المؤمن مرآة المؤمن
الحمد لله الذي جعل ما سواه مرآة لأسمائه وصفاته ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه ومرآة كمالاته محمّد وآله الطاهرين مرايا الفضائل والمحامد والعلوم .
قال معلّم الإنسانية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) : « المؤمن مرآة المؤمن » .
يمكن أن نستلهم من هذه المقولة التي تُعدّ من جوامع الكلم ـ بمعنى : قليلة الحروف والكلمات ، كثيرة المغزى والمعاني ـ وجوهاً عديدة وهي كالآتي :
قال معلّم الإنسانية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) : « المؤمن مرآة المؤمن » .
يمكن أن نستلهم من هذه المقولة التي تُعدّ من جوامع الكلم ـ بمعنى : قليلة الحروف والكلمات ، كثيرة المغزى والمعاني ـ وجوهاً عديدة وهي كالآتي :
في رحاب معاني حديث المرآة :
1 ـ جلاء المرآة :
لقد ذكر علماء الأخلاق في تهذيب النفس وتربية الروح ثلاث مراحل : التخلية والتحلية والتجلية ، فلا بدّ أوّلا للمرآة من جلاء وصفاء وطهارة من الدرن والأوساخ ، حتى يشاهد الإنسان نفسه من خلال انعكاس صورته فيها ، فعلى المؤمن أن يطهّر نفسه وباطنه وظاهره من الأحداث والأخباث بطهارة ظاهرية وباطنية ، ويهذِّب قلبه ، ويجلّي روحه ، حتّى يكون مرآة أخيه المؤمن .
2 ـ رؤية العيوب والمحاسن :
من مميّزات المرآة الصافية أ نّها تبدي المعايب ، كما تحكي المحاسن ، وكذلك المؤمن لأخيه المؤمن فكما يذكّره بعيوبه للإصلاح ورفعها ، فكذلك يذكّره بمحاسنه ومكارمه ، لتقويتها في النفس وتجليتها وتثبيتها ، فإنّ المرآة كما تذكر الرائي وتظهر النقطة القذرة على الوجه لإزالتها ، فإنها تعكس العين الجميلة الشهلاء أيضاً . وجاء في الخبر : التفكّر مرآتك تُريك سيئاتك وحسناتك . .
3 ـ حكاية الواقع :
المرآة لا تكبّر العيب ولا تصغّره ، بل تحكيه كما هو من دون زيادة ونقصان ، فهي تحكي الواقع ، فكذلك المؤمن إنّما يذكر العيب لأخيه بنفس المقدار ، فلا يزيد حتّى يستوجب اليأس ويصعب عليه الأمر ، ولا ينقصه حتّى يستصغر الأمر ولا يبالي به ولا يهتمّ له ، بل بنفس الحجم والمقدار .
4 ـ المجابهة :
من خصائص المرآة أ نّها تذكر العيب لناظرها وجهاً بوجه ، فلا تحاكي العيوب من وراءه وخلفه ، فكذلك المؤمن إنّما يذكر عيب أخيه المؤمن أمامه فإنّ المقصود إصلاحه بالخصوص لا ازدراءه وتحطيم شخصيته والاستهانة به ، فلا يستغيبه ، ولا يأكل لحم أخيه ميّتاً ، ولا يحبّ أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا .
5 ـ الهدوء :
إنّما تذكر المرآة العيوب لأصحابها بالخصوص بكلّ هدوء وصمت من دون تهريج وفضح صاحب العيب أمام الآخرين ، فلا تريد الفضيحة لناظريها ، فكذلك المؤمن لأخيه المؤمن ، إنّما يذكّره بعيوبه ، ويبيّنها من أجل الإصلاح بكلّ اتّزان وهدوء ، ولا يذكر العيب للآخرين ليحطّم شخصيّته الاجتماعية ، ويذهب بماء وجهه بين الناس .
6 ـ ترك الحقد :
من محاسن المرآة أ نّها لا تأخذ العيب بقلبها ، فلا ينطبع في صدرها شيء ، بل بمجرّد ذهاب الناظر إليها ، يذهب معه ما عكسته من المعايب ، وكذلك المؤمن فلا يحقد على أخيه المؤمن ولا يحمل في صدره غيضه وعداوته ، ولا ينطبع في قلبه ودماغه عيب أخيه حيث لا ينساه أبداً ، بل بمجرّد التذكّر الأخوي بكلّ هدوء وصفاء ومحبّة ومن ثمّ الافتراق ينتهي كلّ شيء ، وكأ نّه لم يكن شيئاً مذكوراً ، فالمؤمن في سلوكه يجسّد لأخيه المؤمن الحبّ والإخلاص والمصافاة والإخاء والصفاء القلبي .
7 ـ النصح المتواصل :
المرآة لا تملّ ولا تتضجّر ولا تبدي التعب في بيان العيوب والمحاسن ، بل في كلّ مرّة تذكّر الشخص بعيبه حتّى يُزيله ويصلح أمره ، وكذلك المؤمن فإنّه دائماً يذكّر أخاه المؤمن وينصحه ، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين وتسوق المجتمع الإنساني إلى ساحل السلامة والسعادة ، فهدف المؤمن مع إخوته في الإيمان هو إصلاح الشخصية الإسلاميّة ، ومن ثمّ إصلاح المجتمع الإسلامي ، والأخذ بيد المؤمنين الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر لإيصالهم إلى وادي السعادة وقمّة الكمال المنشود .
8 ـ العموميّة :
أليس المرآة في كلّ حال وفي كلّ زمان ومكان تقول كلمتها من أجل الصلاح والإصلاح ، فكذلك المؤمن لأخيه المؤمن ، فإنّه مرآته في كلّ الأحوال وفي كلّ مكان وزمان ، فلا تأخذه في الله في مقام النصيحة لومة لائم ، فهو يقول كلمته كلمة الحقّ والعدل والصدق .
9 ـ العدالة :
إنّ المرآة عادلة تعدل بين الناس في مسؤوليتها ، فتعطي كلّ واحد من ناظريها حقّه وما يستحقّه من دون إجحاف وتبذير ، ومن دون تعسّف وتنكير ، فكذلك المؤمن مع المؤمنين فهو عادل في سلوكه ، يضع الأشياء في مواضعها من دون إفراط ولا تفريط .
10 ـ المثابرة :
لو انكسرت المرآة وتناثرت وتحطّمت ، فإنّها تقول كلمتها ، وكلّ قطعة منها تحكي الواقع وتذكّر الناظر ، وكذلك المؤمن فإنّه لو تحطّم في المجتمع وحورب وجعلوه إرباً إرباً ، فإنّه لا يزال يقول كلمته الحقّ ليزيل العيوب عن الفرد والمجتمع فإنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا بقلبه ولسانه ، بل بكلّ جوانحه وجوارحه ، فإنّه يثابر بكلّ ما يملك من أجل إعلاء كلمة الحقّ ، فيكون تجسيداً للمعروف وتعكس الحال ، كما هو الحال في قطعات المرآة .
11 ـ قول الحقّ :
إنّ المرآة قوّالة الحقيقة مع الجميع ، فلا صداقة ولا قرابة عند مشاهدتها العيب ، فإنّها تحكي ذلك على السواء ، فكذلك المؤمن يقول الحقيقة من دون مراعاة الصداقة أو القرابة أو الشركة أو غير ذلك ، فإنّ الحقيقة عنده فوق كلّ ذلك .
12 ـ المواساة :
إنّ المرآة لتفرح بفرحك وتضحك بضحكك ، كما إنّها تحزن وتبكي ببكائك ، وكذلك المؤمن يفرح بفرح أخيه المؤمن ويحزن بحزنه ، فيشاطره ويواسيه في همومه وأحزانه ، كما يقاسمه في أفراحه وسروره .
13 ـ ترك الغيبة :
إذا رأيت نفسك في المرآة فإنّها تحدّثك عن نفسك لا غير ، فلا تذكر الآخرين أمامك بسوء ، وكذلك المؤمن إنّما يذكّرك بنفسك ، ولا يقرض الآخرين بمقاريض السوء والغيبة .
14 ـ النظافة :
الإنسان بطبيعته يحبّ النظافة فإنّه يفارق المرآة الوسخة والقذرة التي لا يمكن إصلاحها وجلائها ، فكن أ يّها المؤمن جميلا نظيفاً ، فإنّ الله جميل ويحبّ الجمال ، حتّى يرتاح إليك أخوك المؤمن ، ويفضّل معاشرتك على غيرك ، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن .
15 ـ الصبر :
المرآة صبورة ، فلا تملّ من مجالسة الآخرين ، وتراعي حقوق المصاحبة وتتحمّل أيّ واحد كان ، وكذلك المؤمن فإنّه لا يتضجّر من الآخرين في ظاهر معاشرته ، ولا يظهر أمامهم الملل والكسل والانزعاج ، بل بكلّ أدب يحاول أن يصلح أمرهم ، ويهديهم إلى سواء السبيل ، وما فيه الخير والصلاح والصواب كالمرآة .
16 ـ التواضع :
من صفات المرآة أ نّها متواضعة في حقيقتها ، فإنّها تصوّر الآخرين وتجالس الغني والفقير والعالم والجاهل والوضيع والشريف ، كذلك المؤمن فإنّه يتواضع لله سبحانه ، ويتأسّى برسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلا : أنا مسكين واُحبّ المساكين واُجالس المساكين ، ومن تواضع لله رفعه .
17 ـ الأمانة :
المرآة أمينة ، حقيقة لا تنكر فإنّها لا تخون أصحابها ، فلا تفشي لهم سرّاً ولا تهرّج في معايبهم ، كذلك المؤمن فإنّه أمين لا يخون ، فإنّ للمؤمن ثلاث علامات : إذا حدّث لم يكذب وإذا ائتمن لم يَخُن ، وإذا وعدَ لم يخلف ، والجامع بين هذه الثلاثة هي حفظ الأمانة بالمعنى الأعم ، وأمّا المنافق في العمل ، فإنّ له ثلاث علامات وإن صلّى وصام ـ كما ورد في الخبر الشريف ـ : إذا حدّث كذب ، وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف .
18 ـ الستار :
إنّما المرآة تذكّر العيوب الظاهرة ، وأمّا المستورة فلا يظهر فيها ستّارة العيوب المخفيّة فلا تحدّث بالبواطن ولا تحكي الخفايا ، كذلك المؤمن يستر على أخيه ما ستره الله عليه ، ولا يحبّ أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا كما لا يحبّ الله ذلك ، فربّه الله من صفاته الحسنى أ نّه ستّار العيوب كذلك المؤمن يتجلّى فيه صفات الله وأسمائه الحسنى فيستر العيوب من أخيه المؤمن على الآخرين .
19 ـ عدم التوقّع :
المفروض أن لا ننتظر ونتأمّل من المرآة أكثر من حجمها ، فلا ترتجِ وتنتظر من أخيك المؤمن أكثر ممّـا عنده ، فتحرجه أو تضايقه وربما ينتهي الأمر إلى مقاطعته ومعاداته ، فلا تتوقّع منه أكثر ممّـا هو عليه .
20- الفرد والجماعة :
المرآة كما هي مرآة للفرد فكذلك مرآة للجماعة ، وكذلك المؤمن فهو مرآة أخيه المؤمن كما هو مرآة مجتمعه الإيماني ، فإنّه يذكر العيوب والمحاسن على الصعيدين : الفردي والاجتماعي ، كلّ على حسب حاله وشأنه .
المصدر
اسم الكتاب : المؤمن مرآة المؤمن
المؤلف : السيد عادل العلوي
تعليق