بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على الحبيب المصطفى الاَمين وآله الهداة الميامين واللعنة الدائمة على أعدائهم اجمعين من الان الى قيام يوم الدين.
وبعد:
إنَّ أنباء الغيب وحوادث المستقبل وما سيقع من الفتن والملاحم وعلامات الظهور وأشراط الساعة وغيرها تعدُّ من المسائل التي أولاها المحدّثون أهمية خاصة، ذلك لاَنّ الكتاب الكريم والسُنّة المباركة يدلان على أنّ الموت ليس هو النتيجة النهائية لرحلة الروح والبدن في هذا الكون، بل هو نافذة تطل على حياة جديدة وعوالم مختلفة (أيَحسَبُ الاِنسانُ أن يُتركَ سُدىً * ألم يَكُ نُطفَةً مِنْ مَنيٍّ يُمنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلقَ فَسَوى* فَجَعَلَ مِنهُ الزَوجَينِ الذَكَرَ والاُنثى * أليسَ ذلكَ بقادرٍ على أن يُحيي الموتى).(1)
تعريف الرجعة
الرجعة في اللغة:
العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت.
قال الجوهري والفيروز آبادي: فلان يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت.(2)
ويُطلق على الرجعة الكرّة أيضاً، وهو من الاَلفاظ المرادفة لها، قال الجوهري: الكرّ: الرجوع، يقال: كرّه وكرّ بنفسه، يتعدّى ولا يتعدّى.(3)
وفي حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام: (وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول).(4) وجاء في زيارته عليه السلام: (السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة).(5)
الرجعة عند الشيعة الاِمامية:
إنَّ الذي تذهب إليه الاِمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت عليهم السلام، هو نفس المعنى المحقّق في اللغة، وهو أنَّ الله تعالى يُعيد قوماً من الاَموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويذلُّ فريقاً آخر، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) الذي يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً، ولذلك تعدُّ الرجعة مظهراً يتجلى فيه مقتضى العدل الاِلهي بعقاب المجرمين على نفس الاَرض التي ملأوها ظلماً وعدواناً.
ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الاِيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور، وما يستحقونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع، فنالوا مقت الله، أن يخرجوا ثالثاً لعلهم يصلحون: (قَالُوا رَبنَا أمَّتنَا اثنَتينِ وأحييتَنَا اثنتينِ فاعتَرفنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُروجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(6) ولكن أنّى لهم ذلك وهم في عذاب مقيم؟
الفصل الثاني
إمكان الرجعة وأدلّتها
إمكان الرجعة:
إنَّ الرجعة من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنها بعث موقوت في الدنيا ومحدود كماً وكيفاً، ويحدث قبل يوم القيامة، بينما يُبعث الناس جميعاً يوم القيامة ليلاقوا حسابهم ويبدأوا حياتهم الخالدة، وأهوال يوم القيامة أعجب وأغرب وأمرها أعظم من الرجعة.
وبما أنَّ الرجعة والمعاد ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع، فالدليل على إمكان المعاد يمكن أن يقام دليلاً على إمكان الرجعة، والاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة يترتب عليه الاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية، ولا ريب أنّ جميع المسلمين يعتبرون الاِيمان بالمعاد من أُصول عقيدتهم، إذن فجميعهم يذعنون بإمكانية الرجعة.
يقول السيد المرتضى قدس سره: إعلم أنّ الذي يقوله الاِمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين ـ بل بين الموحدين ـ في جوازه، وأنّه مقدور لله تعالى، وإنّما الخلاف بينهم في أنّه يوجد لا محالة أو ليس كذلك.
ولا يخالف في صحة رجعة الاَموات إلاّ خارج عن أقوال أهل التوحيد، لاَنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً، جاز أن يوجدها متى شاء.(7)
فإذا كان إمكان الرجعة أمراً مسلّماً به عند جميع المسلمين ـ حتى قال الآلوسي: وكون الاِحياء بعد الاِماتة والاِرجاع إلى الدنيا من الاُمور المقدورة له عزَّ وجلَّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان، إلاّ أنّ الكلام في وقوعه.(8) إذن فلماذا الشكّ والاستغراب لوقوع الرجعة؟ ولماذا التشنيع والنبز بمن يعتقد بها لورود الاَخبار الصحيحة المتواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام بوقوعها؟
نعم في مثل ذلك، مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الاِلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الاَموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى (وأُبرىءُ الاَكمَهَ والاَبرَصَ وأُحيي المَوتى بإذنِ اللهِ)(9) وكقوله تعالى: (أنَّى يُحيي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مُوتِها فأمَاتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ).(10)
يضاف إلى ذلك أنَّ نفوس الظالمين تأبى إقامة العدل وإحقاق الحق لما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والجور والمنكرات، والرجعة تنطوي على أمرٍ يحقق العدالة الاِلهية في أرض الواقع بانتصاف الظالم من المظلوم وإدالة أهل الحق من أهل الباطل، ولهذه العلة أبت نفوس المكابرين من أهل الجاهلية الاعتقاد بالمعاد والنشور رغم أنّهم عاينوا المعجزات وضربت لهم الاَمثال الواضحة وأقيمت لهم الدلائل البينة والبراهين الساطعة، لاَنّ قبول هذا الاعتقاد يعني الانصياع للحق والعدل بالوقوف أمام المحكمة الاِلهية الكبرى (يَومَ تَشْهَدُ عَلَيهِم ألسِنَتُهُم وأيديهِم وَأرجُلُهُم بِما كانُوا يَعمَلُونَ).(11)
أدلة الرجعة:
أورد الحر العاملي في الباب الثاني من كتابه (الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) اثني عشر دليلاً على صحة الاعتقاد بالرجعة، وأهم ما استدل به الاِمامية على ذلك هو الاَحاديث الكثيرة المتواترة عن النبي والاَئمة عليهم السلام المروية في الكتب المعتمدة، وإجماع الطائفة المحقة على ثبوت الرجعة حتى أصبحت من ضروريات مذهب الاِمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين، كما استدلوا أيضاً بالآيات القرآنية الدالة على وقوع الرجعة في الاُمم السابقة، أو الدالة على وقوعها في المستقبل إما نصاً صريحاً أو بمعونة الاَحاديث المعتمدة الواردة في تفسيرها، وفيما يلي نسوق خمسة أدلة نبدأها بالاَدلة القرآنية:
أولاً: وقوعها في الاُمم السابقة
لقد حدّثنا القرآن الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل عن رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا رغم ما عرف وثبت من موتهم وخروجهم من الحياة إلى عالم الموتى، فإذا جاز حدوثها في الاَزمنة الغابرة، فلم لا يجوز حدوثها مستقبلاً: (سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبدِيلاً).(12)
روى الشيخ الصدوق بالاِسناد عن الحسن بن الجهم، قال: قال المأمون للرضا عليه السلام: يا أبا الحسن، ما تقول في الرجعة؟
فقال عليه السلام: (إنّها الحقّ، قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الاِسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، ثم يكون ماذا؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثم يرجع الحقّ إلى أهله).(13)
وفيما يلي نقرأ ونتأمل الآيات الدالة على إحياء الموتى وحدوث الرجعة في الاُمم السابقة:
إحياء قوم من بني إسرائيل:
قال تعالى: (ألم تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحيَاهُم إنَّ اللهَ لذُو فَضلٍ على النَّاسِ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ).(14)
فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة تدل على أنَّ هؤلاء ماتوا مدة طويلة، ثم أحياهم الله تعالى، فرجعوا إلى الدنيا، وعاشوا مدة طويلة.
فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا بعد الموت، وقد سأل حمران بن أعين الاِمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن هؤلاء، قائلاً: أحياهم حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم من يومهم، أو ردّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء؟
قال عليه السلام: (بل ردّهم الله حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ولبثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم).(15)
إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى عليه السلام:
قال تعالى: (وإذ قُلتُم يا مُوسى لَنْ نُؤمنَ لكَ حتى نرى اللهَ جَهرَةً فأخَذَتكُم الصَّاعِقَةَ وأنتُم تنظُرُونَ * ثُمَّ بعثناكُم مِنْ بَعدِ موتِكُم لَعَلَكُم تَشكُرُونَ). (16)
هاتان الآيتان تتحدثان عن قصة المختارين من قوم موسى عليه السلام لميقات ربه، وذلك أنّهم لمّا سمعوا كلام الله تعالى قالوا: لا نصدّق به حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى عليه السلام: (يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم) فأحياهم الله له، فرجعوا إلى الدنيا، فأكلوا وشربوا، ونكحوا النساء، وولد لهم الاَولاد، ثم ماتوا بآجالهم.(17)
فهذه رجعة أُخرى إلى الحياة الدنيا بعد الموت لسبعين رجلاً من بني إسرائيل، قال تعالى: (واختارَ موسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنَا فَلَمَّا أخَذَتهُم الرَجفةُ قالَ ربِّ لو شِئتَ أهلَكتَهُم مِنْ قَبلُ وإيَّاي أتُهلِكُنا بِما فَعلَ السُّفَهآءُ مِنَّ).(18)
المسيح عليه السلام يحيي الموتى:
ذكر في القرآن الكريم في غير مورد إحياء المسيح للموتى، قال تعالى لعيسى عليه السلام: (وإذ تُخرِجُ الموتى بإذني)(19) ، وقال تعالى حاكياً عنه: (وأُحيي الموتى بإذنِ اللهِ).(20)
فكان بعض الموتى الذين أحياهم عيسى عليه السلام بإذن الله تعالى قد رجعوا إلى الدنيا وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم.(21)
الهوامش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
(1) سورة القيامة 75: 36 ـ 40.
(2) الصحاح 3: 1216. والقاموس المحيط 3: 28.
(3) الصحاح 2: 805.
(4) الكافي 1: 198 | 3 باب أنّ الاَئمة عليهم السلام هم أركان الاَرض ـ دار الكتب الاِسلامية.
(5) بحار الاَنوار 100: 349.
(6) عقائد الاِمامية، للمظفر: 108 تحقيق مؤسسة البعثة. والآية من سورة غافر 40: 11.
(7) رسائل الشريف المرتضى 3: 135 ـ الدمشقيات ـ دار القرآن الكريم ـ قم.
(8) روح المعاني 20: 27 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(9) سورة آل عمران 3: 49.
(10) عقائد الاِمامية، للشيخ المظفر: 111 ـ 112. والآية من سورة البقرة 2: 259.
(11) سورة النور 24: 24.
(12) سورة الاَحزاب 33: 62.
(13) بحار الاَنوار 53: 59 | 45.
(14) سورة البقرة 2: 243.
(15) تفسير العياشي 1: 130 | 433 المكتبة العلمية ـ طهران.
(16) سورة البقرة 2: 259.
(17) سورة البقرة 2: 55 ـ 56.
(18) الاعتقادات، للصدوق: 61.
(19) سورة الاعراف 7: 155.
(20) سورة المائدة 5: 110.
(21) سورة آل عمران 3: 49.
(22) الكافي 8: 337 | 532. وتفسير العياشي 1: 174 | 51.
لا تنسوني ووالدي من الدعاء
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على الحبيب المصطفى الاَمين وآله الهداة الميامين واللعنة الدائمة على أعدائهم اجمعين من الان الى قيام يوم الدين.
وبعد:
إنَّ أنباء الغيب وحوادث المستقبل وما سيقع من الفتن والملاحم وعلامات الظهور وأشراط الساعة وغيرها تعدُّ من المسائل التي أولاها المحدّثون أهمية خاصة، ذلك لاَنّ الكتاب الكريم والسُنّة المباركة يدلان على أنّ الموت ليس هو النتيجة النهائية لرحلة الروح والبدن في هذا الكون، بل هو نافذة تطل على حياة جديدة وعوالم مختلفة (أيَحسَبُ الاِنسانُ أن يُتركَ سُدىً * ألم يَكُ نُطفَةً مِنْ مَنيٍّ يُمنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلقَ فَسَوى* فَجَعَلَ مِنهُ الزَوجَينِ الذَكَرَ والاُنثى * أليسَ ذلكَ بقادرٍ على أن يُحيي الموتى).(1)
تعريف الرجعة
الرجعة في اللغة:
العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت.
قال الجوهري والفيروز آبادي: فلان يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت.(2)
ويُطلق على الرجعة الكرّة أيضاً، وهو من الاَلفاظ المرادفة لها، قال الجوهري: الكرّ: الرجوع، يقال: كرّه وكرّ بنفسه، يتعدّى ولا يتعدّى.(3)
وفي حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام: (وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول).(4) وجاء في زيارته عليه السلام: (السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة).(5)
الرجعة عند الشيعة الاِمامية:
إنَّ الذي تذهب إليه الاِمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت عليهم السلام، هو نفس المعنى المحقّق في اللغة، وهو أنَّ الله تعالى يُعيد قوماً من الاَموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويذلُّ فريقاً آخر، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) الذي يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً، ولذلك تعدُّ الرجعة مظهراً يتجلى فيه مقتضى العدل الاِلهي بعقاب المجرمين على نفس الاَرض التي ملأوها ظلماً وعدواناً.
ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الاِيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور، وما يستحقونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع، فنالوا مقت الله، أن يخرجوا ثالثاً لعلهم يصلحون: (قَالُوا رَبنَا أمَّتنَا اثنَتينِ وأحييتَنَا اثنتينِ فاعتَرفنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُروجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(6) ولكن أنّى لهم ذلك وهم في عذاب مقيم؟
الفصل الثاني
إمكان الرجعة وأدلّتها
إمكان الرجعة:
إنَّ الرجعة من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنها بعث موقوت في الدنيا ومحدود كماً وكيفاً، ويحدث قبل يوم القيامة، بينما يُبعث الناس جميعاً يوم القيامة ليلاقوا حسابهم ويبدأوا حياتهم الخالدة، وأهوال يوم القيامة أعجب وأغرب وأمرها أعظم من الرجعة.
وبما أنَّ الرجعة والمعاد ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع، فالدليل على إمكان المعاد يمكن أن يقام دليلاً على إمكان الرجعة، والاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة يترتب عليه الاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية، ولا ريب أنّ جميع المسلمين يعتبرون الاِيمان بالمعاد من أُصول عقيدتهم، إذن فجميعهم يذعنون بإمكانية الرجعة.
يقول السيد المرتضى قدس سره: إعلم أنّ الذي يقوله الاِمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين ـ بل بين الموحدين ـ في جوازه، وأنّه مقدور لله تعالى، وإنّما الخلاف بينهم في أنّه يوجد لا محالة أو ليس كذلك.
ولا يخالف في صحة رجعة الاَموات إلاّ خارج عن أقوال أهل التوحيد، لاَنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً، جاز أن يوجدها متى شاء.(7)
فإذا كان إمكان الرجعة أمراً مسلّماً به عند جميع المسلمين ـ حتى قال الآلوسي: وكون الاِحياء بعد الاِماتة والاِرجاع إلى الدنيا من الاُمور المقدورة له عزَّ وجلَّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان، إلاّ أنّ الكلام في وقوعه.(8) إذن فلماذا الشكّ والاستغراب لوقوع الرجعة؟ ولماذا التشنيع والنبز بمن يعتقد بها لورود الاَخبار الصحيحة المتواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام بوقوعها؟
نعم في مثل ذلك، مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الاِلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الاَموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى (وأُبرىءُ الاَكمَهَ والاَبرَصَ وأُحيي المَوتى بإذنِ اللهِ)(9) وكقوله تعالى: (أنَّى يُحيي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مُوتِها فأمَاتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ).(10)
يضاف إلى ذلك أنَّ نفوس الظالمين تأبى إقامة العدل وإحقاق الحق لما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والجور والمنكرات، والرجعة تنطوي على أمرٍ يحقق العدالة الاِلهية في أرض الواقع بانتصاف الظالم من المظلوم وإدالة أهل الحق من أهل الباطل، ولهذه العلة أبت نفوس المكابرين من أهل الجاهلية الاعتقاد بالمعاد والنشور رغم أنّهم عاينوا المعجزات وضربت لهم الاَمثال الواضحة وأقيمت لهم الدلائل البينة والبراهين الساطعة، لاَنّ قبول هذا الاعتقاد يعني الانصياع للحق والعدل بالوقوف أمام المحكمة الاِلهية الكبرى (يَومَ تَشْهَدُ عَلَيهِم ألسِنَتُهُم وأيديهِم وَأرجُلُهُم بِما كانُوا يَعمَلُونَ).(11)
أدلة الرجعة:
أورد الحر العاملي في الباب الثاني من كتابه (الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) اثني عشر دليلاً على صحة الاعتقاد بالرجعة، وأهم ما استدل به الاِمامية على ذلك هو الاَحاديث الكثيرة المتواترة عن النبي والاَئمة عليهم السلام المروية في الكتب المعتمدة، وإجماع الطائفة المحقة على ثبوت الرجعة حتى أصبحت من ضروريات مذهب الاِمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين، كما استدلوا أيضاً بالآيات القرآنية الدالة على وقوع الرجعة في الاُمم السابقة، أو الدالة على وقوعها في المستقبل إما نصاً صريحاً أو بمعونة الاَحاديث المعتمدة الواردة في تفسيرها، وفيما يلي نسوق خمسة أدلة نبدأها بالاَدلة القرآنية:
أولاً: وقوعها في الاُمم السابقة
لقد حدّثنا القرآن الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل عن رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا رغم ما عرف وثبت من موتهم وخروجهم من الحياة إلى عالم الموتى، فإذا جاز حدوثها في الاَزمنة الغابرة، فلم لا يجوز حدوثها مستقبلاً: (سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبدِيلاً).(12)
روى الشيخ الصدوق بالاِسناد عن الحسن بن الجهم، قال: قال المأمون للرضا عليه السلام: يا أبا الحسن، ما تقول في الرجعة؟
فقال عليه السلام: (إنّها الحقّ، قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الاِسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، ثم يكون ماذا؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثم يرجع الحقّ إلى أهله).(13)
وفيما يلي نقرأ ونتأمل الآيات الدالة على إحياء الموتى وحدوث الرجعة في الاُمم السابقة:
إحياء قوم من بني إسرائيل:
قال تعالى: (ألم تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحيَاهُم إنَّ اللهَ لذُو فَضلٍ على النَّاسِ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرُونَ).(14)
فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة تدل على أنَّ هؤلاء ماتوا مدة طويلة، ثم أحياهم الله تعالى، فرجعوا إلى الدنيا، وعاشوا مدة طويلة.
فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا بعد الموت، وقد سأل حمران بن أعين الاِمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن هؤلاء، قائلاً: أحياهم حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم من يومهم، أو ردّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء؟
قال عليه السلام: (بل ردّهم الله حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ولبثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم).(15)
إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى عليه السلام:
قال تعالى: (وإذ قُلتُم يا مُوسى لَنْ نُؤمنَ لكَ حتى نرى اللهَ جَهرَةً فأخَذَتكُم الصَّاعِقَةَ وأنتُم تنظُرُونَ * ثُمَّ بعثناكُم مِنْ بَعدِ موتِكُم لَعَلَكُم تَشكُرُونَ). (16)
هاتان الآيتان تتحدثان عن قصة المختارين من قوم موسى عليه السلام لميقات ربه، وذلك أنّهم لمّا سمعوا كلام الله تعالى قالوا: لا نصدّق به حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى عليه السلام: (يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم) فأحياهم الله له، فرجعوا إلى الدنيا، فأكلوا وشربوا، ونكحوا النساء، وولد لهم الاَولاد، ثم ماتوا بآجالهم.(17)
فهذه رجعة أُخرى إلى الحياة الدنيا بعد الموت لسبعين رجلاً من بني إسرائيل، قال تعالى: (واختارَ موسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنَا فَلَمَّا أخَذَتهُم الرَجفةُ قالَ ربِّ لو شِئتَ أهلَكتَهُم مِنْ قَبلُ وإيَّاي أتُهلِكُنا بِما فَعلَ السُّفَهآءُ مِنَّ).(18)
المسيح عليه السلام يحيي الموتى:
ذكر في القرآن الكريم في غير مورد إحياء المسيح للموتى، قال تعالى لعيسى عليه السلام: (وإذ تُخرِجُ الموتى بإذني)(19) ، وقال تعالى حاكياً عنه: (وأُحيي الموتى بإذنِ اللهِ).(20)
فكان بعض الموتى الذين أحياهم عيسى عليه السلام بإذن الله تعالى قد رجعوا إلى الدنيا وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم.(21)
الهوامش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
(1) سورة القيامة 75: 36 ـ 40.
(2) الصحاح 3: 1216. والقاموس المحيط 3: 28.
(3) الصحاح 2: 805.
(4) الكافي 1: 198 | 3 باب أنّ الاَئمة عليهم السلام هم أركان الاَرض ـ دار الكتب الاِسلامية.
(5) بحار الاَنوار 100: 349.
(6) عقائد الاِمامية، للمظفر: 108 تحقيق مؤسسة البعثة. والآية من سورة غافر 40: 11.
(7) رسائل الشريف المرتضى 3: 135 ـ الدمشقيات ـ دار القرآن الكريم ـ قم.
(8) روح المعاني 20: 27 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
(9) سورة آل عمران 3: 49.
(10) عقائد الاِمامية، للشيخ المظفر: 111 ـ 112. والآية من سورة البقرة 2: 259.
(11) سورة النور 24: 24.
(12) سورة الاَحزاب 33: 62.
(13) بحار الاَنوار 53: 59 | 45.
(14) سورة البقرة 2: 243.
(15) تفسير العياشي 1: 130 | 433 المكتبة العلمية ـ طهران.
(16) سورة البقرة 2: 259.
(17) سورة البقرة 2: 55 ـ 56.
(18) الاعتقادات، للصدوق: 61.
(19) سورة الاعراف 7: 155.
(20) سورة المائدة 5: 110.
(21) سورة آل عمران 3: 49.
(22) الكافي 8: 337 | 532. وتفسير العياشي 1: 174 | 51.
لا تنسوني ووالدي من الدعاء

تعليق