بِسْـمِ اللَهِ الـرَّحْمَنِ الـرَّحِيمِ
وصلَّى اللهُ على محمّد وآله الطَّاهرين
ولعنة اللَه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
ولا حول ولا قوّة إلاّ باللَه العليّ العظيم
أقول: لماذا ذكر القرآن الكريم قصّة موسي وقومه أكثر من سائر الأنبياء..
سؤال سُئِلَ وأحبُّ أن أجيبَ عنه
حيث قال الله الحكيم في كتابه الكريم:
(( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلى قَوْمِهِ غَضْبَـانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاْلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلیهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَتُشْمِتْ بِيَ الاَعْدَآءَ وَلاَتَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلاأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) [1]
تدور هذه الآيات حول تخلّف قوم موسي عن دين التوحيد عند غيبته لمناجاة الله تعالى والتكلّم معه عند جبل الطور خلال أربعين ليلة ؛ فعبدوا العجل بدعوة السامري. وكثر أتباع السامري، فلم يستطيع هارون أن يصدّهم عن شركهم، إلى درجة أنّهم كادوا يقتلونه. ولمّا عاد موسي من الطور، ورأي قومه يعبدون العجل، وغضب على أخيه إذ لم يتّبع طريقه، ولم يردع قومه عن ذلك العمل القبيح، ولم يصلح شؤونهم، وعرض هارون عذره، ورأى موسى مشروعيّة عذره، أشفق على أخيه، وطلب من الله تعالى أن يغفر له ولأخيه ويرحمهما.
ووردت الآيات التي تتحدّث عن موسي وبني إسرائيل في كثير من سور القرآن، بخاصّة من سورة البقرة، والأعراف، وطه ، والقصص.
وذُكر اسم موسى على نبينا(عليه السلام) في القرآن كثيراً، كما جرى الحديث فيه عن قصصه وقصص قومه بحيث لم يتحدّث القرآن بهذا الحجم عن الأنبياء الآخرين بما فيهم إبراهيم(عليه السلام) الذين كان أفضل الانبياء وأشرفهم جميعاً، ماعدا الرسول الأكرم خاتم الانبياء والمرسلين، وله مقام أرفع في توحيد ذات الحقّ.
ويعود السبب في ذلك إلى أنّ القرآن ليس كتاباً قصصيّاً يسرد لنا حكايات عن الأنبياء وأقوامهم بأُسلوب قصصي من أجل الاطّلاع على أحوالهم فحسب.
بل هو كتاب حكمة وموعظة وبيان لفضائل الإنسان وكمالاته، لكي يتّبعه الناس ، ويحظى بالسعادة المطلقة؛
وكذلك يتحدّث عن قبائح الأعمال والأخلاق والعقائد والسنن والآداب حتّي يبتعد الناس عنها.
ولمّا كانت النفوس البشريّة متماثلة في جبلّتها، وأُسلوب طيّها طريق التكامل، أو السقوط في حضيض الهوى.
وكان بنو إسرائيل أكثر الطوائف والاُمم مِراءً مع أنبيائهم، وكانوا يطرحون مؤاخذاتهم الواهية المنبعثة عن تثاقلهم وتساهلهم وتكاسلهم وميوعتهم في الشؤون الحياتيّة العظيمة، وكانوا يركنون إلى المال والكنوز الفانية وزخارف الدنيا، ويهتمّون بمصالحهم الذاتيّة وأُمورهم الاعتباريّة، ولم يتركوا أهواءَهم على الرغم ممّا قام به موسي وأخوه هارون من الدلالة على طريق والهداية التامّة الكاملة، فلهذا تكلّم عنهم القرآن أكثر من غيرهم؛
لكي تتّعظ نفوس جميع الذين يأتون بعد نزول القرآن إلى يوم القيامة، ويعرفوا طريقهم جيّداً، أُولئك الذين هم كبني إسرائيل من حيث النفسانيّات والمهلكات والمنجيات وتطوّر الاحوال وتشتّت الخواطر، وظهور الآراء والمقاصد المستجدّة، والعقائد والاخلاق الجديدة؛ فيعتبروا بقراءة هذا الآيات وتطبيقها على أنفسهم، وأعمالهم وأخلاقهم وتعاملهم مع نبيّهم وأئمّة الدين وولاة الشرع المبين. وحتّي لا تزلّ أقدامهم كالسابقين، ولا يكونوا كتلك الطائفة البائسة المنقلبة من بني إسرائيل في المؤاخذات، وضروب التثبيط والتكاسل، والقيام بالشؤون الحياتيّة، وعدم اتّباع أولياء الدين والائمّة الميامين المنصوبين من قبل سيّد المرسلين، وعدم طاعتهم طاعة محضة. ولكي يفهموا أنّ النفوس واحدة، وأنّ اسم المسلم ، واليهودي ليسا أكثر من اسمين فحسب. وفي ميزان الحقائق ويوم القيامة يجري الامتحان والاختبار على ميزان الحقيقة والصلاح والتقوي والإيمان والولاية، لا على الاسم. ولو كان هؤلاء كأُولئك في خَور النفس، واعوجاج الطريق، وعدم الانقياد الصرف، والمماراة في الاُمور، فلا فرق بينهم وبين تلك الطائفة من بني إسرائيل وستكون عاقبتهم واحدة.
ومن هنا أمر الله الناس في هذا الكتاب السماوي : القرآن الكريم أن يتلوه في أطراف نهارهم وآناء ليلهم، كي يطّلعوا على الخصائص النفسيّة، لموسي وهارون على نبينا وعلیهما السلام، وعزمهما الراسخ، وصبرهما واستقامتهما إذ أودع الله في نفس كلّ ذي نفس أمثلة ونماذج من ذلك. وكذلك يتعرّفوا علی مواصفات أُولئك القوم وسلبيّاتهم غير المؤثّرة، فلا يؤثِروا الهوي الإسرائيلي على نور التوحيد والإيمان الراسخ والصبر والاستقامة الموسويّة والهارونيّة. وليتّقد نور التوحيد في قرارة نفوسهم فيقشع غمائم الظلام.
وبناءً على هذا، مثل من يتلو القرآن ويطّلع على أحوال أُولئك القوم وآثارهم، ويتعرّف على أسباب سقوطهم ونكبتهم كمثل من يدرس أحوال نفسه وآثارها، فيحصل منها ومن شؤونها على نتيجة مخالفتها للدين وتعالیمه وأوليائه عند التمرّد، كما يحصل على نتيجة موافقتها عند الانقياد.
وللموضوع تتمة تابعوها
والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليق