فإن كان الإنسان مدنياً بالطبع كما يقال، فمعنى ذلك أنه لا يتمكن من الحياة السعيدة إلا في ظل مجتمع من الناس يتعايشون معاً ويتقاسمون سراء الحياة وضرائها. وهذا المجتمع كبيراً كان أو صغيراً لا بد له مما يحدد مسؤلية كل فرد من أفراده وينظم سلوكه تجاه نفسه وتجاه الناس وتجاه ما حوله من نبات وجماد وحيوانات عجماء. فالنفس الإنسانية بما لها من أفق واسع وقدرة فائقة على الخير كما لها على الشر، لا بد من تحديدها بما يكبح جماحها ويخلدها إلى ما يصلح لها من الفضائل ومكارم الأخلاق ويبعدها عن الرذائل ومساوئ السيرة والأعمال. ومجموع ما يحدد السلوك من قوانين وحدود إنما يؤلف (( علم الاخلاق )). ولقد أولى الفلاسفة والمفكرين هذا العلم عناية فائقة حيث أنه بالإضافة إلى كونه يكشف عن حقيقة كل فضيلة ورذيلة، وهو أمر له أثره البليغ في الحياة العلمية والعملية، لأنه كما هو معروف ينظم سيرة الإنسان وتصرفاته الباطنية والظاهرية والفردية والإجتماعية. وقد ألف أرسطو كتاباً في علم الأخلاق يعتبر أضخم أثر معروف من اليونان في هذا العلم، وقد كان ولا يزال موضع عناية العلماء. كما أن الأديان السماوية وهي التي تعتني بسعادة الإنسان في حياته الدنيا قدر ما تسعى إلى سعادته في الحياة الأخرى. وقد أكدت كل تلك التعاليم والأسس الإجتماعية التي قررتها مدنية الإنسان ووافقت الطبع السليم والعقل القويم من الفضائل والمكارم ونبذ كل ما يضادها من الرذائل والقبائح. فأكثر التعاليم السماوية تدور حول الأخلاقيات وهي تشكل أكثر من نصفها. والإسلام الذي هو خاتمة الشرائع جعل الأخلاق أمام كل الأهداف السامية التي جاء من أجلها. ففي الخبر المشهور من رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله الطيبين): (بعثت لأتمم مكارم الاخلاق). وهذا الحديث يدل على أن كل المكارم التي سبق الفكر البشري والوصول اليه مما وجد موافقاً للطبع والمنطق وهو موافق للشريعة الإسلامية الغراء، وإنما جاء الإسلام ليكمل ما نقص منه ويوضح ما فيه من إبهام ويفسر ما له من أجمال. وبما أن للأخلاق هذه المرتبة السامية لدى الشريعة الغراء، إهتم علماء المسلمين بهذا العلم وألفوا فيه كتباً جامعة نافعة. هذا شطر من أخلاق الإسلام والتي ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم، مأخوذة عن الكتاب الحكيم والسنة الطاهرة، رغبة في نشر الفضيلة ورجاء تقويض دعائم الرذيلة والله المستعان في الدنيا والآخرة. والصفات الحسنة تجمعها ملكة في النفس وتبعث على الإستقامة في كل مورد وتسمى تلك ب ((حسن الخلق))، كما أن الصفات الذميمة تشملها صفة عامة هي ((سوء الخلق)). والإسلام كما يحث على كل صفة من الرذائل كذلك تجمع الصفات الحسنة وينهي عن تجمع الصفات الذميمة. وصفة حسن الخلق من أشد الملكات الحسنة صعوبة على النفس إذ طيب الكلام وحسن الجوار والرفق والمداراة وحسن العشرة وما إليها، كلها تتحمل مسؤلية نفسها، أما حسن الخلق فإنه يتحمل مسؤلية جميع الصفات، ولذا ورد في مدحه الشيء الكثير: قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم)، وقال(ص) وآله وسلم: (أفاظلكم أحسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)، وقال (ص) عليه وعلى آله الطيبن: (إن حسن الخلق يميت الخطيئة كما تميت الشمس الجليد)، وقال (ص): (إن العبد ليبلغ بحسن الخلق عظيم درجات الآخرة وأشرف المنازل وأنه يضاعف العبادة)، وقال (ص): (إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما)، وقال (ص):- (ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه؛ تقوى تحجزه عن معاصي الله - وحلم يكف به السيئة – وخلق يعيش به في الناس)، وقال الإمام الباقر عليه السلام:- (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وقال الإمام الصادق عليه السلام:- (ما يقدم المؤمن على الله عزوجل بعمل بعد الفرائض أحب إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه)، وقال (ع): (إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح)، وقال عليه السلام:- (ثلاث من أتى الله بواحدة منهن أوجب الله له الجنة:- الإنفاق من إقتار- والبشر لجميع العالم - والإنصاف من نفسه). والأحاديث في هذا الباب جمة وكثيرة، وفضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الأبدية، ورذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلي عن الثانية والتحلي بالأولى من أهم الواجبات والوصول إلى الحياة الحقيقية، وبدونها من المحالات. فيجب على كل مسلم أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق. وكل حسن الخلق محبوب عند الله وعند الناس فلا يزال محلاً لرحمة الله وفيوضاته ومرجعاً للمؤمنين بايصال نفعه وخيره إليهم وإنجاح مقاصده ومطالبه منهم، ولذلك لم يبعث الله سبحانه وتعالى نبياً إلا وأتم فيه هذا الفضيلة، بل هي أفضل صفات المرسلين وأشرف أعمال الصديقين، ولذا قال الله سبحانه وتعالى لحبيبه مثنياً عليه ومظهرا نعمته لديه: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم). نسأل الله أن يوفقنا للعمل بذلك، خالصاً لوجهه وموجباً لرضوانه ومغفرته وموصلاً إلى جناته وكرامته بمنه وجوده، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. |
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
علم الاخلاق
تقليص
X
-
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد