بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
ولادته ونسبه :
وُلد الشيخ كاشف الغطاء في مدينة النجف الأشرف سنة ( 1294 هـ ) ، في عائلة علمية متديِّنة معروفة بالعلم والفضلية .
وتُنسب عائلة آل كاشف الغطاء إلى الصحابي الجليل مالك الأشتر النخعي ، وبالتالي إلى قبيلة بني مالك إحدى القبائل العربية المعروفة .
وكان أحد أجداد العائلة وهو الشيخ خضر بن يحيى بن مطر المالكي من فحول الإمامية .
أما والده فهو الشيخ علي بن محمد رضا ابن الشيخ جعفر الكبير ، فقد كان مؤرِّخاً ومحقِّقاً ، وله كتاب ( الحصون المنيعة في طبقات الشيعة ) .
دراسته وأساتذته :
درس المقدَّمات في مدينة النجف الأشرف على يد علمائها المعروفين آنذاك .
وأخذ يحضر دروس علم الأصول عند آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الخراساني ، وحضر عنده سِتّ دورات في هذا العلم .
كما حضر دروس الفقه لآية الله رضا الهمداني ، وآية الله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي .
درس الأخبار والأحاديث عند المحدث الكبير الشيخ حسين النوري الطبرسي ، وحصل منه على إجازة برواية الأحاديث .
ودرس الفلسفة وعلم الكلام عند نوابغ العصر الثلاثة : آية الله الشيخ أحمد الشيرازي ، والشيخ محمد باقر الإصطهباناتي ، والشيخ محمد رضا النجف آبادي .
ونظراً لاستعداداته العالية ، وحِدَّة ذكائه ، فقد طوى مراحل شَتَّى العلوم بسرعة وهو في فُتوَّته .
لذلك أصبح موضع اهتمام وثقة أستاذه السيد اليزدي ، الذي عَيَّن قبل وفاته أربعة وكلاء عنه في الاستفتاء ، وكان الشيخ كاشف الغطاء أحدهم .
مرجعيته :
بعد وفاة آية الله العظمى السيد الطباطبائي اليزدي أخذ الناس في العراق بتقليد آية الله الشيخ أحمد كاشف الغطاء ، وهو أخ الشيخ محمد حسين .
وفي ( 1338 هـ ) أخذ كثير من أهالي العاصمة بغداد بالعدول في تقليدهم إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، وشيئاً فشيئاً ذاعَ صِيتُه بين أوساط المقلِّدين في العراق ، حتى أحرز المرجعية الدينية العليا .
تدريسه :
كانت حلقاته في التدريس عامرة بالفضلاء والعلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وقد نهلوا من مَعِينه في مختلف العلوم ، وكتب كثير من طلابه تقريرات دروسه القَيِّمة في الفقه والأصول ، حتى بلغت عشرات المجلدات .
صفاته وخصائصه :
كان الشيخ كاشف الغطاء من أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) الحقيقيين ، فقد جسَّد في سلوكه وتصرُّفاته ما أوصى به الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، والأئمة الطاهرون ( عليهم السلام ) .
وكان شجاعاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنىً ، في جميع المجالات ، العلمية والسياسة وغيرها .
وكمثال على شجاعته السياسية ما كتبه في إحدى رسائله ، من أنَّ أمريكا تُبقي شعوبنا رازحة تحت أشكال الفقر والجهل والتخلف .
وكذلك في مجال الزراعة والصناعة ، لكي تجعلنا أذِلاَّء خاضعين لها ، وفي مقابل ذلك كله تسعى للسيطرة على ثرواتنا ، واستثمارها ونحن راضين .
وكان من صفاته العفو عمَّن أساء إليه ، والحِلم والصبر عمَّن أخطأ بحقه ، ولم يَكُن مستبِدّاً برأيه ، يتقبل النقد برحابة صدر .
وإذا تبيَّن له بأن الرأي الذي كان يعتمده خطأ كان يتركه ، ويأخذ بالصحيح ، وكان يعتمد على نفسه ، وفي الوقت نفسه لم يكن متكبِّراً ، أو مُعجَباً بنفسه .
وكان نقي السريرة ، لا يحقد على الناس ، لذلك لم ينظر إلى أحد نظرة حسد أو حقد أو ما شابه ذلك ، وكان متواضعاً للجميع ، الصغير منهم والكبير ، والقريب والبعيد .
وكل مَنْ جاء لمقابلته أو زيارته من جميع أرجاء العالم تحدَّث عن تواضعه واحترامه واهتمامه بالجميع .
وكان الشيخ كاشف الغطاء مخلِصاً لله ، لم يجعل الدين لنفسه ، بل جعل نفسه في خدمة الدين ، والدفاع عن القِيَم الإسلامية .
لهذا نجده عندما كان يقرأ كتاباً ويجد فيه ادِّعاءات باطلة على الإسلام أو المذهب ، يقوم بإمساك القَلم فوراً ليردَّ عليه ، بدون أي تحفُّظ ، وهذا ما نلمسه واضحاً في كتبه ومؤلفاته .
ومن أبرز تلك الكتب ( أصل الشيعة وأصولها ) ، ونقده لكتاب ( تاريخ آداب اللغة العربية ) لجرجي زيدان ، الذي تعرض فيه للمذهب الشيعي .
وبالإضافة إلى ما ذكرناه كان الشيخ كاشف الغطاء خطيباً ، بارعاً ، ساحر البيان ، فصيح اللسان ، يستذوق الشعر ، له أبيات في أسباب تخلُّف المسلمين ، تدل على مدى براعته في نظم الشعر ، ويقول فيها :
كَمْ نَكبة تُحطِّمُ الإسلامَ والعَرَبْ | والإنكليزُ أصلُها فتِّشْ تجِدْهُمُ السبَبْ |
فَكلّ مَا في الأرضِ مِن وَيْلاتِ حَرب وحربْ | هُم أشعلوا نِيرانها وصَيَّروا النَّاسَ حَطَبْ |
واستخدَمُوا ملوكنا لِضَربِنا وَلا عَجَب | فَملكهم بِفَرضِهِم كَانَ وإلاَّ لانقَلَبْ |
هُمْ نَصَّبوا عَرشاً لَهْم في كُلِّ شعبٍ فَانشَعَبْ | وَا سَوْأتاً إن حَدَّثَ التارِيخَ عَنهُم وَكَتبْ |
لم يقتصر الشيخ كاشف الغطاء على دراسة وتدريس العلوم الدينية ، بل كانت له خارج هذه الدائرة نشاطات مختلفة في خدمة الإسلام ، والدفاع عن العقيدة ، وكان له في هذا الصدد رحلات إلى مختلف البلدان الإسلامية .
وفي عام ( 1350 هـ ) سافر إلى فلسطين ، وحضر المؤتمر الإسلامي الذي عُقد فيها .
وبعد أن أُقِيمت صلاة الجماعة في المسجد الأقصى قامَ بإِلقاء محاضرة تاريخية على أسماع مِائة وخمسين ممثلاً من الأقطار الإسلامية المختلفة ، وبحضور عشرين ألف مشارك .
فتحدَّث فيها عن أمورٍ تهمُّ الإسلام والمسلمين ، وعلى رأسها : وِحدَة المسلمين واستقلالهم ، ووُجوب التصدِّي للمستعمرين والصهاينة المحتلِّين .
ونذكر هنا بعض اللِّقاءات التي قام بها ، والتي تُعبِّر عن مَدَى إيمانه وشجاعته في طرح المشاكل التي تخصُّ عامَّة المسلمين .
فقد التقى به السفير البريطاني بتاريخ 20 / جمادي الأولى / 1374 هـ ، بمدينة النجف الأشرف ، وتحدَّث معه الشيخ كاشف الغطاء بصراحة ، منتقداً المواقف السياسية الاستعمارية التي اتخذَتْها بريطانيا في مناطق متعدِّدة من العالم الإسلامي ، وعلى رأسها قضية فلسطين .
فحمَّل فيها بريطانيا مسؤولية الإعداد لاحتلال فلسطين من قِبَل الصهاينة ، وتَسبّبها في هجرة الآلاف من الشعب الفلسطيني المظلوم ، ولُجوئه إلى الدول المجاورة .
ومثل هذا الاعتراض حدث مع السفير الأمريكي عندما التقى به ، وأخبره من أنَّ الأمَّة تلقَّت منهم ضربات لا يمكن السكوت عليها ، وأنَّ ما قاموا به من التآمر عليها في اغتصاب فلسطين ، جعل قلوب المسلمين تقطر منهم دماً .
وكان الشيخ يرى نفسه غارقاً في السياسة من رأسه حتى قدميه ، وإنَّ تدخّله في السياسة هو من وظيفته ، وأنه إذا لم يتدخل في السياسة سيجد نفسه مسؤولاً أمام الله وأمام وجدانه .
والمرجعية الدينية من وجهة نظره كانت مسؤولية إلهية كبيرة ، توضِّحها الآية الشريفة الآتية :
( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) ص : 26 .
واستناداً إلى تلك الأفكار السياسية التي كان يعتقد بها ويدافع عنها ، كان يدعم كلَّ شكلٍ من أشكال العمل المناهض للسياسة الاستعمارية ، ويدعوا إلى التحرر والاستقلال .
وكان اشتراكه في الجهاد ضِدَّ جيش الاحتلال البريطاني في العراق إبان الحرب العالمية الأولى خيرُ شاهد على ما نقول .
أمَّا عن مواقفه من الوحدة بين المسلمين ، والسُبل الكفيلة بوحدتهم ، فقد عبَّر عنها بقوله : بُنِي الإسلام على دعَّامتين : كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة ، ويعني ذلك ما يلي :
أولاً : إن الأمور الواجبة هو إيجاد التعاون والتنسيق بين المسلمين ، وعقد العهود والمواثيق بين الدول العربية والإسلامية ، بشرط أن لا تتدخل الدول الاستعمارية قَيد شعرة بهذه العهود .
ثانياً : إذا تمَّ الاتحاد بين صفوف المسلمين فسيكونون قوَّة عظيمة مقابل الدول الأخرى ، وستخضع تلك الدول إلى سيطرة الإسلام ، كما سيطر عليها في القرون الماضية .
ثالثاً : لقد مرَّت خمسون سنة وأنا أدعو المسلمين بهذا الشعار : الوحدة ، وأدعوهم إلى الاتحاد والتضامن .
مؤلفاته :
نذكر منها ما يلي :
1 - أصل الشيعة وأصولها .
2 - نقض فتاوى الوهابية .
3 - تحرير المجلة .
4 - وجيزة المسائل ، بالعربية والفارسية .
5 - حواشي عين الحياة .
6 - المراجعات الريحانية ، مجلدان .
7 - الأرض والتربة الحسينية .
8 - الدين والإسلام .
9 - نقد كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني .
10 - حواش على وسيلة النجاة لأخيه الشيخ أحمد .
11 - السؤال والجواب .
12 - زاد المقلدين .
13 - حاشية على كتاب التبصرة للعلامة الحلي .
14 - حاشية على العروة الوثقى .
15 - الفردوس الأعلى .
16 - الآيات البَيِّنات .
17 - نبذة من السياسة الحسينية .
18 - مختصر الأغاني .
19 - المِيثاق العربي الوطني .
20 - مباحثاته مع السفير البريطاني والأمريكي .
21 - التوضيح في بيان ما هو الإنجيل .
22 - المثل العُليا في الإسلام لا في بحمدون .
23 - جنة المأوى .
أقوال العلماء فيه :
قال فيه الشيخ آغا بزرك الطهراني : هو من كبار رجال الإسلام المعاصرين ، ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة .
والحقيقة أنَّه من مجتهدي الشيعة الذين غاصوا بحار علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فاستخرجوا من تلك المكامن والمعادن ، جواهر المعاني ودراري الكلم فنشروها بين الجمهور .
وقال فيه صاحب كتاب أحسن الوديعة : كان آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء علاَّمةً كبيراً ، ومصلحاً شهيراً ، وعالماً مقتدراً ، له بيان ساحر ، وكتابات جذابة ، كانت مؤلفاته مكتوبة بلغة سلسة ، تناسب لغة العصر ، منسجمة مع التطور .
وفاته :
مرض الشيخ كاشف الغطاء ( قدس سره ) في أواخر حياته ، فأُدخِل على أثر ذلك إلى مستشفى الكرخ في بغداد ، ولكنَّ صحته لم تتحسَّن ، فقرروا نقله إلى مدينة كِرند في غرب محافظة كرمانشاه الإيرانية ، لغرض النقاهة ، أملا في شفائه .
وبعد وصوله ( قدس سره ) بثلاثة أيام جاءه الأجل المحتوم ، فلبَّى نداء ربه ، وذلك في الثامن عشر من شهر ذي القعدة ، في سنة ( 1373 هـ ) .
وقد نقل جثمانه الطاهر إلى العاصمة بغداد ، ثم إلى مدينة النجف الأشرف ، وبعد تشييعه دفن ( قدس سره ) في مقبرة وادي السلام ، في مدينة النجف الأشرف .
وأقيمت على روحه الطاهرة مجالس الفاتحة في العراق ، وإيران ، وألقى الكثير من الشعراء قصائد في رثائه ( قدس سره ) بهذه المناسبة الأليمة .
والله ولي التوفيق
تعليق