهم بالجنة .
والحمد لله رب العالمين
تعليق