زنزانات في دورنا
أصبح دور المكتبة المنزلية اليوم يقتصر على حفظ الكتب او استعراضها اوعنصرا جماليا مهما وقطعة أو تحفة تزيينية أساسية مكمّلة لأثاث المنزل، لا سيّما مع تنوع أشكالها وتصاميمها العصرية
في احد الأيام دعاني احد الأشخاص إلى منزله لإصلاح التلفاز بحكم عملي حيث كان الجهاز كبير الحجم يصعب إيصاله إلى الورشة وما إن دخلت إلى داره حتى سرقت أنضاري تلك المكتبة الضخمة العامرة بمئات الكتب المنوعة ولم أتمالك نفسي حتى بدئت أتصفح احد الكتب القيمة , وما هي إلا لحضات جاء بعدها صاحب المنزل بالضيافة المعتادة,عندها سألني هل أعجبك الكتاب؟ قلت نعم ...فهل قرأته أنت؟ أجابني كلا أنا لااحب قراءة الكتب,عندها سألته وبتعجب إذا لما هذه المكتبة العملاقة !أجابني إنها من ضروريات تكامل أثاث المنزل عندها خطرت بذهني القصة التي ذكرها صاحب نفح الطيب عن محمد الحضرمي حيث قال :
أقمت مرة بقرطبة,ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء,الى إن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح (تجليد جيد) ففرحت به اشد الفرح,فجعلت أزيد في ثمنه,فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي ,الى إن بلغ فوق حده , فقلت له : يا هذا , ارني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه الى ما لا يساوي .
قال: فأراني شخصا عليه لباس رياسة ,فدنوت منه ,وقلت له :اعز الله سيدنا الفقيه ,إن كان لك غرض في الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده,فقال لي : لست بفقيه ,ولا ادري ما فيه , ولكني أقمت خزانة كتب , واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد , وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب , فلما رايته حسن الخط جيد التجليد استحسنته , ولم أبال بما أزيد فيه...
ومن المفارقات أن إنسان مجتمعاتنا الإسلامية يقرأ قول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]، وقد لا يكتفي الفرد منَّا بمجرد قراءته للآية الكريمة، بل تجده يردد كونها أول الآيات نزولاً في القرآن الكريم، ومع ذلك تجده أبعد الناس عن تطبيق مفرداتها على أرض الواقع! وهو بذلك يدخل في حزب من يقولون ما لا يفعلون. فنحن بحاجة ماسة لإقران النظرية بالتطبيق؛ وإلاَّ ما فائدة التبجح بها , ولقد وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام حول الاهتمام بالكتب والمكتبة , عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام)، قال "إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين؛ فتعلموا العلم، فمن لم يستطع أن يحفظه منكم فليكتبه وليضعه في بيته..
وقال الصادق (ع) للمفضل بن عمر: أكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال :
أيها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال , ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم سيفي لكم به ، و العلم مخزون عليكم عند أهله قد امرتم بطلبه منهم فاطلبوه و اعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب و ان كثرة العلم و العمل به مصلحة للدين و سبب الى الجنة و النفقات تنقص المال و العلم يزكو على انفاقه
اخوتي الكرام
من العيب ومن الأخطاء اللغوية إن تسأل شخص ما هوايتك فيجيب (قراءة الكتب) لأنه يفترض بك إن تجعلها عادة لك كالأكل والنوم ,فهي رغيف للعقل وراحة له , لا إن تجلس أمام المكتبة تطالع منضرها الجميل وألوانها الزاهية البراقة ,فأنت بعملك هذا وضعت عقول وجهد مئات المؤلفين في زنزانات مكتبتك وحكمت عليها بالسجن المؤبد...
إن الجهلة الذين كانوا يسجدون للحجر ويأكلون الميتة , ليسوا هم الذين بنوا حضارة العلم والمعرفة من مكة الى السند شرقا ومن مكة الى قرطبة غربا انما قام بهذا العمل الحضاري البطولي الإنساني الراقي شعب حرره الإسلام وعلمه وهذبه وطهره ونقاه,والذي يحزننا اليوم هو سلب حضارتنا او بيعها بابخس الأثمان من خلال شراء الكفاءات والعقول المفكرة والتي لم تجد من يؤويها ويطورها او يعطيها اليسير اليسير من حقها
حكومتي العراقية الكريمة
إذا أردت شعب منتج يبني صروح الحضارة ويشيد منارات المعرفة ,فأملأ عقله بالعلم وبطنه بالخبز ,واجعل بجانب المسجد معملا و مصحة , اما إنتاج جيل بلا تعليم ولا صحة ولا كفاية من عيش , والإكثار من هذا النسل على منهج التفقيس والتفريخ , فمعنى ذلك انك توجد امة متخلفة أمية جاهلة مريضة تكون عبئا على العالم , يتحول شبابها الى شحاذين ومرتزقة وقطاع طرق ومروجي مخدرات , ومرضى على الأسرة البيضاء .
ولتكن الدول الإفريقية مثال نعتبر به, فاذا الواحد منهم في عشة من القش معه ثلاث نساء او أربع مهمته الإنجاب , وحوله ثلاثون طفلا ما بين جاهل ومريض وسائل ملح يريد كسرة خبز , وهم حفاة عراة ولا يزال هذا الرجل هو وزوجته مجتهدين في إنجاب هذا الجيل الرائع الواعد العبقري !، ومثل هذا يوجد في دولتنا النامية النائمة في العالم الثالث , والتي تأبى إن تستيقظ من نومها ونحن أصحاب الحضارة الإنسانية العريقة , بينما تجد الأوربي الذي لاحضارة له معه طفلان صب اهتمامه على تعليمهما وتثقيفهما حتى أصبحا في صف الرواد من المخترعين والأطباء والمهندسين , لذلك يجب علينا إن نعمل جاهدين لتثقيف كل من لم يدرك الثقافة العلمية العملية لان العراق غني بالعناصر البشرية ذات الكفاءة العالية، وهي بحاجة إلى التشجيع وزرع الثقة وروح المبادرة لديها لتعطي ما يفوق التصور , والمطلوب فتح الطريق أمام الكثير من المواهب شريطة الابتعاد عن المحسوبية وسياسات التمييز لأسباب قبلية وعائلية ومذهبية , و تشجيع حرية الإبداع والعطاء في كل المجالات بدلاً من النصوص الجامدة المقيدة التي تجعل عقولنا دائماً تحت وطأة الخوف والقهر والظلم والاضطهاد.
قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11
أصبح دور المكتبة المنزلية اليوم يقتصر على حفظ الكتب او استعراضها اوعنصرا جماليا مهما وقطعة أو تحفة تزيينية أساسية مكمّلة لأثاث المنزل، لا سيّما مع تنوع أشكالها وتصاميمها العصرية
في احد الأيام دعاني احد الأشخاص إلى منزله لإصلاح التلفاز بحكم عملي حيث كان الجهاز كبير الحجم يصعب إيصاله إلى الورشة وما إن دخلت إلى داره حتى سرقت أنضاري تلك المكتبة الضخمة العامرة بمئات الكتب المنوعة ولم أتمالك نفسي حتى بدئت أتصفح احد الكتب القيمة , وما هي إلا لحضات جاء بعدها صاحب المنزل بالضيافة المعتادة,عندها سألني هل أعجبك الكتاب؟ قلت نعم ...فهل قرأته أنت؟ أجابني كلا أنا لااحب قراءة الكتب,عندها سألته وبتعجب إذا لما هذه المكتبة العملاقة !أجابني إنها من ضروريات تكامل أثاث المنزل عندها خطرت بذهني القصة التي ذكرها صاحب نفح الطيب عن محمد الحضرمي حيث قال :
أقمت مرة بقرطبة,ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء,الى إن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح (تجليد جيد) ففرحت به اشد الفرح,فجعلت أزيد في ثمنه,فيرجع إلي المنادي بالزيادة علي ,الى إن بلغ فوق حده , فقلت له : يا هذا , ارني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه الى ما لا يساوي .
قال: فأراني شخصا عليه لباس رياسة ,فدنوت منه ,وقلت له :اعز الله سيدنا الفقيه ,إن كان لك غرض في الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده,فقال لي : لست بفقيه ,ولا ادري ما فيه , ولكني أقمت خزانة كتب , واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد , وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب , فلما رايته حسن الخط جيد التجليد استحسنته , ولم أبال بما أزيد فيه...
ومن المفارقات أن إنسان مجتمعاتنا الإسلامية يقرأ قول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]، وقد لا يكتفي الفرد منَّا بمجرد قراءته للآية الكريمة، بل تجده يردد كونها أول الآيات نزولاً في القرآن الكريم، ومع ذلك تجده أبعد الناس عن تطبيق مفرداتها على أرض الواقع! وهو بذلك يدخل في حزب من يقولون ما لا يفعلون. فنحن بحاجة ماسة لإقران النظرية بالتطبيق؛ وإلاَّ ما فائدة التبجح بها , ولقد وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام حول الاهتمام بالكتب والمكتبة , عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام)، قال "إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين؛ فتعلموا العلم، فمن لم يستطع أن يحفظه منكم فليكتبه وليضعه في بيته..
وقال الصادق (ع) للمفضل بن عمر: أكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم.
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال :
أيها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به و ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال , ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم سيفي لكم به ، و العلم مخزون عليكم عند أهله قد امرتم بطلبه منهم فاطلبوه و اعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب و ان كثرة العلم و العمل به مصلحة للدين و سبب الى الجنة و النفقات تنقص المال و العلم يزكو على انفاقه
اخوتي الكرام
من العيب ومن الأخطاء اللغوية إن تسأل شخص ما هوايتك فيجيب (قراءة الكتب) لأنه يفترض بك إن تجعلها عادة لك كالأكل والنوم ,فهي رغيف للعقل وراحة له , لا إن تجلس أمام المكتبة تطالع منضرها الجميل وألوانها الزاهية البراقة ,فأنت بعملك هذا وضعت عقول وجهد مئات المؤلفين في زنزانات مكتبتك وحكمت عليها بالسجن المؤبد...
إن الجهلة الذين كانوا يسجدون للحجر ويأكلون الميتة , ليسوا هم الذين بنوا حضارة العلم والمعرفة من مكة الى السند شرقا ومن مكة الى قرطبة غربا انما قام بهذا العمل الحضاري البطولي الإنساني الراقي شعب حرره الإسلام وعلمه وهذبه وطهره ونقاه,والذي يحزننا اليوم هو سلب حضارتنا او بيعها بابخس الأثمان من خلال شراء الكفاءات والعقول المفكرة والتي لم تجد من يؤويها ويطورها او يعطيها اليسير اليسير من حقها
حكومتي العراقية الكريمة
إذا أردت شعب منتج يبني صروح الحضارة ويشيد منارات المعرفة ,فأملأ عقله بالعلم وبطنه بالخبز ,واجعل بجانب المسجد معملا و مصحة , اما إنتاج جيل بلا تعليم ولا صحة ولا كفاية من عيش , والإكثار من هذا النسل على منهج التفقيس والتفريخ , فمعنى ذلك انك توجد امة متخلفة أمية جاهلة مريضة تكون عبئا على العالم , يتحول شبابها الى شحاذين ومرتزقة وقطاع طرق ومروجي مخدرات , ومرضى على الأسرة البيضاء .
ولتكن الدول الإفريقية مثال نعتبر به, فاذا الواحد منهم في عشة من القش معه ثلاث نساء او أربع مهمته الإنجاب , وحوله ثلاثون طفلا ما بين جاهل ومريض وسائل ملح يريد كسرة خبز , وهم حفاة عراة ولا يزال هذا الرجل هو وزوجته مجتهدين في إنجاب هذا الجيل الرائع الواعد العبقري !، ومثل هذا يوجد في دولتنا النامية النائمة في العالم الثالث , والتي تأبى إن تستيقظ من نومها ونحن أصحاب الحضارة الإنسانية العريقة , بينما تجد الأوربي الذي لاحضارة له معه طفلان صب اهتمامه على تعليمهما وتثقيفهما حتى أصبحا في صف الرواد من المخترعين والأطباء والمهندسين , لذلك يجب علينا إن نعمل جاهدين لتثقيف كل من لم يدرك الثقافة العلمية العملية لان العراق غني بالعناصر البشرية ذات الكفاءة العالية، وهي بحاجة إلى التشجيع وزرع الثقة وروح المبادرة لديها لتعطي ما يفوق التصور , والمطلوب فتح الطريق أمام الكثير من المواهب شريطة الابتعاد عن المحسوبية وسياسات التمييز لأسباب قبلية وعائلية ومذهبية , و تشجيع حرية الإبداع والعطاء في كل المجالات بدلاً من النصوص الجامدة المقيدة التي تجعل عقولنا دائماً تحت وطأة الخوف والقهر والظلم والاضطهاد.
قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: 11

تعليق