بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى على أحد أهمية الأخلاق في الإسلام، إذ أنها تمثل واحدا من ثلاثة أقسام أساسية يتكون منها كما قال قدماؤنا، ألا وهي العقائد والأحكام والأخلاق، وقول الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" يجلي القيمة المتميزة لدورها الأساسي.
ولعل البعض لا يدرك أهمية الفكر والتنظير في الميدان الأخلاقي، وهنا لا بد من أن أؤكد أن حتى الأخلاق لا بد أن تفهم من خلال البحث الفكري الرصين والمعمق، شأنها في ذلك شأن كل مفردات حياة الإنسان عموما و الإنسان المسلم وحياة الأمة المسلمة على وجه الخصوص.
ومن الابحاث المهمة في علم الاخلاق بحث ما إذا كانت الاخلاق نسبية، أي متغيرة نسبة إلى تغير الأزمنة والأمكنة والحالات والأشخاص، أم إنها مطلقة تماما كالحقائق الرياضية من قبيل أن الأربعة تساوي ضعف الاثنين، أو الحقائق العقلية من قبيل عدم اجتماع النقيضين، وذلك من حيث أن الإسلام يمثل رسالة الله الخالدة، فتكون الأخلاق خالدة وثابتة بخلود الإسلام.
وبعبارة أخرى هل يمكن ان نتصور ان الشجاعة والكرم والعدل يمكن ان تكون حسنة بالنسبة لشخص معين او في زمان معين او مكان معين وقبيحة بالنسبة لشخص اخر او زمان اخر او مكان اخر فيكون مثلا قتل يزيد للامام الحسين (عليه السلام) حسنا بالنسبة ليزيد واتباعه وقبيحا بالنسبة للامام الحسين (عليه السلام) واتباعه ؟
فالقائلون بنظرية نسبية الأخلاق يقولون بعدم وجود لأي معيار لأخلاقية الفعل خارج نفس الإنسان. فقدامى الفكر اليوناني كالسفسطائيين يرون أن مقياس كل شيء بلا استثناء هو الإنسان نفسه. وهذا يشمل عندهم حتى العلم والفلسفة والحقيقة، كل شيء معياره تشخيص الإنسان. وبهذا يذهبون إلى أنه لا يوجد حق واقعي، بل الحق بالنسبة لكل إنسان هو ما يشخصه هو. فما وافق مصلحته ومنافعه ورأه حسنا فهو حسن وهذا يذكرنا بقول المعتزلة - ولكن بالنسبة للأحكام - حيث أن الحكم الواقعي هو كل ما يراه المجتهد، ومن هنا لا يحتمل الاجتهاد عندهم الخطأ. وفي مقابلهم المخطئة الذين يعتبرون الحق شيئا واحدا لا غير.
أصحاب مدرسة النسبية في الأخلاق لا يرون إذن أي معيار غير ما يحدده الإنسان .نفسه ويستدلون على رأيهم هذا بأن الأخلاق الحسنة هي ما يسمى بالأخلاق الحميدة، أي ما يحمد من قبل الناس. فما زال الحمد هو المقياس، وبما أن الحمد متغير من زمان إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر، فلا بد أن تكون الأخلاق متغيرة ونسبية.

تعليق