بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين
والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين
شهادةمسلم بن عقيل وهانئ بنعروة ( رضوان الله عليهما)
ارتأى الإمام الحسين (عليه السلام ) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يهيئ له الأجواء ، وينقل له واقع الأحداث ، ليستطيع أن يقرّر الموقف المناسب ، ولابد لهذا السفير من صفات تؤهله لهذه السفارة ، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ، لما كان يتصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص.
انطلق مسلم بن عقيل (عليه السلام ) من مكّة متوجّهاً إلى العراق في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ( 60 هـ ) ، ودخل الكوفة في الخامس من شهر شوال من نفس السنة ، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي ،واتخذها مقرّاً لعمله السياسي في الكوفة.
ومنذ وصول مسلم بن عقيل( عليه السلام ) إلى الكوفة ، أخذ يعبئ أهلها ضد حكم يزيد ويجمع الأنصار ، ويأخذ البيعة للإمام الحسين ( عليه السلام )، حتّى تكامل لديه عدد ضخم من الجند والأعوان ، فبلغ عددمَن بايعه واستعد لنصرته ثمانية عشر ألفاً ، كما ورد في كتاب مروج الذهب.
لم تكن مثل هذه الأحداث لتخفى على يزيدوأعوانه ، إذ كتب عملاءالحكم الأموي رسائل كثيرة إلى السلطة المركزية ، نقتطف لكم ما جاء في أحد تلك الرسائل : أمّا بعد فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب ، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجل اقوياً ، ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإنّ لنعمان بن بشير رجل ضعيف أو هويتضاعف.
وتسلّم يزيد تلك الرسالة، وراح يناقش الأمر ، ويبحث عن أكثرالناس قسوة وقدرة على التوغّل في الإرهاب والجريمة ، وأخيراًوقع الاختيار على عبيدالله بن زياد ، ومنذ وصوله إلى قصر الإمارة ، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد .
وننقل هنا هذه الجملة من أقواله : سوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي .
وهكذا بدأ الانعطاف ،وبدأت مسيرةالجماهير الصاخبة تتخذ مجرى آخر ، إذ لاحت بوادر النكوص والإحباط تظهر على جماهيرالكوفة وبعض رجالاتها .
وراحت سلطة عبيد الله بن زياد تقوّيم ركزها ، وتمسك بالعصاالغليظة ، وبوسائل القوّة والسيطرة المألوفة لديها ، من المال والرشوة والإرهاب وتسخير الجواسيس لجمع المعلومات وبث الأراجيف .
أمّا موقع مسلم بن عقيل (عليه السلام ) ،فبدأ يضعف ويهتز ، واضطر إلى تغيير أسلوب عمله وموقعه .
فانتقل من دار المختارالثقفي إلى دارهانئ بن عروة متخفّياً بعيداً عن أعين السلطات ، إلى أن كشفته عناصر الاستخبارات ،وأخبرت عبيد الله بن زياد بمكانه ، فاستدعى ابن زياد هانئ بن عروة - المدافع عن مسلم بن عقيل ( عليه السلام) - بشكل سري وغير مثير ، بحجّة أنّ الوالي بعث إليه ليزوره حتّى تزول الجفوة بينهما .
وما أن دخل هانئ القصرحتّى وجد نفسهأ مام محكمة ، والتهم موجهة إليه ، والجواسيس شاهدة عليه في أنّه يوالي الإمام الحسين ( عليه السلام ).
حاول هانئ الإنكار إلاّأنّه فوجئ بالهجوم عليه من قبل ابن زياد بقضيب كان بيده وراح يهشم به وجهه ، وكان هانئ يدافع عن نفسه بقوّة فلم يستطع، وأخيراً أصدر ابن زياد أوامره بحبس هانئ في إحدى غرف القصر .
ثمّ تسربت أخبار سجن هانئ إلى أوساط الناس ، فتطوّر الصراع ،والأوضاع في الكوفة أخذت تنذر بانفجار خطير ، وأخذ ازلام ابن زياد وجواسيسه ببث الإشاعات في كل أنحاء الكوفة ، وأخذوا يُخَوِّفُون الناس بأنّ هناك جيش جرّار قادم من الشام .
كما بدؤوا يُشيعون بين أوساط الناس روحالت خاذل ، والدعوة إلى حفظ الأمن والاستقرار لغرض كسب الوقت ، وتفتيت قوى الثوار .
استمرت الأوضاع هكذا في الكوفة ، والن استنصرف شيئاً فشيئاً عن مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) حتّى لم يبق مع مسلم إلاّ عشرةرجال ، صلّى بهم جماعة ،فلمّا انتهى التفت إلى خلفه فلم يجد أحداً منهم .
وبعد مواجهة هذا المنظرالمروّع راح يسير في شوارع الكوفة حتّى يهتدي إلى حل أو طريق للخروج من الكوفة قبل إلقاء القبض عليه من قبل سلطات ابن زياد ، كي يُبلغ الإمام الحسين ( عليه السلام ) بانقل بالأوضاع ، كي لا يقع في حبائل الغدر والخيانة.
ثمّ أصدر ابن زيادأ وامره بتحرّي بيوت الكوفة بيتاً بيتاًوتفتيشها ، بحثاً عن مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) ، الذي كانقد اختبأ في بيت امرأة مجاهدة ومحبّة لآل البيت ( عليهم السلام ) اسمها طوعه.
فلمّا علم ابن زياد بمكانه ، أرسل له جيشاً إلى تلك الدار ،فقاتلهم مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) أشد قتال ، إلاّ أنّ الأقدار شاءت فوقع بأيدي قوات بن زياد .
ثمّ أرسلوه إلى القصر ،فدارت بينه وبين ابن زياد مشادّة كلاميةغليظة ، حتّى انتهت بقول ابن زياد لمسلم ( عليه السلام ): إنّك مقتول ، ثمّ أمر ابن زياد لجاوزته أن يصعدوا به أعلى القصر ، ويضربوا عنقه ويلقوا بجسده من أعلى القصر .
ثمّ انهال على مسلم (عليه السلام ) سيف الغدر ، وحال بين رأسه وجسده ، ليلتحق بالشهداء والصديقين والنبيين الصالحين .
ثمّ جاء الجلاّدون بهانئ بن عروة ( رضوان الله عليه ) ،واقتيد مكتوف اليدين إلى سوق الغنم في مدينة الكوفة ، فقتل هناك واقتطع رأسه ، وقام ابن زياد بإرسال رأسيهما الشريفين إلى يزيد في التاسع منذي الحجة 60 هـ .
وأما الجسدان الشريفان فقد شَدَّهُما الجلاّدون بالحبال وجُرّافي أزقة الكوفة وأسواقها .