الرازي وشبهة نفي النوع لا يوجب نفي الجنس!!!
يقول الرازي بشأن قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الأنعام : 103]:
يقول الرازي بشأن قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الأنعام : 103]:
إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته، صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً . فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة . ورؤية لا مع الإحاطة . والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم)[1] .
الجواب
ثمَّ من أين لهم أن يحملوا هذه الآية على أنها صفة لله تعالى يوم القيامة وليس فيها قرينة قريبة أو بعيدة تدلّ على أن الله تعالى يرى يوم القيامة ولكن لا يدرك؟!!!
إضافة لذلك فإنَّ صفات الله تعالى أزلية لا تختص بزمن دون آخر ،فكيف يكون من صفته أنَّه لا يُرَى في الدنيا ويرى يوم القيامة؟!!
هذا وإنَّ قول الرازي يستلزم التشبيه والتجسيم لأنه جعل الله تعالى له حد ونهاية والبصر لا يدركه كلَّه.
قال أحمد بن علي المكنى بأبي بكر الرازي الجصاص الحنفي:
(قَوْله تَعَالَى : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) يُقَالُ: إنَّ الْإِدْرَاكَ أَصْلُهُ اللُّحُوقُ ، نَحْوُ قَوْلِك : أَدْرَكَ زَمَانَ الْمَنْصُورِ ، وَأَدْرَكَ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَأَدْرَكَ الطَّعَامَ أَيْ لَحِقَ حَالَ النُّضْجِ ، وَأَدْرَكَ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَةَ ، وَأَدْرَكَ الْغُلَامَ إذَا لَحِقَ حَالَ الرِّجَالِ وَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ لِلشَّيْءِ لُحُوقُهُ لَهُ بِرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: أَدْرَكْت بِبَصَرِي شَخْصًا مَعْنَاهُ رَأَيْته بِبَصَرِي ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِدْرَاكُ الْإِحَاطَةَ لِأَنَّ الْبَيْتَ مُحِيطٌ بِمَا فِيهِ وَلَيْسَ مُدْرِكًا لَهُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) مَعْنَاهُ : لَا تَرَاهُ الْأَبْصَارُ ،وَهَذَا تَمَدُّحٌ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ الْأَبْصَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) وَمَا تَمَدَّحَ الله بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ إثْبَاتَ ضِدِّهِ ذَمٌّ وَنَقْصٌ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ نَقِيضِهِ بِحَالٍ ، كَمَا لَوْ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُ الصِّفَةِ بِــ ( لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) لَمْ يَبْطُلْ إلَّا إلَى صِفَةِ نَقْصٍ ، فَلَمَّا تَمَدَّحَ بِنَفْيِ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ ضِدِّهِ وَنَقِيضِهِ بِحَالٍ؛ إذْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ نَقْصٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) لِأَنَّ النَّظَرَ مُحْتَمِلٌ لِمَعَانٍ ، مِنْهُ انْتِظَارُ الثَّوَابِ كَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِمَا لَا مَسَاغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ .
وَالْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ فِي الرُّؤْيَةِ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ لَوْ صَحَّتْ ، وَهُوَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ الَّذِي لَا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ وَلَا تَعْرِضُ فِيهِ الشُّكُوكُ ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ فِي اللُّغَةِ)[2] .
تعقيب على كلام الجصاص:
هذه التفاتة جميلة من الجصاص وذلك لأنَّ المتمعِّن بالآيات المتقدمة على هذه الآية يجدها في معرض تمدح الخالق ببيان قدرته وعظمته وجلاله ، ولعله يظهر لأقل تأمّل في الآيات التالية: ( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ* لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )[الأنعام : 95 - 103].
و لقد حاول بعض السلفية تبعاً لابن تيمية الاعتراض بأنَّ عدم الرؤية لا يعدُّ مدحاً لمشاركة غيره في ذلك كالرياح والأرواح فإنَّها لا تُرَى؟
فيجاب بأنَّ المسلمين اتفقوا على أنَّ قوله تعالى

وقول الرازي : (الرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية) غير صحيح،فقد ردَّ عليه الشيخ جعفر السبحاني في كتابه(رؤيـــة الـلّـه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل) قائلاً:
ونحن بدورنا نسأله: ما الدليل على أنّ الإدراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الإدراك الاحاطي،مع أننا نجد خلافه في الأمثلة التالية، نقول: أدركت طعمهُ أو ريحهُ أو صوتهُ، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة بها، أو أنه بمعنى مجرد الدرك بالأدوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الإحاطة، مثل قولهم أدرك الرسول، فهل هو بمعنى الإحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرّة أو مرّتين، ولم يفسّره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي.
وحاصل الكلام:
أنّ اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الإدراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلّي أي اللحوق والوصول، على الرؤية والسماع، سواء كان الإدراك على وجه الإحاطة أو لا، وأما إذا تجرّدت اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90] ومعنى الآية: (حَتَّى إِذَا لَحِقَهُ الْغَرَقَ) ورأى نفسه غائصاً في الماء استسلم وقال: (آمَنْتُ...) .وقال سبحانه:
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى)[طه:77]، أي لا تخاف لحوق فرعون وجيشه بك وبمن معك من بني إسرائيل.وقال سبحانه:
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء:61] فأثبت الرؤية ونفى الدرك، وما ذلك إلاّ لانّ الإدراك إذا جُرّد عن المتعلّق لا يكون بمعنى الرؤية بتاتاً، بل بمعنى اللحوق.نعم إذا اقترن بالبصر يكون متمحّضاً في الرؤية من غير فرق بين نوع ونوع، وتخصيصه بالنوع الاحاطي لأجل دعم مذهبه افتراءٌ على اللغة.
[1] التفسير الكبير(مفاتيح الغيب) للرازي:13/104[سورة الانعام/الآية: 103].
[2]أحكام القرآن للجصاص:4/169[سورة الإنعام/باب النهي عن مجالسة الظالمين] تحقيق : محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان،ط.1405هـ.
تعليق