رؤية قانونية حول الزواج خارج المحكمة
للمحامي
رامي احمد الغالبي
عضو اتحاد الحقوقيين العرب
للمحامي
رامي احمد الغالبي
عضو اتحاد الحقوقيين العرب
كلمة لا بد منها :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه حمداً كثيراً دائماً ابدا لا تحصي له الخلائق عددا, وصلاته وسلامه على خير خلقه احمد, وعلى آله الغر الميامين صلاةً وسلاماً دائماً سرمدا.
اما بعد.
إن النقاش والتباحث في قضيةٍ مشتركةٍ بين الفقه الإسلامي والفقه القانوني من قبل المختصين في العلوم القانونية, وبيان الرأي القانوني لمسألة معينة, لا يعني التجاوز على احكام الدين والعياذ بالله او الخروج عن المذهب كما يذهب اليه بعض المساكين حقيقة الأمر.
وأقول المساكين لأنهم بيني وبين الله فقراء جداً في الإدراك والوعي والتوصيف العلمي حسب تخصصات بني البشر.
وعلى ضوء ما تقدم نطرح مسألة مهمة حسمت من جانب الشرع الحنيف واعطى كل مذهبٍ ما يراه مناسب حسب الأدلة التي توصل اليها من استنباطها لأحكام هذه المسألة من المدارك المقررة لكل مذهب, فالمسألة التي نحن اليوم بصدد تسليط الأضواء عليها هي ((الزواج خارج المحكمة)).
الزواج حسب تعريف قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 في المادة الثالثة هو : ((الزواج عقد بين رجل وإمرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة الحياة المشتركة والنسل. )) .
واوجب القانون في المادة العاشرة منه ((تسجيل عقد الزواج لدى محكمة الأحوال الشخصية وفرض عقوبات جزائية تصل للحبس مدة سنة على كل رجل عقد زواجه خارج المحكمة الشرعية وتصل للحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات لمن عقد خارج المحكمة زواجا آخر مع قيام الزوجة )).
وأعطى الحق للمحكمة الشرعية بتحريك الدعوى الجزائية ما يدل على ان القانون فرض حماية يمكن وصفها بالكافية الا ان التطبيق القضائي المتسامح جداً مع هذه الحالات ادى الى انتشار عقد الزواج خارج المحكمة بشكلٍ كبير ما ادى ضياع حقوق الكثير من النساء , وخير دليل على ذلك هو كثرة دعاوى أثبات الزواج و النسب امام المحاكم.
فضلاً عن حالات الطلاق التي تجري خارج المحكمة وما تسببه من آثار اجتماعية خطيرة لاسيما على الأطفال.
اهم الأسباب للإقدام على عقد الزواج خارج المحكمة.
تتحدد اهم الأسباب للإقدام على عقد الزواج خارج المحكمة في ان القانون وضع ضوابط وشروط لإجراء العقد داخل المحكمة منها ما يتعلق بسن الزواج, والسلامة الطبية بين الزوجين, اضافة الى عدم وجود عارض من عوارض العقل, فبموجب قانون الاحوال الشخصية تتحقق اهلية الزواج الكاملة بالعقل واكمال الثامنة عشر من العمر وهذا ما تضمنته المادة السابعة من قانون الاحوال الشخصية أذ نصت ((يشترط في تمام اهلية الزواج العقل واكمال الثامنة عشرة)).
بينما لم يحدد فقهائنا أهلية الزواج بسن معين وانما تركوا الأمر لمن يعنيهم الأمر ويتعلق بهم , وحتى رجل الدين عندما يقوم بعقد الزواج بين شخصين لا يلتفت اطلاقاً ما اذا كان سن الزوج او الزوجة يؤثر على الحياة الزوجية من ناحية الإدراك الإجتماعي لهذه الحياة, او يلتفت الى ان الزوج سفيها او به عارض من عوارض الزواج, او هل هو مصاب بمرض يسبب الأذى للزوجة او ينتقل عن طريق الزوجة وبالتالي يؤثر سلباً على حياة ابائهم مستقبلاً.
صحيح ان رجل الدين سيقول انا مكلفٌ وفق القواعد الشرعية بمعرفة الإيجاب والقبول وقراءة الترتيل الشرعي لصيغة عقد الزواج.
نعم وهذا مسلم بلا جدال , لكننا اليوم في تطورٍ علميٍ كبير يستطيع ان يركن اليه رجل الدين بالنسبة لبيان عوارض الأهلية, إضافة الى التعاون التام مع الجهات القضائية, لحفظ نسب الأولاد الذين هم ثمار هذه العملية, وحفظ حقوق الزوجة في حالة الطلاق وانكار الزوجة والحالة الزوجية برمتها امام القاضي, والمحاكم مليئة الى حد الإشباع من هذه القضايا المأساوية.
فمن خلال ممارستنا لمهنة المحاماة وقعت الكثير من الحوادث بهذا الخصوص فالبعض يعقد عقداً شرعياً دون مصادقة المحكمة وعندما يطلق الزوجة يسجل اسم ولده بإسم اخيه او احد أقاربه.
ولقد وقعت احدى الحوادث من هذا النوع عندها قامت الزوجة بعد تطليق الزوج لها بتسجيل الطفلة باسم أبيها وبذلك أصبحت البنت أخت لأمها وقد افتضح الأمر حينما قام الأب بالذهاب للمدرسة لكي يرى أبنته ناسياً أنها غير مسجلة باسمه بل بإسم جدها وعد الأمر تزويراً, اذ لعبت الصدفة دورها في هذه الواقعة.
وزوجٌ آخر يسجل أبنائه الثلاثة بإسم أخيه وآخر يتزوج إمراة ثانية ويسجل ابنائه بإسمها فيما هنالك من لا يعترف بالنسب أصلاً ما يؤدي الى قيام المحكمة بفحص الحمض النووي للطفل لمطابقته مع الأب وهذا يتطلب إجراءات عديدة.
فعند حصول مثل هكذا نتائج سلبية بسبب الزواج خارج المحكمة يكون الأطفال الضحية الأولى والمباشرة لهذا الزواج.
فالزواج خارج المحكمة إما ان يحرمهم من نسب والدهم وبالتالي حصولهم على هويات احوال مدنية وحصص تموينية وغير ذلك او يعرضهم لاحتمال طلاق والديهم اذا كان الزواج سرياً, وهو ما يضيع حقوقهم ايضاً ويؤثر عليهم اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً.
وفي الإستطلاع الذي قامت به زميلتنا ((المحامية علياء الحسني)) حول حالات الطلاق توصلت وعن طريق المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى الى أرقام مرعبة في بيان حالات الطلاق اغلبها عن طريق هكذا زواج, وكما يلي :ـ
1. في عام 2004 كانت هناك( 28.690) حالة.
2. عام 2005 أصبح عدد الحالات ( 33.348 ) حالة.
3. عام 2006 وصل عدد الحالات الى ( 35.627) حالة .
4. عام 2007 وصلت الأعداد ( 41.56 ) حالة.
5. عام 2008 فبدأ العدد يصل الى( 44.116 ) حالة.
6. عام 2010 وصلت الأعداد إلى (61.466 ) .
7. عام 2010 فقد شهد انخفاضاً طفيفاً ليصل إلى (53.80) حالة لكنه تصاعد مجددا عام 2011, ليصبح ( 59.515 ) حالة طلاق.
اما في جانب الرصافة فحالات الطلاق بسبب الزواج خارج المحكمة لشهر نوفمبر فقط من عام 2014 مبينة في الجدول التالي:ـ
اسم المحكمة |
طلاق قبل الدخول |
طلاق بعد الدخول |
تفريق قبل الدخول |
تفريق بعد الدخول |
مخالعة قبل الدخول |
مخالعة بعد الدخول |
محكمة الأعظمية |
0 |
230 |
54 |
1167 |
139 |
733 |
محكمة قصر العدالة |
0 |
4 |
1 |
31 |
2 |
5 |
محكمة المدائن |
1 |
143 |
12 |
225 |
25 |
74 |
محكمة الكرادة |
0 |
137 |
34 |
549 |
22 |
264 |
محكمة الزهور |
1 |
39 |
4 |
283 |
4 |
34 |
محكمة الشعب |
1 |
265 |
98 |
460 |
85 |
252 |
محكمة الرصافة |
0 |
39 |
15 |
185 |
39 |
74 |
لذلك فإن قانون الأحوال الشخصية العراقي لم يُغفل آثار هذه الظاهرة السلبية وعد الزواج خارج المحكمة جريمة نصت عليها الفقرة الخامسة من المادة العاشرة منه بنصها : (( ﻳﻌﺎﻗﺐ ﺑﺎﻟﺤﺒﺲ ﻣﺪﺓ ﻻ ﺗﻘﻞ ﻋﻦ ﺳﺘﺔ ﺃﺷﻬﺮ، ﻭﻻ ﺗﺰﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺳﻨﺔ، ﺍﻭ ﺑﻐﺮﺍﻣﺔ ﻻ ﺗﻘﻞ ﻋﻦ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ ﺩﻳﻨﺎﺭ، ﻭﻻ ﺗﺰﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻟﻒ ﺩﻳﻨﺎﺭ، ﻛﻞ ﺭﺟﻞ ﻋﻘﺪ ﺯﻭﺍﺟﻪ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ، ﻭﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺤﺒﺲ ﻣﺪﺓ ﻻ ﺗﻘﻞ ﻋﻦ ﺛﻼﺙ ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﻭﻻ ﺗﺰﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺧﻤﺲ ﺳﻨﻮﺍﺕ، ﺇﺫﺍ ﻋﻘﺪ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺯﻭﺍﺟﺎً ﺁﺧﺮ ﻣﻊ ﻗﻴﺎﻡ ﺍﻟﺰﻭﺟﻴﺔ)).
ولكن للأسف الشديد يكون القرار القضائي في هذه الحالة الغرامة المالية إلا ما ندر.
اما في حالة نكران الزوج نسب الأطفال اليه فقد وجد القانون في شعبة تطابق الانسجة في الطب العدلي وسيلةً فاعلة لإثبات ذلك بعد اجراء الفحوصات على الوالدين وتقديم تقرير لمحكمة الأحوال الشخصية بعد رفع دعوى اثبات نسب بالتأكيد ليتم حسمها قانونياً .
فهذه المادة جاءت محاولةً للقضاء على الزواج العرفي لمصلحة الزواج الرسمي المثبت في سجلات المحاكم والمكتسب الإلزام والإلتزام, وإعتبار ابرام عقد زواج خارج المحكمة جريمة يعاقب عليها القانون وهذا الإعتبار القى بظلاله على مدى منع القانون لعقد زواج تحقق جانبه الشرعي واختفت فقط رسميته .
لذلك قامت حملة لإصلاح السياسات للحد من ظاهر الزواج خارج المحكمة في مدينة الصدر تبنتها ((جمعية نساء بغداد)) , عن طريق زميلنا المحامي ((مصطفى كامل الدراجي)), بجمع تواقيع للرافضين لهذا الزواج بغية تقديمها الى البرلمان العراقي من اجل تشريع قانون يحد من هذه الظاهرة او على الأقل تفعيل المواد القانونية الجزائية في قانون الاحوال الشخصية النافذ للحد من هذه الظاهرة.
وخلاصة القول ان الزواج خارج المحكمة وعن طريق رجل الدين جائز شرعاً بإتفاق جميع المذاهب الإسلامية وحسب اجتهاد كل مذهبٍ, اما قانوناً غير جائز قانونية لورود النص القانوني بمنعه لما فيه مصلحة للزوجين وابنائهم.
وقبل ان يجف ريق القلم اقول ان الحمد لله رب العالمين
تعليق