بسم الله الرحمن الرحيم
الكليم موسى أحد الانبياء العظام وصفه الله تعالى بأتم الاوصاف وأكملها قال الله سبحانه {واذكر في الكتاب موسى انه كان مخلصاً وكان رسولا نبياً* وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجياً*ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً}مريم 51-53 ومع ذالك استدل المخالف بعدم عصمته بامرين :
1.قتله القبطي وتوصيفه بانه من عمل الشيطان.
2.مشاجرته اخاه مع عدم كونه مقصراً.
قال الله تعالى {ولما بلغ اشده وستوى اتيناه حكماً وعلماً وكذالك نجزي المحسنين* ودخل المدينة على حين غفله من اهلها فوجد فيها رجلان يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذ ي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين * قال رب اني ظلمت نفسي فاغفر لي انه هو الغفور الرحيم قال رب بما انعمت علي فلن اكون ظهيراللمجرمين}تدل هذه الايات على أن موسى (عليه السلام) ورد المدينة عندما كان اهلها غافلين عنه اما لانه ورد نصف النهار والناس قائلون او ورد في اوائل الليل واما غير ذالك فوجد فيها رجلان كان احدهما اسرائليا والاخر قبطيا يقتتلان فاستنصره الذي هو من شيعته على الاخر فنصره فضربه موسى بجمع كفه في صدره (فوكزه) فقتله وبعدما فرغ من امره ندم ووصف عمله بما يلي ؟
1.هذا من عمل الشيطان.
2.رب اني ظلمت نفسي .
3.فغفر لي فغفر له.
4.فعلتها اذا وانا من الضالين.
وهذه الجمل تدل على كون القتل امرا غير مشروع ولاجل ذالك وصفه تارة بانه من عمل الشيطان واخرى بانه كان ظالما لنفسه وعترف عند فرعون بانه فعل ما فعل وكان عند ذالك من الضالين ثالثا وطلب المغفرة رابعا .
ولتوضيح المسألة والرد على هذا الاستدلال لابد من بيان مقدمة نلفت بها نظر القارئ :
ان الفراعنة قد مارسوا شتى الاعمال الاجرامية بحق بني اسرائيل كما يدل قوله تعالى { ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ويذبح ابنائهم ويستحي نسائهم انه كان من المفسدين }
ولم يقم الفراعنه بهذه الاعمال بانفسهم
بل بواسطة عمالهم الاقباط الذين كانوا انصارهم وفي ظل هذه المناصرة ملكت الفراعنة بني اسرائيل رجالا ونساء وعلى هذا فقتل واحد من انصار الظلمة الطغاة الذين ذبحوا الاطفال لا يعد في محكمة العقل والوجدان من الاعمال القبيحة الغير صحيحة ثم ان القبطي المقتول كان بصدد قتل الاسرائيلي لو لم يناصره موسى كما يحكي بقوله تعالى ( يقتتلان) ولو قتله القبطي لم يكن لفعله اي رد فعل لانه كان منتميا للنظام السائد الذي لم يزل يستأصل بني اسرائيل ويريق دمائهم طوال سنين .
رد استدلالهم بعدم عصمة موسى (عليه السلام)
1.ان قوله عليه السلام ( هذا من عمل الشيطان) يحتمل وجهين:
الاول: ان يكون لفظ (هذا) اشارة الى المناقشة التي دارت بين القبطي والاسرائلي وانتهت بقتل الاول وعلى هذا الوجه ليست فيه دلالة على شي مما يتوخاه المستدل .
الثاني: ان لفظ (هذا) اشارة الى قتله القبطي وانما وصفه بانه من عمل الشيطان لوجهين .
أ-ان هذا العمل كان عملا خطأ محضاً ساقه الى عاقبة وخيمة فاضطره الى ترك الدار والوطن بعدما انتشر خبر بأن موسى قد قتل انصار فرعون فكما ان المعاصي تنسب الى الشيطان فكذالك الاعمال الخاطئة الناتجة من سوء التدبير وضلال السعي السائقة للانسان الى عواقب وخيمة تنسب اليه ايضاً ولاجل ذالك قال موسى بعد ما قضى عليه ( هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين) ب - ان قتل القبطي كان عملا ناجماً عن العجلة في محاولة تدمير العدو ولو انه كان يصبر على مضض الحياة قليلا لنبذ القبطي في اليم (البحر) من دون ان توجد عاقبة وخيمة .
2- وذالك يعلم مفاد الجملة الثانية التي هي احدى مستمسكات المستدل وهي قوله ( رب اني ظلمت نفسي ) فان الكلام ليس مسوقاً للمعصية ومخالفة المولى بل هو كما صرح به ائمة اللغة عبارة عن وضع الشى في غير موضعه وقد عرفت ان عمل موسى واقع في غير موقعه .
3- واما الجملة الثالثة وهي ( فاغفرلي فغفر له انه هو الغفور الرحيم ) فليس طلب المغفرة دليلا على صدور المعصية لان طلب المغفرة بعنى الستر والمراد منه الغاء تبعة فعله وانجاءه من الغم وتخليصه من فرعون .
4- واما قوله (فعلتها وانا من الضالين) فالمراد من الضلال هو الغفله عما يترتب على العمل من العاقبة الوخيمة ونسيانها وليس ذالك امراً غريباً فقد اُستعمل من هذين المعنيين في القرأن الحكيم { ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر الاخرى } فالمراد نسيان احدى الشاهدين وغفلته عما شهد به وقال في لسان العرب ، الضلال بمعنى النسيان هذا كله رداً على دليلهم الاول وهو قتل القبطي .
2- الدليل الثاني الذي استدل به المخالف على عدم عصمة موسى عليه السلام وهو مشاجرته اخاه هارون عليه السلام .
ان الله تعالى واعد موسى بعد ان اغرق فرعون بان ياتي ياتي جانب الطور الايمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاحكام وكانت المواعدة على ان يوافي الميعاد مع جماعة من وجه قومه فتعجل موسى من بينهم شوقا الى ربه وسبقهم على ان يلحقوا به ولما خاطبه سبحانه وتعالى بقوله { ما اعجلك عن قومك يا موسى } اجابه بانهم على اثري اي ورأي يدركونني عن قريب وعند ذالك اخبره الله تعالى بانه امتحن قومه بعد فراقه وأضلهم السامري فرجع موسى من الميقات الى بني اسرائيل حزينا مغضبا فرأى ان السامري اخرج لهم عجلا جسدا له صوت (خوار) وقال : هذا اله بني اسرائيل عامة وتبعه السفلة والعوام وستقبل موسى هارون فالقى الالواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه فهنا سؤالان ؟
1- لماذا القى الالواح ؟
2- لماذا ناقش اخاه وقد قام بوظيفته ؟
الجواب :
ان موسى قد خلف هارون عندما ذهب الى ميقات ربه وقام هارون بوظيفته في قومه فعندما اضلهم السامري ناظرهم بقوله ( يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا امري ) اكتفى في ذالك البيان ولم يقم في وجههم بالضرب والتأديب وقد بينه لاخيه بقوله ( اني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي )هذا ما يخص هارون واما ما يرجع الى موسى فقد اخبره الله سبحانه عن اضلال السامري قومه بقوله ( فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري) ورجع موسى الى قومه غضبان اسفا وقد خاطبهم بقوله { بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم } وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بانجاز امرين :
1- القاء الالواح جانبا .
2-مناقشة اخاه بقوله :{ ما منعك اذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري} فعند ذالك يطرح السؤالان نفسهما ’ لماذا القى الالواح ؟ ولماذا ناقش اخاه مع قيامه بوظيفته ؟
فنقول : لا شك ان ما اقترفته بنو اسرائيل من عبادة العجل كان من اقبح الاعمال وافضعها كيف؟! وقد اهلك الله عدوهم واورثهم ارضهم فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة الوان الشرك ومع الاسف بانهم كفروا بعظيم النعمة وتركوا عبادة سبحانه ونخرطوا في سلك الثنوية مع الجهل بقبح عملهم ان امة الكليم وان كانت غافلة عن مدى قبح عملهم، لكن سيدهم ورسولهم كان واقفاً على خطورة الموقف وتعدّي الاَُمّة، فاستشعر بأنّه لو لم يكافحهم بالعنف والشدة ولم يقم في وجههم بالاستنكار مع إبراز التأسف والغضب، فربّما تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا إلاّ ذنباً خفيفاً أو مخالفة صغيرة ولم يعلموا أنّهم حتى ولو رجعوا إلى الطريق المهيع،
واتّبعوا جادة التوحيد ربّما بقيت رواسب الشرك في أغوار أذهانهم، فلأجل إيقافهم على فظاعة العمل، قام في مجال الاِصلاح مثل المدير الذي يواجه الفساد فجأة في مديريته ولا يعلم من أين تسرب إليها.
فأوّل ما يبادر إليه هو مواجهة القائم مقامه الذي خلفه في مكانه، وأدلى إليه مفاتيح الاَُمور، فإذا ثبتت براءته ونزاهته وأنّه قام بوظيفته خير قيام حسب تشخيصه ومدى طاقته، تركه حتى يقف على جذور الاَمر والاَسباب الواقعية التي أدت إلى الفساد والانهيار.
وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، وعالج الواقعة المدهشة التي لو بقيت على حالها، لانتهت إلى تسرب الشرك إلى عامة بني إسرائيل وذهب جهده طوال السنين سدى، فأوّل رد فعل أبداه، أنّه واجه أخاه القائم مقامه في غيبته، بالشدة والعنف حتى يقف الباقون على خطورة الموقف، فأخذ بلحيته ورأسه مهيمناً عليه متسائلاً بأنّه لماذا تسرب الشرك إلى قومه مع كونه فيهم؟! ولمّا تبيّنت براءته وأنّه أدّى وظيفته كما يحكيه عنه سبحانه بقوله: (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) اندفع إليه بعطف وحنان ودعا له فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلاَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(1) . انّ طلب المغفرة لنفسه وأخيه لا يدل على صدور أي خلاف منهما، فإنّ الاَنبياء والاَولياء لاستشعارهم بخطورة الموقف وعظمة المسوَولية، ما زالوا يطلبون غفران الله ورحمته لعلو درجاتهم كما هو واضح لمن تتبع أحوالهم،
وبعدما تبيّن انّ السبب الواقعي لتسرب الشرك إلى قومه هو السامري وتبعه السفلة والعوام، أخذ بتنبيههم بقوارع الخطاب وعواصف الكلام
واخر المطاف أقول يا موسى يا كليم الله ان بيني وبين الله ذنوباً كثيرة فأتوسل بك الى الله ان يغفر لي ذنوبي بمنزلتك عند الله ---- والحمد لله رب العالمين

تعليق