بسم الله الرحمن الرحيم
وقعت مناقشة علمية بين أحد علماء النحو وأحد علماء البلاغة ـ وهو ابن الأثير ـ
حول حرف أنْ في قوله تعالى "{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّاأَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ................. (19)} [القصص : 18 - 19]
فقال النحوي : إنّ أنْ الأولى زائدة ، ولو حذفت فقيل : فلمّا أراد أن يبطش ، لكان المعنى سواء ، ألا ترى إلى قوله تعالى " فلمّا أن جاء البشير ألقاه على وجهه "
وقد اتفق النحاة على أنّ (أنْ) الواردة بعد لمّا وفبل الفعل زائدة.
قال ابن الأثير (رداً على النحوي ) : النحاة لافتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة ، ولاعندهم معرفة بأسرارها ، من حيث إنهم نحاة . ولا شك أنهم وجدوا (أنْ) ترد بعد (لمّا) وقبل الفعل في القرآن الكريم ، وفي كلام الفصحاء ، فظنوا أنّ المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت ، فقالوا : هذه زائدة . وليس الأمر كذلك ، بل إذا وردت لمّا وبعدها أنْ ثم الفعل ، كان ذلك دليلاً على أنّه لم تكن مسارعة موسى ـ عليه السلام ـ إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول ، بل كان عنه إبطاء من بسط يده ، لذلك عبّر القرآن عن هذا بقوله : فلمّا أنْ أراد أنْ يبطش " بزيادة أنْ بعد لمّا .وإذا ورد الفعل بعد لمّا بإسقاط أنْ كان ذلك دليلاً على أن الفعل كان على الفور .
وأنهى ابن الأثير مناقشته بقوله : وهذه دقائق لا تؤخذ من النحاة ، لأنها ليست من شأنهم.