إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الذنب اسبابه وعلاجه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الذنب اسبابه وعلاجه

    القســـم الأول
    معنى الذنب وانواعه


    الذنب يعني المخالفة ، فكل عمل من الأعمال التي تخالف الاوامر الالهية يعد في نظر الاسلام ذنباً ، فحتى لو كان الذنب هيناً فهو عظيم وكبير وذلك لمخالفة الاوامر الربانية وعدم إطاعة الله سبحانه وتعالى .
    قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأبي ذر :
    « لا تنظر الى صغر الخطيئة ولكن انظر الى من عصيته » (1) .
    الاصطلاحات الدالة على الذنب في القرآن الكريم :
    ذكرت في القرآن الكريم وعلى لسان الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله سلم ) واهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) اصطلاحات كثيرة ومختلفة حول الذنب ، حيث يكشف كل منها عن قسم من الآثار السيئة للذنب ويبّين الانواع المختلفة له ، والاصطلاحات التي وردت في القرآن الكريم عن الذنب
    ____________
    (1) مجموعة ورام ج 2 ص 53 .

    الصفحة 10
    عبارة عن :
    1 ـ الذنب 2 ـ المعصية 3 ـ الاثم 4 ـ السيئة 5 ـ الجرم 6 ـ الحرام 7 ـ الخطيئة
    8 ـ الفسق 9 ـ الفساد 10 ـ الفجور 11 ـ المنكر 12 ـ الفاحشة 13 ـ الخبط
    14 ـ الشر 15 ـ اللمم 16 ـ الوزر والثقل 17 ـ الحنث .

    * * *

    1 ـ الذنب : ومعناه التابع ، وحيث ان كل عمل مخالف للشريعة يتبعه نوع من الجزاء الدنيوي او الاخروي ، فقد وردت هذه الكلمة 35 مرة في القرآن الكريم .
    2 ـ المعصية : ومعناها التمرد والخروج عن الاوامر الالهية ، وتعبّر عن تعدي الانسان لحدود العبودية ، وقد وردت هذه الكلمة 33 مرة في القرآن الكريم .
    3 ـ الاثم : ومعناه الخمول ، والبط ، والعجز ، والحرمان من الأجر والثواب . وهو دلالة على أنّ الآثم شخص عاجز ومحروم ولا ينبغي له ان يتوهم بانه فطنّ ، وهذه الكلمة ذكرت في القرآن الكريم 48 مرة .
    4 ـ السيئة : ومعناها العمل القبيح والسيء الموجب للهم والذلة ، وتقابلها ( الحسنة ) التي تعني السعادة والفلاح ، ووردت هذه الكلمة في القرآن الكريم 165 مرة . وكلمة السوء مأخوذة من نفس المصطلح وذكرت 44 مرة في القرآن الكريم .

    الصفحة 11
    5 ـ الجرم : ويعني في الاصل : انفصال الثمرة عن الشجرة وكذلك تعني الانحطاط ، والجريمة والجرائم اشتقت من نفس هذه المادة ، والتلوث بالجرم يبعد الانسان عن الحقيقة ، والسعادة ، والتكامل ، والهدف ، وقد وردت هذه الكلمة 61 مرة في القرآن الكريم .
    6 ـ الحرام : وتعني هذه الكلمة المنع والحظر . كلباس الاحرام الذي يرتديه الانسان في الحج والعمرة فيحرم عليه ممارسة عدة من الاعمال ، والشهر الحرام هو الشهر الذي يحرّم فيه القتال ، والمسجد الحرام يعني المسجد الذي له قدسيّة وحرمة خاصة ويحرم على المشركين الدخول فيه ، وقد وردت هذه الكلمة 75 مرة في القرآن الكريم .
    7 ـ الخطيئة : وتعني الذنب غير المتعمد غالباً . وقد تعني احياناً الذنب الكبير ، كما اشير اليها في آيتين في القرآن الكريم . ( بلى من كسب شيّئة وأحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (1) .
    ووردت في سورة الحاقة الآية 37 .
    ( لا يأكله إلاّ الخاطئون ) .
    ان ارتكاب الخطيئة يقطع على الانسان طريق النجاة ويمنع دخول الانوار الالهية الى قلبه .
    ____________
    (1) البقرة : آية 81 .

    الصفحة 12
    هذا الاصطلاح في الاصل هو حالة تحصل للإنسان نتيجة اقترافه الذنب فتمنعه من بلوغ سبيل النجاة وتحجب نفوذ انوار الهداية الى قبله (1) . وردت هذه الكلمة 22 مرة في القرآن الكريم .
    8 ـ الفسق : ويعني في الأصل خروج نوى التمر عن قشوره ، وهو كناية عن خروج المذنب عن طريق الطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى .
    اي انه بذنبه قد انتهك حرمة الاوامر الالهية ، وفي النتيجة بقي هذا المذنب عارياً وبدون حصن يحصنه وحافظ يحفظه . وقد ورد هذا الاصطلاح 53 مرة في القرآن الكريم .
    9 ـ الفساد : ويعني الخروج عن حد الاعتدال ، ونتيجته الضياع وتبذير القوى ، وقد ذكر هذا الاصطلاح 50 مرة في القرآن الكريم .
    10 ـ الفجور (2) : ومعناه تمزق ستار الحياء والسمعة والدين ، وعاقبته الافتضاح ، وجاء هذا الاصطلاح ست مرات في القرآن الكريم .
    11 ـ المنكر : وأصله من الانكار بمعنى الغير معروف ، وذلك لكون الذنب غير مأنوس لدى الفطرة والعقل السليم ، بل يعدانه قبيحاً اجنبياً ، وقد ورد هذا الاصطلاح 16مرة في القرآن الكريم ، وطرح اكثر الاحيان بعنوان النهي عن المنكر .
    ____________
    (1) الميزان ج 1 ص 218 .
    (2) الفجور شق ستر الديانة ( مفردات الراغب 373 ) .

    الصفحة 13
    12 ـ الفاحشة : هي الكلام والعمل القبيح الذي لا شك في قبحه . وفي بعض الاحيان تستعمل بمعنى العمل الشديد القبح والعار والتضجر . وقد ورد هذا الاصطلاح 24 مرة في القرآن الكريم .
    13 ـ الخبط : ومعناه عدم التعادل والتوازن في القيام والقعود . وكأن المذنب يتحرك حركات غير موزونة ولا معقولة يتبعها خمول وانحطاط .
    14 ـ الشر : ومعناه كل شيء قبيح يرفضه الناس .وعلى العكس منه اصطلاح الخير ، بمعنى العمل المحبوب لدى الناس وكأن الذنب هو على خلاف الفطرة والاحساس الداخلي للبشر . وهذا الاصطلاح يستعمل غالباً في مورد البلاء والنوائب ويستعمل احياناً في مورد الذنب حيث ورد قوله تعالى في سورة الزلزال بمعنى الذنب :
    ( ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره ) (1) .
    15 ـ اللمم : ( وهو على وزن قلم ) بمعنى التقرب الى الذنب ، وبمعنى الاشياء القليلة . ويستعمل في الذنوب الصغيرة ، وورد هذا الاصطلاح مرة واحدة في سورة ( النجم آية 32 ) .
    16 ـ الوزر : ومعناه الثقل .يأتي اكثر الاحيان بمعنى تحمل ذنوب الاخرين . فالوزير يطلق على من يتحمل عبء الحكومة الثقيل ، والمذنب غافل عن انه سيحمل على عاتقه حملاً ثقيلاً ، وهذا الاصطلاح ذكر 26 مرة في القرآن الكريم .
    ____________
    (1) سورة الزلزال آية 8 .

    الصفحة 14
    وفي بعض الاحيان ورد اصطلاح « الثقل » في القرآن الكريم في مورد الذنب ، كما دلت عليه الآية 13 من سورة العنكبوت .
    17 ـ الحنث : ( على وزن جنس ) (1) وأصله التمايل والانحراف نحو الباطل ، واكثر ما تستعمل هذه الكلمة للذنوب الناتجة من عدم الوفاء بالوعد ، ونقض العهد بعد الالتزام به ، التي تعد من الذنوب الكبيرة . وقد ورد هذا الاصطلاح مرتين في القرآن الكريم .
    إن هذه الاصطلاحات السبعة عشر يبيّن كلّ واحدٍ منها جزءاً من الآثار الوخيمة للذنب ويجسد الوانه ، وكل واحد منها له أسلوب خاص في تحذير الناس من ارتكاب الذنوب .

    الاصطلاحات الاخرى في الروايات :
    جاءت في الروايات الاسلامية اصطلاحات أخرى للذنوب مثل : الجريرة ، الجناية ، الزلة ، العثرة ، والعيب و . . .
    وكل واحد من هذه الاصطلاحات يبين لنا معناً خاصاً للذنب من الممكن للانسان أن يقع فيه .

    اقسام الذنب :
    قسم علماء الاسلام قديماً الذنب الى قسمين .
    1 ـ الذنوب الكبيرة .
    ____________
    (1) مفردات الراغب والمنجد ( حنث ) .

    الصفحة 15
    2 ـ الذنوب الصغيرة .
    وقد نشأ هذا التقسيم من القرآن الكريم والروايات ، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم :
    الآية 31 من سورة النساء :
    ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ) .
    وفي الآية 49 من سورة الكهف :
    ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرةً إلاّ أحصاها ) .
    وفي الآية 32 من سورة النجم :
    ( الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الاّ اللّمم إنّ ربك واسع المغفرة ... ) (1) .
    1 ـ اللمم ( على وزن قلم ) واصلها القرب من الذنب وتحتسب من الذنوب الصغيرة .
    وفي الآية 37 من سورة الشورى :
    ( والّذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ) .
    وفي الآية 48 من سورة النساء :
    ____________
    (1) اللمم ( على وزن قلم ) تعني في الاصل الاقتراب نحو الذنب ، كما يعبر عن الذنوب الصغيرة بـ « اللمم » ايضاً .

    الصفحة 16
    ( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثّما عظيماً ) .
    لقد أصبح واضحاً من خلال هذه الايات الشريفة ان الذنوب في الاسلام على نوعين : صغيرة وكبيرة .
    ويستفاد أيضاً من ان بعض الذنوب ( بدون توبة نصوحة ) لا عفو فيها وانّ بعضها تشمله المغفرة والعفو الالهي .

    تقسيم الذنوب كما جاء في الروايات :
    جاءت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) روايات متعددة تبين لنا تقسيم الذنوب الى الكبيرة والصغيرة .
    وقد أختصّ بهذا الموضوع ما رود في كتاب اصول الكافي تحت عنوان « باب الكبائر » والذي يحتوي على 24 حديثاً ، حيث ورد في الرواية الاولى والثانية من هذا الباب ان الذنوب الكبيرة تطلق على الذنوب التي جعل الله لها النار والجحيم واجباً وحتمياً (1) .
    وجاء في بعض هذه الروايات ان الذنوب الكبيرة سبعة انواع ( كما جاء في الرواية الثالثة والثامنة ) ، وفي بعضها انها تسعة عشر ذنباً ( رواية 24 ) (2) .
    ____________
    (1) الكبائر التي اوجب الله سبحانه عليها النار . ( اصول الكافي ج 2 ص 276 ) .
    (2) اصول الكافي ط آخوندي ج 2 ص 285 ـ وسائل الشيعة ج 11 ص 252 فما بعدها .

    الصفحة 17
    ومن مجموع هذه الروايات يظهر ان الذنوب تكون من حيث الشدة والضعف على قسمين كبيرة وصغيرة . وبالرغم من ان كل ذنب مخالف للاوامر الالهية يعتبر كبيراً وثقيلاً ، ولكن هذا الموضوع لا ينافي كون بعض الذنوب من حيث اثارها الوخيمة اكبر من البعض الاخر وبالتالي تقسيمها الى كبيرة وصغيرة .

    ما جاء على لسان الامام الصادق ( عليه السلام ) حول الذنوب الكبيرة في كتاب الله سبحانه .
    قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) .
    جاء أحد علماء الاسلام وهو ( عمرو بن عبيد ) الى الامام الصادق ( عليه السلام ) بعد ان سلّم عليه وقرأ هذه الآية :
    ( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ... ) ( النجم 32 ) .
    بعدها سكت ولم يكمل الآية .
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « لماذا سكتّ ؟ ! » .
    اجاب عمرو بن عبيد : أحبّ ان أعرف الذنوب الكبيرة في كتاب الله تعالى :
    اجابه الامام ( عليه السلام ) : نعم يا عمرو ! ، اسمع .
    1 ـ اكبر الذنوب الكبيرة الشرك بالله سبحانه كما قال سبحانه وتعالى :
    ( ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنّة ) ( النساء 72 ) .

    الصفحة 18
    2 ـ وبعده اليأس من رحمته . قال الله تعالى :
    ( أنّه لا يياس من روح الله إلاّ القوم الكافرون ) ( يوسف 87 ) .
    3 ـ وبعدهما الامان من مكر الله تعالى . قال الله تعالى :
    ( فلا يأمن من مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) ( الاعراف 99 ) .
    4 ـ ومن جملة الذنوب الكبيرة عقوق الوالدين . حيث اطلق الله على عاق الوالدين بـ ( جبّاراً شقياً ) (1) .
    5 ـ قتل النفس المحترمة الا في موارد الحق حيث قال الله سبحانه :
    ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) ( النساء 93 ) .
    6 ـ قذف المرأة الطاهرة بالزنا كما يقول الله سبحانه وتعالى :
    ( إن الّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) ( النور 23 ) .
    7 ـ اكل مال اليتيم : قال الله تعالى في مورد عاقبة الذين يأكلون مال اليتيم :
    ( إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) ( النساء الآية 10 ) .
    الفرار من جبهة الجهاد : كقوله تعالى :
    ____________
    (1) وقد ورد على لسان عيسى ( عليه السلام ) ( وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ) مريم 32 .

    الصفحة 19
    ( ومن يولّهم يؤمئذ دبره الاّ متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً الى فئةٍ فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ) ( الانفال 16 ) .
    9 ـ اكل الربا : قال الله تعالى :
    ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الّذي يتخبطه الشّيطان من المسّ ) ( البقرة 277 ) .
    10 ـ السحر والشعبذة : حيث قال الله تعالى :
    ( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاقٍ ) ( البقرة 103 ) .
    11 ـ الزنا ، قال الله تعالى :
    ( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) ( الفرقان 68 ، 69 ) .
    12 ـ القسم الكاذب للذنب ، قال الله تعالى :
    ( الّذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخرة ) ( آل عمران 77 ) .
    13 ـ الخيانة عند غنائم الحرب ، كقوله تعالى :
    ( ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ) ( آل عمران 161 ) .
    14 ـ منع الزكاة ، حيث قال الله تعالى في مورد عاقبة مانع الزكاة :
    ( يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم

    الصفحة 20
    وجنوبهم وظهورهم ) ( التوبة 35 ) .
    15 ـ الشهادة كذباً وكتمان شهادة الحق ، كقوله تعالى :
    ( ومن يكتمها فانه آثم قلبه ) ( البقرة 283 ) .
    16 ـ شرب الخمر : لان الله سبحانه نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان والاصنام . كما ورد في ( الآية 90 ) من سورة المائدة .
    17 ـ ترك الصلاة او أحد الواجبات الالهية الاخرى عمداً .
    قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
    « من ترك الصلاة متعمداً فقد بريء من ذمة الله وذمة رسول الله » .
    18 و 19 ـ عدم الوفاء بالعهد ، وقطع صلة الرحم : كقوله تعالى :
    ( اولئك لهم الّلعنة ولهم سوء الدّار ) ( الفرقان 25 ) .
    قال الرواي : ولما ان وصل الامام الصادق ( عليه السلام ) الى هذه النقطة اجهش عمرو بن عبيد بالبكاء والعويل من شدة الحزن وخرج من مجلسه وهو يقول : هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم (1) .
    الموازين والمعايير لمعرفة الذنوب الكبيرة والصغيرة :
    ما هو المعيار لمعرفة الذنوب الكبيرة من الصغيرة ؟ حيث ان هناك اختلافاً كثيراً في اقوال العلماء ، فمنهم من يقول : ان المعيار
    ____________
    (1) اصول الكافي : ج 2 ، ص 258 ، ـ 287 ، أصول الكافي المترجم ج 3 ص 390 ـ 392 .

    الصفحة 21
    لتشخيص تلك الذنوب ، الامور التالية :
    1 ـ كل ذنب وعد الله سبحانه وتعالى له في القرآن الكريم عذاباً .
    2 ـ كل ذنب عين له الشارع المقدس حداً معيناً ( كشارب الخمر والزاني ، والسارق ، وامثالها ، فحدودها الجلد والقتل والرجم ) وقد حذر عنه القرآن الكريم .
    3 ـ كل ذنب يدل على الاستهانة بالدين والامبالاة به .
    4 ـ كل ذنب ثبتت حرمته وانه ذنب كبير بالأدلة القاطعة .
    5 ـ كل ذنب هدّد له القرآن والسنة بالعذاب الشديد لمرتكبه (1) .
    أما حول عدد الذنوب الكبيرة فبعضهم قال : سبعة والبعض الآخر قالوا : عشرة ، واخرون : عشرون ، والبعض : اربع وثلاثون وبعض : أربعون أو أكثر .
    والجدير بالانتباه هو أنّ هذه الاختلافات في العدد قد جمعت واقتبست من الايات والروايات المختلفة ، ولاجل ذلك لا تكون الذنوب الكبيرة في مستوى واحد .
    ____________
    (1) نقلاً من العلامة المجلسي في شرح اصول الكافي ، والتي نقلها بدوره عن الشيخ البهائي ، ترجمة ( اصول الكافي ج3 ص 392 ) .

    الصفحة 22
    الذنوب الكبيرة في نظر الامام الخميني ( قدس سره ) .
    جاء في كتاب تحرير الوسيلة للامام الخميني ( قدس سره ) حول الذنوب الكبيرة ما يلي :
    1 ـ هي كل معصية توعد الله مرتكبها بنار جهنّم كما ورد في القرآن والروايات الاسلامية .
    2 ـ أو نهي عنها في الشريعة نهياً غليظاً .
    3 ـ او دل دليل على كونها اكبر من بعض الذنوب الكبيرة الاخرى او امثالها .
    4 ـ او حكم العقل بانها كبيرة .
    5 ـ ان يعد ذلك الذنب في ارتكاز المتشرعة من الذنوب الكبيرة .
    6 ـ او ورود النص من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) او الائمة ( عليهم السلام ) بكونها من الذنوب الكبيرة .
    ثم قال : الذنوب الكبيرة كثيرة بعضها عبارة عن :
    1 ـ اليأس من رحمة الله .
    2 ـ الأمن من مكره .
    3 ـ الكذب على الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأوصيائه .
    4 ـ قتل النفس التي حرمها الله الا بالحق .
    5 ـ عقوق الوالدين .
    6 ـ اكل مال اليتيم ظلماً .

    الصفحة 23
    7 ـ قذف المحصنة .
    8 ـ الفرار من الزحف .
    9 ـ قطيعة الرحم .
    10 ـ السحر والشعبذة .
    11 ـ الزنا .
    12 ـ اللواط .
    13 ـ السرقة .
    14 ـ اليمين الغموس .
    15 ـ كتمان الشهادة في مورد تكون الشهادة عليه واجبة .
    16 ـ شهادة الزور .
    17ـ نقض العهد .
    18 ـ الحيف في الوصية .
    19 ـ شرب الخمر .
    20 ـ الربا .
    21 ـ أكل السحت .
    22 ـ القمار .
    23 ـ اكل الميتة والدم .
    24 ـ اكل لحم الخنزير .
    25 ـ ما أهلّ لغير الله من غير ضرورة .
    26 ـ البخس في المكيال والميزان .

    الصفحة 24
    27 ـ التعرب بعد الهجرة (1) .
    28 ـ معونة الظالمين .
    29 ـ الركون اليهم ( يعني الظالمين ) .
    30 ـ حبس الحقوق من غير عذر .
    31 ـ الكذب .
    32 ـ التكبر .
    33 ـ الاسراف والتبذير .
    34 ـ الخيانة .
    35 ـ الغيبة .
    36 ـ النميمة .
    37 ـ الاشتغال بالملاهي .
    38 ـ الاستخفاف بالحج .
    39 ـ ترك الصلاة .
    40 ـ منع الزكاة .
    41 ـ الاصرار على الصغائر من الذنوب .
    وأما الشرك بالله تعالى وانكار ما انزله ومحاربة اوليائه فهي من اكبر الكبائر (2) .
    ____________
    (1) يعني أنّ الانسان كان في مكان محفوظ فيه دينه ويهاجر الى مكان يكون دينه في خطر فيسمى ذلك ( التعرب ) .
    (2) تحرير الوسيلة ج 1 ص 274 ، 275 .

    الصفحة 25
    وطبقاً لما ورد في رسالة الامام الخميني ( قدس سره ) فانّ الذنوب الكبيرة كثيرة وما ذكر هو قسم منها . فمثلاً الاستهانة بالكعبة والقرآن والرسول والائمة الطاهرين ( عليه السلام ) او سبهم او البدعة و ...... يعد من الذنوب الكبيرة .

    تقسيم آخر للذنوب :
    قال الامام علي ( عليه السلام ) (1) .
    « إن الذنوب ثلاثة .... فذنب مغفور وذنب غير مغفور . وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه » .
    قيل : يا امير المؤمنين ( عليه السلام ) فبينها لنا ، قال ( عليه السلام ) نعم : أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا فالله أحكم وأكرم ان يعاقب عبده مرتيّن ، وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض ، إن الله تبارك وتعالى اذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّ بكّف ، ولو مسحة بكف ونطحةٍ ما بين الشاة القرناء الى الشاة الجماء ، فيقتض الله للعباد بعضهم من بعض ، حتى لا يبقى لأحدٍ عند أحد مظلمة ، ثم يبعثهم الله الى الحساب ، وأم الذنب الثالث فذنب سترة الله على عبده ورزقه التوبة فأصبح خاشعاً من ذنبه ، راجياً لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب .
    ____________
    (1) بحار الانوار ج 6 ص 29 ـ 30 .
    الصفحة 26
    الموارد التي تبدل الذنب الصغير
    الى ذنبٍ كبير
    يستفاد من بعض الروايات والآيات القرآنية بان هناك ذنوباً صغيرة تتبدل الى ذنوبه كبيرة وتتلبس باحكامها .

    1 ـ الاصرار على الذنب الصغير :
    إنّ ممارسة الذنب الصغير لعدة مرات يعد ذنباً كبيراً واذا لم يبادر المرتكب للذنب الى التوبة والاستغفار يحسب اصراراً على المعصية .
    فمثلاً لو نسج الخيط مع الشعر لصار حبلاً قوياً فعندها لا يكون خيطاً ولا شعراً بل هو حبل قوي . ففي سورة آل عمران ( الآية 135 ) نقرأ :
    ( .... ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ) .

    الصفحة 27
    قال الامام الباقر ( عليه السلام ) في شرح هذه الآية :
    « الاصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله فلا يحدث نفسه بتوبة ، فذلك الاصرار » (1) .
    قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « إياك والاصرار فأنه من أكبر الكبائر واعظم الجرائم » (2) .

    لا تغفلوا عن الذنوب الصغيرة :
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نزل بأرضٍ قرعاء فقال لاصحابه : ائتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض ، فقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات من الذنوب ، فان لكلّ شيء طالباً ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمامٍ مبين » (3) .
    اشارة الى قوله تعالى في سورة يس الآية 12 :
    ( ونكتب ما قدموا ... ) .
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 288 .
    (2) غرر الحكم ج 1 ص 151 .
    (3) اصول الكافي ج 2 ص 288 .

    الصفحة 28
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « لا صغيرة مع الاصرار » .

    2 ـ الاستهانة بالذنب :
    الاستهانة بالذنب تعدّ من الذنوب الكبيرة ، ولا يضاح الموضوع نضرب مثالاً :
    اذا ضرب أحد غيره بحجرٍ كبير على رأسه ثم ندم على عمله واعتذر ، فمن الممكن ان يصفح عنه . ولكن اذا ضرب احد الآخر بحجرٍ صغير جداً ولم يعتذر منه زاعماً أنها هفوة طفيفة ولم تكن شيئاً مهماً ، فطبيعي أن لا يصفح عنه المضروب ، لانها نابعة من روحه المتبكرة واستهانته بذنبه .
    قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) .
    « من الذنوب التي لا تغفر : ليتيني لم أواخذ الاّ بهذا » (1) .
    لان الذنب المشار اليه في الرواية قد استهين به .
    قال الامام علي ( عليه السلام ) .
    « أشد الذنوب ما استهان به صاحبه » (2) .
    نقل زيد الشحام عن الامام الصادق ( عليه السلام ) انه قال :
    « اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر » .
    ____________
    (1) بحار الانوار : ج 73 ، ص 355 .
    (2) نهج البلاغة الحكمة 348 غرر الحكم ج 1 ص 193 .

    الصفحة 29
    قلت : وما المحقرات ؟ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « الرجل يذنب الذنب فيقول : طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك » (1) .
    4 ـ وجاء في الصحيفة السجادية عن الامام السجاد ( عليه السلام ) في ضمن الدعاء انه يقول :
    « اللهم اعوذ بك من ... الاصرار على المآثم واستصغار المعصية واستكبار الطاعة ومباهاة المكثرين والازراء بالمقلين وسوء الولاية لمن تحت ايدينا وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا ... » (2) .

    3 ـ الابتهاج عند ممارسة الذنب :
    الاحساس باللذة والفرح عند اقتراف الذنب هو احد الاسباب التي تحول الذنب الى كبير ويوجب العذاب الاليم لصاحب الذنب . وفي هذا المورد توجد عدة روايات .
    قال الامام علي ( عليه السلام ) :
    « شر الاشرار من تبهج بالشر » (3) .
    وقال ايضاً :
    « من تلذذ بمعاصي الله ذلّ » (4) .
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 287 .
    (2) الدعاء الثامن من الصحيفة السجادية .
    (3) الغرر ص 130 .
    (4) غرر الحكم ج 1 ص 446 .

    الصفحة 30
    قال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
    « اياك وابتهاج الذنب فانه اعظم من ركوبه » (1) .
    وقال الامام السجاد ( عليه السلام ) في حديث آخر :
    « حلاوة المعصية يفسدها اليم العقوبة » (2) .
    وله في حديث آخر :
    « لا خير في لذة من بعدها النار » (3) .
    وقال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « من أذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار وهو باك » (4) .

    4 ـ اقتراف الذنب عند الطغيان :
    والسبب الاخر الذي يبدل الذنب الصغير الى كبير هو صدوره عن الطغيان والعصيان كما ورد في الآيات التالية من سورة النازعات الآية 37 الى 39 .
    ( وأمّا من طغى ـ وآثر الحياة الدّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى ) .
    ____________
    (1) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
    (2) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
    (3) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
    (4) مشكاة الانوار ص 394 ـ وسائل الشيعه ج 11 ص 268 .

    الصفحة 31
    5 ـ الغرور عند ارخاء الستر الالهي للانسان المذنب وامهاله :
    من الموارد التي تحول الذنب الصغير كبيراً هو ان المذنب يخالج تفكيره أن عدم مجازاة الله سبحانه وتعالى السريعة له تدل على رضى الله عنه وحبه له كما جاء في الآية 8 من سورة المجادلة :
    ( ويقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا الله بما نقول حسبهم جهنّم يصلونها فبئس المصير ) .
    فالوعيد بعذاب جهنم لهؤلاء الاشخاص دليل على ان ذنب هؤلاء المغرورين بعدم مجازاة الله السريعة لهم هي من الذنوب الكبيرة .

    6 ـ التجاهر بالذنب :
    إنّ اعلان الذنب والتجاهر به أمام الناس يبدل الذنب الصغير الى ذنبٍ كبير . وهذا التجاهر تعبير عن ان صفة التجرّو على الاوامر الالهية وعدم الالتزام بها هي صفة المذنبين ، ويعبّر ايضا عن تلوث المجتمع لكون الذنب فيه متفشياً وطبيعياً .
    قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
    « إياك والمجاهرة بالفجور فانه من اشد المآثم » (1) .
    وقال الامام الرضا ( عليه السلام ) :
    « المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة ، والمذيع بالسيئة
    ____________
    (1) غرر الحكم ج 1 ص 151 .

    الصفحة 32
    مخذولّ » (1) .

    7 ـ ذنب الاشخاص ذوي المركز الاجتماعي المرموق :
    هناك أشخاص لهم مكانة اجتماعية مرموقة بين الناس ، فما يقترفونه من الذنوب له حكمّ خاص يختلف تماماً عن عامة الناس لذا يحكم على ذنوبهم الصغيرة بكونها كبيرة لوجود بعدين .
    1 ـ بعد فردي .
    2 ـ بعد اجتماعي .
    إنّ ذنب الاشخاص المتميزين المرموقين في البعد الاجتماعي يعد ذنباً كبيراً وان كان صغيراً لانه يوفر الارضية لانحراف واغواء جمعٍ كثيرٍ من الناس مما يؤدي الى الاستهانة بالدين .
    كما يقولون : « الملح يرجى لإصلاح ما فسد فكيف الحال اذا الملح فسد ؟!! » ، ولنضرب المثال الآتي :
    لو وضع شخص أمي ماءً قذراً في اناء واعطاه لآخر فشربه فاصابه المرض ، في هذه الحالة لا يعاقب الأمي لأن الثاني كان عالماً فلماذا شرب الماء ؟
    ومثله اذا كان شخص يصنع « المرطبات » بالفستق وماء الورد والحليب ويقدمه الى المشتري بشكلٍ جميل وجذاب فاذا أكل أحدً من تلك « المرطبات » فتسمم عوقب ذلك البائع لجذبه المشترين
    ____________
    (1) مشكاة الانوار : ص 394 ـ اصول الكافي ج 2 ص 428 .

    الصفحة 33
    واغرائهم بلون المرطبات المعروضة وجهلهم بتسمّمها .
    وعلى هذا المعيار تأتي المحاسبة الالهية للشخصيات المرموقة في المجتمع مختلفةً عن محاسبة الآخرين .

    ذنب العلماء من وجهة نظر القرآن الكريم :
    1 ـ في الآية 44 ألى 48 من سورة الحاقة نقرأ :
    ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ـ لأخذنا منه باليمين ـ ثمّ لقطعنا منه الوتين ـ فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين ) .
    لقد ظهر اشخاص كثيرون في التاريخ أظهروا البدع وتحريف الدين ، ولم يخاطبهم الله بذلك الخطاب الشديد الوارد في الآية اعلاه . لكن لو فعل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك لعاقبه تعالى لاجل مقام العصمة والعلم والمعرفة التي يتصف بها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذا تأكيد على أن رفيع المنزلة اذا أذنب فذنبه ذنب كبير ، وعلى هذا الاساس فانّ كل من يمتلك شخصية علمية او دينية وينتسب الى الشريعة والدين تكون مسؤوليته اكبر .

    العالم غير الملتزم في القرآن الكريم :
    شبه القرآن الكريم العالم الذي لا يعمل بما يعلم « بالكلب والحمار » فنرى في سورة الأعراف الآية 176 ما ورد في ذم العالم المذنب « بلعم بن باعوراء » قوله تعالى :

    الصفحة 34
    ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ) .
    وفي الآية 5 من سورة الجمعة شبّه تعالى حال اللاهثين وراء حبّ الدنيا حيث قال :
    ( مثل الذّين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفاراً ) .
    وفي الآية 30 من سورة الاحزاب نقرأ :
    ( يا نساء النّبي من يأت منكنّ بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين ) .
    فنساء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لاجل منزلتهن العظيمة في المجتمع يضاعف لهن العذاب ، وذكر الفاحشة المبينة في الآية الكريمة اشارة الى الاثر الاجتماعي الذي يتركه ذلك الذنب في المجتمع الذي لاجله تتضاعف العقوبة .
    وعلى هذا الاساس جاء رجل الى الامام السجاد ( عليه السلام ) وقال له : انكم أهل بيتٍ مغفور له .
    فاجابه الامام ( عليه السلام ) :
    « ليس كما تقول فللمحسن منا أجران وللمسيء يضاعف له العذاب » (1) ثم تلا الآية ( 30 و 31 ) من سورة الاحزاب .
    ____________
    (1) مجمع البيان ج 8 ص 354 .

    الصفحة 35
    ذنب الرؤساء من وجهة نظر الروايات :
    1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « يغفر للجاهل سبعون ذّنباً قبل ان يغفر للعالم ذنبّ واحد » (1) .
    2 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « إذا فسد العالم فسدت الأمة » (2) .
    وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً :
    « خواص امتي أربعة : الملوك و العلماء والعباد و التجار » (3) .
    وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « لا تصلح عوام امتي ما لم تصلح خواصها ، فسأل سائل : من هو خواص امتك يا رسول الله ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خواص امتي اربعة الملوك والعلماء والعباد والتجار ، فسأل سائل آخر : كيف يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
    قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الملوك رعاة الامة فعندما يكونوا ذئاباً فكيف يرعى الرعيل من الشياه ؟ والعلماء اطباء الناس فعندما يكون الطبيب مريضاً من يعالج المرضى ؟ والعباد هداة الناس فعندما يكونون ضالين فمن يهدي الناس ؟ والتجار امناء الناس فعندما يكون الامين خائناً
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 1 ص 47 .
    (2) بحار ط بيروت ج 74 ص 154 .
    (3) المواعظ العددية ص 125 .

    الصفحة 36
    فمن يطمئن اليه ؟ » .
    3 ـ وكذلك قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « ثلاث لا يكلمهم الله سبحانه يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولهم عذاب اليم :
    شيخ زانٍ وملك جبار ومقل مختال » (1) .
    4 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) لاحد اصحابه يدعى الشقراني :
    « يا شقراني إنّ الحسن من كل احدٍ حسن وانه منك أحسن لمكانك منّا ، وإنّ القبيح من كل احدٍ قبيح وإنه منك اقبح » (2) .
    5 ـ قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « زلة العالم تفسد العوالم » (3) .
    وقال ايضاً سلام الله عليه :
    « زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها » (4) .
    ولذلك يعتبر ذنب المسؤولين والشخصيات والعلماء والمؤلفين والزعماء والسادات أكبر من غيرهم .

    مفاتيح العيوب والذنوب :
    كما أن للشيخوخة والكبر دور في تهيئة الارضية لهجوم
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 311 .
    (2) سفينة البحار ج 1 ص 708 .
    (3) غرر الحكم ج 1 ص 426 .
    (4) غرر الحكم ج 1 ص 426 .

    الصفحة 37
    الامراض المختلفة على صاحبها ، كذلك تكون العيوب مفتاحاً للذنوب .
    1 ـ الحسد : يجبر الانسان على ارتكاب انواع الذنوب ، مثل التخلف عن الاعمال والتهمة والكذب وسوء القصد و ... و ...
    كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « إنّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب » (1) .
    وعليه يسعى الانسان الحسود باي طريقة الى تحطيم رقيبه بأية وسيلة .
    2 ـ البخل والحرص : يعتبر البخل احد العيوب المؤدية الى ارتكاب الذنب ، اذ هو مانع عن اعطاء الحقوق الشرعية ، مثل الزكاة ، والخمس ، وعدم الانفاق في سبيل الله سبحانه ، وغيرها من الذنوب ، إضافة الى ذلك اشمئزاز الناس من البخيل مما يؤدي الى سوء الظن به وسبه .
    قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « البخل جامع لمساوىء العيوب وهو زمام يقاد به الى كل سوءٍ » (2) .
    وكذلك الحرص فهو باعث للذنوب ، كنقص المكيال والاحتكار ، والاجحاف في الاسعار ، والرشوة والتملق مما يؤدي الى
    ____________
    (1) بحار ج 73 ص 255 .
    (2) بحار ج 73 ص 307 ـ نهج البلاغة الحكمة 370 .

    الصفحة 38
    قلة التقوى و ضعفها عند الحريص .
    3 ـ الكذب : يبرر الانسان الكاذب ذنوبه بانواع التبررات والحجج وتحت غطاء الكذب يقوم باقتراف مئات الذنوب .
    قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
    « جعلت الخبائث كلها في بيتٍ وجعل مفتاحها الكذب » (1) .
    4 ـ الغضب والاخلاق السيئة : الغضب عيب آخر للذنب يؤدي بصاحبه الى الفحشاء والغيبة والمعاداة وانواع السيئات .
    قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
    « الغضب مفتاح كل شرٍّ » (2) .
    وهناك عيوب كثيرة تمهد الارضية الى اقتراف الذنوب الاخرى ، كسوء الظن ، وشرب الخمر ، والعداء ، والتكبر ، و ... ونكتفي بهذا المقدار لاجل الاختصار .

    طريق آخر لمعرفة الذنوب :
    ورد في القرآن الكريم ان هناك ثمانية عشر مجموعة اقترفوا ذنوباً مختلفة فاصبحوا عرضة للعن .
    اللعن : ومعناه الطرد والابتعاد من رحمة الله سبحانه . وهو
    ____________
    (1) البحار ج 72 ص 262 .
    (2) تحف العقول ص 581 ـ اصول الكافي ج 2 ص 303 عن الامام الصادق ( عليه السلام ) .

    الصفحة 39
    مقرون بالغضب وبالرغم من ان رحمة الله الواسعة شملت كل شيء إلاّ أنّ اولئك الملعونين لا تشملهم الرحمة وجاء في الآية 152 من سورة الاعراف :
    ( ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ ) .
    والانسان بمحض إرادته قد تبوّأ مكاناً استحق به اللعن ، فمثله كمثل الكرة المغلقة في وسط المحيط لا تصل اليها قطرة من بحر الرحمة الواسعة .
    الملعونون في القرآن عبارة عن الكفار والمشركين ، واليهود المعاندين والمصرّين على انكارالحق ومساندتهم لاصحاب الاوثان ، المرتدون ، والمحتالون المعارضون للقوانين الالهية ناقضوا المواثيق الكاتمون للحق ، وزعماء الكفر لافسادهم في الارض ، والمنافقون المتملقون الذين آذوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والظالمون ، والقاتلون بغير حق ، وابليس ، والقاذفون للمحصنات الطاهرات ، والمخالفون للقادة الصالحين ، والذين يفسدون في الارض واصحاب القلوب الخبيثة والكاذبون .
    وجاء في الروايات الاسلامية ان اللعن جعل للذين اتصفوا بالصفات التالية :
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال :
    « خمسة لعنتهم وكلّ نبي مجاب : الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي ، والكذب بقدر الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله ،

    يتبع

  • #2
    الصفحة 40
    والمتسأثر بالفيء المستحل له » (1) ، ومن دعا الى فعل الخير وهو تاركه او من حذّر الآخرين من ارتكاب الذنوب وهو فاعله .
    ولمعرفة الذنوب اكثر هناك حديث مشهور يشير الى وجود جنود للعقل وللجهل وهو دليل جيد لمعرفة هذا الموضوع ، ففي البداية نقول :
    جنود العقل والجهل :
    « عن سماعة بن مهران قال : كنا عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل ، فقال ابو عبد الله ( عليه السلام ) : اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا ، قال سماعة : فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلاّ ما عرّفتنا ، فقال ابو عبدالله ( عليه السلام ) : ان الله عزّ وجلً خلق العقل وهو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له : ادبر فادبر ، ثم قال له : اقبل فأقبل ؛ فقال الله تبارك وتعالى : خلقتك خلقاً عظيماً وكرّمتك على جميع خلقي ، فقال : ثم خلق الجهل من البحر الاجاج ظلمانياً ، فقال له : أدبر فادبر ؛ ثم قال له : اقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت فلعنه ، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً فلمّا رأى الجهل ما اكرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة ، فقال الجهل : يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرّمته وقوّيته وأنا
    ____________
    (1) اصول الكافي : ج 2 ، 293 ـ وسائل ج 11 ص 271 .

    الصفحة 41
    ضده ولا قوة لي به فاعطني من الجند مثل ما اعطيته فقال : نعم فان عصيت بعد ذلك اخرجتك وجندك من رحمتي قال : قد رضيت فاعطاه خمسة وسبعين جنداً فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند ... فلا تجتمع هذه الخصال كلها من اجناد العقل الاّ في نبي او وصي نبي او مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان ... » (1) .

    ناقوس الخطر :
    بالامكان معرفة الذنب من خلال تعابير مختلفة تشير الى شدة وضعف خطر الذنب . فقد جاء في الاسلام النهي عن بعض الذنوب . مثل قوله تعالى :
    ( ولا تأكلوها إسرافاً ) ( الآية 6 سورة النساء ) .
    وفي بعض الموارد عبر بالابتعاد عن الذنب . كقوله تعالى :
    ( واجتنبوا الطّاغوت ) ( الآية 36 من سورة النحل ) .
    وجاء في البعض الآخر تعبير النهي عن التقرب الى بعض الذنوب كقوله تعالى :
    ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) ( الآية 151 من سورة الانعام ) .
    فالاجتناب وعدم التقرب يدلان على نوعين من الخطر فمثلاً : يقولون لا توصل الكبريت الى النفط بينما في البنزين يقولون لا تقرب
    ____________
    (1) هذا الحديث تجده كاملاً في الكافي ج 1 ص 21 الى 23 .

    الصفحة 42
    الكبريت الى البنزين فالفرق كبير بين ان توصل وتقرب ، فلو قربنا الكبريت الى البنزين لحدثت كارثة .
    فذنب الزنا واكل مال اليتيم ودخول الكفار الى المسجد الحرام في مكة فهذه الذنوب بمثابة البنزين ، لذلك ورد في القرآن الكريم ( لا تقربوا ) (1) و كذلك ( فلا يقربوا المسجد الحرام ) (2) .
    ان هذه التعابير انذار ينبىء عن خطورة التقرب لمثل هذه الذنوب كالزنا والفحشاء واكل اموال اليتامى لانها باعثة لوسوسة الشيطان ووقوع الانسان في التهلكة .
    وايضاَ توصي بضرورة الابتعاد عن العوامل والارضية المهيأة للذنب ، فالمحيط الفاسد والملوث والباعث للانحراف الشديد والسقوط في الذنب يجب الابتعاد عنه .
    ____________
    (1) النساء آية 42 .
    (2) التوبة آية 28 .

    الصفحة 43

    القسم الثاني
    الاسباب ووجود الارضية


    تمهيد
    لمعرفة الاسباب وارضية الذنب يجب أن ننتبه الى عدة مواضيع .

    أ : ما هو الانسان وما علاقته بالذنب ؟
    1 ـ توجد في الانسان عدة غرائز يجب معرفتها وكيفية استقامتها . ومعرفة طرق الافراط والتفريط فيها .
    قال الامام علي ( عليه السلام ) :
    « ان الله خصّ الملك بالعقل دون الشهوة والغضب ، وخص الحيوانات بهما دونه وشرّف الانسان باعطاء الجميع ، فان انقادت شهوته وغضبه لعقله صار افضل من الملائكة لوصوله الى هذه المرتبة مع وجود المنازع والملائكة ليس لهم مزاحم » (1) .
    ____________
    (1) جامع السعادات ج 1 ص 34 .

    الصفحة 44
    وعلى هذا المنوال المتصاعد فالذين يتبعون العقل يكون مكانهم اعلى من الملائكة لانهم مع توفر الارضية المناسبة للذنب اطاعوا العقل ، أما الذين يتبعون الشهوات والغرائز الحيوانية فانهم كالانعام بل اقل درجة واضل سبيلا . لانه مع وجود العقل اتجهوا الى الغضب والشهوة وتركوا العقل ، وجاء في القرآن الكريم حول الناس الذين اتبعوا غرائزهم الحيوانية ، فنقرأ :
    ( أولئك كالانعام بل هم اضلّ سبيلاً ) ( سورة الاعراف ـ 179 ـ الفرقان ـ 4 ) .
    2 ـ ان علماء الاخلاق يقولون ان السبب لنشوء الذنب عند الانسان يرجع لثلاث قوى :
    1 ـ القوة الشهوانية .
    2 ـ القوة الغضبية .
    3 ـ القوة الوهمية .
    القوة الشهوانية : حيث تجر الانسان الى الافراط في اللذات وتكون عاقبته الغرق في الفحشاء والمنكرات .
    القوة الغضبية : وهذه القوة لها دور فعّال في طغيان غريزة الغضب عند الإنسان مما تؤدي به الى الظلم والتعدي اللامحدود .
    القوة الوهمية : وهذه القوة تهيج حالة التكبر والاعتداء على حقوق الاخرين مما تدعوه الى اقتراف الذنوب الكبيرة (1) .
    ____________
    (1) مقتبس من تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 104 .

    الصفحة 45
    لو حققنا في معرفة الذنب بدقة لوجدنا ان اكثر الذنوب ( اذا لم نقل كل الذنوب ) سببها هذه الثلاث قوى . لذلك يجب السيطرة على تنظيمها وأن لا نتركها في طريق الافراط والتفريط فنقع في مستنقع الآثام والذنوب . ولأجل ان نوضح اكثر نأتي بالمثال التالي :
    ان سبب حياة البساتين والحيوانات والناس هو ماء النهر . فلو جعلنا سداً وأوقفنا سير الماء فسيتجمع ماء كثير خلف السد . فعند الحاجة نأخذ ما يكفينا . ولو لم نحجز الماء بهذا الأسلوب لطغى الماء ودمر البساتين والمزارع والبيوت .
    وهكذا الانسان حيث ان القوى الغضبية يحتاجها للدفاع وقت الحاجة ، وكذلك القوى الشهوانية يجعلها تسير وفق الموازين الشرعية اللازمة .
    اذن ، فهاتان الغريزتان لهما طريق شرعي مفتوح ، وبالعكس من ذلك فلو أطلق لهما العنان لعثا صاحبهما في الارض فساداً ولارتكب جرائم وانحرافات جنسية لا حد لها .
    ونتيجة لذلك اذا اردنا أن نحفظ المجتمع من التلوث واقتراف الآثام والذنوب يجب علينا ان نسير الغرائز وفق الموازين الشرعية المباحة . وطبيعي ان هذا التعديل للغرائز يحتاج الى برنامج خاص اشرنا في هذا الكتاب الى قسمٍ منه .

    الصفحة 46
    ب ـ حفظ سلامة القلب ( مركز الادراكات ) :
    نجد في القرآن والروايات كثيراً ما ترد كلمة « القلب » ومعناه مركز الاوامر والادراكات ، فالقلب السليم الطاهر هو مركز الافعال الحسنة . وعلى العكس من ذلك فالقلب الغير سليم والمظلم هو مركز الافعال الفاسدة . فمن أراد السير في طريق طاعة الله سبحانه وتعالى يجب عليه ان يطهّر قلبه ويحافظ على طهارته .
    فالكلام حول القلب جاء ( 132 مرة ) في القرآن الكريم ، ففي آياتٍ عديدة أكدت ان قلوب الكافرين والمنافقين والمجرمين قد ختم الله سبحانه عليها . فقلب مريض ، وقلب قاسٍ ، وقلب منحرف ، عبر عنها بقلب مختوم .
    والبحث حول القلب يحتاج الى شرح طويل لا يمكن لهذا الكتاب احتوائه وذكره كلّه .
    بل نذكر هنا نقطة مهمة في حفظ طهارة القلب ، ولننتبه الى هذا الحديث الشريف .
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « ما من مؤمن الا ولقلبه أذنان في جوفه ، أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأنذن ينفث فيها الملك ... » . (1) .
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 267 .

    الصفحة 47
    ج ـ النية الطاهرة وغير الطاهرة :
    النية الطاهرة هي مركز الاعمال الحسنة ، والنية الملوثة والغير طاهرة هي منشأ الانحراف والذنب ، لماذا ؟ لان ماء العين الملوثة له الاثر البالغ في تلوث المياه الأخرى . وعليه فاذا أردنا ان لا نشرب من المياه الملوثة فيجب علينا ان نسرع الى عينها لأجل تنقيتها « فالويل اذا ذهب الوقت وفسد الملح » .
    قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله وكل عاملٍ يعمل على نيته » (1) .
    هنالك أمور كثيرة يمكن قولها في شرح هذا الحديث . وأحسن الاقوال هو « النية هي مقر ومركز القرارات » .
    اذن فكيف نأتي بالاعمال كماً وكيفاً ؟ نأتي بها اذا طهر المركز فعندها تكون الاعمال طاهرة بالكيفية الصحيحة . واذا لم يكن المركز كذلك فهو يؤدي الى الفساد ويصبح مركزاً للذنوب والاعمال السيئة . فنية المؤمن اذا كانت طاهرة تكون مركزاً للأعمال الحسنة بالكيفية العالية حتى لو كانت اعماله غير موجودة فعلاً لأنه يمتلك الارضية للاعمال الطاهرة .
    وان كانت نية الكافر غير طاهرة فيصبح مركزاً للفساد حتى ولو لم يعمل اي شيء لانه يمتلك الارضية للاعمال القبيحة . وايضاً لتلوث
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 84 .

    الصفحة 48
    فكره ، فمن المحتمل ان يمارس اي ذنب عظيم .
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « انما خلد اهل النار في النار لان نيّاتهم كانت في الدنيا ان لو خلدوا فيها يعصوا الله أبداً وانما خلّد اهل الجنة في الجنّة لان نيّاتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها يطيعوا الله أبداً فبالنيات خلّد هؤلاء ثم تلا قوله تعالى :
    ( قل كلّ يعمل على شاكلته ) قال : على نيّته » (1) .
    وبعد ذلك نقول : إنّ هناك عوامل كثيرة مثل ، الغذاء ، والصديق ، والمحيط وهذه العوامل تلعب دوراً هاماً في طهارة النية .
    فاذا كان الطعام حلالاً ، والصديق والمحيط جيّدين فهذه عوامل مساعدة على تطهير النية ، وعلى العكس فالغذاء الحرام والصديق غير الصالح ومحيط السوء تشكل عوامل النية ، والخلاصة هي أن كل الاعمال في الاسلام اذا كانت خالصة لله تعالى فانها تقع مورداً لقبول الحق سبحانه .
    قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « ان الله لا يقبل عملاً فيه مثقال ذرةٍ من رئاء » (2) .
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « ان المؤمن ليهم بالحسنة ولا يعمل بها فتكتب له حسنة وان هو عملها كتبت له عشر حسنات وان المؤمن
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 85 .
    (2) بحار الانوار : ج 72 ، ص 304 .

    الصفحة 49
    ليهم بالسيئة أن يعلمها فلا يعملها فلا تكتب عليه » (1) .

    د ـ صيانة الحب والبغض :
    الحب والبغض مركز آخر في وجود الأنسان . فلذلك يجب ان ينظم حسب الأسس الاسلامية . لأن الحب والعلاقة بالشيء يوجب عمل ذلك الشيء وبغضه يوجب الترك والابتعاد عنه . وهذه المسألة مهمة لغاية أن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال فيها :
    « وهل الايمان الاّ الحب والبغض » .

    مثال للتوضيح :
    كان رجل جالساً في بيته فجاءت قطة وسرقت قطعة اللحم ثم هربت، ولشدة حب الرجل الى اللحم أخذ يطاردها ولكن القطة خرجت من البيت هاربة الى الزقاق فتركها ولم يتابعها اكثر من ذلك لان حبه الى اللحم لم يكن اكثر من هذا . ولو جاء ثعلب وسرق دجاجة منه فانه يطارد الثعلب من زقاقٍ الى آخر حتى يذهب الى الصحراء فيتركه ، كذلك فحبه للدجاجة وبغضه الى الثعلب بهذا المستوى . أما اذا جاءه ذئب واخذ منه كبشاً فانه كذلك يطارده حتى ولو وصل الى الصحراء لعله يدرك كبشه المسروق . ولكن اذا صعد الجبال فانه يتركه لأن حبه الى كبشه لم يكن اكثر من ذلك ، أما اذا جاء ، حيوان مفترس
    ____________
    (1) اصول الكافي ج 2 ص 428 .

    الصفحة 50
    وأخذ ابنه الصغير فانه يتبع ذلك الحيوان المفترس في الصحراء والجبال ويطارده ليلاً ونهاراً عله يحصل على ابنه . ويقول في نفسه لا أتركه حتى ولو أحصل على جنازته فيجب ان اتبعه .
    وبهذا المثال نرى انه كلّما ازداد حب الإنسان الى شيءٍ ازداد تعلقه بذلك الشيء ، وكلما ازداد بغضه الى شيء ازداد ابتعاده وكراهيته لذلك الشيء .
    ان المذهب الاسلامي يعين لنا أن الحب والبغض اذا كانا وفق التشريع الاسلامي الصحيح فالعامل بهذا المبدأ مطيع لله سبحانه وهكذا يطهر وينظف مركز القرارات للانسان .

    هـ ـ صيانة مركز التفكير :
    هنالك مركز آخر في وجود الانسان ومنه تنبع جميع الأعمال ، الا وهو التفكير الصحيح الذي يوجهه للاعمال الصحيحة .
    أما التفكير الخاطيء والملوث فانه يوجهه نحو التلوث والانحراف .
    ( تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علّوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتّقين ) ( الآية 83 من سورة القصص ) .
    هذه الآية الكريمة تنهى عن التكبر والفساد .
    في حديث في الفكر والذهن لامير المؤمنين عليه ( عليه السلام ) :
    « ان الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من نعل صاحبه

    الصفحة 51
    فيدخل تحتها » . (1)
    وقال في حديث آخر :
    « من كثر فكره في المعاصي دعته اليها » (2) .
    وعندما كان يتحدث عيسى ( عليه السلام ) الى الحواريين قال لهم « .... وأنا آمركم أن لا تحدثوا أنفسكم بالزنا فضلاً من أن تزنوا » . (3)
    فالتفكير بالذنب يلوث مركز تصميم الانسان ، وانّ مركزاً هكذا تفكيره فهو اقرب الى ظلمة الذنب من نورانية طاعة الله سبحانه .

    العوامل المحفزة للذنب :

    في هذا البحث « معرفة الذنب » موضوع في غاية الأهمية يجب معرفته بعد معرفة الاسباب الاصلية للذنب وهذا الموضوع هو : معرفة الارضية لنشوء الذنب .
    لذلك قالوا : مقدار القابلية لقبول الذنب عامل مهم مؤثر في تهذيب النفس ، فلا يوجد أدنى شكّ في أنّ طبع المطر لطيف لكن ينبت الورد الجميل في البستان وينبت الشوك في السبخة .
    فالذي لا يذنب يجب عليه الانتباه الى الارضية المهيئة للذنب ويشخصها ويعرفها عند ذلك يقف أمامها ويعالجها . فقلة الفيتامينات
    ____________
    (1) تفسير جوامع الجامع .
    (2) فهرس الغرر ( الذنب ) .
    (3) بحار الانوار : ج 14 ، ص 133 ـ سفينة البحار : ج 1 ص 560 .

    الصفحة 52
    المختلفة في بدن الانسان تؤدي الى تعرّض البدن للجراثيم وتجذر فيه الامراض . ولاجل معالجة البدن من الامراض يجب ان يعوّض ما يحتاجه من الفيتامينات . ليكتسب المناعة الكاملة ضد الامراض .
    وعلى هذا الاساس يجب ان نعلم بارضية الذنب وكيفية معالجتها . فمثلاً اذا كان في البيت حضيرة لتجمع الماء القذر فمن البديهي أن تكون هذه الحفرة منتجعاً للبعوض والحشرات الضارة التي تسبب الأمراض الخطيرة ؛ فلا جدوى من مكافحة الحشرات الاّ بسدً فوهة الحفرة ( البالواعة ) .
    ولمعرفة ارضيات الذنب نستطيع أن نذكر أموراً كثيرة بالكمية والكيفية الخاصة التي ساعدت على ارتكاب الذنب . فنبحث عدة أمور ساعدت على تهيئة الارضية للذنب :
    1 ـ ارضية الثقافة والتربية .
    2 ـ ارضية العائلة .
    3 ـ الارضية الاقتصادية .
    4 ـ الارضية الاجتماعية .
    5 ـ الارضية النفسية .
    6 ـ الأرضية السياسية .
    الصفحة 53

    1 ـ ارضية الذنب بالتربوية والثقافية

    أ ـ الجهل والحماقة :
    الجهل والحماقة عاملان مؤثران في ايجاد الارضية لارتكاب الذنب . فالجهل بالله سبحانه وتعالى ، والجهل بالهدف الأساسي من خلقته ، والجهل بنواميس الخلقة ، والجهل بالاثار الناتجة من الذنب ، والجهل في معرفة بذل الجهد في العمل الصحيح .
    فمثلاً في برنامج علم الطب . عندما نقدّم طعاماً ملوثاً « بالجراثيم » لشخصٍ جاهلٍ وأمّيّ فهو لا يرفضه بل يتناوله مطمئناً نتيجة جهله « بالجراثيم » اما اذا قدمنا نفس الطعام الملوث الى طبيب يعرف « الجراثيم » فمن المحال ان يأكل ذلك الطعام الملوث .
    أن الذنوب المختلفة التي ارتكبها أغلب الناس في زمن الجاهلية يرجع سبيها الى الجهل والحماقة .

    الصفحة 54
    ولاجل أن نوضح اكثر ندعم كلامنا بالآيات القرآنية التالية :
    1 ـ في الآية (38) من سورة الاعراف نقرأ :
    ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم الهة قال أنكم قوم تجهلون ) .
    2 ـ في الآية (55) من سورة النمل عن لسان لوط ( عليه السلام ) موجهاً خطابه لقومه قائلاً :
    ( أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النّساء بل انتم قوم تجهلون ) .
    3 ـ وفي الآية (89) من سورة يوسف ( عليه السلام ) نقرأ :
    ( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ انتم جاهلون ) .
    يستفاد من هذه الآيات الكريمة بشكل واضح ان الجهل وعدم الدراية هما سببان في ايجاد الارضية للذنوب المختلفة .
    نماذج مختلفة من الروايات : كذلك جاء في الروايات : ان الجهل ممهد للذنب ، فنذكر هنا عدة نماذج :
    1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : في رسالة الى مالك الأشتر :
    « لا يجتريء على الله الا جاهل شقي » (1) .
    2 ـ وقال ( عليه السلام ) ايضاً :
    « الجهل معدن البشر ، والجهل اصل كل شرٍ ، الجهل يفسد
    ____________
    (1) نهج البلاغة رسالة 53 .

    الصفحة 55
    المعاد » (1) .
    3 ـ وكما أشرنا اليه سابقاً أنه ورد في كتاب اصول الكافي ( ج 1 ص 21 الى ص 23 ) : قال الامام الصادق ( عليه السلام ) مخاطباً سماعة ابن مهران :
    إن الله خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أدبر ، فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل ؛ فقال الله سبحانه وتعالى ، خلقتك خلقاً عظيماً وكرمتك على جميع خلقي ، قال : ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانياً فقال له : أدبر فأدبر ؛ ثم قال له أقبل فلم يقبل . فقال له : استكبرت فلعنه ، ثم جعل للعقل خمسه وسبعين جنداً فلما رأى الجهل ما اكرم الله به العقل وما اعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل : يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به فأعطني من الجند ما اعطيته ، فقال : نعم فان عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال : قد رضيت فأعطاه خمسة وسبعين جنداً ....
    4 ـ قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « قصم ظهري رجلان ، عالم متهتك وجاهل متنسك » . (2) .
    ثم أضاف : ان الجاهل المتنسك يخدع الانسان بتنسكه والعالم المتهتك يخدع الانسان ويغره .
    ____________
    (1) فهرس الغرر ( باب الجهل ) .
    (2) قصار الجمل ج 1 ص 127 .

    الصفحة 56
    5 ـ وقال علي ( عليه السلام ) أيضاً :
    « أياكم والجهال من المستبدين والفجار من العلماء فانهم فتنة كل مفتون » . (1)
    وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « لا ترى الجاهل الا مفرطا أو مفرطاً » . (2)
    وفي بيان آخر قال ( عليه السلام ) :
    « الى الله اشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالاً » . (3)
    8 ـ وجاء في القرآن الكريم عن قصة موسى ( عليه السلام ) مع السحرة من قوم فوعون : عندما ألقوا حبالهم فتخيل الناس انها أفاعي تسعى .
    ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) ( طه ـ 66 ـ 67 ) .
    قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « لم يوجس موسى ( عليه السلام ) خيفة على نفسه بل اشفق من غلبة الجهال ودول الضلال » . (4)
    ان هذا الحديث يبين لنا بصورة واضحة كيف ان الجهل يهيىء الارضية للذنوب الكبيرة كمحاربة الانبياء بصورة علنية ومساندة ودعم الطغاة .
    ____________
    (1) قصار الجمل ج 1 ص 128 .
    (2) نهج البلاغة حكمة 70 .
    (3) نهج البلاغة خطبة 17 .
    (4) نهج البلاغة خطبة 4 .

    الصفحة 57
    حيلولة بني امية من تعليم الشرك :
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « أن بني أمية أطلقوا للناس تعليم الايمان ولم يطلقوا تعليم الشرك لكي اذا حملوهم عليه لم يعرفوه » . (1)
    يبن لنا هذا الحديث الشريف ان بني امية قد منعوا ولم يطلقوا تعليم الشرك وانواعه . لانه اذا عرف الناس المعنى الحقيقي للشرك وانواعه . ادركوا ان بني امية قد غرقوا في الشرك وعندها يعرضون عن بني امية ويتجهون نحو ائمة اهل البيت ( عليه السلام ) البعيدين كل البعد عن الشرك ، نعم ان معرفة الناس للقوانين الاسلامية الموقظة كانت تجعل الطواغيت قلقين دائماً .
    فلذا حرصوا على بقاء الجهل في الناس حتى يبرروا افعالهم من جهة ويهيئوا الارضية لانحراف الناس من جهة اخرى .

    ب ـ القوانين الوضعية والعادات الخاطئة :
    ان القانون الوحيد الذي ينال فيه الانسان الاستقامة والنجاة من مختلف الآثام والذنوب هو القانون الالهي . لان الله سبحانه وتعالى خلق الانسان ويعلم ما يحتاجه من متطلباتٍ روحية وجسمية على العكس من الانظمة الوضعية العاجزة بنفسها والمضلة للانسان والتي
    ____________
    (1) أصول الكافي ج 2 ص 415 ، 416 .

    الصفحة 58
    تمهد الأرضية الثقافية للذنب . وبدل أن تهديه الى الطريق المستقيم تتركه في التيه والضلالة .
    قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « انّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع واحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله » . (1)
    نعم ، انّ الثقافة التي تنظم طبقا للقوانين البشرية الناقصة تكون احدى عوامل الانحراف والذنب والفتن ، ونذكر هنا محتوى لبعض القوانين الوضعية :
    1 ـ منع الحجاب وإعطاء الحرية المطلقة للنساء .
    2 ـ الغاء قوانين الاعدام والحدود والديات .
    3 ـ زواج الجنس الممائل .
    4 ـ حرية المرأة في طلاق الزوج .
    5 ـ المدارس المختلطة من الاولاد والبنات .
    6 ـ الشرائط الصعبة لقانون الزواج .
    7 ـ حرية الزنا مع الرضا ومنع الزواج المؤقت .
    8 ـ اباحة المشروبات الكحولية قانونياً .
    9 ـ اسقاط الجنين قانونياً .
    10 ـ الحرية الرأسمالية ، والغاء الملكية الخاصة .
    11 ـ اباحة الربا قانونياً .
    ____________
    (1) نهج البلاغة خطبة 50 .

    الصفحة 59
    12 ـ المنع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    13 ـ تعليم المعلم للطالبات والمعلمة للطلاب .
    14 ـ اباحة القمار .
    15 ـ حرية عرض الافلام المبتذلة والصور الجنسية .
    ان هذه الأمور وأمثالها هي المنشأ الرئيس لتمهيد الارضية لارتكاب الذنوب . والتي تدعو الفرد والمجتمع الى الفساد والانحراف .

    ج ـ الالتقاط والتحريف :
    أحد العوامل الثقافية التي تمهد الارضية للذنب هو مسألة الالتقاط وتحريف القوانين الالهية . والتحريف معناه تغيير القوانين الالهية . وهو عملية دمج بعض القوانين الالهية وخلطها مع القوانين الوضعية والخروج بقانون ممزوج من القوانين الالهية ومن القوانين الوضعية . وفي النتجية يعرضونها بأنها قانون الهي .
    قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
    « إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع ، واحكام تبتدع ، يخالف بها كتاب الله ، ويتولى عليها رجال رجالاً على غير دين الله فلو ان الباطل خلص من فراج الحق لم يخف على المرتادين ، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه السن المعاندين ... ولكن يؤخذ من هذا ضغث ، ومن هذا ضغث ، فيمزجان ! فهنالك يستولي الشيطان على

    الصفحة 60
    اوليائه » (1) .

    حفظ القانون وذنب البدعة :
    أكد الاسلام على حفظ حدود القوانين ونهى بشدة عن التعدي على القوانين وكذلك عن الالتقاط والبدعة (2) . وجعل حكم القتل للذين يأتون بالبدعة في الدين ، والبدعة لا تختلف سواء أضاف المبتدع الى القانون الاسلامي شيئاً او انتقص منه شيئاً فيجعل الحلال حراماً او بالعكس ، واحدى النقاط الجذابة واللطيفة التي جاءت في القرآن الكريم والروايات في حفظ حدود القانون نراها في قصة ايوب ( عليه السلام ) وزوجته .
    حينما ابتلي ايوب ( عليه السلام ) بانواع المصائب واستقام امام هذه المحن والضغوط ، ولكن لاقى الاذى من زوجته حينما خرجت من البيت وهو في هذا الوضع فعادت متأخرة الى المنزل وأقسم ان يضربها مائة جلدة لو تعافى ، وبعد ان عادت اليه صحته اراد ان يعفو عنها نتيجة خدماتها ووفائها له ، ولكن مسألة حنث القسم ونقض القانون الالهي كانت في البين فأمر الله تعالى قائلاً :
    ____________
    (1) نهج البلاغة خطبة (50) .
    (2) الالتقاط : مصطلح يطلق عل المتأثرين بالحضارة الغربية حيث يأخذون ضغثاً منها وضغثاً من الحضارة الاسلامية وبالتالي يخرجون بقانون ممزوج من الايمان والكفر .

    الصفحة 61
    ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنّا وجدناه صابراً نعم العبد انّه اوّاب ) .
    فزوجة ايوب كانت امرأة وفية له وعطوفة عليه الرغم من الخطأ الذي ارتكبته ، وطبقاً لقسم أيوب لابد من مجازاتها ، ولكن كانت تستحق العفو فضربها بحزمة من سويقات الشعير وان لم يكن مصداقاً واقعياً للقسم ولكن كان لابد منه لاجل حفظ حرمة القانون الالهي وعدم اشاعة نقض القانون ، وايوب ( عليه السلام ) في حين انه عفا قد حفظ ظاهر القانون الالهي ولم ينقضه فجمع بين الامرين . (1) .
    ورود نظير هذا المعنى في اجراء الحدود الاسلامية على المذنبين المرضى ، وذكر في عدة روايات أن رجلاً مريضاً زنى فطبقاً للقوانين الشرعية الاسلامية يجب ان يقام عليه حد الجلد مائة سوط فجيء به الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فدعا الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعذق تمر فيه مئة غصن فضربه مرة واحدة ، فكان الحد . (2)
    وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أتى برجلٍ احتنبن ( أحبن ) مستسقي البطن قد بدت عروق فخذيه وقد زنى بامرأة مريضة ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعذق فيه شمراخ فضرب به الرجل ضربة ، وضربت به المرأة ضربة ثمّ خلّى سبيلهما ثم قرأ هذه الآية الشريفة :
    ____________
    (1) اقتبس من تفسير نمونة ح 19 ص 299 .
    (2) وسائل الشيعة ج 18 ص 320 الى 323 .

    الصفحة 62
    ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) . (1)
    وجدير بالذكر ان نقول : ان هذه الأمور خاصة واستثنائية ولا تجري الحكم السابق في كل الامور . نعم حتى في الأمور الاستثنائية يجب حفظ الحدود القانونية ولو ظاهراً حتى لا يشيع التخلف عن القانون في المجتمع . وفي أمر البدعة الذي هو من اكبر الذنوب ونوع من أجرء انواع التحدي للقوانين الاسلامية . نلفت الانتباه الى عدة روايات .
    1 ـ قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
    « وان شر الناس عند الله امام جائر ضلّ وضلّ به فأمات سنة مأخوذة وأحيا بدعةً متروكةً » . (2)
    2 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « أذا ظهرت البدع في امّتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله » . (3)
    3 ـ قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « كلّ بدعةٍ ضلالة وكلّ ضلالةٍ سبيلها الى النار » . (4)
    4 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « من مشى الى صاحب بدعةٍ فوقّره فقد سعى في
    ____________
    (1) الوسائل ج 18 ص 321 .
    (2) نهج البلاغة الخطبة 164 .
    (3) وسائل الشيعة ج 11 ص 510 .
    (4) الوسائل ج 11 ص 511 .

    الصفحة 63
    هدم الاسلام » (1) .
    حكم الاعدام لاهل البدع :
    كان فارس بن حاتم أحد الكاذبين والمغالين وأصحاب البدعة المشهورين في زمن الامام الهادي ( عليه السلام ) . وكان يدعو الناس الى اتباع مذهبه الفاسد فأهدر الامام ( عليه السلام ) دمه وضمن الجنة لقاتلةٍ . فقتله « ابو جنيد » القصّاب بساطور اللحم وقضى عليه (2) .
    د ـ الحوارات والكتب الضالة :
    الاسلام دين الحرية للأفكار ولا يكره الانسان على اعتناق العقيدة .
    فاذا كان الاسلام كذلك فلابدّ من هذا السؤال :
    لماذا يحرم الاسلام قراءة كتب الضلالة ؟
    والجواب : المختصر لهذا السؤال ؛ أن كتب الضلالةٍ حرّمت قراءتها على الذين لا يملكون قدرة التمييز بين الافكار ، حيث تؤثر الافكار الضالّة ومبتدعوها على ذهنية الانسان المسلم البسيط مما تجعله يؤمن بها في بعض الاحيان وبالتالي يهيئ في نفسه أرضية خصبة للانحراف والذنب . ولتوضيح ذلك نمثله بانسانٍ يستطيع ان
    ____________
    (1) نفس المصدر .
    (2) سفينة البحار : ج 1 ص 356 .

    الصفحة 64
    يحمل ثقلاً يزن مائتا كيلو وانسان آخر لا يستطيع ان يحمل الخمس كيلوات ، وهكذا التفاوت في تحمل الافكار وتمييزها . فبعض لا يستطيع ان يحل أبسط المعادلات الحسابية بينما الآخر يستطيع ان يحل أصعب وأعقد المسائل الرياضية .
    فمطالعة كتب الضلالة من قبل العلماء أصحاب القدرة الفكرية في التحقيق والمناقشة لا حرج فيه . لانهم بمطالعتهم لهذه الكتب بمتلكون القدرة على تمييز الحق عن الباطل .
    أما مطالعة هذه الكتب من قبل الافراد أصحاب القدرة الفكرية الضعيفة يشكل خطراً على ايمانهم وبالتالي يؤدي الى انحرافهم عن الحق . فالذي يستطيع ان ياكل كيلو واحد من الطعام ليس له القابلية على اكل عشرة كيلوات .
    وهكذا نرى في التاريخ ان اعداء الاسلام قاموا . بنشر كتب الضلالة ودعوة الناس على الباطل ، فمثلاً عندما رأى علماء اليهود ان الاسلام قد شكل خطراً عليهم قاموا بتحريف ما جاء في التوراة اذ جاء بها ذكر اوصاف نبي الاسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فغيروها وذكروا صفات مناقضة لها وعرضوها على عوام اليهود حتى لا يدخلوا الاسلام كما جاء في الآية 79 من سورة البقرة قوله تعالى :
    ( فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون ) .

    الصفحة 65
    ونظيره في سورة لقمان الآية 6 .
    ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله بغير علم ويتخّذها هزوا اؤلئك لهم عذاب مهين ) .
    وفي تفسير هذه الآية يروى ان تاجراً مشركاً ذهب الى بلاد فارس وتعلم قصة رستم واسفنديار ورجع الى الحجاز وقال : اذا كان محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول قصة عاد وثمود فانا اقول قصة رستم اسفنديار ، فنزلت الآية تذمه على ذلك .
    وقال الامام الجواد ( عليه السلام ) :
    « من أصغى الى ناطق فقد عبده ، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن لسان إبليس فقد عبد ابليس » . (1)

    هـ ـ التلقين والتقليد :
    إن احدى العوامل في المسائل التربوية والثقافية التي تهيىء الأرضية هي « التلقين والتقليد » . فاذا كان التقليد صحيحاً ولائقاً هيأ الارضية للأعمال الحسنة والاّ فعلى العكس من ذلك .

    التلقين :
    كثيراً ما تتكرر في القرآن الكريم كلمات حول التلقين . وهذا التكرار اضافة الى فوائده الاخرى فهو بمثابة ما يسمى بالتلقين القرآني
    ____________
    (1) تحف العقول ص 336 .

    الصفحة 66
    الذي يدعو الناس ويهيئ لهم الارضية لهدايتهم الى الصراط السوي . فكلمة « الله » و « اله » وردت في القرآن الكريم 2807 مرات او مثلاً جملة :
    ( إنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٍ ) و ( إنّ الله قدير ) التي وردت في القرآن 45 ، وفي سورة « الرحمن » التي نزلت في مكة المكرمة والتي تحتوي على 78 آية :
    تكررت آية :
    ( فبأي آلاء ربكما تكذّبان ) احدى وثلاثين مرةً .
    وفي سورة المرسلات كررت آية :
    ( ويل يؤمئذٍ للمكذّبين ) عشر مرات ، ومثل هذه الآية ، تكررت في سورة الطور الآية 11 وفي سورة المطففين الآية 10 .
    إنّ اكثر هذا التكرار يعطي الجانب التلقيني للقرآن حتى يدخل الى أتون القلب .
    وفي سورة القمر تكررت هذه الآية الكريمة اربع مرات :
    ( ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكرٍ ) .
    قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « لا تلقّنوا الكذاب فتكذبوا » (1) .
    ____________
    (1) سفينة البحار : ج 1 ص 474 كان تلقين يعقوب ( عليه السلام ) لأولاده « لم ادع يوسف يمضي معكم الى الصحراء وأخاف ان يا كله الذئب » هذا التلقين استفاد منه اولاده سلباً .

    الصفحة 67
    التقليد :
    انّ التقليد الاعمى هو احد المواضيع لتهيئة الارضية الثقافية للذنب .
    وللتقليد عدة اقسام :
    1 ـ مثل تقليد العالم من العالم .
    2 ـ تقليد العالم من الجاهل .
    3 ـ تقليد الجاهل من الجاهل .
    4 ـ تقليد الجاهل من العالم .
    من بين هذه الأقسام قسم صحيح واحد وهو الرابع ، اما القسم الاول فهو في بعض الاحيان صحيح واحياناً أخرى ليس بصحيح .
    اما تقليد الجاهل او تقليد العالم من الجاهل فهو تقليد أعمى واحياناً يكون السبب في تهيئة الأرضية الى السقوط في المفاسد ارتكاب الجرائم .

    التقليد الاعمى :
    معناه عدم الاستقلال والخضوع بذلّ للآخرين ، فيكون عندها الانسان أجوفاً ، او متطفلاً يعيش على موائدٍ الآخرين .
    وفي الآية 10 من سورة ابراهيم نقرأ :
    ( قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السّماوات والأرض

    الصفحة 68
    يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجلٍ مسمّى قالوا إن انتم إلاّ بشر مثلنا تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطانٍ مبينٍ ) .
    فالتقليد الاعمى للأجداد كان منطقاً ضعيفاً يتمسك به المشركون في مقابلتهم للأنبياء ، وهذا المنطق الضعيف كان داعياً الى الانحراف الاخلاقي والعقائدي .
    وفي سورة البقرة الآية 170 نقرأ :
    ( وإذا قيل لهم أتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبّع ما الفينا عليه آبائنا ) . (1)

    و ـ المتابعة والاقتداء :
    إنّ انتحال الشخصية المتميزة أحد الاسباب لايجاد الارضية الثقافية للذنب . حيث يحتاج الانسان وبشكل واضح الى الأسوة ، وقد تكون الاسوة هي الانسان الكامل فيقتفي أثرها في حياته الاجتماعية ليصل الى الاهداف الانسانية العالية .
    إنّ وجود القدوة والشخصية المتميزة لها تأثير بالغ في حياة الناس وهي وسيلة ذات اثر فعال في تربيتهم . ومن طبيعة الانسان متابعة القدوة والسير خلفه فاذا كانت الثقافة في المجتمع غير صحيحة
    ____________
    (1) وهناك تقليد اعمى عن الاجداد جاء في آية 70 من سورة الاعراف وآية 62 ، 87 من سورة هود .

    الصفحة 69
    فان المقتدى به يكون كاذباً يسير بالانسانية الى الهاوية والدمار .
    وتعبير ( أسوة حسنة ) ورد في القرآن الكريم ومعناه ان يتبع الانسان آثار القدوة الصالحة والصحيحة . وقد ذكرت هذه العبارة ثلاث مرات ( في سورة الاحزاب الآية 1 ، وفي سورة الممتحنة الآية 4 ، 5 ) .
    وفي هذه الموارد الثلاثة عرف الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابراهيم ( عليه السلام ) بالأسوة الحسنة .
    ويجب الانتباه جيداً الى أن القدوة الكاذبة والشخصية البراقة هي احدى المصائب الكبرى والسبب في تهيئة الارضية للفساد والذنب فيجب ان تتّخذ الحيطة والدقة في هذا المجال .

    ز ـ كتمان الحق :
    إنّ كتمان الحق ، وكتمان العلم ، وكتمان كل وجهٍ من اوجهٍ القيم يعتبر أحد العوامل الاخرى لتهيئةالارضية لارتكاب الذنب . ويوجب الانحراف واندثار الحق والقيم في المجتمع .
    وقد نهى القرآن الكريم عن كتمان الحق وبشدة كما جاء في الآية 42 من سورة البقرة :
    ( ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون ) .
    وفي الآية 159 من نفس السورة السابقة . نزلت لعنة الله على كاتمي الحق .
    قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

    الصفحة 70
    « من سئل عن علم يعلمه فكتم لجم يوم القيامة بلجام من نارٍ » . (1)
    ____________
    (1) مجمع البيان ج 1 ص 240 ـ سفينة البحار ج 2 ص 470 .

    الصفحة 71

    2 ـ الاجواء العائلية والذنب

    من الأمور الاخرى التي تهيئ الارضية للذنب هي : العائلة السيئة ، حيث أن طهارة العائلة لها الاثر البالغ على شخصية الفرد في الاجتناب عن الذنوب ، كما قال الشاعر الفارسي ما ترجمته : أذا كان البناء من الاساس مائلاً فحتى لو وصل الى الثريا ظل الحائط مائلاً .
    وقال حافظ ما ترجمته :
    الجوهر الطاهر هو الاليق ان يصل اليه الفيض وليس كل حجر طين هو لؤلؤ ومرجان .
    فالمذهب الاسلامي مذهب جامع وسليم لأنه يهيىء الارضية للعائلة على اساس سليم وصحيح . فلو طبقت القوانين التي وضعها الاسلام في تربية الاسرة بدقة من البداية فمن المؤكد اننا نحصل على نتائج مشرقة ، وهذه القوانين عبارة عن :
    1 ـ العمل بقانون الوراثة .

    الصفحة 72
    2 ـ الزواج .
    3 ـ تربية الأبناء على اساس اسلامي صحيح .
    4 ـ الطعام الحلال والحرام :

    1 ـ العمل بقانون الوراثة :
    من المسلّم به في نظر العلم والدين ان الابناء يتبعون الابوين في وراثة البنية الجسمية ، كذلك يرثون الامور المعنوية والحالات الروحية منهم ، فمثلاً : اذا كان الآباء ممن يمتلكون صفات الشجاعة والطهارة والتدين فلا شكّ في انتقال هذه الصفات الوراثية الى ابنائهم ، وعلى العكس اذا كان الآباء لا يمتلكون الشجاعة وكانوا ضعيفي الارادة وليسوا ملتزمين بالشريعة ، فتكون ارضية مساعدة على انتقال هذه الصفات الى الابناء . ولاجل ان نوضح اكثر نذكر هذه الآية وبعض الروايات .
    1 ـ قال الله سبحانه وتعالى في اشمئزاز نوح ( عليه السلام ) من قومه الظالمين :
    ( وقال نوح ربّ لاتذر على الأرض من الكافرين ديّارراً إنك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا الاّ فاجراً كفّاراً ) (1)
    وهذه اشارة الى قانون الوراثة للابوين الفاسقين الذي تظهر نتائجه جليةً على الابناء فيتصفون بصفات أبويهم .
    ____________
    (1) سورة نوح ( عليه السلام ) الآية 26 ـ 27 .
    الصفحة 73
    2 ـ في الزيارة المطلقة للامام الحسين ( عليه السلام ) ( وبعض الزيارات الاخرى للائمة الاطهار سلام الله عليهم اجمعين ) نقرأ :
    « أشهد انك كنت نوراً في الاصلاب الشامخة والارحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها » .
    وهذه العبارة المشهورة في كتب الادعية تشير الى طهارة اباء وامهات الائمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، فهم في هذا المجال قد ورثوا الطهارة والقداسة .
    3 ـ قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « الشقيّ شقيّ في بطن أمه ، والسعيد سعيد في بطن أمه » . (1)
    يعني الانسان يمتلك الارضية للسعادة والشقاء من الناحية الوراثية .

    4 ـ اختيار الزوجة الشجاعة :
    بعد شهادة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) اراد امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ان يتزوج ، فاستشار اخاه عقيلاً وكان نساباً للعرب . فقال له امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    اريد امرأة ولدتها الفحول . أجابه عقيل : ولأي امر تريد امرأة هكذا ؟!
    قال أمير المؤمنين ( عليه السلم ) : « حتى تلد لي ولداً شجاعاً » .
    ____________
    (1) نهج الفصاحة ص 375 ـ بحار ج 3 ص 44 .

    الصفحة 74
    اجابه عقيل : هذه الصفات في فاطمة ( عليه السلام ) ( ام البنين ) بنت حزام بن خالد بن ربيعة من قبيلة بني كلاب ، فما رأيت اشجع منهم ولا اسخى واربط جأشاً .
    فتزوجها امير المؤمنين ( عليه السلام ) وولدت له قمر بني هاشم العباس ( عليه السلام ) الذي استشهد في واقعة الطف بكربلاء . وثلاثة اخوة آخرين كلهم استشهدوا في كربلاء .
    فهؤلاء الابناء قد ورثوا الشجاعة و ... من الجانبين ( الاب والأم ) .
    5 ـ قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رسالة يخاطب بها مالك الاشتر بخصوص « البيوتات الصالحة » في الاعتماد عليهم وقد ذكرها في موردين حيث قال ( عليه السلام ) :
    « ثم الصق بذوي المؤونات والأحساب واهل البيوتات الصالحة » .
    وفي مورد آخر قال ( عليه السلام ) :
    « وتوخ منهم اهل التجربة والحياء من اصل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام » . (1)
    ويستفاد من هذه العبارة اعطاء المناصب الحساسة والمهمة لاشخاص لديهم خصائص منها الانتساب للبيوتات الصالحة .
    6 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أيضاً :
    ____________
    (1) نهج البلاغة الرسالة 53 .

    الصفحة 75
    « حسن الاخلاق برهان كرم الاعراق » . (1)
    والمقصود من كرم الاعراق هو طهارة العائلة التي تورثها للابناء .

    من ذكريات معركة الجمل :
    دارت حرب الجمل في منطقة البصرة سنة 36 هجري بين جيش امير المؤمنين ( عليه السلام ) وجيش عائشة وطلحة والزبير . وقد أعطى امير المؤمنين الراية الى ولده محمد بن الحنفية وقال له : احمل عليهم ، فرشقه الاعداء بسهام كثيرة رشقة واحدة فتباطأ محمد بن احنفية قليلاً حتى تنفذ السهام ، فقال له الامام ( عليه السلام ) : احمل عليهم ، فأراد ان يحمل عليهم لكن رشقات السهام منعته من التقدم فجاءه امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) « وضربه بقائم سيفه وقال : تقدم ، ادركك عرق من امك » (2) .

    علامات اولاد الحرام :
    قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : للاولاد غير الشرعيين علامات :
    « أحدها بغضنا أهل البيت ، وثانيها أنه يحنّ الى الحرام الذي خلق منه ، وثالثها الاستخفاف بالدين ، ورابعها سوء المحضر للناس .
    ____________
    (1) غرر الحكم 1 ص 379 .
    (2) تتمة المنتهى ص 2 .

    الصفحة 76
    ولا يسيء محضر إخوانه إلا من ولد على غير فراش أبيه أو حملت به أمه في حيضها » (1)

    * * *

    نعم ، ان الاشخاص الذين ولدوا على أساس غير قانوني ولا شرعي فمن الطبيعي ان تكون الارضية لاقتراف الاعمال المنكرة والذنوب الكثيرة ديدناً لهم .
    وفي النتيجة نحصل على ان قانون الوراثة من الاصول المسلمة علمياً واسلامياً فلو ابتني على اساس خاطىء وغير صحيح لهيأ الارضية لوجود الانسان المذنب والعاصي .

    2 ـ الزواج الصحيح :
    أكد الاسلام على الزواج وبناء العائلة واعتبره من الأصول الاجتماعية والمهمة وخاصة في اختيار الزوجة . حيث وضع اموراً يجب مراعاتها واهمها الزوجة الصالحة لانها تهيىء الارضية الصالحة للابناء الصالحين ، وبالعكس ، المرأة الملوثة فانها منبت للأبناء الملوثين وبدورها تكون السبب في الانحراف واقتراف الآثام .
    وتوجد عدة روايات تخصّ هذا الموضوع .
    1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    ____________
    (1) سفينة البحار ج 1 ص 560 ـ البحار ج 75 ص 279 .

    الصفحة 77
    « أيها الناس اياكم وخضراء الدمن ، قيل يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله سلم ) وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء » . (1)
    2 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأحدٍ استشاره في الزواج :
    « انكح وعليك بذات الدين » . (2)
    3 ـ قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
    « اياكم وتزويج الحمقاء فان صحبتها بلاء وولدها ضياع » . (3)
    4 ـ قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « خيار نسائكم العفيفة الغلمة » . (4)
    5 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « من زوّج كريمته من شارب خمر قطع رحمها » . (5)
    قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « من شرب الخمر بعد ما حرمها الله على لساني فليس بأهل ان يزوج اذا خطب » .(6)
    6 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « طوبى لمن كانت أمه عفيفة » . (7)
    ____________
    (1) وسائل الشيعة ج 14 ص 29 .
    (2) نفس المصدر ص 30 .
    (3) فروع الكافي ج 13 ص 12 ـ الوسائل ج 14 ص 56 .
    (4) التهذيب ج 2 ص 227 ـ الوسائل ج 14 ص 14 .
    (5) فروع الكافي ج 2 ص 11 .
    (6) وسائل الشيعة ج 14 ص 53 .
    (7) بحار الانوار 23 ص 79 .

    الصفحة 78
    3 ـ تربية الابناء وفق الأسس الصحيحة :
    إنّ أحد الواجبات المهمة في الاسلام هو التربية الاسلامية الصحيحة للأبناء . حيث تربي عندهم روح القيم والمثل الانسانية . وعلى العكس فانّ الاهمال في تربية الابناء او التربية الخاطئة تعتبر احدى الطرق لوجود الانحراف والذنب عند الابناء . فالاسلام أكد على هذا الجانب واهتم به اهتماماً بالغاً ، فكما ان الفلاح الذي يزرع الشجرة في الارض يجب عليه مراعاتها ومعالجة الاضرار والامراض التي تصيبها حتى تعطي في النتيجة ثماراً يانعة . كذلك للأبوين ان يحرصوا على تربية الابناء وان لا يقصّروا في تربيتهم فيكونوا عرضة للمساوئ والسقوط والانحراف .
    فالمرأة بعد زواجها ليس لها عمل إلاّ الاهتمام بزوجها وبيتها وابنائها . فلو انها تحمّلت تلك المسؤوليات الثلاث وفق الاسس الاسلامية الصحيحة لكانت كفيلة بحل جميع المشاكل في حياة العائلة ، والواجب على الرجل كذلك ان يبذل قصارى جهده لمساعدة المرأة في تأدية هذه الواجبات الثلاث .
    فالاثنان مسؤولان عن تربية ابنائهم ، ولكن الحمل لثقيل تتحمله المرأة ، لان المرأة دائمة الوجود في البيت وقريبة من الاطفال . وكذلك وحسب القانون الطبيعي فمنذ ان تستقر النطفة في رحم المرأة و تمر بمراحل الجنين و ... يكون للمرأة تاثير بالغ في تكوين وتربية

    الصفحة 79
    الابناء .
    قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » (1) .
    وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ايضاً :
    « رحم الله عبداً أعان ولده على بره بالاحسان اليه ، والتألف له وتعليمه وتأديبه » . (2)
    وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ايضاً :
    « رحم الله والدين اعانا ولدهما على برهما » . (3)
    وقال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
    « وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ، ويحسن أدبه ، ويعلمه القرآن » . (4)

    شدة المحافظة على كيان العائلة :
    للمحبة وشدة حفظ كيان العائلة أثر فعال في التربية الصحيحة للابناء فعلى الاب والام ان يحفظا سلامة محيط البيت لأنه محيط البيت لأنه محيط تربية الابناء ، فالخطوة الاولى للاصلاح والتربية الصحيحة للابناء هي
    ____________
    (1) عوالي اللئالي : ج 1 ، ح 18 ، ص 35 .
    (2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 626 .
    (3) فروع الكافي ج 6 ص 48 .
    (4) نهج البلاغة حكمة 399 .

    الصفحة 80
    اصلاح محيط البيت فالمحبة بين الرجل وزوجته تهيىء سلامة محيط البيت .
    قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
    « خيركم خيركم لاهله وأنا خيركم لاهلي » . (1)
    وجاءت في بحار الانوار ( المجلد 103 صفحة 226 الى 233 ) روايات كثيرة توكد وتوصي بالمحبة بين الزوج وزوجته .
    وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) ايضاً :
    « من اخلاق الانبياء محبتهم لنسائهم » . (2)
    وحضر رجل عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال :
    « ما قبّلت صبياً قط » فعندما ذهب قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « هذا رجل عندي انه من اهل النار » .
    وقال يونس بن رباط : ان الامام الصادق ( عليه السلام ) نقل عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انه قال :
    « رحم الله من اعان ولده على بره » .
    فقلت : وكيف يكون ذلك ؟
    أجاب الامام ( عليه السلام ) :
    « يقبل ميسوره ، ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق
    ____________
    (1) وسائل الشيعة ج 14 ص 122 .
    (2) بحار الانوار ج 103 ص 288 .

    يتبع

    تعليق


    • #3
      الصفحة 81
      به » . (1)
      وعلى هذا الاساس نجد ان تربية الابناء وفق الاسس الصحيحة عامل مهم في ايجاد الارضية للقيم ، وعلى العكس فعدم التربية يوجد ويهيىء الارضية للانحراف والذنوب .

      الاهانة عامل لتهيئة الارضية للذنب :
      من الطرق المهمة للهداية والتربية اعطاء الشخصية للأفراد . وبالأخص للأطفال . وعلى هذا الاساس فأحد الامور التي يوجب الانتباه اليها في تربية الابناء مسألة الاهانة . فيجب على المعلمين والابوين ان يكنوا الاحترام للأطفال . والعمل على رفع عقدة الحقارة والشعور بالنقص عندهم . وفي الكبار كذلك يجب احترامهم حتى لا يشعروا بالنقص والحقارة ، لان الشعور بالاهانة والحقارة سبب في نشوء الانحراف والذنب .
      قال الامام الهادي ( عليه السلام ) :
      « من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره » .
      وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
      « من كرمت عليه نفسه لم يهنها بالمعصية » . (2)
      قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 6 ص 50 .
      (2) غرر الحكم ج 2 .

      الصفحة 82
      « لا يكذب الكاذب الا من مهانة نفسه » . (1)
      ونتيجة لذلك يجب ان لا يحقر الانسان لأن ذلك منشأ لعقدة الحقارة وهذه العقدة تهيئ الأرضية لاقتراف الذنب .
      لذا نرى الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والائمة الاطهار ( عليهم السلام ) في تربية الاطفال يكنّون احتراماً بالغاً وخاصاً لهم .
      قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم يغفر لكم » . (2)
      أكد الاسلام على العدالة بين الأبناء وعدم التفرقة بينهم ومخاطبتهم بالكلام اللطيف واختيار الألقاب والأسماء الحسنة لهم وأن لا يخاطبوا بالألفاظ البذيئة .

      حادثة تعكس مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطفل :
      عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : صلّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالناس الظهر فخفف في الركعتين الاخيرتين فلما أتم الصلاة قال له الناس : هل حدث في الصلاة حدث ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : خفّفت في الركعتين الأخيرتين ، فقال : أما سمعتم صراخ الصبي ؟ (3)
      وهنا فتخفيف النبي من صلاته انما ليسخّر الوقت في تهدئة الطفل والعطف عليه ، ونستفيد من هذا التصرّف النبويّ العظيم كيف
      ____________
      (1) بحار الانوار : ج 72 .
      (2) مكارم الاخلاق : ص 222 .
      (3) فروع الكافي : ج 6 ، ص 48 .

      الصفحة 83
      يجب علينا ان نراعي أبناءنا .

      الالتفات الى حفظ العفاف بين الابناء :
      من الواجبات المهمة الملقاة على عاتقي الام والاب هي حفظ عفة وطهارة الاطفال . وفي هذا الخصوص قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « اياكم وأن يجامع الرجل أمراته والصبيّ في المهد ينظر اليهما » . (1)
      وجاء في الآية 58 من سورة النور ان الاولاد غير البالغين يجب عليهم الاستئذان في ثلاث اوقات عند الدخول في غرفة الاب والام فنقرأ :
      ( .... والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مراتٍ من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظّهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عوراتٍ لكم ) .
      وجاء في الآية 59 من سورة النور أيضاً :
      ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الّذين من قبلهم ) .
      ان هذه الاوامر والاحكام يجب الالتفات اليها من قبل اولياء الاطفال وتعليمهم بالاستئذان لغير البالغين منهم في ثلاثة اوقاتٍ وفي
      ____________
      (1) بحار الانوار ج 103 ص 295 .

      الصفحة 84
      كل الاوقات للبالغين عند دخولهم الغرفة الخاصة بالأم والاب ، ولا فرق بين الذكر والانثى في الاولاد .
      فجملة ( كما استأذن الّذين من قبلهم ) اشارة الى وجوب الاستئذان للكبار في كل حال .
      نعم : ان تطبيق هذه الاوامر لا هوان فيها لأن مجرد رؤية عضو من الاعضاء التي يجب ان لا يراها الابناء تشكل مطلقاً للانحراف الخلقي والامراض النفسية والتلوث الجنسي .

      4 ـ الطعام الحلال والحرام :
      يؤثر الطعام تأثيراً بالغاً في جسم الانسان من وجهة نظر العلم والدين حيث ينتج عنه حفظ الجسم وكذلك له تاثير مباشر على روح الانسان .
      لذا نرى أن الطعام المسموم يؤدي الى تسميم الجسم وكذلك الطعام الحرام فهو يؤدي الى تلوث الروح .
      جاء في الآية 3 من سورة المائدة قوله تعالى :
      ( حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به .... ) .
      فكل طعام حرّمه الاسلام لا يخلو من علة وحكمة ، فمثلاً حرم لحم الخنزير ، ولحم الخنزير من الاطعمة التي يأكله كثير من الناس غير المسلمين .

      الصفحة 85
      ان بعض الناس المتأثرين بالغرب يقولون : لماذا حرّم الاسلام لحم الخنزير ؟ وهذا اللحم لا ضرر فيه . واذا كان لحم الخنزير يولد انواع الدود وبالاخص ( الدودة الوحيدة ) في البطن فان تقدم العلم طبياً جعل مضاداً لهذا الدود وقضى عليه ، فلماذا اذن بقي أكل لحم الخنزير حراماً ؟!
      والجواب على هذا السؤال واضح جداً ، فالذين يسألون هذا السؤال لا ينظرون لاسباب التحريم الاّ من باب واحد فلو فرضنا ان الحم الخنزير يخلو من الأضرار المتلفة للجسم ولكن تبقى الاضرار الروحية التي لا يمكن انكارها . فالخنزير حيوان قذر منبوذ الى ابعد مدى ، وان حيواناً صفاته هكذا فكيف يكون لحمه ؟ اذن ، ما كان عالقاً في ظاهره ينقله بلحمه المأكول الى الانسان . وهذا مما لا شك فيه وقد جاء في القرآن في ( الآية 42 من سورة المائدة ) أنّه تعالى ينعت اليهود بـ ( آكّالون للسحت ) (1) وهذا صريح وانذار جدّي للذين يأكلون الطعام الحرام . وهؤلاء اليهود عبدة البطون هم دائماً حجر عثرة في طريق الدين والقانون .
      ان اضرار اكل الحرام الجسمية ، والاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية واضحة لكل ذي عين بصيرة وهي أحد اكبر الاخطار التي
      ____________
      (1) السحت ( على وزن الجفت ) ومعناه سلخ الجلد . وكل مال غير مشروع يقال له سحت لان هذه الاموال تبعد الانسان عن الصفات العالية والنشاط والبركة الاجتماعية .

      الصفحة 86
      تسحق الانسان وتؤدي به الى الدمار والانحطاط والسقوط في مجتمعٍ يعيش فيه .
      وجاء في الآية 188 من سورة البقرة :
      ( ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالأثم وأنتم تعلمون ) .
      فهذه الآية لا تنهى عن اكل مال الحرام فحسب ، بل تنهى على الأخص من أكل الرشوة التي هي احدى طرق اكل الحرام .
      قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « لعن الله الراشي والمرتشي والساعي بينهما » . (1)
      وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
      « السحت انواع كثيرة » .
      فمال المرأة من الزنا ومال الخمر تعد من السحت .
      وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً :
      « فأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم » . (2)
      وجاء في الآية 10 من سورة النساء :
      ( انّ الّذين يأكلون اموال اليتامى ظلما انّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) .
      ____________
      (1) الوسائل ج 12 باب 5 ( ابواب ما تكسب به ) .
      (2) فروع الكافي ج 5 ص 127 .

      الصفحة 87
      الروايات والطعام الحرام :
      نأتي هنا بنماذج متعددة من الروايات حول الطعام الحرام :
      1 ـ قال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
      « ما من عبادة أفضل من عفة البطن والفرج » . (1)
      2 ـ وقال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
      « حق بطنك أن لا تجعله وعاء للحرام » . (2)
      3 ـ وكذلك قال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
      « ما من شيء أحب الى الله بعد معرفته من عفّة البطن والفرج » . (3)
      4 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أخاف على امتي من ثلاث :
      الضلالة بعد المعرفة ومضلاّت الفتن وشهوة البطن والفرج » . (4)
      5 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
      « الذنوب كلها شديدة وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم » . (5)
      وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) ايضاً :
      « انّ الرجل اذا أصاب مالاً من حرامٍ لم يقبل منه حج ولا عمرة ولا صلة رحمٍ » ( سفينة البحار ) .
      ____________
      (1) المجالس السنية ج 2 ص 448 .
      (2) مكارم الاخلاق ص 419 .
      (3) المجالس السنية ج 2 ص 429 .
      (4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 29 .
      (5) بحار الانوار : ج 73 ، ص 317 .

      الصفحة 88
      6 ـ جاء في الروايات أن موسى بن عمران ( عليه السلام ) رأى شخصاً يتضرع تضرعاً عظيما ويدعو رافعاً يديه ويبتهل فاوحى الله تعالى الى موسى ( عليه السلام ) لو فعل كذا وكذا لما استجيب دعاؤه لان في بطنه حراماً وفي بيته حراماً . (1)
      وجاء شخص الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال : احب ان يستجاب دعائي .
      فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « طهر مأكلك ولا تدخل بطنك الحرام » .
      ثم قال : « من أحب أن يستجاب دعاوه فليطب مطعمه ومكسبه » . (2)
      وكذلك روي بان ... من ترك لقمة حرام احب الى الله تعالى من صلاة الفي ركعة تطوعاً وردّ دانق حرام يعدل عند الله تعالى سبعين حجة مبرورة . (3)

      الحليب ، الغذاء الاول للانسان .
      قلنا سابقاً ان الام لها الاثر الفعال في مصير وتربية الابناء ، لان ارتباطها بالطفل اكثر وأقرب بكثير من ارتباط الاب .
      يقول العلمامء : إن تفكير الام له الاثر الشديد على الطفل منذ
      ____________
      (1) سفينة البحار ج 1 ص 448 .
      (2) نفس المصدر ج 1 ص 448 .
      (3) سفينة البحار ج 1 ص 448 .

      الصفحة 89
      وجوده في رحمها وحتى رضاعته .
      فاذا اهتمت المرأة بالقوانين الاسلامية وبالخصوص في الطعام الحلال منذ حملها الى رضاعتها للطفل فمن المسلّم أن تلد طفلاً سالماً وصالحاً للمجتمع .
      لذلك نقرأ في الروايات : « ان السعيد سعيد في بطن امه والشقي شقي في بطن امه » .
      وعلى هذا الاساس فان الأم تلعب دوراً مهماً في تكوين الطفل . ولاجل ان نوضح اكثر نأتي بالروايات التالية .
      1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه و آله وسلم ) :
      « لا تسترضعوا الحمقاء فأن اللبن يعدي ، وانّ الغلام ينزع الى اللبن » .
      2 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) نقلاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « فان اللبن يغلب الطباع » .
      وفي رواية اخرى . « فان الولد يشب عليه » .
      3 ـ سئل الامام الكاظم ( عليه السلام ) : عن امرأة ولدت طفلاً من الزنا هل ترضعه من لبنها ؟
      فأجاب ( عليه السلام ) : « لا يصلح ولالبن ابنتها التي ولدت من
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 6 ص 43 .
      (2) نفس المصدر السابق .

      الصفحة 90
      الزنا » . (1)
      4 ـ قال محمد بن مروان : حدثني الامام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال :
      « استرضع لولدك الحسان (2) وإياك والقباح فانّ اللبن قد يعدي » . (3)
      وقد نهت بعض الروايات ارضاع المرأة شاربة الخمر لطفلها وأكدت على أن تكون المرأة في طهر عند الرضاعة .
      5 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
      « تخيّروا للرضاع كما تتخيّرون للنكاح فان الرضاع يغير الطباع » . (4)

      إن قضية الرضاع موجودة حتى عند الأنبياء ( عليه السلام ) ، فالرسول محمد ( صلى الله عليه وآله سلم ) كانت مرضعته المرأة الطاهرة والحسنة السيرة حليمة السعدية . ونبي الله موسى ( عليه السلام ) قد رضع من امّه وهذا دليل يبين لنا أن المرضعة يجب ان تكون من ذوات المنبت الحسن والطاهر .
      وجاء في آية 12 من سورة القصص في مورد رضاعة موسى ( عليه السلام ) :
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 6 ص 44 .
      (2) من المحتمل ان رأي الامام من الحسان والقباح هو النساء الحسنات السيرة والسيئات السيرة .
      (3) فروع الكافي ج 6 ص 44 .
      (4) سفينة البحار ج 1 ص 523 .

      الصفحة 91
      ( وحرّمنا عليه المراضع من قبل ) .
      يذكر بعض المفسرين حول هذه الآية الشريفة ان موسى ( عليه السلام ) لم يرضع من كل النساء اللاتي عرضن عليه الاّ من أمه ، وان هذا التحريم الذي ورد يؤكد لنا أن لبن جميع المرضعات انذاك كان ملوثاً وغير طاهرٍ ، فالواجب ان يرضع النبي لبن امه الطاهر حتى يستطيع الوقوف امام التلوث والطغيان .
      الصفحة 92

      3 ـ الأرضية الاقتصادية للذنب

      ان بعض الامور الاقتصادية تهيىء الارضية لاقتراف الذنب وهي على نوعين .
      1 ـ الغنى والثروة المالية .
      2 ـ الفقر والفاقة .
      ان الفقر والفاقة عاملان لطغيان وكفر الانسان احياناً وكذلك الثروة وكثرة الاموال فهي سبب آخر للطغيان .
      وكثير من الروايات والآيات القرآنية تؤكد ذلك وسوف نذكر بعض النماذج لاثبات المقصود . ولكن في البداية يجب الانتباه الى ان كلامنا يدور حول الغنى والثروة اللذين يهيئان الارضية للذنب احياناً .
      وليس الغنى دليل الفساد والذنب كما تقول الشيوعية ، لانّ هناك فرق كبير بين الارضية والدليل ، وبعبارة واضحة : ان الغنى ليس سبباً للذنب . بل يميل بالانسان الى الذنب في بعض الاحيان ، وسوف نشرح ذلك في الآية 6 و 7 من سورة العلق حيث تقول الآية :

      الصفحة 93
      ( انّ الأنسان ليطغى أن رآه استغنى ) .
      إن هذه الآية لم تقل ان الثروة وعدم الفاقة سبب وعامل للفساد ، بل تقول : ان الانسان اذا رأى نفسه غنياً اصابه الطغيان أما اذا لم تكن هذه النظرة عنده فالثروة والغنى ليست سبباً للفساد .
      ولتوضيح ذلك نطرح هذا السؤال وهو : هل الثروة سبب للفساد ؟
      والجواب على هذا سؤال على نحوين أن الثروة عامل فساد :
      1 ـ اذا كانت رؤية الانسان بان الاموال قد جمعها بقوته وذكائه .
      2 ـ اذا اعتقد الانسان بأنه حرّ في جمع المال وانفاقه بالطريقة التي يريدها .
      ولكن الآيات القرآنية والروايات تؤكد أن الثروة والمال ليست ملكاً للانسان بل هي مال الله سبحانه الذي يرزق به عباده .
      حيث ورد في القرآن الكريم ذكر كلمة ( رزقناكم ) 7 مرات كلمة ( رزقناهم ) 13 مرة ( يرزقكم ) 5 مرات . وجعل حدوداً لجمع وانفاق الاموال ، فمثلاً اذا حصل الانسان المال عن طريق الربا او الكذب او الرشوة او الظلم فذلك حرام بالطبع ، فالمال بمثابة السكين في يد الكافر ، حيث يذبح ويقتل ويكون سبباً للفساد ، ولكن اذا كانت في يد المؤمن فهي وسيلة حسنة .
      أو كمثل الزجاجة حيث نستطيع ان نستفيد منهابان

      الصفحة 94
      نضع فيها ماء الليمون ويمكننا ان نضع فيها الخمر والنبيذ أيضاً . اذن فالزجاجة وسيلة ولكن لاي غرض تستخدم ؟

      مثال آخر :
      ان البرد يسبب الرشح عند من يصيبه ولكنه ليس علة لأنّ الانسان يستطيع ان يحفظ نفسه من البرد في فصل الشتاء ؛ كذلك يصاب الانسان بالرشح في الصيف اذا أهمل نفسه ولم يهتم بها .
      وعلى هذا الاساس فالبرد يهيىء الارضية للمرض وليس علة للمرض .

      الثروة في يدي فرعون وقارون سبب للفساد . ولكن في يدي حضرة سليمان ( عليه السلام ) سببّ للعمار وسد النواقص الاقتصادية والاجتماعية .

      وهناك نموذجان من الاثرياء في القرآن الكريم :
      1 ـ النبي سليمان ( عليه السلام ) .
      2 ـ قارون .
      إنّ هذين الثريين أوتيا من المال ما لم يؤت لاحدٍ مثلهما ، وكلاهما تصرف باستخدام المال بطريقته الخاصة ، فالاول جعل الثروة والملك وسيلة للوصول الى مرضاة الله سبحانه وان ما يملك هو كله من عند الله سبحانه وتعالى . فيقول :

      الصفحة 95
      ( هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) ( سورة النمل الآية 40 ) .
      أما الآخر فتصور أنّ المال الذي امتلكه ، كان نتيجة لقدرته وذكائه وعلمه وجعله وسيلة للفساد وزينة للدنيا .
      ولكن نرى سليمان ( عليه السلام ) انه فقير الى الله سبحانه وكل ما يملك مرده الى الله جل وعلا .
      أما قارون ذلك الثري الذي يرى ثراءه وملكه من عنده فعندما طالبه موسى ( عليه السلام ) بزكاة امواله حسب الاوامر الالهية اعترض وقال :
      ( إنّما اوتيته على علم عندي ) ( القصص الآية 78 ) .
      فغضب الله عليه بقوله جل وعلا في سورة القصص الآية 81 :
      ( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ) . ( القصص الآية 81 )

      الترف والمترفون في القرآن الكريم :
      جاءت عبارة « الترف والمترف » باشكالٍ مختلفة ولثمان مرات في القرآن الكريم .
      « المترف » من أصل الترف والترفه « على وزن لقمة » ومعناها الزيادة وكثرة النعم التي تجعل صاحبها غافلاً ومغروراً الى حد الطغيان . وبهذا الصدد نقرأ ما جاء في الآية 34 من سورة سبأ :
      ( وما ارسلنا في قريةٍ من نذيرٍ إلاّ قال مترفوها انّا بما

      الصفحة 96
      أرسلتم به كافرون ) .
      ويذكر القرآن الكريم أن الثروة التي يطغي بها صاحبها ويغتر هي تلك التي تهيىء الارضية للذنب . ومثل أولئك نراهم تحت الانذار الالهي الشديد . ومصداق ذلك جاء في الآية 58 من سورة القصص .
      ( وكم أهلكنا من قريةٍ بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم الاّ قليلاً ) .
      وجاء في الآية الاولى من سورة التكاثر : ( الهاكم التكاثر ) .
      قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « التكاثر في الأموال جمعها من غير حقها ومنعها من حقها ، في الأوعيةٍ » . (1)

      علاقة الفقر والفاقة بالذنب :
      كما ذكرنا سابقاً بان الفقر في بعض الاحيان يهيىء الارضية للذنب ، ولكن نرى ان بعض الروايات تمدح الفقر وبعضها تذمّه ، أمّا الذي ذمته الروايات فهو الفقر الاقتصادي الذي يحصل بسبب الستغلال المستعمرين وجشع أصحاب رؤوس الأموال والاوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تتولّد عنها الفوضى والبطالة .
      وهذا الفقر والفاقة هما اللذان يسببان الانحراف واقتراف الذنب . مثل : الادمان ، السرقة ، والجرائم الاخرى . كما في المثل
      ____________
      (1) نور الثقلين ج 5 ص 662 .

      الصفحة 97
      القائل :
      « الانسان الجائع لا ايمان له » .
      وعلى هذا الاساس فانّ أحد الاسباب التي تساعد على ايجاد الارضية الاقتصادية للذنب هو الفقر .
      ولصيانة المجتمع بشكل جيد من الانحراف يجب محاربة الفقر والفاقة .
      1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
      « الفقر الموت الاكبر » .
      2 ـ وقال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) لابنه محمد بن الحنفية :
      « ... فانّ الفقر منقصة للدّين ، مدهشة للعقل داعية للمقت » . (2)
      3 ـ وقال ( عليه السلام ) كذلك :
      « القبر خير من الفقر » . (3)

      معالم في الاقتصاد الاسلامي :
      يرتكر الاقتصاد الاسلامي على أساسين مهمين في المجتمع :
      أولهما ان لا يكون اسراف وتفريط ، وثانيهما القضاء على الفقر
      ____________
      (1) نهج البلاغة حكمة 163 .
      (2) نهج البلاغة حكمة 319 .
      (3) فهرس الغرر باب ( الفقر ) .

      الصفحة 98
      والفاقة . وبالانتباه الى هذين الاساسين وتطبيقهما تحلّ الكثير من المشاكل الاقتصادية . نعم : ان هناك مميزات وخطوطاً عريضة في الاقتصاد الاسلامي اذا طبقت حسب المجرى الصحيح فلا يبقى في المجتمع أثر للمشكلات الاقتصادية ، والخطوط العريضة عبارة عن :
      1 ـ يعتبر المال والثروة في نظر الاسلام « أمانة » .
      2 ـ الناس متساوون في الاستفادة من الموارد الطبيعية كـ ( الماء ، والهواء ، والغابات ، والجبال والسهول ) . وحسب الموازين والقوانين ، المتقدم سابق ، حق التقدم معه .
      3 ـ حق العمل للناس ولا يقتصر على الاعمال العضلية بل يتعدى الى الاعمال الفكرية والكتابية و ....
      4 ـ يعتبر العمل مقدساً وعبادة في الاسلام .
      5 ـ تعتبر الملكية في الاسلام ملكية فردية وجماعية خلاف الافكار والنظريات الاخرى .
      6 ـ الهدف من العمل في الاسلام هو هدف مقدس ومكسب للمال حسب الحدود الشرعية .
      7 ـ يعتبر الاسلام ان كسب المال عزة . كما ورد في الحديث عن الائمة الاطهار « اذهب نحو عزتك » . (1)
      فتعني اذهب نحو العمل والكسب والعزة ، فالفقر يكون عاملاً لنفوذ الاجانب في المجتمع الاسلامي ، والثروة المشروعة تكون
      ____________
      (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 5 .

      الصفحة 99
      حائلاً دون نفوذهم .
      8 ـ بخس حق العامل من اكبر الذنوب .
      9 ـ الدنيا والمادة وسيلة وليست الهدف .
      10 ـ يجب الاهتمام بالدنيا والاخرة على حد سواء .
      11 ـ العمل مطلوب للرجل والمرأة مع الالتفات الى اختيار ما يناسبهما .
      قال أحد الائمة المعصومين ( عليهم السلام ) :
      « طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمةٍ » . (1)
      12 ـ التسكع ممنوع في الاسلام كما قال الامام ( عليه السلام ) لأحد الاشخاص :
      « احمل على رأسك واستغن عن الناس » . (2)
      13 ـ العمل الكاذب والمصطنع ممنوع في الاسلام « مثل الدلالة والواسطة التي لا حاجة فيها » .
      14 ـ جميع اولياء الله سبحانه كانوا يعملون لكسب رزقهم فمثلاً كان نوح ( عليه السلام ) نجاراً ، وهود ( عليه السلام ) كان تاجراً ، وادريس ( عليه السلام ) خياطاً ، واكثرهم كانوا يربون الحيوانات ويزرعون الارض ورعاة للأغنام ، وهنا ملاحظة لطيفة في حكاية شعيب وموسى ( عليهم السلام ) وذلك عندما اراد شعيب ( عليه السلام ) ان يزوج احدى ابنتيه الى موسى ( عليه السلام ) حيث شرط عليه
      ____________
      (1) بحار الانوار : ج 103 ، ص 9 .
      (2) فروع الكافي ج 5 ص 77 .

      الصفحة 100
      ان يرعى أغنامه مدّة ثمان سنوات ثم قال :
      ( وما أريد ان اشقّ عليك ستجدني ان شاء الله من الصّالحين ) ( القصص آية 27 ) .
      15 ـ يهتم الاسلام اهتماماً بالغاً في المسائل والاعمال المنتجة مثل : الزراعة وتربية الحيوانات ، ويعتني بها عناية خاصة .
      كما ورد عن احد الائمة الاطهار ( عليهم السلام ) انه قال :
      « فانكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم » .
      16 ـ الكسل والاهمال وعدم السعي الى كسب الحلال والقاء كل الانسان على الناس يعتبر كلّها من الذنوب الكبيرة .
      وفي رواية معروفة عن الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال :
      « ملعون من ألقى كلّه على الناس » . (1)
      ومن دعاء الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « اللهمّ بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه ، فلولا الخبز ما صلّينا ولا صمنا ولا ادّينا فرائض ربّنا » . (2)
      قال علي بن ابي حمزة : ان ابي قال : رأيت الامام الكاظم ( عليه السلام ) يعمر ارضاً وقد غطى العرق قدميه ، فقلت له :
      فداك ابي وامي يا ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اين مواليك ؟ ـ حتى لا يدعوك تتعب من العمل ـ فقال ( عليه السلام ) :
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 5 ص 72 .
      (2) نفس المصدر السابق ص 73 .

      الصفحة 101
      « يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في ارضه ومن ابي » .
      فقلت له : ومن هم ؟
      فقال ( عليه السلام ) :
      « رسول الله وامير الممؤمنين وآبائي كلهم قد عملوا بايديهم وهو من عمل النبيّين والمرسلين والاوصياء الصالحين » .

      عبرة من التأريخ :
      إن التجارب المرة التي عاشها الانسان كان سببها الحرص على الثروة والتعلق الشديد بالدنيا . ولم يكن الحرص والتعلق سبباً في تهيئة الارضية للذنب فحسب ، بل كانا سبباً للكفر والشرك والارتداد عن الدين . وعلى سبيل المثال نرى :
      1 ـ عندما طلبوا من قارون أن يساعد الفقراء والمحرومين طغى وأعلن الحرب على موسى ( عليه السلام ) . (1)
      2 ـ أحد أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يدعى ثعلبة . عاش عيشة مترفة بدعاء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلما تحسن وضعه المالي وصار مالكاً للمواشي والزراعة نقل ثروته الى خارج المدينة لكثرتها .
      وبالرغم من حضوره الى صلاة الجمعة والجماعة ايام فقره أصبح محروماً من نعمة الحضور مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لشغفه في الثروة
      ____________
      (1) شرح في تاريخ الطبري ط بيروت ج 1 ص 262 الى 265 .

      الصفحة 102
      والاغنام الى ان استحق ما يملكه الزكاة فارسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الجباة اليه . فعارض ثعلبة الجباة وانكر الزكاة عليهم بزجرٍ وتذمر و نسي عهده الله ورسوله ان لو رزقة الله سبحانه وتعالى لكان اول من يساعد الفقراء والمحتاجين ولكن عندما أصبح ثرياً طغى واستكبر . (1)
      فنزل قرآن في ذمّه بقوله تعالى :
      ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقنّ ولنكوننّ من الصّالحين . فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم معرضون ) ( التوبة الآية 75 ـ 76 ) .
      3 ـ قال الطبري : في معركة أحد أجلس رسول الله رجالاً بازاء الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جبير و قال لهم : لا تبرحوا مكانكم ان رأيتمونا ظهرنا عليهم وان رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقى القوم هزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهنّ وبدت خلا خيلهن فجعلوا يقولون : الغنيمة الغنيمة ، فقال عبدالله بن جبير : مهلاً أما علمتم ما عهد اليكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فابوا فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم فاصيب من المسلمين سبعون : وحتى شفاه واسنان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد جرحت واستشهد عمه حمزة ( عليه السلام ) في هذه المعركة لاجل ترك الرماة مواضعهم من اجل جمع الغنائم . (2)
      ____________
      (1) شرح في اسد الغابة ج 1 ص 237 ـ البحار ج 22 ص 40 .
      (2) التوضيح في تاريخ الطبري ج 2 ص 192 ـ 193 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 47 سيرة ابن هشام ج 3 ص 129 الى ما بعد .

      الصفحة 103
      4 ـ قال ابو جعفر الاسكافي : روي ان معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة الف درهم حتى يروي ان هذه الآية نزلت في علي ( عليه السلام ) :
      ( ومن الناس من يعجبك قوله .... ) .
      وان الآية الثانية ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) نزلت في ابن ملجم فلم يقبل ، فبذل له مائتي الف درهم فلم يقبل فبذل ثلاثمائة الف درهم فلم يقبل فبذل له اربعمائة الف فقبل . (1)
      5 ـ عمر بن سعد لشدة عشقه لملك الري صار قائداً لمعسكر الاعداء وقد شارك في قتل الامام الحسين ( عليه السلام ) .
      6 ـ عند رحيل الامام الكاظم ( عليه السلام ) من الدنيا جمعت الأموال عند أحد وكلائه الذي يدعى ( عثمان بن عيسى ) وكان من الواجب ان يقدّم الاموال الى الامام الرضا ( عليه السلام ) ولكنه بسبب أكله اموال الناس اعلن ان لا امام بعد الامام السابع وان الامامة قد انتهت وبهذه العقيدة وقفوا عند الامام الكاظم ( عليه السلام ) فسمي مذهبهم بمذهب الواقفية » . (2)
      7 ـ انتقد القرآن الكريم الذين قتلوا اولادهم خوف الفقر والفاقة ( الانعام ـ 151 ـ الاسراء ـ 31 ) .
      ____________
      (1) شرح ابن ابي الحديد ج 1 ص 471 ـ سفينة البحار ج 1 ص 654 .
      (2) التوضيح في مجمع البحرين ( وقف ) .

      الصفحة 104
      وعلى كل حال نرى عبادة الدنيا وطلب المقام كل يوم ، وكل ساعة تجعل اناساً بسطاء يغترون بالدنيا وطلب المقام فهناك كثير من الامثلة التي تحتاج الى مجلدات من الكتب لاحصائها .
      8 ـ مرّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) براعي ابل فبعث يستسقيه ، فقال : أمّا مافي ضروعها فصبوح الحي و أمّا ما في آنيتها فغبوقهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اللهم اكثر ماله وولده ، ثم مّر براعي غنم فبعث اليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها واكفأ ما في إنائه في اناء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعث اليه بشاة وقال : هذا ما عندنا و ان احببت ان نزيدك زدناك ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اللهم ارزقه الكفاف فقال له بعض اصحابه : يا رسول الله دعوت للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه ودعوت للذي اسعفك بحاجتك بدعاء كلّنا نكرهه ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ان ما قل و كفى خير مما كثر وألهى .... (1)
      فالنتيجة ان الحرص والطمع بالثروة والمقام من العوامل المهيئة للذنب .

      الكسل والضجر :
      جاء في الآية 7 من سورة الانشراح : ( فاذا فرغت فانصب ) .
      وهدف هذا الأمر الالهي هو القضاء على اوقات الفراغ الذي هو سبب لايجاد الارضية لانواع الذنوب .
      ____________
      (1) اصول الكافي ج 2 ص 141 .

      الصفحة 105
      لان الفراغ يدعو الى ارتكاب الجرائم والادمان عليها وشل نشاط الانسان ، لذلك نرى ان سجل الجرائم يرتفع الى سبع مرات بسبب البطالة والفراغ ولهذا نجد ان الروايات الاسلامية مليئة بحثّ الانسان على العمل ونبذ الكسل والضجر .
      1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
      « أجر العامل أجر المجاهد في سبيل الله » . (1)
      2 ـ وقال ايضاً ( عليه السلام ) :
      « إياك والكسل والضّجر فانهما يمنعانك من حظّك من الدّنيا والآخرة » (2) .
      3 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) ايضاً :
      « ومن كسل عمّا يصلح به امر معيشته فليس فيه خير لأمر دينه » (3) .
      4 ـ وقال الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) :
      « ان الله عزوجل يبغض العبد النّوام الفارغ » .
      5 ـ وقال الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ايضاً :
      « اياك والكسل والضجّر فانك إن كسلت لم تعمل وإن ضجرت لم تعط الحقّ » . (4)
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 5 ص 88 .
      (2) فروغ الكافي ج 5 ص 85 .
      (3) نفس المصدر السابق .
      (4) فروع الكافي ج 5 ص 84 .

      الصفحة 106
      6 ـ قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
      « ان الاشياء لمّا ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتجا بينهما الفقر » (1)
      ومن أهم الاسباب التي تحطم شخصية الانسان وتدعوه الى اقتراف الذنوب هو التسكع ومد اليد للمساعدة والسؤال .
      قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « مسألة الناس من الفواحش » . (2)
      فالنتيجة ان البطالة والضعف يوجبان الفقر ويكونان عاملاً مساعداً للذنب .
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 5 ص 86 .
      (2) جامع السعادات ج 2 ص 89 .

      الصفحة 107

      4 ـ الارضية الاجتماعية للذنب

      حول الارضية الاجتماعية للذنب نستطيع ان نحصرها في الامور التالية :
      1 ـ المحيط الفاسد والسالم .
      2 ـ القيادة الضالة .
      3 ـ جلساء السوء .
      4 ـ المحرومية والنبذ الاجتماعي .

      1 ـ المحيط الفاسد والسالم :
      مما لا شك فيه ان المحيط الفاسد والملوث أحد العوامل المؤثرة على ارتكاب الذنب فكما أن مكان النفايات سبب في ايجاد ونمو الجراثيم ، كذلك المحيط الفاسد . وللمحيط عدة اقسام من جهة الكمية والكيفية مثل محيط المدرسة ، محيط البيت ، والمحيط

      الصفحة 108
      الثقافي ، والمحيط الادراي ، ومحيط القرية ، ومحيط المدينة ، ومحبط الجامعة ، ومحيط الحوزة العلمية ، ومحيط المستشفى ، ومحيط المجلس و ....

      تأثير المحيط :
      جاء في آية 138 ـ 139 من سورة الاعراف عندما تجاوز موسى ( عليه السلام ) وأصحابه البحر ونجاهم الله سبحانه وتعالى من فرعون وجنوده الكفرة . وجدوا قوماً عاكفين على عبادة الاصنام فتأثرروا بهذا المنظر والمحيط :
      ( قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة ) . ( الاعراف آية 138) .
      نعم ؛ ان اصحاب موسى بالرغم من وجود موسى ( عليه السلام ) وهدايته المستمرة لهم نرى أن المحيط قد أثر عليهم تأثيراً بالغاً ، ولكن موسى ( عليه السلام ) اعترض عليهم قائلاً :
      ( انّكم قوم تجهلون ـ إنّ هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ) . ( الاعراف آية 138 ـ 139 )

      قصة قرآنية أخرى عن تأثير المحيط :
      كان قارون أحد الاثرياء الطغاة في زمن موسى ( عليه السلام ) . وقد خرج ذات يوم بزينته أمام الناس مستعرضاً ومفتخراً بأمواله وثروته الطائلة .

      الصفحة 109
      قال تعالى : ( فخرج على قومه في زينته ) . ( القصص آية 79 ) .
      وقد وقع اكثر الناس تحت تأثير هذا الجو وتمنوا بحسرات شديدة أن لو عندهم مثل قارون من الثروة كما نرى في قوله تعالى :
      ( قال الّذين يريدون الحياة الدّنيا يا ليت لنا مثل ما اوتي قارون إنّه لذو حظٍ عظيمٍ ) . ( القصص آية 79 ) .
      ولكن عدداً من أصحاب العلم والمعرفة اعترضوا على الطامعين كما جاء في آية (80) من سورة القصص :
      ( وقال الّذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقّاها إلاّ الصّابرون ) . (1)

      الفرار والهجرة من المحيط الفاسد :
      إنّ من المواضيع المهمة في الاسلام هو الهجرة والابتعاد عن المحيط الفاسد . فاذا انتشر الفساد في كل مكان وخاف الانسان المؤمن على دينه بل اضحى دنيه مهدداً بالخطر الشديد فيجب عليه الابتعاد والهجرة من ذلك المكان الفاسد الى مكان يأمن به على دينه . أما اذا اقاموا ولم يهاجروا ووقعوا تحت تاثير هذا المحيط الفاسد فمن المستحيل ان يلقوا تبعات أعمالهم السيئة على عاتق المحيط ، لذلك
      ____________
      (1) يتضح في كلا القصتين ان الجهل وعدم المعرفة هما السبب في ان يجعل للمحيط تاثير بالغ وعلى العكس من العلم والمعرفة فليس للمحيط تأثير عليه .

      الصفحة 110
      نرى القرآن الكريم قد حذرهم ووعدهم عذاب جهنم . وتوضيحاً لهذا : جاء في التاريخ ان عدداً من المسلمين قد دخلوا الاسلام في مكة المكرمة ظاهراً وحفظاً على سلامة أموالهم وبيوتهم . ولم يهاجروا مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمين الى المدينة وايضاً لاجل حفظ بيوتهم وأموالهم اشتركوا مع المشركين في معركة بدر الكبرى وقتل بعضهم على ايدي المؤمنين . وجاء في الآية 97 من سورة النساء :
      ( إنّ الذّين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ) .
      وورد إصطلاح الهجرة ( 26) مرة في القرآن الكريم وإنّ بعض الآيات أكّدت كثيراً على الهجرة والابتعاد عن مواطن الاثم والفساد .
      قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله سلم ) في بيان اهمية الهجرة :
      « من فرّ بدينه من أرضٍ الى أرض وإن كان شبراً من الارض استوجب الجنة وكان رفيق محمدٍ وإبراهيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) » . (1)
      فمن اجل الحفاظ على الدين لابدّ للمسلم ان يهاجر متأسياً بالنبي الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابراهيم اللذين كانا من المهاجرين العظماء .
      قال الامام الصادق ( عليه السلام ) لأحد أصحابه يدعى ( المفضّل ) :
      ____________
      (1) نور الثقلين ج 1 ص 541 .

      الصفحة 111
      « وفرّ منها الى قلّة الجبال ومن الحجر الى الحجر » . (1)
      يبن هذا الحديث الشريف ان الابتعاد عن المحيط الفاسد والملوث من الواجبات لحفظ سلامة دين الانسان ، أما اذا كان الانسان مؤثراً في المحيط الملوث فبقاؤه جائز بل واجب احياناً ، واذا لم يمكنه فالابتعاد أفضل .

      التأثير بالناس :
      ان احدى العوامل المهمة لتهيئة الارضية للمحيط الفاسد هي ( التأثر بالناس ) ، ويعبر عنه احياناً بالتأثر بالعوام او الجو . ان الدين الاسلامي يعلّم الانسان ان يكون فكره ، وذكره ، وعمله خالصاً لله سبحانه وتعالى ومحباً لكل شيء فيه مرضاة الله جل وعلا ومبغضاً لكل شيء يثير غضب الله سبحانه وسخطه . وان تكون أعماله وفقاً للموازين الشرعية .
      فلا للمحيط ولا للناس في المجتمع ولا للعوام تأثير عليه . ولكن اذا وقع تحت تأثير المحيط والناس والعوام أصبح بعيداً كل البعد عن المحيط الالهي ويتلوث بالاهواء النفسية .
      لذا يجب عليه ان يرفض أي رأي يخالف الامر الالهي حتى ولو كانت أغلبية الناس متفقة عليه . وما أعظم الحكمة التي وردت في قول الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) لأحد تلامذته البارزين وهو ( هشام ابن
      ____________
      (1) متتخب التواريخ ص 875 .

      الصفحة 112
      الحكم ) إذا قال :
      « يا هشام ! لو كان في يدك جوزة وقال الناس لؤلؤة ما كان ينفعك وانت تعلم أنها جوزة ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس إنّها جوزة ما ضرك وانت تعلم أنّها لؤلؤة ؟ » . (1)
      وجاء في وصية لقمان ( عليه السلام ) الى ابنه أنه قال :
      ( لا تعلّق قلبك برضى الناس فانّ ذلك لا يحصل فلا تلتفت اليهم واشتغل برضى الله جلّ جلاله » . (2)
      ولأجل أن يوضح هذا الأمر لابنه . خرج لقمان وابنه مع حمارهما من البيت فركب لقمان الحمار وترك ابنه يمشي خلفه فمرّا على جماعة من الناس فسمعهم يقولون : انظروا الى هذا الرجل العجوزكم هو قسي القلب وعديم الرحمة ، كيف ركب الحمار وترك ابنه ماشياً وراءه ، فنزل من الحمار وركب ابنه وسارا . حتى مرّا على جماعةٍ آخرين فسمعهم يقولون : انظروا الى هذا الابن والاب . الاب لم يربّ ابنه تربية جيدة والابن لم يحترم ويرحم أباه . فنزل الابن من على ظهر الحمار وسارا معاً خلف الحمار فسمعوا جماعة من الناس يقولون : عجيب أمر هذين الرجلين تركا الحمار يمشي ولم يركباه وسارا خلفه . فركب لقمان وابنه على ظهر الحمار فمرّا على جماعةٍ آخرين فسمعهم يقولون : انظروا الى هذين الرجلين ، عديمي الرحمة
      ____________
      (1) سفينة البحار ج 2 ص 528 .
      (2) سفينة البحار ج 2 ص 511 .

      الصفحة 113
      ركبا الحمار على ضعفه .
      عندها نظر لقمان الى ابنه وقال له : بنيّ العزيز هل نظرت الى ان إرضاء الناس لا يدرك ؟ فلا تلتفت اليهم واشتغل برضى الله جل جلاله .
      قال الرسول الاكرم :
      « من أرضى سلطاناً بسخط الله عزّ وجل كان حامده من الناس ذامّاً » . (1)
      وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله عزوجل كان حامده من الناس ذامّاً ؛ ومن آثر طاعة الله عز وجل بما يغضب الناس كفاه الله عز وجل عداوة كل عدو وحسد كل حاسد وبغي كل باغ ، وكان الله له ناصراً وظهيراً » . (2)

      عوامل فساد المحيط :

      نهى الاسلام وبشدة عن امورٍ كثيرة مثل : التجاهر بالفسق ، اشاعة المنكرات ، ومساعدة الظالم والرضا بالذنب ، والغيبة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واختيار القادة المفسدين وتعطيلٍ حدود الله سبحانه وتعالى و ... فهذه عوامل تؤدي الى تلوث
      ____________
      (1) فروع الكافي ج 5 ص 63 .
      (2) فروع الكافي ج 5 ص 62 .

      الصفحة 114
      المحيط .
      وكذلك نهى الاسلام عن امورٍ لها صلة و ثيقة بنشر الفساد في المجتمع مثل : ترك الحجاب ، برامج الضلالة مثل الافلام الجنسية والادمان على المواد المخدرة ولم ينه عنها فحسب ، بل وقف امامها بشدة وجعل احدى وظائف الحكومة الاسلامية الوقوف امامها ، كما جعل مراقبة الاوضاع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً شرعياً في ذمة الناس . واذا دققنا النظر في تلك الوظيفتين الخطيرتين نجد ان اجراء هاتين الوظيفتين له دور حيوي في طهارة المحيط ، وبعبارة اوضح : ان الانسان موجود أجتماعي يعيش في وسط المجتمع الكبير . فطهارة المجتمع والمحيط عامل مساعد على طهارة البيت ، لأن بيته هو المجتمع الذي يعيش فيه وعدم طهارة المجتمع يؤدي الى عدم طهارة الفرد .
      وعلى هذا الاساس وقف الاسلام بشدة أمام التلوث الاجتماعي وجعل مرتبته اعلى من التلوث الفردي ، لان التلوث الاجتماعي موجب للاستهانة بالذنب ونشر بذور الذنوب في كل مكان . فمثلاً : اذا شب حريق في نقطة من نقاط المجتمع فيجب اطفاؤه او محاصرته والا التهم الحريق كل مكان وأحرق تمام المجتمع .
      قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « ان قوماً ركبوا سفينة في البحر واقتسموا فصار كل واحد منهم موضعه فنقر رجل موضعه بفأس

      الصفحة 115
      فقالوا : ما تصنع ؟ قال : هو مكاني أصنع به ما شئت ، فإن اخذوا على يديه نجا ونجوا وإن لم يأخذوا على يديه هلك وهلكوا » . (1) والآن : نستعرض وبصورة مختصرة الذنوب التي تسبب فساد المجتمع ولنتعرف على درجات قبح اقتراف الذنوب .

      أ : اشاعة الذنب :
      جاء في آية 19 من سورة النور قوله تعالى :
      ( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدّنيا والآخرة ) .
      الملاحظة في هذه الآية الشريفة أنّ من أحبّ شيوع الفاحشة بدون ارتكابها يوجب العذاب الاليم . وهذا التعبير يبين لنا شدة التأكيد على ترك اشاعة الذنب .
      وعلى كل حال فاذا أردنا مجتمعاً سالماً يجب علينا ستر العيوب وعدم إشاعتها ، لكي لا يستهان بها .
      ولاجل توضيح هذا الأمر نذكر عدة روايات :
      1 ـ قال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « من أذاع فاحشة كان كمبتدئها » .
      2 ـ وقال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      ____________
      (1) مجموعة ورّام ج 2 ص 294 .
      (2) اصول الكافي ج 2 ص 356 ( باب التّعبير ) .

      الصفحة 116
      « المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة ، والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له » . (1)
      3 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
      « يجب للمؤمن على المؤمن أن يستر عليه سبعين كبيرةً » (2) .
      4 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
      « إني لأرجو النجاة لهذه الامة لمن عرف حقنا منهم إلاّ لأحد ثلاثة : صاحب سلطان جائر ، وصاحب هوى والفاسق المعلن » . (3)
      5 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً :
      « اذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة » . (4)
      6 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
      « اللهمّ اني أعوذ بك من خليلٍ ماكرٍ ... ان رأى حسنةً دفنها . وإن رأى سيئةً أذاعها » . (5)
      7 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
      « ذوو العيوب يحبون إشاعة معائب الناس لهم العذر » . (6)
      وفي الفقه هناك احكام شرعية متشعبة تتعلق بالمذنب ، منها الذي يخفي الذنب والمذنب المعلن المتجاهر بالذنب ، واليك نموذج
      ____________
      (1) اصول الكافي ج 2 ص 160 ( باب ستر الذنوب ) .
      (2) سفينة البحار ج 1 ص 598 .
      (3) البحار ج 73 ص 355 .
      (4) سفينة البحار ج 2 ص 361 .
      (5) نهج الفصاحة ص 101 .
      (6) فهرس الغرر ص 288 .

      يتبع

      تعليق


      • #4
        الصفحة 117
        ورد في تحرير الوسيلة للامام الخميني ( قدس سره ) في مصرف سهم السادات قوله :
        « الاحوط عدم الدفع الى المتهتك المتجاهر بالكبائر بل يقوى عدم الجواز ان كان في الدفع اعانة على الاثم والعدوان وإغراء بالقبيح » . (1)
        وفي مورد أهل الكتاب من ( المسيحيين واليهود .... ) من شرائط الذمة عدم جواز التجاهر بالذنوب امام المسلمين مثل ( شرب الخمر علناً ، والزنا واكل لحم الخنزير ، والزواج من المحرماتٍ من النساء » . (2)
        إنّ كل ذلك يعتبر خروجاً عن شرائط الذمة .
        وسأل شخص الامام الكاظم ( عليه السلام ) : أنه لو قبض على يهودي او مسيحي او مجوسيّ مرتكباً الزنا او شارياً للخمر فما حكمه ؟
        قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) : « تقام عليه حدود المسلمين اذا فعلوا ذلك في مصرٍ من أمصار المسلمين او في غير امصار المسلمين اذا رفعوا الى حكام المسلمين » . (3)
        تبين لنا هذه الروايات وهذه الاحكام ان التجاهر بالذنوب يوجب إقامة الحد على فاعلها حتى لو كان من اهل الكتاب . وإقامة
        ____________
        (1) تحرير الوسيلة ج 1 ص 365 .
        (2) تحرير الوسيلة ج 2 ص 501 .
        (3) وسائل الشيعة ج 18 ص 338 .

        الصفحة 118
        الحد موقوفة على التجاهر بالذنوب . وفي الختام نأتي بهذه الرواية عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « شر الناس من لا يعفو عن الهفوة ولا يستر العورة » . (1)
        لابد من الالتفات الى ان ايجاد مراكز الفحشاء والفسق واغراء الناس على ارتكاب الذنب وعدم ارتداء الحجاب ، هي موارد لاشاعة الذنب علناً .

        ب ـ عدم الحياء وتمزيق الستار :
        ان تمزيق الستار وعدم الحياء أحد العوامل المهيئة لفساد المحيط . وعلى هذا الاساس يجب حفظ الحياء الاسلامي ، الحياء من الله جل وعلا ، والحياء من الناس ، والحياء من النفس ... كل هذا له تأثير مباشر على سلامة المحيط .
        قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « استحيوا من الله حقّ الحياء » . (2)
        وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « من لم يستحي من الناس ، لم يستحي من الله سبحانه » . (3)
        وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ايضاً :
        ____________
        (1) غرر الحكم ج 1 ص 446 « قلنا في تحقيق سابق : ان الذنوب الصغيرة تتحول أو تحتسب ذنوباً كبيرة اذا تجاهر بها صاحبها » .
        (2) مصباح الشريعة ص 86 .
        (3) ميزان الحكمة ج 2 ص 566 نقل من غرر الحكم .

        الصفحة 119
        « أحسن الحياء استحياؤك من نفسك » . (1)

        القرآن ومسألة الحياء .
        جاءت في القرآن الكريم تعابير مختلفة حول مسالة الحياء مثل :
        1 ـ الحياء في اللسان . ذكر الآية ( الانعام ـ آية 108 )
        ( ولا تسبّوا الذّين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم ) .
        2 ـ الحياء في طريقة التكلم . ذكر الآية ( الاحزاب ـ آية 32 )
        ( يا نساء النبي لستنّ كأحدٍ من النساء ان اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً ) .
        3 ـ الحياء في السير والحركة . ذكر الآية ( القصص ـ آية 25 )
        ( فجاء ته إحداهما تمشي على استحياء ) .
        4 ـ الحياء في الاشتراك في مجالس الضيوف . ذكر الآية ( الاحزاب . آية 53 ) .
        ( يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الاّ أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث ) .
        5 ـ الحياء في غض البصر . ذكر الآية ( النور ـ آية 30 و 31 )
        ____________
        (1) نفس المصدر السابق .

        الصفحة 120
        ( قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ .... ) .
        6 ـ الحياء الاقتصادي . ذكر الآية ( البقرة ـ آية 273 )
        ( للفقراء الّذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التّعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ألحافاً ) .
        7 ـ الحياء في الدخول الى البيوت . ذكر الآية ( النور ـ 58 و 59 )
        ( يا ايّها الذّين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والّذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّاتٍ من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عوراتٍ لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهنّ طوّافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * واذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الّذين من قبلهم ..... ) .
        وخلاصة الكلام : ان التوجه الى الحياء تلك الصفة الطاهرة بجميع ابعادها كما اكد عليه الدين الاسلامي يكون باعثاً على تطهير المحيط . وعلى العكس من ذلك فأن كسر طوق الحياء يهيىء الأرضية لاتساع فجوة الفساد في المحيط .

        الصفحة 121
        ج ـ اللامبالاة والنظرة العابرة :
        من العوامل التي تشيع الفساد في المجتمع هو ارتكاب الذنوب . والذي يشجع على ارتكاب الذنوب في المجتمع هو عدم المبالاة والنظرات العابرة للناس .
        لذلك وضع الاسلام اوامر دقيقة واهتم اهتماماً واسعاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاهتمام بالتولي والتبري والجهاد والدفاع المشروع والمقدس و ...
        وأمر الاسلام أتباعه بالاهتمام بما يجري حولهم وما يحدث في المجتمع بعينٍ يقظةٍ وقلبٍ واعٍ وان يقفوا بكل همةٍ وقوةٍ أمام انتشار الفساد . وإن يساندوا اولياء الله عملا وعقيدةً ( التولّي ) ويبتعدون ويخذلون اعداء الله سبحانه ( التبرّي ) .
        التولّي : يعني المحبة والعشق لأولياء الله تعالى واتباع نهجهم وسيرتهم في تطهير المحيط على المدى البعيد ، وان لهذا العمل أثراً بالغاً ونتيجة مرضية .
        التبرّي : ويعني البراءة من اعداء الله جل وعلا اولئك الفاسقون والظالمون .
        هذه القوانين والاوامر الاسلامية العالية . التي تؤكد لكل فردٍ مسلم ان الاسلام يرفض بشدة النظرات العابرة للناس واللامبالاة في المجتمع ، ويحث الناس على الوقوف امام الذنوب بكل عزم وقوة ، والعمل على تطهير المحيط على قدر الاستطاعة والامكان .

        الصفحة 122
        د ـ الرضاء بالذنب :
        ان الرضا بالذنب والسكوت عليه يعتبر أحد العوامل التي تهيىء الارضية الاجتماعية للذنب وله دورّ مهمّ في اقتراف الذنوب ، لذلك عبرّ الله سبحانه وتعالى عن اليهود في زمان الرسول الاكرم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بانهم قتلة الانبياء لانهم رضوا بأعمال اجدادهم لا سيما قتلهم للأنبياء ( عليهم السلام ) فجاء التعبير في آية (183) من سورة آل عمران تأكيداً لذلك كما جاء كذلك في الرواية التالية :
        قال ابو عبدالله ( عليه السلام ) في معنى قوله تعالى :
        « قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين » وقد علم ان هؤلاء لم يقتلوا ، ولكن كان هواهم مع الذين قتلوا فسمّاهم الله قاتلين لمتابعة هواهم ورضاهم بذلك الفعل .
        وجاء في قتل ناقة صالح ( عليه السلام ) قوله تعالى في سورة هود آية 65 :
        ( فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيامٍ ذلك وعد غير مكذوبٍ ) .
        قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في بيان ذلك الموضوع :
        « وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم الله بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا » . (1)
        ____________
        (1) نهج البلاغة خطبة 201 .

        الصفحة 123
        الروايات في الرضا على الذنب :
        جاءت روايات كثيرة في هذا الصدد ونذكر هنا ثلاثة نماذج منها :
        1 ـ قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
        « الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم وعلى كلّ داخلٍ في باطلٍ اثمان ، إثم العمل به ، واثم الرضى به » .
        2 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « من شهد امراً فكرهه كان كمن غاب عنه ، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده » . (1)
        3 ـ وجاء في زيارة الاربعين للامام الحسين ( عليه السلام ) :
        « ولعن الله امة سمعت بذلك فرضيت به » .

        هـ ـ مساعدة الظالم والمذنب :
        انّ أحد العوامل التي تهيىء الارضية الاجتماعية للذنب هو إعانة الظالم او اي نوع من انواع المساعدة للظالم لماذا ؟ لان مساعدة الظالم تجعله يتمادى في الذنوب ويكون اكثر وقاحة في اقتراف مزيد من السيئات وأعمال الباطل .
        فالتبرّج مثلاً وعدم ارتداء الحجاب يعتبر أحد الذنوب
        ____________
        (1) نهج الفصاحة الحديث 223 ـ وسائل الشيعة 11 ص 410 .

        الصفحة 124
        الاجتماعية ، فاذا تساهل الناس ولم يبدوا استنكاراً لهذا العمل المحرم شرعاً أصبح عندهم التبرج اعتيادياً ، ويشكل سبباً باعثاً لاقتراف ذنوبٍ اخرى ، وقد نهى القرآن الكريم وبشدة على تشجيع الذنب وبالاخص اعانة الظالم .
        1 ـ نقرأ في سورة المائدة آية 2 قوله تعالى :
        ( وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) .
        وبالحقيقة اذا كان التعاون في الاعمال الصالحة سائداً في المجتمع فانه يشجع على مقت الظالمين وعدم مساعدتهم وحينئذٍ يصبح مجتمعاً مانعاً من ارتكاب كثيرٍ من الذنوب .
        2 ـ نقرأ في سورة هود آية 113 قوله تعالى :
        ( ولا تركنوا الى الّذين ظلموا فتمسّكم النّار ) .
        ويعني ذلك ان اي نوع من انواع المساعدة او اظهار الرضا بعمل الظالم يحتسب جرماً ويجب الحذر منه .
        3 ـ في سورة الانعام آية 68 نقرا :
        ( فلا تقعد بعد الذّكرى مع القوم الظّالمين ) .
        4 ـ وفي آية 24 من سورة الانسان نقرأ ايضاً .
        ( ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ) .
        وبشكلٍ عام نرى أنّ جميع الآيات القرآنية التي جاءت باصطلاح ( لا تطع ) و ( لا تطيعوا ) و ( لا تتّبع ) فهي كلها بمثابة

        الصفحة 125
        نهيٍ قاطع عن اعانة الظالم والمذنبين .
        وكذلك جاءت الروايات الاسلامية بعناوين وتعابير مختلفة ناهية عن اعانة الظالم ومساعدة المذنب ونذكر منها :
        1 ـ « من تبسم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه ومن أتى ذا بدعة فوقره فقد سعى في هدم الاسلام » .
        2 ـ « من ولّى جائراً على جور كان قرين هامان في جهنم » . (1)
        3 ـ « من سوّد إسمه في ديوان الظلمة حشره الله يوم القيامة خنزيراً » . (2)
        4 ـ « .... والنظر اليهم على العمد من الكبائر التي يستحق عليها النار » . (3)
        5 ـ « ملعون ملعون عالم يؤم سلطاناً جائراً معيناً له على جوره » . (4)
        6 ـ « يا علي كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة .... وبائع السلاح من اهل الحرب » . (5)
        7 ـ « اذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الظلمة ، وأعوان الظلمة ، وأشباه الظلمة ، حتى من بري لهم قلماً ، ولاق لهم دواة .
        ____________
        (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 134 و 133 .
        (2) نفس المصدر السابق ص 130 ـ البحار ج 75 ص 374 .
        (3) بحار الانوار : ج 75 ، ص 374 .
        (4) بحار الانوار : ج 75 ، ص 381 .
        (5) وسائل الشيعة ج 12 ص 71 .

        الصفحة 126
        قال ( عليه السلام ) : يجتمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في جهنم » . (1)
        8 ـ « الا ومن علّق سوطاً بين يدي سلطان جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً يسلطه الله عليه في نار جهنم وبئس المصير » . (2)
        9 ـ « لعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الخمر عشرة : غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة اليه وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها » . (3)
        10 ـ « دخل رجلان على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) بخراسان فسألاه عن التقصير فقال لاحدهما : وجب عليك التقصير لانك قصدتني ، وقال للأخر : وجب عليك التمام لانك قصدت السلطان » . (4)
        11 ـ عن طلحة عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) : ان أباه كان يقول : من دخل على إمام جائر فقرأ عليه القرآن يريد بذلك عرضاً من عرض الدنيا لعن القاريء بكل حرف عشر لعنات ، ولعن المستمع بكل حرف لعنة » . (5)
        ____________
        (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 131 .
        (2) وسائل ج 12 ص 130 .
        (3) نفس المصدر السابق ص 165 .
        (4) وسائل الشيعة ج 5 ص 510 .
        (5) بحار الانوار : ج 75 ، ص 380 .

        الصفحة 127
        ولاجل تكميل البحث بهذا الصدد ننقل حديثاً عن الامام الصادق ( عليه السلام ) للشخص النادم الذي كان في البلاط العباسي :
        « عن علي بن حمزة قال : كان لي صديق من كتّاب بني امية فقال لي : استأذن لي على ابي عبدالله ( عليه السلام ) فاستأذنت له « عليه » فأذن له ، فلما أن دخل سلّم وجلس ، ثم قال : جعلت فداك اني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً ، وأغمضت في مطالبه ، فقال ابو عبد الله ( عليه السلام ) : لولا أن بني امية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا ، ولو تركهم الناس وما في أيدهم ما وجدوا شيئاً الاّ ما وقع في أيدهم قال : فقال الفتى : جعلت فداك فهل لي مخرج منه ؟ قال : ان قلت لك تفعل ؟ قال : أفعل ، قال له : فاخرج من جميع ما كسبت « اكتسبت » في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ، ومن لم تعرف تصدّقت له ،وأنا أضمن لك على الله عزّ وجل الجنّة ، فاطرق الفتى طويلاً ثم قال له : لقد فعلت جعلت فداك ، قال ابن أبي حمزة : فرجع الفتى معنا الى الكوفة فما ترك شيئاً على وجه الارض الاّ خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه قال : فقسمت له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا إليه بنفقة ، قال : فما أتى عليه الاّ اشهر قلائل حتى مرض ، فكنا نعوده ، قال : فدخلت عليه يوماً وهو في السوق قال : ففتح عينيه ثم قال لي : يا علي وفى لي والله صاحبك ، قال : ثم مات فتولينا أمره فخرجت حتى دخلت على أبي عبدالله ( عليه السلام ) فلما نظر اليّ قال لي : يا علي وفينا والله

        الصفحة 128
        لصاحبك ، قال : فقلت : صدقت جعلت فداك والله هكذا ، والله قال لي عند موته » . (1)

        و ـ تشجيع المذنب :
        ان تشجيع المذنب عامل آخر من العوامل التي تهيىء الارضية الاجتماعية للذنب وفساد المحيط . لماذا ؟ لان التشجيع وتحت كل عنوان إنما يغري البسطاء الآخرين لاقتراف الذنوب . ولاجل التوضيح اكثر نأتي بهذه الروايات .
        1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في رسائله لمالك الاشتر :
        « ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء » . (2)
        2 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ايضاً :
        « الثناء باكثر من الاستحقاق ملق ، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد » . (3)
        3 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه و آله وسلم ) :
        « اذا مدح الفاجر اهتزّ العرش وغضب الرّبّ » . (4)
        فمدح المذنب يعني رفعه في المجتمع وكلما ارتفعت درجته
        ____________
        (1) سفينة البحار ج 2 ص 107 ـ 108 ، وسائل الشيعة ج 12 ص 144 .
        (2) نهج البلاغة رسالة 53 .
        (3) نهج البلاغة حكمة 347 .
        (4) سفينة البحار ج 2 ص 528 .

        الصفحة 129
        يصبح طاغياً كثيراً ، وعلى هذا الاساس يضعف التوحيد ويرتجف ويتزلزل النظام في كل العالم لان مدح وحمد الظالم المذنب هو خلاف للنظام الكوني في الوجود وللارادة الالهية التي جعلها الله سبحانه وتعالى تسير على نهج سوي ومستقيم بعظمتهٍ .
        4 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « احثوا في وجوه المداحيهن التراب » . (1)
        5 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرةٍ » . (2)
        6 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « ان الله بعث ملكين الى اهل مدينة ليقلباها على أهلها فلمّا انتهيا الى المدينة فوجدا فيها رجلاً يدعو ويتضرع الى أن قال : فعاد احدهما الى الله ، فقال : يا رب إني انتهيت الى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرع اليك فقال : امض لما امرتك به ، فان ذا رجل لم يتمعر وجهه غيظاً لي قطً » . (3)

        2 ـ قادة الضلالة :
        إنّ قادة الضلالة الذين بيدهم زمام الأمور يعتبرون أحد العوامل
        ____________
        (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 132 .
        (2) وسائل ج 11 ص 413 .
        (3) وسائل الشيعة ج 11 ص 413 ـ 414 ـ « بالطبع ان هذا النوع من المعاملة مع المذنب ليس دائماً وانما في موارد ذكرت في الفقه الاسلامي » .

        الصفحة 130
        في ايجاد الارضية الاجتماعية لاقتراف الذنوب ، وكذلك الحكام الفجرة يساهمون في ارتكاب الناس للذنوب .
        وفي آية 16 من سورة الاسراء نقرأ :
        ( واذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا متّرفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميراً ) .
        ان هذه الآية الكريمة تبين لنا أن منشأ الفساد يكون في الغالب بسبب أصحاب رؤوس الاموال البعيدون عن الله سبحانه وتعالى والذين يمتلكون زمام أمور المجتمع ويستعمرون الناس فيتبعوهم وبذلك يجرون المجتمع الى الهاوية والفساد ، ويكونون عندها سبباً لنزول العذاب الالهي ، وعلى كل حال نرى ان هؤلاء لهم تأثير بالغ في المجتمع لذلك قالوا : ( الناس على دين ملوكهم ) .
        قال الامام علي ( عليه السلام ) :
        « الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم » . (1)
        ونقرأ في سورة ( النحل آية 100 ) قوله تعالى :
        ( إنّما سلطانه على الّذين يتولّونه والّذين هم به مشركون ) .
        أن هذه الآية الكريمة تبين لنا كيف ان الموالين لقادة الشيطان يصابون بالتلوث والشرك والذنب وهذه الموالاة هي عين الفساد .
        وفي آية 28 من سورة الكهف نقرأ :
        ____________
        (1) بحار الانوار : ط قديم ج 17 ، ص 129 .

        الصفحة 131
        ( ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطاً ) .

        نبذة من كلام المعصومين :
        قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « انما أخاف على أمتي ثلاثاً : شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإماماً ضالاً » . (1)
        ومن كلام امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « فليست تصلح الرّعية إلاّ بصلاح الولاة » . (2)
        قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « ثلاثة لا يمكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم من ادعى إمامة من الله ليست له ، ومن جحد إماماً من الله ، ومن زعم أنّ لهما في الاسلام نصيباً » . (3)
        ويجب الانتباه الى هذه النقطة وهي اذا كان قائدة الشعب فاسداً فانه يهيىء الارضية الاجتماعية للذنب وكذلك المسؤولون الصغار مثل المحافظ والقائم مقام ورئيس الناحية وعالم المنطقة وكلّ على قدر نفوذه في المجتمع ، فهؤلاء لهم تأثير بالغ في افساد وانحراف المجتمع اذا كانوا فاسدين وعلى تطهيرة واصلاحه اذا كانوا صالحين .
        ____________
        (1) سفينة البحار ج 2 ص 74 ( ظلل ) .
        (2) نهج البلاغة الخطبة 216 .
        (3) أصول الكافي ج 1 ص 373 .

        الصفحة 132
        وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « فئتان من امتي اذا فسدتا فسدت امتي واذا صلحتا صلحت امتي : الفقهاء والامراء » . (1)
        والنقطة المهمة هنا هي تطبيق القانون الالهي . حيث ان تطبيقه يساعد على طهارة المجتمع والمحيط وأما عدم تطبيق القانون وخاصة القانون الجزائي فله تأثير سريع في انحلال المجتمع وفساده واندثاره .
        قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « ساعة من امام عدل افضل من عبادة سبعين سنةً ، وحدُ يقام الله في الارض أفضل من مطر أربعين صباحاً » . (2)
        وخطر في ذهني هذا الأمر ان الفرق بين مجتمعنا اليوم والمجتمع السابق الذي عاش في ظل النظام العميل ( نظام پهلوي ) قبل الثورة الاسلامية هو أنّ المحيط اليوم أصبح سالماً ، اما المحيط السابق تحت نير الطاغية فهو مليء بالفساد والفحشاء . اذن فالقادة الفجرة هم عوامل فساد المجتمع .
        قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « إن شر الناس عند الله امام جائر ضلّ وضلّ به فأمات سنة
        ____________
        (1) بحار الانوار : طبع بيروت ج 74 ، ص 154 .
        (2) فروع الكافي ج 7 ص 175 « باب التحديد الحديث 8 » .

        الصفحة 133
        مأخوذةً وأحيى بدعة متروكة » (1) .

        رسالة الامام السجاد ( عليه السلام ) الى عالم البلاط :
        يعتبر « محمد بن مسلم الزهري » أحد العلماء البارزين والتابعين المشهورين الذي يعد من العشرة الموفقين لمصاحبة الامام السجاد ( عليه السلام ) . توفي هذا العالم في سنة ( 185 هـ . ق ) في بغداد ودفن في مقبرة ( باب التين ) (2) . كان يتبع طريق المسامحة والمماشاة مع طواغيت زمانه ويستجيب لرغباتهم ويكثر الذهاب والمجيء اليهم .
        فكتب اليه الامام السجاد ( عليه السلام ) موبخاً اياه ، ونحن نذكر هنا بعض مفاهيم تلك الرسالة حتى نبيّن قبح العالم المنحرف في نظر الاسلام وجاء في مضمونها :
        1 ـ ان الطاغوت قد استخدمك لا من جهة لياقتك العلمية والمعنوية بل هو يطمع في دنياك .
        2 ـ القضاء على العلماء الحقيقيين .
        3 ـ غلبة الحماقة والجهل عليه وعليك .
        4 ـ حب الدنيا والمنصب جعلك مرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً .
        لماذا لا تتيقظ من نوم الغفلة ؟ لماذا لا ترجع عن اخطائك حتى
        ____________
        (1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : ج 9 ، ص 261 .
        (2) الكنى والالقاب : ج 2 ، ص 301 .

        الصفحة 134
        تعلن بصراحة : اقسم بالله أني لم انهض ولو مرة واحدة لاحياء دين الله وإماتة الباطل حقيقة ، هل هذا هو حق شكر حمل العلم الثقيل التي جعلها الله على عاتقك ؟ انا أخشى ان تكون انت من تلك الطائفة التي قال الله عنها :
        ( اضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّاً ) .
        وفي مقطع آخر من الرسالة : « .... فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت باعانتك على ظلم الظلمة ، إنك اخذت ما ليس لك ممن أعطاك ، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقاً ، ولم ترد باطلاً حين أدناك ، وأحببت من حادّ الله ، أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك الى بلاياهم ، وسلّماً الى ضلالتهم ، داعياً الى غيّهم ، سالكاً سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم .... » . (1)

        3 ـ جليس السوء :
        إنّ أحد الاسباب التي تهيىء الارضية الاجتماعية للذنب هو الجليس والصديق السيء . على العكس من الجليس والصديق الصالح الذي له الدور الفعال في هداية الفرد والمجتمع الى السعادة
        ____________
        (1) نص الرسالة في كتاب تحف العقول ( ترجمة احمد جنّتي ) صفحة 313 الى 317 .

        الصفحة 135
        والتكامل . وقد ثبت بالتجربة والعلم ان الصحبة لها تأثير بالغ على الشخص ، فان كان الجليس والصديق صالحاً فذلك عامل لصّنع شخصية الانسان ، وأما الجليس والصديق الطالح فهو عامل مهم في تحطيم شخصية الانسان . لذلك نرى ان أبن نوح ( عليه السلام ) قد تأثر باصحابه وجلسائه فهوى وهلك . بينما نرى ان كلب أصحاب الكهف قد تأثر في أيام قلائل بالشباب المؤمنين الطيبين القلب فصار معهم (1) . ولذا وقال الشاعر : الفارسي ما معناه :
        يجب ان يكون الجليس افضل منك
        حـتى يكـتمل عــقلك وديـنك

        ونذكر هنا عدة نماذج من الآيات والروايات حول اتخاذ الصديق السيء :

        القرآن وصديق السوء :
        1 ـ « في عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يوجد صديقان من المشركين في مكة المكرمة احدهما يدعى « عقبة » والآخر « أبي » وكانا متخالّين (2) وذلك ان عقبة كان لا يقدم من سفر الاّ صنع طعاماً فدعا اليه أشراف قومه وكان يكثر مجالسة الرسول فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاماً ودعا الناس فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى طعامه فلمّا
        ____________
        (1) مجمع البيان ج 7 ص 166 .
        (2) متخالين : من تخلل القوم دخل بينهم وتعني قوة الصداقة ، المنجد في اللغة ص 190 .

        الصفحة 136
        قربوا الطعام قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا اله الاّ الله وأني رسول الله ، فقال عقبة : أشهد ان لا اله الاّ الله وانّ محمداً رسول الله ، وبلغ ذلك أبي بن خلف فقال : صبأت يا عقبة ، قال : لا والله ما صبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى ان يطعم من طعامي الاّ ان أشهد له فاستحييت ان يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم ، فقال أبي : ما كنت براضٍ عنك أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه ففعل ذلك عقبة وارتد واخذ رحم دابة فالقاها بين كتفيه فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا القاك خارجاً من مكة الاّ علوت رأسك بالسيف فضرب عنقه يوم بدر صبراً واما أبيّ بن خلف فقتله النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم احد بيده في المبارزة ... » . (1)
        وفي الآيات 27 ـ 29 من سورة الفرقان اشارة الى سوء الجزاء للمنحرف نتيجة اتخاذه الصديق الطالح :
        ( ويوم يعض الظّالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرّسول سبيلاً * يا ويلتا ليتني لم اتّخذ فلاناً خليلاً * لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشّيطان للانسان خذولاً ) .
        ان هذه الآيات تبين لنا بوضوح عاقبة « عقبة » وامثاله في اختيار صديق السوء الذي كان سبباً في انحرافه ودماره فكلمة « يعض » تنتج من شدة التأثر والاسف والندم .
        ____________
        (1) مجمع البيان ج 7 ص 166 .

        الصفحة 137
        فالآية الثالثة تبين لنا ان اتخاذ الصديق السيء كيف اثّر تأثيراً بالغاً فصار تابعاً للشيطان . وفي الحقيقة ان هذه الآية انذار شديد لمراقبة الشيطان الذي طرد من الرحمة الالهية ويريد بكل الوسائل ان يسحب الانسان الى الانحراف والفساد والتيه .
        2 ـ نقرأ في الآية 68 من سورة الانعام .
        ( واذا رأيت الّذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديثٍ غيره ) .
        وفي الآية ( 140 من سورة النساء ) جاء نفس المطلب السابق :
        ( فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديثٍ غيره إنّكم اذاً مثلهم ) .
        3 ـ وكذلك ورد في الآيات ( 42 ـ 45 من سورة المدثّر ) أن اصحاب الجنة قالوا لأصحاب النار : ما سلككم في نار جهنم ؟ فمن جملة ما أجابوا :
        ( وكنا نخوض مع الخائصين ) .
        4 ـ وفي الآية ( 25 من سورة فصلت ) ذكر رفاق السوء باعتبارهم احد انواع الجزاء الذي يجازى به اعداء الله تعالى :
        ( وقيّضنا لهم قرناء فزيّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) .
        أن هذه الآية الكريمة تبين لنا الآثار السيئة التي يخلفها رفاق السوء على الانسان ـ وتبين ايضاً ان الصديق الطالح مصيبة مؤلمة للانسان .

        الصفحة 138
        الروايات وجليس السوء :
        قلما نجد موضوعاً اهتمت به الروايات كاهتمامها بالتوبيخ لانتخاب رفيق السوء ، وما اكثر الروايات حول هذا الموضوع ، ونحن هنا نستعرض نماذج منها :
        1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلساً يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره » . (1)
        2 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « المرء على دين خليلة وقرينه » . (2)
        3 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « لا ينبغي للمسلم أن يواخي الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب » . (3)
        4 ـ وقال الامام الجواد ( عليه السلام ) :
        « اياك ومصاحبة الشرير فانه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح اثره » . (4)
        ____________
        (1) اصول الكافي ج 2 ص 374 « باب مجالسة اهل المعاصي الحديث الاول » .
        (2) نفس المصدر السابق ص 375 .
        (3) نفس المصدر السابق .
        (4) بحار الانوار ج 74 ص 195 .

        الصفحة 139
        5 ـ وقال ( سليمان بن جعفر ) الجعفري : ان الامام الكاظم ( عليه السلام ) قال لي :
        « ما لي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب ؟ . قلت يا سيدي : انه خالي .
        فقال الامام ( عليه السلام ) : « انه يقول في الله قولاً عظيماً ، يصف الله ولا يوصف ، فامّا جلست معه وتركتنا وإمّا جلست معنا وتركته » . (1)
        6 ـ وقال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « مجالسة الاشرار توجب سوء الظن بالاخيار » . (2)
        7 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
        « من قعد في مجلسٍ يسب فيه إمام من الائمة يقدر على الانتصاب فلم يفعل البسه الله الذلّ في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما مّنَ به عليه من معرفتنا » . (3)
        8 ـ وقال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يقوم مكان ريبةٍ » .
        9 ـ وقال ابن نعمان الجعفي :
        « كان لأبي عبد الله ( عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه الى ان قال : فقال يوماً لغلامه : يا ابن الفاعلة اين كنت ؟ قال : فرفع ابو عبد
        ____________
        (1) اصول الكافي ج 2 ص 375 ـ وسائل ج 11 ص 503 .
        (2) وسائل الشيعة ج 11 ص 506 .
        (3) اصول الكافي ج 2 ص 379 .
        (4) اصول الكافي ج 2 ص 378 .

        الصفحة 140
        الله ( عليه السلام ) يده فصك بها جبهة نفسه ثم قال : سبحان الله تفذف امّه قد كنت ارى أنّ لك ورعاً ، فاذا ليس لك ورع فقال : جعلت فداك ان امّه سندية مشركة ، فقال : أما علمت ان لكل امّة نكاحاً تنح عني فما رأيته يمشي معه حتى فرّق بينهما الموت » . (1)

        4 ـ الحرمان والنبذ الاجتماعي :
        ان أحد العوامل التي تهيىء الارضية الاجتماعية للذنب هو « الحرمان والنبذ الاجتماعي » فهناك افراد لا يعملون لله سبحانه وتعالى وعملهم يخلو من الاخلاص . وميزان اعمالهم المدح والذم لهم من قبل المجتمع ، فاذا طردوا ونبذوا من المجتمع نشأت عندهم عقدة الحقارة والحقد والعداوة فيكون عاملاً على اقتراف انواع الذنوب . ولذا يجب عليهم أن يتحققوا من الأسباب التي دعت المجتمع أن ينبذهم ويحرصوا على اصلاحها حتى يرجع الماء الفائض الى مجراه الطبيعي ، واساس الاصلاح الاخلاص في الأعمال . ونرى في التاريخ الاسلامي افراداً كثيرين قد طردوا ونبذوا من المجتمع ونراهم قد تعقدوا وارتكبوا ذنوباً كبيرة وخطيرة .
        ومن المحتمل ان يكون دليل احترام اليتيم هو التعويض له عن الحرمان وفقدان الاب او والأم حتى لا يتعقد وتنشأ عنده عقدة الحقد على المجتمع بسبب عدم احترام المجتمع له ، وكذلك من المحتمل
        ____________
        (1) وسائل الشيعة ج 11 ص 331 .

        الصفحة 141
        ايضاً بأن سبب الوصايا الاسلامية في ان تكون امورهم شورى بينهم والنهي عن التسميات السيئة واعابة احدهم الآخر دليل واضح على دفع نشوء عقدة الحقارة عندهم .
        وفي التأريخ نماذج حية لاشخاص دفعهم النبذ الاجتماعي الى التطبع بنوع من التعقيد والوقوع في خاتمة المطاف في طريق ارتكاب الذنوب المهلكة نتيجة ذلك الانزواء .
        قال الامام الباقر ( عليه السلام ) لأحد اصحابه ويدعى جابر الجعفي :
        « واعلم يا جابر بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك ، ولو قالوا انك رجل صالح لم يسرك ذلك ولكن اعرض نفسك على ما في كتاب الله فان كنت سالكاً سبيله ، زاهداً في تزهيده ، راغباً في ترغيبه ، خائفاً من تخويفه فاثبت وابشر فانه لا يضرك ما قيل فيك » . (1)
        نستنتج من خلال ما قاله الامام الباقر ( عليه السلام ) أنه قد اعطانا درساً مثمراً وعميق المحتوى .
        ____________
        (1) سفينة البحار ج 2 ص 691 .
        الصفحة 142

        5 ـ الارضية النفسية للذنب

        إنّ احدى الاسباب التي تهيىء الارضية للذنب ، هي الارضية النفسية التي توجد عند الانسان على اثر الضغط والهموم الكاذبة ، او على اثر العقائد الخاطئة ، او الحالات الروحية السيئة ، وكل هذه العوامل النفسية سبب في اقتراف انواع مختلفة من الذنوب . والتعصب في غير محله ، والضغوط غير الصحيحة ، والخضوع والذلة او الاستخفاف بالاشخاص وتحقيرهم وامور اخرى كلها تنشيء العقدة النفسية عند الانسان وحينئذ يكون مستعداً لاقتراف الذنوب الكبيرة والخطيرة .
        ولاجل ان نوضح اكثر يجب الانتباه الى الامور التالية :
        أ ـ الشخصية وعزة النفس .
        ب ـ احتقار وتحطيم شخصية الانسان .
        ج ـ الضغوط الاقتصادية وتحطيم الغرائز .
        د ـ الآمال والامنيات الكاذبة والتافهة .

        الصفحة 143
        أ ـ الشخصية وعزة النفس :
        خلق الله سبحانه وتعالى الانسان وجعله سيد مخلوقاته وجعل فيه خصائص وكفاءات تميزه عن جميع ما خلق ، فمن ناحية الجسم اودع فيه الباري جل وعلا محاسن كثيرة ، ومن ناحية الروح وهبه استعدادات وقدرة لا حد لها .
        قال الله سبحانه وتعالى في سورة الاسراء (70) .
        ( ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البّر والبحر ورزقناهم من الطّيّبات وفضّلناهم على كثيرٍ ممّن خلقنا تفضيلاً ) .
        ويمتلك الانسان نوعين من الكرامة :

        1 ـ الكرامة الذاتية :
        والتي ذكرت في الآية السابقة ، حيث ان الانسان له درجة التفضيل على كل ما خلق الله سبحانه وتعالى لما وهبه من الاستعدادات الروحية التي لا توجد عند موجود آخر .

        2 ـ الكرامة الاكتسابية :
        وهذه الكرامة لها علاقة بالاعمال الصالحة ومقدار التقوى عند الانسان حيث يقول الله تعالى .
        ( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) . ( سورة الحجرات الآية 13 ) .

        الصفحة 144
        ان قادسة الانسان وصلت الى درجة أن الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة ان يسجدوا لآدم ، وهذا السجود في الحقيقة سجود شكرٍ لله جل وعلا لخلقه هذا الموجود العالي (1) .
        ومن هنا يظهر لنا أن التربية والهداية واعطاء الشخصية للانسان هي عامل مهم في الهداية ، وتصغير الانسان وتحقيره من عوامل انحرافه .

        نماذج من الروايات حول التربية والهداية :
        1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « إنه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنة فلا تبيعوها الاّ بها » . (2)
        وقال ( عليه السلام ) في كلامٍ آخر :
        وتحســـب انك جـــرم صغيــر * وفيك انـطــوى العالــم الاكبـــر
        2 ـ وقال ( عليه السلام ) أيضاً :
        « هلك امرؤّ لم يعرف قدره » . (3)
        3 ـ كما قال ( عليه السلام ) :
        « العالم من عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلاً ألاّ يعرف
        ____________
        (1) ورد الامر بالسجود في سورة البقرة / 34 ) و ( الاسراء / 61 ) و ( طه / 116 ) .
        (2) نهج البلاغة حكمة 456 .
        (3) نهج البلاغة حكمة 149 .

        الصفحة 145
        قدره » . (1)
        4 ـ وقال ( عليه السلام ) ايضاً :
        « نعم العبد أن يعرف قدره ولا يتجاوز حدّه » . (2)

        ب ـ احتقار وتحطيم شخصية الانسان ( الاحساس بالحقارة والذلة ) :
        لقد ذكرنا سابقاً عند تحليل الارضية العائلية ان احد العوامل في تهيئة الارضية للذنب هو تحقير وتحطيم شخصية الانسان ، وهنا نكتفي بالقدر القليل لتوضيح المطلب .
        أذا عرف الانسان شخصيته وقدره فمن المستحيل ان يسلك الطرق المنحرفة . فمثلاً لو ملك الانسان قطعة من الذهب فمحال أن يبدلها بحفنة تراب .
        قال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
        « من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا » . (3)
        من هذه العبارة يظهر ان تدمير الشخصية اساس حب الدنيا والانحراف ، ولكن حفظ الشخصية والاهتمام بها لاتجعل الانسان اسيراً للأمور الوضيعة ، فالاحساس ، بالحقارة والعقد النفسية الناتج من
        ____________
        (1) نهج البلاغة 103 ـ كما وردت الجملة الثانية في الخطبة 16 ايضاً .
        (2) غرر الحكم ج 2 ص 777 .
        (3) تحف العقول ص 318 .

        الصفحة 146
        الاحتقار وعدم العلم بشخصية الانسان ، يدفع الانسان نحو الذنوب وكل الاعمال الوضيعة بطبيعة الحال .
        قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « نفاق المرء من ذلٍ يجده في نفسه » . (1)
        وقال الرسول الاكرم ( صلىالله عليه وآله وسلم ) :
        « لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه » . (2)
        وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « ما من أحدٍ تكبّر أو تجبّر الا من ذلّةٍ وجدها في نفسه » . (3)
        وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً :
        « ان الله عز وجل فوّض الى المؤمن اموره كلها ولم يفوض اليه ان يذّل نفسه ألم ير قول الله عز وجل ههنا : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) ( المنافقون / 8 ) . ثم قال ( عليه السلام ) : والمؤمن ينبغي ان يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً » . (4)

        ج ـ الضغوط الاقتصادية وتحطيم الغرائز :
        احدى العوامل التي تنشىء ظاهرة التعقيد والشعور بالنقص لدى الانسان هي الضغوط الاقتصادية والهموم الكاذبة وتحطيم الغرائز
        ____________
        (1) غرر الحكم ج 2 ص 777 .
        (2) بحار ج 72 ص 249 .
        (3) اصول الكافي ج 2 ص 312 .
        (4) فروع الكافي ج 5 ص 64 .

        الصفحة 147
        وعدم اشباعها على الوجه الصحيح والمحدد لها .
        بلا شك يجب على الانسان ان يشبع غرائزه على الوجه المتعادل ، لان الافراط والتفريط هنا يتسببان في طفح الكيل في الغرائز او خمولها فتكون عنده ارضية مناسبة لاقتراف الذنوب في كلتا الحالتين .
        فمثلاً الضغط على شيء حلزوني الشكل ـ كالرفاس ـ يحدث رد فعل قوي . كالذي لم يأكل مدة من الزمن فعند رؤيته للأكل يأكل بشراهة .
        قال الامام الخميني ( قدس سره ) ناصحاً لطلبته نقلاً عن آية الله المحمدي الگيلاني انه قال :
        « ليكن عيشكم طبيعياً ، ولا تحملوا انفسكم اكثر من طاقتها . لان التحمل للطلبة لايخلو من مخاطرٍ ، ولربما تتوقعون من الناس اكثر من الممكن » .
        وعلى اية حال ، فلابد ان تسير الحياة بشكل طبيعي ، وان لا تكبح جماح الغرائز الانسانية المشروعة .
        فمثلاً : من وجهة نظر الاسلام أن القاضي بالشريعة يجب ان يعيش عيشة طبيعية يؤمنها من اموال بيت المال ؛ لئلا يحس بالحاجة فيتبع الرشوة ويتلوث بأكل الحرام .
        في الآية 32 من سورة الاعراف نقرأ :
        ( قل من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده والطّيّبات من

        الصفحة 148
        الرزق ) .
        « بعث امير المؤمنين ( عليه السلام ) عبد الله بن العباس الى ابن الكواء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلّة فلمّا نظروا اليه قالوا : يا ابن عباس أنت خيرنا في انفسنا وانت تلبس هذا اللباس ؟ فقال : وهذا أول ما اخاصمكم فيه قال تعالى : ( قل من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده والطّيبات من الّرزق ) ، وقال تعالى : ( خذوا زينتكم عند كلّ مسجدٍ ) » ( الاعراف / 31 ) . (1)
        قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « إن الله جميل يحب الجمال ويحبّ أن يرى أثر النعمة على عبده » . (2)

        قراءة في روايات اخرى :
        1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « ليس منا من وسّع عليه ثم فتّر على عياله » . (3)
        2 ـ وقال الامام الرضا ( عليه السلام ) :
        « ينبغي للرجل أن يوسع على عيالة لئلا يتمنّوا موته » . (4)
        وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        ____________
        (1) فروع الكافي ج 6 ص 442 .
        (2) فروع الكافي ج 6 ص 438 .
        (3) وسائل الشيعة ج 5 ص 135 .
        (4) نفس المصدر السابق ص 135 .

        الصفحة 149
        « ينبغي ان يكون للعاقل أربع ساعات .... ساعة مناجاته مع ربه ، وساعة يحاسب بها نفسه ، وساعة التفكر في مخلوقات الله سبحانه ، وساعة يصرفها في تهيئة المأكل والملبس له ولعياله » . (1)
        4 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكم » . (2)
        اجمالا يمكن القول بضرورة اشباع متطلبات الروح الانسانية بشكل مشروع ، واعادة النظر في الكثير من التعقيدات المهيمنة على جوانب الحياة كالمأكل والملبس وتعديلها ، وعدم سلوك سبيل الجهلة ( سبيل الافراط والتفريط ) ، لان تعطيل الغرائز يتسب في فتورها ويالتالي تظهر العقد والانحراف النفسية .

        د ـ الآمال والامنيات الكاذبة والتافهة :
        الأمنيات الكاذبة والتافهة أحد الاسباب الاخرى التي تهيىء الارضية النفسية للذنب . حيث ان الانسان يطلب السعادة والرقي بدون حركة او عمل ما . ويظل سارحاً في الخيال مرتكباً الآثام والذنوب ، ويقول بان الله جل وعلا : ( أرحمّ الراحمين ) .
        ان هذا الأمل ليس نقصاً في طريق التكامل فحسب بل ارض
        ____________
        (1) اخلاق شبر ص 285 .
        (2) غرر الحكم ج 1 ص 234 .

        الصفحة 150
        مهيئة لانبات بذور الذنب في نفسية الانسان .

        القرآن والأمل :
        جاء في الآية 218 من سورة البقرة قوله تعالى :
        ( إنّ الّذين آمنوا والّذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ) .
        في جانب الامل في هذه الآية الكريمة هنالك الايمان والهجرة والجهاد ، وفي المثل القائل في الأسواق : ان المفلس لا يعطى ديناً ولا قرضاً فيجب ان يكون عنده مقدار من المكانة والمال ليطمئن المقابل اليه .

        قصة مروّعة :
        « قال طاووس اليماني : رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب وهو يدعو ويبكي في دعائه فجئته حيث فرغ من الصلاة ، فاذا هو علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقلت له : يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا ، ولك ثلاثة ارجو أن تؤمنك من الخوف ، احدها انك ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والثانية شفاعة جدك والثالث رحمة الله .
        فقال : يا طاووس أما اني ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا يؤمنني ، وقد سمعت الله تعالى يقول :
        ( فلا أنساب بينهم يؤمئذٍ ولا يتساءلون )

        الصفحة 151
        ( المؤمنون / 101 ) .
        وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول :
        ( ولا يشفعون الاّ لمن ارتضى ) ( الانبياء / 28 ) .
        وأما رحمة الله فان الله يقول :
        ( إنّ رحمت الله قريب من المحسنين ) ( الاعراف / 56 ) ولا أعلم أني محسن . (1)
        فالنتيجة لابد ان يكون مع الامل الايمان والعمل الصالح والا فقولنا الحلويات لفظاً لا يجعلنا نتذوقها طعماً .
        ____________
        (1) بحار الانوار ج 46 ص 89 عوالم ج 18 ص 120 .

        الصفحة 152

        6 ـ الأرضية السياسية للذنب

        إنّ أحدى العوامل التي تهيىء الارضية لمختلف الذنوب وحتى الكبيرة احياناً هي الارضية السياسية . وتتعلق هذه الارضية على الخصوص بالحكام والمسؤولين .

        الانذارات القرآنية :
        1 ـ في الآية 205 و 206 من سورة البقرة نقرأ :
        ( واذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنّسل والله لا يحب الفساد * واذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالأثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد ) . (1)
        هذه الآية تبين ان غير المؤمن الذي يكون اسير رغباته ، لو اخذ
        ____________
        (1) وردت لفظة « تولي » بمعنى الاعراض عن الشيء وكذلك بمعنى الرئاسة والحاكمية ( مجمع البيان ج 1 ) .

        الصفحة 153
        بزمام الامور ومقاليد الحكم لانتهى به الامر الى افساد المجتمع ودماوه واهلاك الحرث والنسل .
        2 ـ في الآية 34 من سورة النحل نقرأ ايضاً :
        ( انّ الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون ) .
        ان هذا الكلام وان نقل عن لسان ( بلقيس ) ملكة سبأ ، فهو كلام معقول وثبت بالتجربة أن حكومة الحكام الظالمين عامل في ايجاد ارضية الفساد والذنب .
        3 ـ ان نبي الله يوسف ( عليه السلام ) أحد الانبياء المعروفين ، عاش الجفاء من اخوته حتى القوة في ( غيابت الجب ) ثم نجاه الله جل وعلا ودخل قصر عزيز مصر وصار حاكماً لمصر .
        ان هذا الملك في دنيا فانية لايساوي شيئاً عند يوسف ( عليه السلام ) ، فكان دعائه دائماً حتى بعد ان اصبح اميناً على خزائن مصر : ( .... توفّني مسلماً ) ( يوسف 101 ) .
        نعم : ان الملك والرئاسة أمر خطير للغاية . ولربما تزل حتى قدم يوسف ( عليه السلام ) ، فيه لذلك استعان بالله جل وعلا ان يثبت قدمه على الحق . بالرغم من انه لايراوده الشك في ان موته في مشيئة الامر الالهي ، ولكن وسوسة الرئاسة وزخرفها وبريقها أمر خطير فلذا يجب أن نطلب النجاة من الله تعالى للصمود في مقابل خطر الرئاسة

        الصفحة 154
        وأهوائها (1) .
        4 ـ في الآية 83 من سورة القصص نقرأ :
        ( تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقّين ) .
        العلو في الدنيا احد فروع طلب الرئاسة ، وهذه الآية تحكي عن اولئك الذين يطلبون الرئاسة في الدنيا وانها هدفهم الاسمى فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة ولا نصيب .
        قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
        « إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله اجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها » . (2)

        الرئاسة في الروايات :
        الرئاسة على نوعين :
        1 ـ الممدوحة .
        المذمومة .
        ارئاسة الممدوحة هي تلك التي تتخذ كوسيلة لاحقاق الحق وابطال الباطل ، أما الرئاسة المذمومة فهي تلك التي تتخذ كهدف وجسرٍ لهوى النفس والانحراف .
        ____________
        (1) وقد تقدمت مباحث حول هذا الموضوع تحت عنوان « قادة الضلال » .
        (2) تفسير جوامع الجامع ، تفسير الاية .

        الصفحة 155
        والذي تعرض للذم في الروايات هو « حب الرئاسة » اي الشغف بحب الرئاسة وطلبها لاجل مكانتها ، ولمزيد من البيان تأمل في الروايات ادناه :
        1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
        « لكل شيء آفة تفسده وآفة الدين ولاة السوء » . (1)
        2 ـ كتب أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) لأحد ولاته على آذربايجان وهو ( الاشعت بن قيس ) :
        « وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنه في عنقك أمانة » . (2)
        3 ـ وجاء في كلام المعصوم ( عليه السلام ) حول شخص يحب الرئاسة :
        « ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر من دين المسلم من طلب الرئاسة » . (3)

        البهلول فقيه مجاهد وتابع للحق :
        روي ان هارون الرشيد أراد ان يولّي احداً قضاء بغداد فشاور أصحابه فقالوا : لايصلح لذلك الا البهلول ( وهب بن عمرو ) فاستدعاه وقال : يا ايها الشيخ الفقيه اعنّا على عملنا هذا ، قال : بأي شيء اعينك : بعمل القضاء ، قال : أنا لا أصلح لذلك ، قال : أطبق اهل
        ____________
        (1) نهج البلاغة الرسالة 5 .
        (2) نهج البلاغة الرسالة 5 .
        (3) سفينة البحار ج 1 ص 492 .

        الصفحة 156
        بغداد أنك صالح لهذا العمل ، قال : يا سبحان الله إني اعرف بنفسي منهم ، ثم اني في إخباري عن نفسي بأني لا أصلح للقضاء لا يخلو أمري من وجهين : إما ان اكون صادقاً فهو ما أقول ، وان كنت كاذباً فالكاذب لايصلح لهذا العمل فألحّوا عليه وشددوا وقالوا : لاندعك أو تقبل هذا العمل ، قال : إن كان ولابد فاملهوني الليلة حتى افكر في أمري ، فامهلوه ، فخرج من عندهم ، فلمّا أصبح في اليوم الثاني تجانن وركب قصبة ودخل السوق وكان يقول : طرّقوا خلّلوا الطريق لايطأكم فرسي ، فقال الناس : جنّ البهلول ، فقيل ذلك لهارون فقال : ما جنّ ولكن فرّ بدينه منّا ، وبقى على ذلك الى أن مات وكان عن عقلاء المجانين . (1)
        ____________
        (1) بهجة الآمال ج 2 ص 435 و 436 ، روضات الجنات ج 2 ص 146 .
        الصفحة 157

        القسم الثالث
        الاعذار المختلفة للذنب ، معرفة حدود الذنب
        والاشارة الى الاستثناءات والقيم


        الاعذار لتبرير الذنب :
        تبرير الذنب اكبر من الذنب . ونستطيع القول بأن ايجاد العذر للذنب نوع من الحيل الدينية .
        نقرأ في الآيتين الشريفتين 14 و 15 من سورة القيامة :
        ( بل الأنسان على نفسه بصيرة ـ ولو ألقى معاذيره ) .
        ومعناه ان محكمة الوجدان تحكم على ذلك الشخص بذي الوجهين والمكر .
        ان تبرير الذنب يجعل الذنب بسيطاً ويشجع المجتمع على ارتكاب الذنوب ويكون عندها القبيح حسناً .
        لاذنب أثقل من العذر للذنب . لان المذنب عندما يعترف بالذنب يفكر بالتوبة دائماً . ولكن اذا برر ذنوبه جعله غطاءاً على ما يقترفه من الذنوب . ولم يبتعد عن طريق التوبة فحسب بل تكون عنده الجرأة والعادة في اقتراف الذنوب .

        الصفحة 158
        إنّ أحد الامراض التي ابتلي بها المجتمع بصورة عامة هو تبرير الذنوب في صور مختلفة . حيث ينحرف بها الخاص والعام عن الطريق المستقيم . والأ خطر من ذلك هو غلق ابواب الصلاح امام المذنب واحياناً تغلق أبواب الحقيقة في نظره .
        فمثلاً : يبرر خوفه ( بالاحتياط ) وضعف نفسه ( بالحياء ) وحرصه ( بواجب توفير مستلزمات الحياة ) وعجزه ( بعدم وضوح الموضوع ) وتقصيره بـ ( القضاء والقدر ) .
        فأي معصية والم اكبر مما يلاقيه الانسان نتيجة تحريفه لمفاهيم الاسلام السامية واغلاق باب النجاة امامه ؟! إنّ تبرير الذنب هو اسدال الستار على الذنب حتى يشتغل بالذنوب بلا مانع ولا رادع ، فمثلاً يكتم الحق ويعتبر ( تقية ) ، او يعطي شخصاً ما رشوة ويسميها هدية من أجل الوصول الى هدفٍ سيء .
        إنّ تبريره لذنبه يعتبر نوعاً من انواع الخداع لنفسه وللمسلمين كالذي ظاهره جميل وشرعي وباطنه قبيح وملوث . أو كبائع المواد الغذائية فلكي يجلب له الزبائن يجعل ظاهر المواد الغذائية جيداً للناظر في الوقت الذي يكون باطنها رديئاً .
        قال الاما الباقر ( عليه السلام ) :
        كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوماً في سوق المدينة فمر بطعام فقال لصاحبه : ما أرى طعامك إلاّ طيباً وسأله عن سعره ، فاوحى الله عز وجل اليه أن يدس يده في الطعام فاخرج طعاماً رديّاً ، فقال لصاحبه :

        الصفحة 159
        ما أراك إلاّ جمعت خيانةً وغشاً للمسلمين . (1)

        الاعذار المختلفة :
        ان الناس يبررون الذنوب بتبريرات مختلفة منها :
        1 ـ التبريرات العقائدية .
        2 ـ التبريرات السياسية .
        3 ـ التبريرات الاجتماعية .
        4 ـ التبريرات النفسية .
        5 ـ التبريرات الثقافية .
        6 ـ التبريرات الاقتصادية .
        7 ـ التبريرات العسكرية .
        وهناك تبريرات متفرقة أخرى .
        ____________
        (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 209 .

        الصفحة 160
        1 ـ التبريرات العقائدية
        إنّ أحد التبريرات العقائدية هو مسألة ( الجبر والقضاء والقدر ) فعندما تقول للمذنب : لماذا أذنبت ؟ ولماذا تلوثت بالمسكرات ؟ يجبيب : هذا حظي من القضاء والقدر ، وماذا افعل وان آبائي كانوا هكذا وانا أصبحت مثلهم .
        لا يلد الذئب الاّ الذئب ، ولم يقدّر لي ان اكون من المصلين ، وكثير من هذا القبيل نسمعه على ألسنة الناس . وبهذا اللحن من الكلام يكون لهم باب الفرار من المسؤولية والواجب . في الآية 148 من سورة الانعام نرى المشركين ولاجل ان يبرئوا أنفسهم من مسؤولية انحرافهم يقولون :
        ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيءٍ ) .
        وعلى هذا المنوال ينسبون ذنوبهم الى « الجبر » . وفي الآية 35 من سورة النمل والآية 20 من سورة الزخرف تأكيد على هذا المعنى :

        الصفحة 161
        ( وقالوا لو شاء الرّحمن ما عبدناهم ) ( الزخرف / 20 ) .
        فيقول الله تعالى رداً عليهم : ( إنّ هم إلاّ يخرصون ) .

        تبرير يزيد بن معاوية :
        عندما جاؤا الى يزيد بالرأس المقدّس للامام الحسين ( عليه السلام ) انشأ شعراً ، وبعدها نظر الى الحاضرين وقال : يزعم صاحب هذا الرأس أنه أفضل مني في استلام الحكومة وكأنه لم يقرأ هذه الآية ( 26 من سورة آل عمران ) :
        ( قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء ) .
        انظروا الى يزيد شارب الخمر وسافك الدماء كيف اقترف أعظم الجرائم ويدعي أنّ ارادة الله كانت في عزتنا واذلال اعدائنا ، لتغطية جريمته النكراء ولتبرير عمله القبيح متوسلاً بسفسطة الجبر .

        نظرة في الجبر والاختيار :
        إنّ مسألة الجبر والاختيار هي أحدى المسائل القديمة والتي كتبت عنها ابحاث كثيرة . ولكن الذي نستطيع ان نقوله الآن هو أننا في وجداننا أحرار في الاختيار . فحركة اليد مع حركة القلب ليست متشابهة لان حركة القلب ليست باختيارنا ولكن حركة اليد اختيارية ، اذن نحن غير مسلوبي الارادة . فمثلاً : لو اخذنا بنظر الاعتبار انابيب

        الصفحة 162
        الماء التي تمتد من الشوارع التي عرضها 45 متراً الى الشارع التي عرضها ثلاثون متراً ثم تدخل الى شارع عرضه عشرة امتار بعدها الى زقاقٍ عرضه ستة امتار بعدها الى اربعة امتار ثم الى زقاق مغلق عرضه متران او متر واحد ثم يدخل البيت ثم يربط مع أنابيب الحوض ، فالانابيب الممتدة في الشوارع والأزقة ليست تحت ايدينا ولكن يمكننا التحكم في انبوب الحوض . وكذلك فان الغيوم والهواء والشمس والقمر والنجوم ليست تحت تصرفنا ، ولكن العيش والاكل في اختيارنا .
        كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
        « فلا الجبر صحيح بان تقول : اننا مسلوبي الارادة ولا التفويض صحيح بان نقول : ان كل شيء مفوض الينا ، فطبقاً للمثال ليس جميع انابيب المياه تحت اختيارنا ولكن التحكم في انابيب البيت فقط هو تحت اختيارنا .

        دلائل حرية الارادة :
        1 ـ التردد : إنّ أحد الدلائل على حرية الارادة هو اننا اذا اردنا ان نعمل عملاً ما وحصل عندنا الشك فيه هل نعمله او لا .
        2 ـ الندم : اذا ندمنا على عمل ما ، فهو دليل على حرية الاختيار
        ____________
        (1) اصول الكافي ج 1 ص 155 « باب الجبر والقدر حديث 13 » .

        الصفحة 163
        والا لما ندمنا .
        3 ـ التأدب : التأدب معناه قابلية الانسان للأدب ، وهذه القابلية دليل الحرية في الارادة .
        4 ـ الانتقاد : ومعناه أن ينتقد احدنا الآخر في اعمالنا ، وهذا دليل الحرية في الارادة فنحن مثلاً لا ننتقد شجرة الجوز ، لانها فاقدة للحرية . وعلى هذا الاساس لا ينبغي ان نضع الذنب في عهدة الجبر لنفر من المسؤولية .

        الصفحة 164
        2 ـ التبريرات السياسية
        التبريرات السياسية كثيرة ايضاً ، منها القول ان « مقام عالم الدين ارفع من ان يتدخل في السياسة ، » حيث يضعون هذا التبرير لاجل انزواء علماء الدين عن المجتمع للوصول الى اهدافهم في استمرار الفساد والتلوث .
        في زمن الشاه مثلاً كان بعض المأمورين يقولون « المأمور معذور » ليغطي ذنوبه وبهذا التبرير يفعل ما يريد ، وآخر يقول في تبرير عمله غير اللائق : لو لم نجبر الناس للخضوع للطاغوت فاننا نرى اشكالاً شرعياً في ارزاقنا المعطاة لنا ، ويقولون لمنافق قاتل : لماذا قتلت آية الله أشرفي ؟ يقول : « ان المنظمة امرتني بذلك » ، وبهذه الجملة يبرر جريمته الشنيعة ، كما جاء في الآية 67 من سورة الاحزاب قوله تعالى :
        ( وقالوا ربّنا إنّا اطعنا ساداتنا وكبراءنا فاضلّونا السّبيلا ) .
        ان هذه التبريرات لا تقبل عند الله سبحانه وتعالى ابداً . واحياناً

        الصفحة 165
        نسمع بان البعض يقولون : « ان طبيعة الثورة تقتضي ذلك » فيبررون بعض تقصيرهم المتعمد . صحيح ان طبيعة الثورة تواكبها بعض السلبيات ، لكن بهذه الدرجة بحيث ترددها الالسن .

        تبرير المؤسسين لمسجد ضرار :
        قال المفسرون في المجمع : إنّ بني عامر بن عوف اتخذوا مسجد قبا ، وبعثوا الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يأتيهم فأتاهم وصلى فيه ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف فقالوا : نبني مسجداً فنصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد وكانوا اثني عشر رجلاً ، وقيل خمسة عشر رجلاً منهم ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل ابن الحارث فبنوا مسجداً الى جنب مسجد قبا .
        فلما بنوه أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يتجهز الى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية ، وانا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا وتدعو بالبركة فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اني على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم انشاء الله فصلينا لكم فيه ، فلما انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تبوك نزلت عليه الآية 107 من سورة التوبة في شأن المسجد :
        ( والذّين اتّخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفنّ إن أردنا إلاّ الحسنى والله يشهد انّهم لكاذبون ) .

        الصفحة 166
        فأرسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند قدومه جماعة لهدمه وحرقه (1) .
        وجعل ارضه مركزاً لجمع نفايات المدينة وبذلك انتهت فتنة المنافقين الموجهين لاعمالهم .
        نعم ، لقد ارادوا من توجيههم لبناء مسجد ضرار بانه للمرضى والعجزة ولكل من هو جار للمسجد في الليالي الممطرة وتحت هذا الستار الجميل أرادوا تحقيق اعظم جريمة وهي تفريق شمل المسلمين بل ارادوا القضاء على اساس الحكومة الاسلامية فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهدمه ، وكذلك فان يقظة المسلمين حالت دون ذلك ، ومسجد ضرار لقب بعنوان : مسجد الكفر والفتنة في التاريخ .

        من علامات اهل الفتن :
        من جملة كلام الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) : « من علائم اهل الفتنة انهم يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية ، فيستحلون الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع » (2) . فهذه التوجيهات الظاهرية لاجل ستر الذنوب الكبيرة التي يقترفونها .
        ____________
        (1) اقتبست من تفاسير وبالخصوص مجمع البيان : ج 5 ص 72 و الميزان ج 9 ص 419 .
        (2) نهج البلاغة : خطبة 156 .

        يتبع

        تعليق


        • #5
          الصفحة 167
          الامام علي ( عليه السلام ) يقف أمام المبرر الكبير :
          كان الاشعت بن قيس أحد القادة الحاقدين ومن المنافقين ، وبتفكيره البسيط أراد أن ينفذ الى جهاز حكومة امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فاخذ في منتصف ليلةٍ طبقاً مغطى في داخله حلوى الى بيت الامام علي ( عليه السلام ) على انها هدية متواضعة ، ولكنها في الحقيقة رشوة مغطاة بأسم الهدية . وعندما جاء بهذا الطبق قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أحسست ان الحلوى قد عجنت بريق حيةٍ أو قيئها .
          فقلت له : « أصلة ام زكاة أم صدقة » ؟
          فقال لي : « لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية » .
          فقلت له : « هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني ؟ امختبط أنت أم ذو جنّةٍ أم تهجر » ؟
          « والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلب شعيرةٍ ما فعلته » (1) .
          وهذا هو الموقف القوي الذي اتخذه امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أمام هذا الراشي المنافق الذي اخفى رشوته تحت ستار الهدية ، فطرده امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) وارجع ما جاء به اليه .
          ____________
          (1) نهج البلاغة خطبة 224 .

          الصفحة 168
          الجواب القاطع للمبرر المكّار :
          كان عمار بن ياسر ذلك الصحابي الجليل من اعوان الامام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حرب صفين التي دارت بين اصحاب الامام علي ( عليه السلام ) واصحاب معاوية والتي استغرفت 18 شهراً ، وقد علم المسلمون باجمعهم بحديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعمار مخاطباً اياه ( تقتلك الفئة الباغية ) . واستشهد عمار في معركة صفين ، واثبت للشاكّين أحقيّة امير المؤمنين ( عليه السلام ) وبغي معاوية اذ هم الذين قتلوا عماراً .
          فقام معاوية المحتال بتبرير قبح فعله وأعلن ان علياً ( عليه السلام ) قد قتل عمار بن ياسر اذ هو الذي ارسله لميدان القتال مما كان سبباً في قتله ، وبذلك قام بخداع جماعة واغفالهم . وعندما أدرك الامام علي ( عليه السلام ) هذه الحيلة تصدى للجواب قائلاً : ( اذا كان ما نطق به معاوية صحيحاً فان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي قتل حمزة ( عليه السلام ) بارساله الى ميدان المعركة ) .
          وقد واجه عبد الله بن عمرو بن العاص معاوية بنفس جواب امير المؤمنين ( عليه السلام ) مما ادى الى غضب معاوية حيث التفت الى عمرو بن العاص قائلاً : ( أخرج ولدك الاحمق من المجلس ) .
          فالبرغم من ان قتل عمار بن ياسر ادى الى انهيار معنويات جيش معاوية لانهم احسّوا بالخيبة والخجل لكن تبرير معاوية الخادع ادى الى غفلة جيشه ايضاً معلنين بصوت عال : ( ان عامر قد قتله

          الصفحة 169
          الذي ارسله الى ساحة القتال ) . (1)

          تبرير سفاك التاريخ :
          كان الاعتقاد السائد قديماً ( كزمن آدم ( عليه السلام ) مثلاً ) هو ان قبول القرابين التي كانوا يضعونها فوق قمم الجبال ، مرهون بنزول النار عليها واحراقها ، واذا لم تحترق فهو دليل على عدم قبول القربان .
          كان الحجاج بن يوسف الثقفي وهو احد المتعطشين للدماء ، والياً لعبد الملك في العراق وهو أحد المجرمين الذين ليس لهم مثيل في التاريخ ، ولشدة ظلمه فقد التجأ معارضوه الى الكعبة المكرمة فنصب المنجنيق وهدم الكعبة ولم يهتم بحرمتها ، فعندها نزلت صاعقة من السماء واحرقت المنجنيق فخاف جيش الحجاج وتوقف عن الرمي نحو الكعبة ، فجائهم الحجاج وقال لهم : ان عملكم هذا مقبول بدليل ان النار نزلت من السماء فاحرقت المنجنيق كما كان سابقاً من قبول القرابين (2) .

          التبرير الخائن لهارون الرشيد :
          انّ احدى التبريرات السياسية على مر التاريخ والتي استفاد منها اغلب المجرمين الغاصبين هي كلمة ( حفظ الأمن ) كما ان امريكا الآن
          ____________
          (1) أعيان الشيعة ج 42 ص 215 .
          (2) مجمع البحرين كلمة الحج .

          الصفحة 170
          تحت اسم ( حفظ أمن المنطقة ) أخذت تكرّس وجودها في منطقة الشرق الاوسط وترتكب الجرائم البشعة والظلم . وفي كل مكان يقولون : أن حفظ الامن في المنطقة من الواجبات . وهارون الرشيد الطاغية العباسي الخامس ، ذهب من بغداد الى مكة المكرمة ومن مكة الى المدينة ، وقرر اعتقال وحبس الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وعندما مر على قبر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) برر جرمه الكبير بالقول : يا رسول الله ، إني أعتذر اليك من شيء أريد ان أفعله ، أريد أن أحبس موسى ابن جعفر فانه يريد ان يشتت أمتك وأن يسفك دمائها . وبعدها ربط الامام ( عليه السلام ) بسلسلة فارسله الى بغداد ثم اودعه في سجن البصرة . وبهذه الطريقة نرى ان هارون يبرر جريمته الكبيرة والباقية مدى الدهر باسم ( حفظ الأمن ) (1) .

          تبرير شهادة الامام الحسين ( عليه السلام ) : إن احدى التبريرات المعروفة عند الاعداء في مسألة استشهاد الامام الحسين ( عليه السلام ) هي أن الامام الحسين ( عليه السلام ) قد خرج من دين جده وشق عصا المسلمين .
          وكان عمر بن سعد قد برر حربه مع الحسين بانها من أجل الصلح ، لكنه ارتكب جريمة كبيرة وهي قتل سيد الشهداء ( عليه السلام ) .
          ويذكر أنّ احد جنود عمر بن سعد في واقعة كربلاء بعد شهادة
          ____________
          (1) الارشاد للشيخ المفيد ج 2 ص 231 .

          الصفحة 171
          الامام الحسين ( عليه السلام ) كان مشغولاً بنهب اموال البيت ( عليه السلام ) وهو في حالة بكاء ! فرأته طفلة من اطفال الامام الحسين ( عليه السلام ) فقالت له : لماذا تبكي ؟ فقال : ابكي لمظلوميتكم والجريمة التي ارتكب بحقكم ، فاجابته : ان كان هكذا فلماذا تسلبنا اذن ؟ فاجابها : أخاف ان ياخذها غيري (1)
          نعم بهذا التبرير ارتكبوا اكبر الذنوب واعظمها .
          ____________
          (1) مقتل الحسين للمقرّم ص 369 ـ الامالي للصدوق المجلس 31 .

          الصفحة 172
          3 ـ التبريرات الاجتماعية
          يعتبر التبرير الاجتماعي أحد التبريرات للذنوب فمثلاً يقال للمذنب : لماذا ارتكبت الذنب الفلاني ؟! يقول : هذا عرف اجتماعي فاذا اردت ان لا تعاب من المجتمع فكن مثلهم . ( فضربوا ورقصنا ) . والكل يفعل ذلك ونحن معهم .
          إنّ الانسان لا يستطيع ان ينعزل عن المجتمع ( والخيط لا يحاك لوحده ) وكثيراً ما نرى مثل هذه التبريرات في حياتنا .
          ومثل هذه التبريرات كذلك كانت في السابق ايضاً ، حيث يذكر أن قوم شعيب ( عليه السلام ) كانوا يعبدون الاصنام وتعشعش فيهم الخرافات وينقصون الكيل ويأكلون الربا و ... فدعاهم شعيب ( عليه السلام ) الى عبادة الله سبحانه وتعالى وحذرهم من التلوث في الذنوب . فسخروا منه وقالوا له كما في الآية :
          ( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آبائنا ) .
          المذنبون من قوم شعيب ( عليه السلام ) كانوا يبررون ذنوبهم بانها عرف

          الصفحة 173
          وطريقة اجدادهم .
          كان فرعون في اوج اقتداره وقد أوجد مجتمعاً يسوده التكتم عن الحقائق والاختناق وكان يحكم في جو ومحيط فاسد ، واكثر الناس كانوا يبررون طاعتهم لفرعون بان ( اذا اردت ان لا تعاب في المجتمع فكن مثلهم او منهم ) .
          أما آسيا امرأة فرعون فلم يؤثر عليها ظلم فرعون ولا غطرسته ومنزلته الاجتماعية وحافظت على ايمانها بارادتها القوية ، على العكس من الضعفاء والمتخاذلين امثال امرأة نوح وابنه ، وكذلك امرأة لوط ، فأولئك تأثروا بالمجتمع السيء فصاروا منه ولم يؤمنوا بدعوة نوح ولوط ( عليهم السلام ) واتخذوهم سخريا (1) .
          وبالرغم من كثرة اعداء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلي امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لكنهما لم يرافقا على الاخطاء السائدة في المجتمع ، ولم يقرا على ما يخالف حكم الله سبحانه بل جاهدا المجتمع الفاسد في اشد الظروف العصيبة . وعلى هذا الاساس يجب علينا ان لا نخاف من العرف والسنن والضغوط الاجتماعية والتحدي للفساد والقومية وجعل المحورية للمجتمع وألاّ نحيد تحت قناع هذه التبريرات عن طريق الحق الى الباطل .
          ____________
          (1) في آية 10 و 11 من سورة التحريم جعل الله ( امرأة فرعون قدوة النساء المؤمنات وامرأة لوط قدوة النساء الكافرات ) .

          الصفحة 174
          4 ـ التبريرات النفسية
          هناك بعض التبريرات لتغطية الذنوب وهي التبريرات النفسية ، ولها اشكال مختلفة :
          1 ـ اليأس وقطع الأمل : ومثله أن ييأس الانسان من بلوغ هدف معيّن فيشبّه نفسه بالغريق الذي لا امل له في النجاة او مثل رجل كبير في السن لا يحسن القراءة في الصلاة فاذا قيل تعلم القراءة فيقول : فات الأوان وانا أمي ولا أستطيع التعلم .
          2 ـ او اعتاد الذنب : فالمدمن علىالتدخين والترياك يقول : « لا استطيع ترك هذه العادة » فاذا اعطيته عن كل يومٍ يمتنع فيه عن التدخين ( الف دينار ) لمدة مائة يوم ، فانه سيترك التدخين . وهذا يدل على انه لو اراد التغلب على عادته تلك لتمكن . في حين انه يرى نفسه مسلوب الارادة ويبرر ذنوبه بالعادة على اقتراف الذنوب .
          3 ـ او يقول : النهي عن المنكر واجب وتركه حرام . فيقال له : لماذا لم تنه فلاناً عن المنكر ؟ فيقول : أتصور انه ينزعج من ذلك .

          الصفحة 175
          4 ـ او يقال له : ادب طفلك ولا تدعه ضائعاً في التيه ، فيقول : أخاف ان اضغط عليه فيصاب بالعقدة النفسية .
          5 ـ يسخر من الآخرين : والسخرية من الذنوب القبيحة . ولكن عندما يقال له لماذا تسخر من الآخرين ؟ يقول : اتمازح معهم وبهذه الطريقة يبرر ذنبه بالمزاح .
          6 ـ نقول له : ان اباك او أخاك يتبعان طريق الكفر . فلا تصحبهما ، فيقول : هل يترك احد أباه اوأخاه .
          ومن هذا القبيل نرى ونسمع الكثير من تبريرات الناس لذنوبهم . ولاجل ان تردّ على هذه التبريرات نقرأ ( الآية 24 من سورة التوبة ) :
          ( قل ان كان آباؤكم وأبناوكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ اليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) .
          7 ـ أحد التبريرات للمذنبين هي أنهم يجوزون ارتكاب الذنب ثم يقترفونه ، كأن يغتاب الانسان احداً بقوله « ارجو ان لا تكون غيبة » ، او يذكر شخصاً ما امام الناس حتى يوحي الى الآخرين بجواز غيبته .
          ينقل عن المرحوم آية الله العظمى السيد محمد حجت ( صاحب مدرسة الحجتية في قم ) بانه قال : انا ابرىء ذمة كل من

          الصفحة 176
          استغابني الاّ بعض الطلبة فاني لا ابرئهم الذمة لانهم يفسّقون المرء ثم يغتابونه .
          بمثل هذه التبريرات يريد الانسان المذنب ان يفتح الطريق امامه ولا يتحمل مسؤولية الذنب وبهذا ( الاشباع الكاذب ) ينقض القانون الالهي ويتبع هوى نفسه بكل ما يريد وبحرية مطلقة .
          مثلاً : ان أحد العوامل التي تمنع الانسان من ارتكاب الذنب هو الاعتقاد بيوم المعاد والحساب والكتاب ويوم القيامة ، فالمبرر لذنوبه ولاجل ان يطلق لنفسه العنان لارتكاب الذنب ، يسعى لانكار المعاد ويقف بكل ما اوتي من قوة امام الدلائل القوية على المعاد .
          كما ذكر ذلك في ( الآية 5 و 6 ) من سورة القيامة :
          ( بل يريد الانسان ليفجر أمامة ـ يسئال أيان يوم القيامة ) .
          أحد التبريرات الاخرى هو تبرير الافشاء ، فأحياناً وتحت هذا الغطاء يقترف البعض ذنباً كبيراً بفضح الناس المحترمين . ان الافشاء في بعض اوقاته لا اشكال فيه للذين يشكلون خطراً في المجتمع والذين ينتظرون الفرص للفتن فيجب ان يفشى سرّهم ويفضحوا امام الناس لا إفشاء أمور الناس المحترمين واظهار عيوبهم وفضحهم .
          الصفحة 177
          5 ـ التبريرات الثقافية
          أحد التبريرات التي يغطي بها المذنبون ذنوبهم هي التبريرات الثقافية كأن :
          1 ـ إذا ارتكب أحدً ذنباً واعترض عليه يقول : لم اكن اعلم بانه ذنب لاني رجل أمي . وهذا التبرير لا اساس له من الصحة وغير مقبول ، لانّ الله سبحانه وتعالى قد منّ على الانسان بالعقل وأعطاه فطرة سليمة ووجداناً كمصباح مضيء ليميز الصالح عن الطالح ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فقد اتم انبياء الله واولياؤه والائمة ( عليهم السلام ) الحجة عليه وارشدوه الى صراط السوي . ولكنه سلك السبيل الخاطىء والضال .
          في الآية 149 من سورة الانعام نقرأ :
          ( قل لله الحجّة البالغة ) .
          سأل احد الامام الصادق ( عليه السلام ) عن تفسير هذه الآية فقال : « انّ

          الصفحة 178
          الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي ! أكنت عالماً ، فان قال : نعم ، قال له أفلا عملت بما علمت ؟ وان قال كنت جاهلاً ، قال له : أفلا تعلّمت حتى تعمل ؟ فيخصمه ، فتلك الحجة البالغة » (1) .
          ونتيجة لهذا : فان تبرير عدم الفهم وعدم القراءة والكتابة لا يرفع المسؤولية عن الانسان . ونتيجة سير الانسان في الطريق الأعوج مع كل تلك الهدايات ، هي السقوط في شباك المجازات .
          2 ـ احد التبريرات الاخرى هو الافتخار ( بالنسب ) ، فمثلاً يرتكز بعض الافراد على الحسب والنسب في اقتراف الذنب . فمثلاً يتنازع أحد الاشخاص المفتخرين بالنسب مع شخص مؤمن ، وعندما يراد الاصلاح بينهما نرى الجواب : ( أنا من العوائل المحترمة فكيف أقبل الصلح مع فلان ؟! ) . فهو يرتكب ذنب « تحقير المؤمن » الذي يعتبر من الذنوب الكبيرة لكونه من العوائل الغنية والفخمة . وكان مثل هذا الجو في صدر الاسلام سائداً حيث نرى المشركين المتكبرين ينظرون الى بلال وصهيب وجويبر من اراذل القوم وبعضهم كانوا يحقرون سلمان ( عليه السلام ) .
          ان الشيطان قد طرد من رحمة الله سبحانه لافتخاره على ادم في خلقته ولهذا فهو لم يطع أمر الله سبحانه في السجود .
          في الآية 12 من سورة الاعراف نقرأ :
          ( قال ما منعك الاّ تسجد اذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني
          ____________
          (1) تفسير نور الثقلين 1 ص 76 .

          الصفحة 179
          من نار وخلقته من طينٍ ) .
          ان هذا المعيار وهو الافتخار بالحسب والنسب في الحقيقة اتباع للشيطان لان الميزان والمعيار الذي جعله الله سبحانه للتفضيل هو التقوى والعمل الصالح .
          ( التعصب الخاطىء ) : شاعت في الجاهلية طريقة وأد البنات يعني دفنهن احياء بلا رحمةٍ ولا رادع ، وحتى التي تكبر وتصل الى حد البلوغ فان مصيرها الدفن وهي حية . ويبرر المتعصبون ذنبهم بانه من المحتمل ان تقع البنات أسارى بيد الاعداء عند الحرب في قبيلة اخرى فيلدن لهم . وبهذا العذر والتبرير يحفرون حفرة كبيرة ويدفنونهن بصورة مفجعة ممزوجةٍ بالآهات والويلات والبكاء وبلا هوادة ولا رحمة . نعم ، فهم يبررون ذنوبهم احياناً بانها عادية وطبقاً للعرف السائد . وبقدر ترسخ هذه الافكار الخاطئة في اذهانهم نراهم عندما يبشر احدهم بالانثى يظل وجهه مسوداً وهو كظيم كما في ( الآية 58 من سورة النحل والآية 17 من سورة الزخرف ) .
          3 ـ من التبريرات الثقافية ( الفهم الخاطيء ) ، فمثلاً يقال للمرأة حافظي على حجابك ، وللرجل غض بصرك ، فيكون جوابهما « اذهبوا فان قلوبنا طاهرة » ، وبهذا التفكير يتصورون ان طهارة القلب كافية لذلك ولم ينتبهوا الى اعمالهم . أو يقال لهم لا يجوز اختلاط الرجل مع المرأة في الأعراس فيكون جوابهم « نحن اخوة ، وعلى هذا المنوال يقترفون الذنوب وهم لا يشعرون .

          الصفحة 180
          او يبررون ذنوبهم بانها مراسم الاعراس والضيوف والاعياد او انهم شباب او اطفال فيصبح ما حرم الله سبحانه حلالاً . واحياناً يقول أحدهم : اقسم أن لا أصالح فلاناً او اقسم ان لا اكون واسطة في الزواج لحدوث مورد ساءني عند سعيي للزواج .
          هذه الانواع من القسم خاطئة لان متعلق القسم يجب ان يكون راجحاً ، فمثلاً لو اقسم احد بالله على التدخين فهذا يمين باطل وخطأ ، ولكن اذا أقسم على ان يتركها فذلك يمين صحيح ولا بأس به ، لان الإقلاع عن التدخين افضل وارجح من تناولها .
          ففي انتصار الثورة الاسلامية قال عدة من كبار المسؤولين وقواد الجيش الشاهنشاهي : انا قسمنا بالله سبحانه ان نحيي ( الشاه المعدوم ) فأجابهم الامام الخميني ( رضى الله ) ( هذا يمين باطل من اوّله ) . وعلى كل حال فان الذنوب تقترف وتبرر نتيجة الفهم السيء في المجتمع .
          مواجهة الامام الصادق ( عليه السلام ) لمبرر معاند :
          في كل زمان توجد هذه التوجيهات ، وفي موارد كثيرة من التاريخ يوجد هذا الفهم السيء ، فالانسان يصاب بالتوجيهات اولاً ثم يرتكب الذنب والجريمة ، وفي هذا المضمار توجد قصة معروفة تدل على اسلوب الفهم السيء . والامام الصادق قد نهى بشدة عن هذه الاساليب وحذر الناس من اتباع هؤلاء الاشخاص .
          « قال جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) في معنى قوله عز وجل :

          الصفحة 181
          ( اهدنا الصراط المستقيم ) ارشدنا الى الصراط المستقيم ارشدنا للزوم الطريق المؤدي الى محبتك والمبلغ دينك والمانع من أن نتبع أهوائنا فنعطب او نأخذ بآرائنا فنهلك ثم قال ( عليه السلام ) : فان من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتسفهه فاحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لانظر مقداره ومحله فرأيته قد أحدق به خلق من غثاء العامة فوقفت منتبذاً عنهم متغشياً بلثام انظر اليه وإليهم فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر فتفرقت العوام عنه لحوائجهم وتبعته أقتفي أثره فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فنغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي : لعلها معاملة ، ثم مرّ بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة ، فتعجبت منه ، ثم قلت في نفسي لعلها معاملة ، ثم أقول : وما حاجته اذن الى المسارقة ؟ ثم لم أزل اتبعه حتى مرّ بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه ومضى ، وتبعته حتى استقر في بقعة من الصحراء ، فقلت له : يا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت لقاءك ، فلقيتك ولكني رأيت منك ما شغل قلبي واني سائلك عنه ليزول به شغل قلبي ، قال : وما هو ؟ قلت : رأيتك مررت بخبّاز وسرقت منه رغيفين ثم بصاحب الرمان وسرقت منه رمانتين ! قال : فقال لي : قبل كل شيء حدثني من أنت ؟ قلت : رجل من ولد آدم ( عليه السلام ) من امة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . قال : حدثني من أنت ؟ قلت : رجل من اهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . قال : اين بلدك ؟ قلت : المدينة .

          الصفحة 182
          قال : لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، قلت : بلى فقال لي : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به وتركك علم جدك وأبيك لئلا تنكر ما يجب ان يحمد ويمدح عليه فاعله ؟ قلت : وما هو ؟ قال : القرآن كتاب الله ! قلت : وما الذي جهلت منه ؟ قال : يقول الله عز وجل :
          ( من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسّية فلا يجزى الاّ مثلها ) .
          واني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فهذه اربع سيئات فلما تصدقت بكل منهما كان لي أربعون حسنة فانتقص من اربعين حسنة أربع بأربع سيئات بقي لي ست وثلاثون حسنة قلت : ثكلتك امك ! انت الجاهل بكتاب الله اما سمعت انه عز وجل يقول : ( إنّما يتقبل الله من المتّقين ) انك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ولما سرقت رمانتين كانت ايضاً سيئتين ولما دفعتهما الى غير صاحبيهما بغير امر صاحبيهما كنت انما أضفت اربع سيئات الى أربع سيئات ولم تضف اربعين حسنة الى اربع سيئات فجعل يلاحظني فانصرفت وتركته قال الصادق ( عليه السلام ) : بمثل هذه التأويل القبيح المستكره يضلون ويضلون » (1) .
          وهنا مثال آخر يبين لنا نوعاً من انواع التبريرات الخاطئة الذي جاء به معاوية حول مقتل ( عمار بن ياسر ) حيث قال معاوية : ان عمار
          ____________
          (1) معاني الأخبار ص 33 ـ 35 .

          الصفحة 183
          قد قتله علي ( عليه السلام ) ولست انا الذي قتلته لان الامام علياً ( عليه السلام ) هو الذي ارسله الى ساحة القتال فأجابه الامام علي ( عليه السلام ) : اذا كان ادعاء معاوية صحيحاً فان الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي قتل حمزة ( عليه السلام ) لان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي ارسل حمزة الى ميدان القتال ( هذه التبريرات السياسية قد ذكرناها بصورة مختصرة في المواضيع السابقة ) .
          ومن هذه الروايات العجيبة يمكننا ان نحصل على المطالب التالية :
          1 ـ ان بعض التبريرات خطيرة الى درجة بحيث تلقي بالانسان أحياناً في وادي التفسير بالرأي الخطير والتلاعب بكتاب الله تعالى ، وكأنه خمير يعجنه بما يطابق هواه وارادته ، ولقد بين الامام الصادق ( عليه السلام ) وانذر واعلن الخطر من الافراد ذوي الفهم الخاطىء .
          2 ـ ذكرنا سابقاً الاشاعة والتشهير ، وقلنا : يجب الاستفادة من هذا الموضوع لما يرضي الحق ، ولكن هناك موارد جائزة التشهير بل يجب كما رأينا الامام الصادق ( عليه السلام ) كيف اعلن امام الملأ عن هذا الرجل ذي الفهم والفكر المعوج ، وفي النهاية قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « طوبى للذين هم كما قال رسول الله يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين » (1) .
          ____________
          (1) معاني الاخبار للصدوق ص 35 .

          الصفحة 184
          اسلوب الامام الصادق ( عليه السلام ) وبيان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوحيان بضرورة التشهير بالمنحرفين والمبتدعين . وبعبارة اوضح فاولئك الذين يتمتعون بمواقع حساسة في المجتمع بحيث تترك هدايتهم ضلالتهم اثرها على المجتمع ، يجب التصدي لهم ثقافياً لو انحرفوا عن الطريق الصحيح .
          مثال : لو أن احداً شرب الخمر وركب السيارة واراد قيادتها فيجب التشهير به لان المسافرين في خطر وهو لا يهتم ويستهزء بارواح المسافرين . لكن لو شرب الخمر في بيته سراً ، فان التشهير غير جائز ويجب الحفاظ على ماء وجهه وسمعته في المجتمع .

          الصفحة 185
          6 ـ التبريرات الاقتصادية
          هناك اشكال مختلفة من التبريرات الاقتصادية ، منها :
          اضاعة الحقوق بأسم العدالة الاجتماعية .
          وبأسم الضغوط المعيشية يعمدون الى اسقاط الجنين .
          وبأسم البيع والشراء يأكلون الربا ( البقرة الآية 275 ) .
          وبأسم الهدية يأخذون ويعطون الرشوة .
          وبأسم المصلحة في الكذب يعمدون الى الكذب الحرام .
          وبأسم الخوف من الفقر يقتلون اولادهم ( الاسراء الآية 31 ) .
          ويستثمر ويأكل الارباح تحت غطاء « عندي ادارة ادارة جيدة » فيبرر عمله و ...

          عذاب أصحاب السبت :
          إنّ احدى القصص القرآنية التي يذكرها القرآن الكريم في سورة الاعراف ( الآية 136 ـ 166 ) هي قصة أصحاب السبت حيث تبين لنا

          الصفحة 186
          هذه القصة نوعاً من انواع التبرير الاقتصادي للمتخلفين والعاصين لقانون الله سبحانه وتعالى وكيف انهم استحقوا بعنادهم العذاب الشديد وجزاء الهون بما كانوا يعملون ....
          وخلاصة القصة هي ان جمعاً من بني اسرائيل يقطنون على بحيرة « ايله » بجانب البحر « وظاهراً البحر الاحمر » ارسل الله سبحانه وتعالى اليهم رسولاً فأمرهم أن لا يصطادوا يوم السبت ، ولكنهم بحسب الاصطلاح الشرعي عمدوا الى حيلةٍ شرعية فشقوا أترعةً بجانب البحيرة فيتجمع السمك فيها يوم السبت فيغلقون الابواب امام رجوع السمك الى البحيرة فيبقى فى الاترعة فيصطادونه يوم الأحد ويقولون : ان الله سبحانه وتعالى قد أمرنا ان لا نصيدها يوم السبت وها نحن نصطاد الاسماك يوم الأحد . انهم بهذا التبرير الخاطىء غطوا نقض الاوامر الالهية بالرغم من انهم هيأوا وسائل الصيد في يوم السبت وبرروا عملهم بعدم اصطياد السمك في يوم السبت ، فوعدهم الله سبحانه بالعذاب الاليم فلم يردعهم ذلك ، فاستحقوا الهلاك والويل والثبور ، وجاء في الروايات ان اهل ايله في مورد هذا الذنب ينقسمون الى ثلاث مجموعات :
          1 ـ مجموعة ارتكبوا الذنب وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
          2 ـ ومجموعة لم يرتكبوا الذنب ولكنهم وافقوا على الفعل ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر .

          الصفحة 187
          3 ـ ومجموعة لم يرتكبوا ولم يوافقوا على فعلهم بل امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .
          قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
          « هلكت الفرقتان ونجت الفرقة الثالثة » .

          قصة وعبرة :
          قال الامام الباقر ( عليه السلام ) : كان احد المؤمنين يدعى ( سعد ) في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بداية الهجرة النبوية ، وكان فقيراً شديد الحاجة من أهل الصفة ( الفقراء الذين يسكنون اطراف المسجد ) ، وكان ملازماً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند مواقيت الصلاة كلها لا يفقده في شيء منها وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يرق له وينظر الى حاجته وغربته فيقول : يا سعد لو جاءني شيء لاغنيتك ، قال : فابطأ ذلك على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاشتد غم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسعد ، فعلم الله سبحانه وتعالى ما دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الغم ، فاهبط عليه جبرائيل ( عليه السلام ) ومعه درهمان فقال له : يا محمد ان الله قد علم ما قد دخلك من الغم بسعد أفتحب ان تغنيه ؟ فقال : نعم ، فقال له : فهاك هذين الدرهمين فاعطهما إياه ، ومره ان يتجر بهما ، فاخذهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم خرج الى صلاة الظهر وسعد قائم على باب حجرات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينتظره ، فلما رآه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : يا سعد أتحسن التجارة ؟ فقال له سعد : والله ما أصبحت املك ما اتّجر به ،

          الصفحة 188
          فاعطاء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الدرهمين ، فقال له : اتّجر بهما وتصرف لرزق الله ، فاخذهما سعد ومضى مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى صلى معه الظهر والعصر ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قم فاطلب الرزق فقد كنت بحالك مغتماً يا سعد ، قال : فاقبل سعد لا يشتري بالدرهم الاّ باعه بدرهمين ، ولا يشتري شيئاً بدرهمين الاّ باعه باربعة دراهم ، واقبلت الدنيا على سعد فكثر متاعه وماله وعظمت تجارته ، فاتخذ على باب المسجد موضعاً جلس فيه وجمع تجارته اليه ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اذا أقام بلال الصلاة يخرج وسعد مشغول بالدنيا لم يتطهر ولم يتهيأ كما كان يفعل قبل ان يتشاغل بالدنيا ، فكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : يا سعد شغلتك الدنيا عن الصلاة ؟ فيقول : ما أصنع ؟ أضيع مالي ؟ هذا الرجل قد بعته فاريد ان أستوفي منه ، وهذا رجل قد اشتريت منه فاريد أن أوفيه ، قال : فدخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أمر سعد غم أشد من غمّه بفقرة ، فهبط عليه جبرئيل ( عليه السلام ) فقال : يا محمد ان الله علم بغمّك بسعد ، فايما احب اليك ، حاله الاولى أم حاله هذه ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا جبرائيل بل حاله الاولى قد أذهبت دنياه بآخرته ، فقال له جبرائيل ( عليه السلام ) ان حب الدنيا والأموال فتنة ومشغلة عن الآخرة ، قال : قل لسعد يرد عليك الدرهمين اللذين دفعتهما اليه ، فان أمره سيصير الى الحالة التي كان عليها أولاً ، قال : فخرج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فمرّ بسعد فقال له : يا سعد أما تريد أن تردّ عليّ الدرهمين الذين اعطيتكهما ؟ فقال سعد : بلى ومائتين ، فقال له :

          الصفحة 189
          لست اريد منك يا سعد الاّ درهمين ، فاعطاه سعد درهمين ، قال : وأدبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان جمع ، وعاد الى حاله التي كان عليها (1) .
          ان هذه القصة تعلمنا ان التعلق في الدنيا سببّ للغفلة عن الاخرة . وكثير غرقوا مثل ما غرق ( سعد ) وعندما تدعوهم الى الصلاة في المساجد او اي عمل من الاعمال الصالحة يبررون عدم حضورهم كما برر سعد لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويقولون : ان المسجد للذين لا عمل لهم ، ونحن نعمل ليلاً ونهاراً واشغالنا كثيرة . فهل هذا التبرير المادي صحيح ؟
          اوليس على الانسان ان ينظم اوقاته حتى لا تتضرر عبادته ووظائفه الدينية ؟ ان هذه القصة تعتبر انذاراً للذين ربطوا قلوبهم بالدنيا وشيئاً فشيئاً ينقطعون عن ذكر امور الآخرة ، ولا نراهم الاّ في مجالس العزاء لأقاربهم ، وللأسف الشديد فان الكثير بهذه الحالة لان انشغالهم بالدنيا يجعلهم ان لا يصلون ارحامهم دائماً ، ولو اعترضت عليهم لاجابوك « لدينا مشاكل كثيرة » . ان هذه التبريرات الخاطئة تشكل خطراً شديداً عليهم .
          ____________
          (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 297 ـ 298 .

          الصفحة 190
          7 ـ التبريرات العسكرية
          من البديهي ان تزداد التبريرات في الأمور الصعبة لأجل الفرار من المسؤولية ، فمسألة الجهاد والحرب مع الاعداء تعد من الواجبات المليئة بالمسؤولية الثقيلة ، واولئك الذين لا يمتلكون إيماناً قوياً يبررون تبريرات مختلفة لاجل ان يخلصوا انفسهم من المسؤولية الثقيلة والواجب المقدس .
          واحياناً يعتذرون بالاب والام الكهلين واحياناً بالمرأة والطفل ، واخرى ان الوقت حار او بارد او بحلول موسم حصاد الزرع ، او التعذر بالمرض او الضعف لاجل تبرير عدم الاشتراك في الحرب ، خصوصاً اذا كانت الحرب مع الذين ينتحلون الاسلام والذين هم اسوء من الكفار ، يبررون عدم اشتراكهم في الحرب بان حرب المسلم مع المسلم غير صحيحة وانهم اخواننا في الاسلام .

          الصفحة 191
          وبمثل هذه التبريرات يهربون من الواجب المقدس وهو الجهاد في سبيل الاسلام .

          التبرير في حرب تبوك :
          وقعت حرب تبوك في السنة التاسعة للهجرة ، وقد أمر الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالجهاد العام لكل المسلمين للوقوف امام الاعداء الروم ، فتحرك المسلمون الى منطقة تبوك . وتخلف البعض منهم عن أمر الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحجة أن الهواء حار ولا يستطيعون السفر الطويل في مثل ذلك الجو والقتال فيه . وبخلوا بانفسهم واموالهم في سبيل الدفاع عن حرمة الاسلام . وبهذا التبرير امتنعوا عن الذهاب الى الحرب وكانوا فرحين بعملهم . فذمهم القرآن الكريم في سورة التوبة ( الآية 81 ) :
          ( وقالوا لا تنفروا في الحرّ قل نار جهنّم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون ) .

          انتقاد الامام علي ( عليه السلام ) :
          انتقد الامام علي ( عليه السلام ) مجموعة من المبررين الكذابين الذين اصطنعوا الاعذار الواهية للهروب من الجهاد المقدس والمسؤولية الثقيلة ، فخاطب اهل العراق الذين وهنوا في حربهم مع جيش معاوية فقال ( عليه السلام ) :

          الصفحة 192
          « فقبحاً لكم وترحاً ، حين صرتم غرضاً يرمى ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون ، فاذا أمرتكم بالسير اليهم في ايام الحر قلتم حمّارة القيظ ، أمهلنا يسبخ عنا الحرّ ، وإذا أمرتكم بالسير اليهم في الشتاء قلتم هذه صبّارة القرّ ، أمهلنا ينسلخ عنا البرد ، فاذا كنتم من الحر والقر تفرّون فأنتم والله من السيف أفر » (1) .

          التبرير في حرب الخندق :
          يجب الانتباه الى اهمية الجهاد والدفاع وبالاخص عند الاحساس بالخطر الذي يهدد الاسلام ، فحفظ النفس اغلى من اي شيء ، ولكن في ساحة الجهاد والدفاع يجب ان تبذل ، والتبريرات التي تطرح في هذا المجال غير صحيحة ، فمثلاً من التبريرات قول البعض : ان بيوتنا عورة فيجب الحفاظ عليها وانّ ابسط الامور يعظمونها ويجعلونها اساساً لعدم المشاركة في الواجب المقدس وهو الجهاد والدفاع عن الاسلام ، ففي صدر الاسلام كانت مثل هذه الحجج والاعذار كثيرة . ففي معركة الاحزاب التي وقعت في السنة الخامسة للهجرة احتج الذين في قلوبهم مرض بان بيوتهم عورة ويجب المحافظة عليها من شر الاشرار ، وبهذه الطريقة ارادوا الفرار من الحرب . لكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رد على هذا النوع من التبريرات .
          ____________
          (1) نهج البلاغة الخطبة 27 .

          الصفحة 193
          ( نقرأ في الآية 13 من سورة الاحزاب ) :
          ( ويستأذن فريق منهم النّبيّ يقولون انّ بيوتنا عورة وما هي بعورةٍ إن يريدون إلاّ فراراً ) .

          تبرير مضحك آخر في حرب تبوك :
          كان أحد المنافقين ويدعى « جدّ بن قيس » في معركة تبوك قد برر عدم اشتراكه في ميدان الجهاد بهذا التبرير المضحك حيث قال للرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « اعذرني يا رسول الله من الاشتراك في الحرب لانني شديد التعلق بالنساء ، فعندما تقع عيني على البنات الروميات أفقد نفسي وأنجذب اليهن فأخرج عن الجهاد والواجب الشرعي فأكون مذنباً بذلك » . وحول هذا التبرير المضحك نزلت ( الآية 49 من سورة التوبة ) مفنّدةً اقواله :
          ( ومنهم من يقول إئذن لي ولا تفتنّي الا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ) .
          ان الماكرين يفرون من ساحة القتال بحجة الخوف من ارتكاب الذنوب ، ولكنهم سقطوا في قلب الذنب لانهم بالشبهة الشرعية خالفوا الاوامر الشرعية الربانية الصريحة ، وهل يستطيع احد ان يفرّ من الواجب الالهي الصريح بالتبريرات المضحكة ؟

          الصفحة 194
          تبرير قبل صلح الحديبية :
          في السنة السادسة للهجرة الذي وافق شهر ذي القعدة ، توجه الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدينة الى مكة المكرمة مع ألف واربعمائة مسلم لحج العمرة . وكان هدف هذا التحرك كمناوراتٍ عسكرية لإخافة المشركين . فشجع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المسلمين على الاشتراك بهذا التحرك . فساروا وما ان وصلوا الى منطقة ( عسقان ) القريبة من مكة المكرمة . منع المشركون الرسول من الدخول الى مكة المكرمة فتوجه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صوب الحديبية ( قرية تبعد عن مكة عشرون كيلو متراً ) حتى وصلوا اليها . وعندها عقد الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلح الحديبية مع قريش حيث هيأ الارضية ذات الاهمية الواسعة لانتصار الاسلام مستقبلاً . ثم غادر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع اصحابه المكان متوجهاً الى المدينة من دون ان يدخل مكة . وبالرغم من ان الامر النبوي كان قد عم المسلمين قاطبة فقد تخلف أصحاب الايمان الضعيف ولم يشتركوا في الذهاب مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد برروا عدم ذهابهم بان : « كيف يمكن للمسلمين ان يعودوا سالمين والمشركون يتحينون الفرص للهجوم عليهم ؟! » (1) .
          ولكن عندما رأوا المسلمين قد رجعوا سالمين تغمرهم فرحة الانتصار ( في صلح الحديبية ) بادر المتخلفون بالاعتذار من رسول
          ____________
          (1) شرح هذه اللمحة التاريخية في تاريخ الطبري المجلد 2 وسيرة ابن هشام المجلد 2 و تفسير نمونة المجلد 22 صفحة 10 الى 17 .

          الصفحة 195
          الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحجة المحافظة على نساءهم واطفالهم واموالهم ، وبهذه الحجة برروا ذنبهم امام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ردهم رداً شديداً كما نرى في ( الآية 11 من سورة الفتح ) :
          ( سيقول لك المخلّفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) .
          وجاء كذلك ذمهم في ( الآية 11 ـ 14 ) من سورة الفتح التي تبيّن ان الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أصدر أوامره الشديدة ضدهم .

          التبرير في حرب الجمل :
          احتج بعض الناس قائلين : إنّ حرب الجمل حرب بين الاخوة المسلمين ، فالواجب علينا ان نرفع ايدينا عن قتل المسلم للمسلم ، وقد انتقدوا أمير المومنين علياً ( عليه السلام ) ووقفوا ضدّه بهذه الحجة والعذر الواهي ، ولكنّ أمير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) لعن أصحاب الجمل علناً ، فقال له أحدهم :« يا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) استثني المؤمنين منهم » ، فاجابه الامام علي ( عليه السلام ) بصورة قاطعة : « ويلك ما كان فيهم مؤمنّ » (1) .
          وفي معركة صفين برر بعضهم عملهم بالقول : « ان قتل المسلمين غير جائز » ، فيجب الخروج عن طاعة الامام علي ( عليه السلام ) والانسحاب من المعركة .
          ____________
          (1) بحار الانوار : ج 32 ، ص 326 .

          الصفحة 196
          فاجابهم امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : ان افراد جيش معاوية ليسوا مسلمين بل يتظاهرون بالاسلام ويخفون الكفر ويعلنونه متى ما تسلطوا على رقاب المسلمين .
          وقال شخص آخر لعمار بن ياسر : الم يقل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حاربوا الكفار حتى يسلموا فاذا أسلموا أصبحت دماؤهم واموالهم حراماً ؟! فأجابه عمار : بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر حتى وجدوا عليه اعواناً (1) .
          وبقوا على هذه الحالة من الاعذار الواهية والحجج الخاوية وظلوا في ترديدهم يعمهون ( بان قتل المسلم للمسلم حرام ) .
          قال الامام الباقر ( عليه السلام ) في قبال هذا النوع من الافراد :
          « لو أن علياً قتل مؤمناً واحداً لكان شراً من حماري هذا » (2) .
          هذه هي الاعذار والحجج العسكرية التي طرحها بعض الناس ليرفعوا أيديهم عن نصرة الحق ويغروا الآخرين بها . ولكن يجب على المؤمنين ان يكونوا فطنين أمام الحيل والتبريرات التي يدبرها مرضى القلوب (3) .
          ____________
          (1) بحار الانوار : ج 32 ، ص 325 .
          (2) بحار الانوار ج 32 ص 327 .
          (3) هناك تبريرات اخرى متفرقة ولاجل الاقتصار اكتفينا بهذا المقدار .

          الصفحة 197
          تبرير عسكري رهيب :
          في سنة 1945 للميلاد القى الامريكان قنابل ذرية على مدينتي « هيروشيما » و « ناكازاكي » في اليابان بأمر من رئيس الجمهورية الاسبق لأمريكا ( ترومن ) فقتل ( 150 ألف انسان ) في ( هيروشيما ) وبعد ثلاثة أيام القيت قنبلة اخرى على ( ناكازاكي ) فراحت المدينة باهلها طعمة للنار ودمرت عن آخرها . فبرر ( ترومن ) هذه الفاجعة التي هي اشد مرارة من سم الافعى بان « هذا الأمر التاريخي لاجل نجاة مئات الآلاف من الجنود والملاحين والطيارين الامريكان » (1) .
          نعم ان ترومن بهذه السفسطة اراد ان يخدع وجدانه والعالم أجمع ، ولكن لم يستمر كثيراً حتى انتفض عليه اصحاب الحرية في العالم وأدانوا علمه هذا ، وبقي هذا العار يتبعه الى الابد ، وفي الحقيقة لو ان باب التبرير كان مفتوحاً لمثل هذا ، لكانت افظع الجرائم التي لا تنسى تبرر بكلمات خادعة .
          ____________
          (1) تاريخ الحوادث الكبرى ص 293 .
          الصفحة 198

          معرفة حدود الذنب

          ان حد المسائل المهمة حول معرفة الذنب ، معرفة حدود الذنب ، وبعبارة أوضح الحد الفاصل بين الصفات الاخلاقية الحسنة والسيئة التي منشؤها الذنب ، وهو من الدقة حيث نرى ان بعض الافراد على اثر عدم معرفة حدود الذنب والثواب نراهم يخلطون بين الصالح والطالح وخاصة في العقيدة او في العمل او في الاثنين معاً .
          وفي النتيجة يرتكبون عملاً طالحاً بقصد القربة باعتباره عملاً صالحاً من حيث لا يشعرون وعلى العكس فالعمل الصالح يتركونه تحت عنوان انه طالح ، ولهذه الاخطاء عملياً آثار ثقافية .
          مع ان هذا البحث بحث جديد ومشيع بالشررح والتفصيل الا اننا سنشير هنا الى عدة عناوين بصورة خاطفة لتكون مفتاحاً لتحقيقات اوسع .
          يجب الانتباه الى أنّ هذه العناوين لها حدود واسعة ، ولكن نحن نتصور ان حدودها دقيقة ، وعلى اثر عدم معرفة الضوابط نقع في

          الصفحة 199
          الخطأ فنكون مضرباً لهذا المثل ( اراد ان يكحلها فعماها ) .
          وكنموذج لهذه العناوين يجب الانتباه الى الحد الفاصل بينها :
          1 ـ الذلة ـ التواضع .
          2 ـ التكبّر ـ العّزة والوقار .
          3 ـ حب الدنيا ـ السياسة .
          4 ـ البخل ـ القناعة .
          5 ـ السكوت ـ السيطرة على اللسان .
          6 ـ عدم الخوف ـ الشجاعة .
          7 ـ كبت الغرائز ـ العفة .
          8 ـ الاسراف ـ السخاء .
          9 ـ المساواة ـ العدالة .
          10 ـ ترك الدنيا ـ الزهد .
          11 ـ الكسل ـ التوكل .
          12 ـ التملق ـ المدح اللائق .
          13 ـ الرشوة ـ الهدية .
          14 ـ قبول الظلم ـ الاستضعاف .
          15 ـ الغيبة ـ التشهير .
          16 ـ العناد ـ الاستقامة .
          17 ـ الحرص ـ السعي .
          18 ـ العجز ـ الصبر .

          الصفحة 200
          وكثيراً ما يحدث اختلاط هذه العناوين نتيجة عدم معرفة حدودها .
          فتحت عنوان القناعة هذه الصفة الطاهرة يبخلون . وبعنوان السخاء يسرفون ، وباسم حفظ العزة والوقار يتكبرون ، وباسم التواضع يذلون انفسهم ، وباسم السيطرة على اللسان يكتمون الحق ويسكتون على الذنوب ، وحول مدح المؤمن هذا العمل الطاهر يتملقون .
          وللأسف الشديد فان هذا الخلط كثير جداً في المجتمع .
          وكما قلنا فان مثل هذا الخلط كثير جداً في المجتمع .
          وكما قلنا فان الخوض في هذا البحث طويل للغاية ، لكننا سنكتفي هنا بذكر احد العناوين التي ذكرناها سابقاً ونشرحها شرحاً وافياً ومفصلاً كنموذج على ذلك لبيان المراد .

          الزهد وترك الدنيا :
          ان صفة الزهد صفة طاهرة في نظر الاسلام على العكس من ( ترك الدنيا ) فانها مذمومة وسيئة .
          قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
          « طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين من الآخرة » (1) .
          نرى من جانب في الثقافة الاسلامية ان ترك الدنيا وعدم الانشغال بامورها ليست صفة غير حسنة فحسب بل غير لائقة . وفي هذا المورد نكتفي بهذه الرواية :
          ____________
          (1) نهج البلاغة الحكمة 104 .

          الصفحة 201
          عثمان بن مظعون هو أحد الصحابة المؤمنين والبارزين والمقربين من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، جائت زوجته يوماً الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شاكية زوجها بقولها : « يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ان عثمان صائم في النهار قائم في الليل ولم يعتن بحياته وبيته » . فلما سمعها الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بان الغضب على وجهه وذهب الى عثمان فوجده يصلي ، فلما فرغ قال له الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية ولكن بعثني بالحنيفية السمحة ، أصوم وأصلي والمس أهلي » (1) .
          مع الانتباه الى الرواية السابقة يتبين لنا ان الحد الفاصل بين « الزهد » و « ترك الدنيا » دقيق للغاية ، وكثيراً ما نرى في التاريخ الاسلامي افراداً تحت عنوان الزهد تركوا الدنيا والسياسة والامور المادية وسلكوا طريق الرهبانية ، ونتيجة سوء الفهم والمعرفة بالزهد الاسلامي الحقيقي سلكوا تلك الطريق التي نهى عنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
          وبعبارة أوضح ان الزهد معناه عدم ربط القلب وتعلقه بالدنيا ، وليس معناه ترك الدنيا وما فيها . كما فعله ابراهيم الأدهم وابو يزيد البسطامي الذين هم بعيدون كلّ البعد عن الزهد . ولكن الزهد بكل ابعاده قد تمثل في امير المؤمنين ( عليه السلام ) فهو ازهد الزاهدين حيث كان يحضر في المجتمع وله دور مهم في السياسة والزراعة وكل نواحي
          ____________
          (1) وسائل الشيعة ج 14 ص 74 .

          الصفحة 202
          الحياة الذي اتخذ الدنيا وسيلة للآخرة وكان اسداً في النهار تقياً في الليل والذي عرّف الزهد بقوله ( عليه السلام ) : « الزهد كله بين كلمتين من القرآن ، قال الله سبحانه :
          ( لكيلا تأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) (1) .
          وبهذه المقولة الشريفة للامام علي ( عليه السلام ) علمنا الحد الفاصل بين التعلق بالدنيا ( والذي هو خلاف الزهد ) ، وبين اتخاذ الدنيا كوسيلة للآخرة ، فرق كبير لا يتعارض مع الزهد .
          ولعدم معرفة الحد الفاصل بين التعلق بالدنيا والزهد فانّ بعض المتظاهرين بالزهد يتهمون الامام المعصوم بتعلقه بالدنيا ، وكنموذج على هذا نأتي بهذه الرواية :
          « عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) انه قال : ان محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت ارى ان علي بن الحسين ( عليه السلام ) يدع خلقاً أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي ( عليه السلام ) فاردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه : باي شيء وعظك ؟ قال : خرجت الى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيني ابو جعفر محمد بن علي وكان رجلاً بديناً ... فقلت : سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ، أرأيت لو جاء اجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع ؟ فقال : لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة الله عزّ وجلّ ، اكف بها نفسي وعيالي عنك وعن
          ____________
          (1) نهج البلاغة : الحكمة 439 .

          الصفحة 203
          الناس وانما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله ، فقلت: صدقت يرحمك الله أردت أن اعظك فوعظتني » (1) .
          وفي حديث آخر:
          قال أبو بصير : سمعت الامام الصادق ( عليه السلام ) يقول :
          « إني لاعمل في بعض ضياعي حتى أعرق ، وإنّ لي من يكفيني ، ليعلم الله عز وجل أني اطلب الرزق الحلال » (2) .

          * * *

          الانتباه الى الاستثناءات :
          هناك موضوع آخر مهم جداً لمعرفة الذنب وهو موضوع معرفة ( الاستثناءات ) وكما يقولون : « ما من عام الاّ وقد خصّ » إنّ اقتراف كثير من الذنوب حتى الذنوب الكبيرة جائز في بعض الاحيان وواجب في الاحيان الاخرى . فمثلاً : القسم الكاذب يعد من الذنوب الكبيرة ، فاذا كان فيه نجاة حياة المسلم من يدي الظالم ، فذلك القسم واجب ، او مثلاً : الكذب حرام ، ولكن طبق الاحاديث الواردة يجوز الكذب في ثلاث موارد .
          قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
          ____________
          (1) فروع الكافي ج 5 ص 73 ، 74 .
          (2) وسائل الشيعة ج 12 ص 23 .

          الصفحة 204
          « كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلاّ في ثلاثة : رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه ، أو رجل أصلح بين اثنين يلقىهذا بغير ما يلقى به هذا ، يريد بذلك الاصلاح بينهما ، أو رجل وعد أهله شيئاً وهو لا يريد أن يتمّ لهم » .

          الغيبة واستثناءاتها :
          إنّ الموضوع الآخر الاكثر اهمية حول معرفة الذنب . هو موضوع معرفة ما يستثنى في جواز غيبة . الغيبة معناها : ذكر عيب المسلم في غيابه . وتعتبر من الذنوب الكبيرة التي نهى الاسلام عنها في كثير من الآيات والروايات . فالغيبة تعني ذكر العيب الخفي في غياب الشخص ، ولكن ذكر العيوب الظاهرة لا تعتبر غيبة . وطبيعي ان اشاعة عيوب المسلم من باب الذم والتشهير به حرام وغير جائز (1) .
          قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
          « الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه » (2) .
          وفي الآية 13 من سورة الحجرات نقرأ قوله تعالى :
          ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) .
          ونذكر هنا روايتين عن المساوي ، التي يخلفها ذلك الذنب
          يتبع

          تعليق


          • #6
            ____________
            (1) اصول الكافي ج 2 ص 342 ( باب الكذب الحديث 18 ) .
            (2) اصول الكافي ج 2 ( باب الغيبة الحديث 7 ) .

            الصفحة 205
            العظيم ، وهو الغيبة :
            1ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « الغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة في جوفه » (1) .
            2 ـ اوحى الله سبحانه وتعالى الى موسى ( عليه السلام ) .
            « من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ، ومن مات مصرّاً عليها فهو اول من يدخل النار » (2) .
            مع كل هذه التحذيرات من الغيبة التي هي ذنب كبير وكل هذه النواهي عن ارتكابها ، ولكن في بعض الموارد نرى أنّ الغيبة جائزة بل تصل الى حد الوجوب .
            يذكر العالم الكبير والاستاذ المعظم الشيخ مرتضى الانصاري في كتاب المكاسب ما يلي :
            اعلم انه كلما كان المرخص في ذكر المساوىء غرض صحيح لا يمكن التوصل اليه الاّ بها جازت ، وعلى هذا فموارد الاستثناء لا تنحصر في عدد منها (3) :
            1 ـ اذا كان المغتاب متجاهراً بالفسق : فان من لا يبالي بظهور فسقه بين الناس لا يكره ذكره بالفسق .
            2 ـ تظلم المظلوم واظهار ما فعل به الظالم وان كان متستراً به .
            ____________
            (1) اصول الكافي ج 2 ص 356 .
            (2) المحجة البيضاء ج 5 ص 252 .
            (3) نقل نصاً في كتاب المكاسب ص 45 ـ 46 .

            الصفحة 206
            3 ـ الاستفتاء بان يقول للمفتي : ظلمنتي فلان في حقي فكيف طريقي في الخلاص ؟ هذا اذا كان الاستفتاء موقوفاً على ذكر الظالم بالخصوص والاّ فلا يجوز .
            4 ـ قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله فانه اولى من ستر المنكر عليه .
            5 ـ قصد منع مادة فساد المغتاب عن الناس كما في المبتدع الذي يخاف من اضلاله الناس .
            6 ـ جرح الشهود فانّ الاجماع دل على جوازه ، ولان مصلحة عدم الحكم بشهادة الفساق اولى من الستر على الفاسق .
            7 ـ دفع الضرر عن المغتاب .
            8 ـ ذكر الشخص بعيبه الذي صار بمنزلة الصفة المميزة التي لا يعرف الا بها كالاعمش والاعرج والاشتر والاحول ونحوها .
            9 ـ القدح في مقالة باطلة وان دل على نقصان قائلها اذا توقف حفظ الحق وابطال الباطل عليه .
            وجاء في القرآن الكريم الآية 148 من سورة النساء :
            ( لا يحبّ الله الجهر بالسّوء من القول الاّ من ظلم ) .
            وعلى هذا الاساس نرى ان بعض الذنوب وعلى قاعدة تفضيل ( الأهم على المهم ) فيها استثناءات ذكرها الفقهاء ويجب معرفة هذه الموارد حتى يميز الانسان العمل الصالح من الطالح . ولا انسى انه في زمان النظام السابق قال احد الاشخاص : « ما دامت الغيبة حراماً فلماذا

            الصفحة 207
            تستغيبون الشاه ؟ » إنّ مثل هذه الاعتراضات دليل على عدم معرفة الامور المستثناة من الغيبة .

            الانتباه الى جميع القيم :
            إنّ احد الامور اللازمة الذكر حول معرفة الذنب . هو غفلتنا في بعض الاحيان عن الذنوب الواقعة تحت تأثير القيم الكبيرة والكثيرة الاهمية . فالمسلم الذي يعرف الذنب يجب عليه ان يكون فطناً في جميع الاحوال ، ولا يدع ايّ منفذ لاقتراف الذنب . وحول هذا الأمر نأتي بهاتين القصتين :
            1 ـ قال انس : استشهد غلام منا يوم أحد فمسحت أمه التراب عن وجههت وقالت : هنيئاً لك الجنة يا بني ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وما يدريك ؟ « فلعلّه تكلّم فيما لا يعنيه ، وبخل بما لا ينقصه » (1) .
            2 ـ ومثل هذا المطلب في مسألة أم « سعد بن معاذ » (2) .
            قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لام سعد : « يا ام سعد مه ، لا تجزمي على ربك فان سعداً قد أصابته ضمّة » .
            « نعم انه كان في خلقه مع اهله سوء » .
            ____________
            (1) المحجة البيضاء ج 5 ص 200 .
            (2) بحار الانوار ط القديمة ج 6 ص 696 ـ قاموس الرجال ج 4 ص 341 .

            الصفحة 208

            الصفحة 209

            القسم الرابع
            العوامل التي تمنع وتسيطر على الذنب ،
            والتعامل مع المذنب


            العوامل التي تمنع الذنب :
            كما ان للعربة موقّفاً يوقفها عند الانزلاق والمخاطر كذلك في الانسان غرائز وطموحات تحتاج الى سيطرة عليها .
            وللسيطرة على الانسان من اقتراف الذنوب هناك خطوط كلية نلخصها بما يلي :
            1 ـ التفكير في الامور المختلفة .
            2 ـ الايمان والاعتقاد بالله سبحانه بانه حاضر في كل مكان وذكره الدائم .
            3 ـ معرفة النفس والانتباه الى شخصية الانسان .
            4 ـ الايمان بالمعاد ويوم القيامة .
            5 ـ مسألة عرض الاعمال على الائمة ( عليهم السلام ) .

            الصفحة 210
            6 ـ ذكر الموت والشعور بقربه .
            7 ـ الخوف من الله سبحانه ومن عاقبة الذنب .
            8 ـ تأثير العبادة في الامتناع عن الذنب .

            * * *

            1 ـ التفكير مرأة صافية :
            التفكير في عواقب الذنب يدعو الى التوبة .
            التفكير في فناء الدنيا يدعو الى الزهد .
            التفكير في نعم الله سبحانه يدعو الى حب الله سبحانه .
            التفكير في الحوادث ذات العبر يدعو الى التواضع .
            التفكير في الموت يدعو الى السيطرة على الاهواء النفسية .
            التفكير في احوال الكبار يدعو الى الرشاد .
            التفكير في عواقب الامور يدعو الى الحصانة من الذنب .
            التفكير في عذاب الله سبحانه يدعو الى الخوف من الله سبحانه .
            التفكير في الضعف يدعو الى التوكل .
            التفكير في وسوسة الشيطان يدعو الى العصمة والارادة القوية .
            التفكير في التاريخ يدعو الى عبرة المعتبر .
            التفكير في الخلق وما صنع الله سبحانه يدعو الى الايمان بالله سبحانه .

            الصفحة 211
            التفكير في آيات واحكام الله سبحانه يدعو الى التسليم في مقابل الاوامر الالهية .
            التفكير في المفاسد الاخلاقية يدعو الى تهذيب النفس .
            التفكير في مصائب الآخرين يدعو الى الاستقامة .
            التفكير في رحمة الوالدين يدعو الى الاحسان اليهم .

            ومن خصائص التفكير هي :
            انّ التفكير عبادة لا رياء فيها ، لان التفكير لا يرى حتى يكون فيه رياء ... والتفكير عبادة لا يحتاج الى وسيلة ( كل شيء كالصلاة والحج و ... يحتاج الى وسيلة مثل المال والملابس والوسائل النقلية ... ولكن التفكير لا يحتاج الى وسيلةٍ ) .
            وعلى كل حال فالتفكير الصحيح سواء كان بصورة مستقيمة او غير مستقيمة له تاثير بالغ في الامتناع من الذنب . كالمرآة التي تعكس القبيح والحسن وكما قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : « الفكر مراة صافية » (1) .
            وقال الامام علي ( عليه السلام ) ايضاً :
            « ما زلّ من أحسن الفكر » (2) .
            ____________
            (1) نهج البلاغة حكمة 5 .
            (2) ميزان الحكمة ج 7 ص 538 نقل من غرر الحكم .

            الصفحة 212
            2 ـ الايمان بالله سبحانه وتعالى والاعتقاد بحضوره في كل مكان :
            الايمان بالله جل وعلا وذكره في كل حال والاعتقاد باننا في قبضة الله سبحانه هو من أحد العوامل التي تمنع اقتراف الذنب والتي ترسخ العقيدة وتقضي على طغيان الغرائز الحيوانية في الانسان . وما من شيء اشدّ اثراً من ذلك الايمان الذي يقلع جذور الذنب . فالمؤسسات الاصلاحية ومراكز الشرطة والجيش لا تستطيع اصلاح الفرد والمجتمع ما دامت فاقدة للايمان والقضايا المعنوية . فالاعتقاد بان الله سبحانه يرانا وهو معنا في كل مكان يعطي الانسان قوة يقف بها صامداً امام الذنب . أما المؤسسات الاصلاحية ومراكز الشرطة والجيش فأقصى ما تمتلك من القوة والافراد ليست قادرة على الوقوف امام الذنوب الخفية ، ولا يمكنها السيطرة على الذنوب التي تقترف في الخلوة ولكن الايمان الداخلي للانسان يستطيع ان يضمن السلامة من اقتراف الذنوب الظاهرية والباطنية ... وعلى هذا الاساس نرى تأكيد الروايات والآيات القرآنية على الايمان كعامل رادع ومانع للذنب .
            فعلى سبيل المثال نستعرض بعض النماذج :
            في الآية 14 من سورة العلق نقرأ :
            ( ألم يعلم بأنّ الله يرى ) .
            وفي الآية 14 من سورة الفجر نقرأ :
            ( إنّ ربّك لبالمرصاد ) .

            الصفحة 213
            وفي الآية 19 من سورة المؤمنين نقرأ ايضاً :
            ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور ) .
            وجاءت كلمة ( بصير ) 51 مرة في القرآن الكريم وكلمة ( سميع ) 49 مرة .
            إنّ هذه الآيات تبين بوضوح اننا في قبضة وعين الله سبحانه وتعالى ، يرانا في الخلوة والعلن وفي كل عمل نقوم به حتى الخواطر التي تمر على الانسان فانها مرصودة وفي علم الله جلّ وعلا .
            ورد في دعاء الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي يسمى دعاء « يستشير » قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « أسمع السامعين ، أبصر الناظرين » .

            قراءة في الروايات :
            قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
            « اتقوا معاصي الله في الخلوات ، فان الشاهد هو الحاكم » (1) .
            وقال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ايضاً :
            « ولا تهتكوا استاركم عند من يعلم أسراركم » (2) .
            ويروى أنّ شخصاً جاء الى الامام الحسين ( عليه السلام ) وقال : يا ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انا رجل كثير الذنوب ولا استطيع ترك الذنب فعظني يا ابا عبدالله .
            ____________
            (1) نهج البلاغة : الحكمة 324 .
            (2) نهج البلاغة : الخطبة 203 .

            الصفحة 214
            فقال له الامام الحسين ( عليه السلام ) :
            « افعل خمسة أشياء واذنب ما شئت فأول ذلك : لا تأكل رزق الله واذنب ما شئت ، والثاني : اخرج من ولاية الله واذنب ما شئت ، والثالث : اطلب موضعاً لا يراك الله واذنب ما شئت ، والرابع : اذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك واذنب ما شئت ، والخامس : اذا ادخلك مالك في النار فلا تدخل في النار واذنب ما شئت » (1) .
            وبدون شك فانّ أحد العوامل الذي يهيء الارضية لاقتراف الذنب هو الغفلة والذي يقابله ذكر الله سبحانه وتعالى ، حيث ان الذكر عامل مهم في منع اقتراف الذنب .
            قال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
            « ثلاثة من أشد ما عمل العباد : إنصاف المرء من نفسه ، ومواساة المرء أخاه وذكر الله على كل حال ، وهو ان يذكر الله عزوجل عند المعصية يهمّ بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية وهو قول الله عز وجل :
            ( إنّ الذّين اتّقوا اذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فاذا هم مبصرون ) (2) .
            قال الامام الصادق ( عليه السلام ) حول ذكر الله سبحانه .
            ____________
            (1) بحار الانوار :ج 78 ص 126 ـ منهاج الشهادة ص 311 .
            (2) بحار الانوار : ج 93 ص 379 ـ ميزان الحكمة ج 3 ص 425 .

            الصفحة 215
            « .... ولكن ذكر الله في كل موطن اذا هجمت على طاعته أو معصيته » (1) .
            وهنا نقطة من اللازم ذكرها وهي ان اموراً ذكرت في القرآن الكريم مثل : الشيطان ، الأموال ، الاولاد ، التجارة ، التفريط في التمتع في الدنيا ، وهذه كلها عوامل غفلة وموانع للذكر وعلى هذا الاساس فانّ ذكر الله سبحانه وتعالى يكون مانعاً للذنب متى ما رفعت هذه الحجب ، حجب الغفلة عن الانسان .

            3 ـ معرفة النفس والانتباه الى شخصية الانسان :
            انّ أحد العوامل التي تمنع الذنب هو معرفة الانسان لمقدار شخصيته لان اكثر الذنوب تاتي من استهانة الانسان بشخصيته .
            فعلى سبيل المثال : لو ان طفلاً كسر اناءً صغيراً في البيت فانك تضربه على يده وتوبخه وتقول له : لماذا كسرت الاناء الصغير ؟ ولكن هذا الطفل لو كسر احد الاواني الغذائية ذات القيمة أمام الضيوف ، فانك في منتهى البرود تقول له : ليس هذا مهماً المهم سلامتك . فانك هنا انتبهت الى شخصيته امام الضيوف وهذا الانتباه يجعلك تسيطر على نفسك مستقبلاً .
            ____________
            (1) بحار الانوار : ج 93 ، ص 154 .

            الصفحة 216
            شخصية الانسان في نظر القرآن :
            ان الانسان في نظر القرآن خليفة الله سبحانه وتعالى في الارض والذي سجدت له الملائكة ، وما من شيء خلقه الله سبحانه إلاّ وسخره له . في الآية 13 من سورة الجاثية نقرأ :
            ( وسخّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعاً منه ) .
            وجاء في الآية 70 من سورة الاسراء ايضاً :
            ( ولقد كرّمنا بني آدم ) .
            وجاء في نهاية هذه الآية : ( وفضّلناهم ) .
            ان هذه الآية تبين لنا عظمة شخصية الانسان التي كرّمها الله سبحانه واودع فيها المواهب الالهية ( من المادية والمعنوية ) وجعل الانسان سيداً لكل الموجودات .
            وجاء في الآية 38 من سورة التوبة خطاب الله جل وعلا الموجّه للمؤمنين :
            ( أرضيتم بالحياة الدّنيا ) .
            ويعني : ايها الانسان لا تكن دنيوياً فانت اسمى وارفع من ان تبيع نفسك للدنيا . ولنضرب مثالاً آخر :
            لو انك تملك سيارة فخمة جديدة فانك لا تستخدمها في الشارع الترابي ، حيث تقول : من المؤسف استخدام هذه السيارة في هكذا طريق كيف وانت خليفة الله سبحانه في الارض واعلى الموجودات شأناً أليس من المؤسف ان ترتكب الذنوب المضلة

            الصفحة 217
            والذنوب الماحقة ؟!
            وبالحقيقة لو عرفنا انفسنا وامعنا النظر في شخصياتنا لمنعنا ذلك من اقتراف ايّ ذنب ، ولكن لو تصورنا انفسنا بانها منحطة وفارغة ولم نقيمها فسوف نفعل كل فعل منحط .
            ونقرأ في الآية 54 من سورة الزخرف :
            ( فاستخفّ قومه فأطاعوه ) .
            ومعناه : ان البرنامج الاستعماري والاستثماري لفرعون الذي وضعه لقومه جعلهم بلا شخصية وأدّى بهم الى الانحطاط والاستخفاف بأنفسهم وجعلهم بالتالي يتبعون فرعون ، فلو كانوا يمتلكون شخصية قوية وثابتة فمن المحال ان يضحوا بانفسهم في سبيل حياة فرعون الملوثة ، ولكن احساسهم بالحقارة صيّرهم عبيداً لغير الله جل وعلا .

            معرفة النفس في نظر الروايات :
            قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
            1 ـ إنّه ليس لانفسكم ثمن إلاّ الجنة فلا تبيعوها الاّ بها » (1) .
            2 ـ « قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد امكنه ان يكون إنساناً » (2) .
            ____________
            (1) نهج البلاغة الحكمة 456 .
            (2) الأخلاق للشيخ الفلسفي ج 2 ص 12 .

            الصفحة 218
            3 ـ « ما تكبّر إلاّ وضيع » .
            4 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
            « القلب حرم الله فلا تسكنوا حرم الله غير الله » .
            5 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
            « عجب لمن ينشد ضالته ، وقد أضل نفسه فلا يطلبها » (1) .
            6 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أيضاً :
            « قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله » (2) .
            7 ـ وقال الامام علي ( عليه السلام ) ايضاً :
            « العارف من عرف نفسه فاعتقها ونزهها عن كل ما يبعّدها ويوبقها » (3) .
            8 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أيضاً :
            « ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً » (4) .
            إنّ هذه المجموعة من الآيات والروايات ينتج عنها : ان الانسان يمتلك كرامة ذاتية و اكتسابية . فيجب عليه ان يحترم شخصيّته ويصون كرامته حتى يبتعد عن جملة من الذنوب والخطايا ، فاعطاه شخصّية لنفسه وللآخرين ركن من اركان الهداية والتربية .
            ____________
            (1) غرر الحكم ج 4 ص 340 .
            (2) غرر الحكم ج 4 ص 507 ـ ميزان الحكمة ج 8 ص 229 .
            (3) غرر الحكم ج 2 ص 48 .
            (4) نهج البلاغة خطبة 32 .
            الصفحة 219
            4 ـ الايمان بالمعاد والحساب :
            اشارة :
            القرآن كتاب يصنع انسانية الانسان وتربيته . وعلى هذا الأساس نرى أن القرآن قد اولى اهتماماً كبيراً في مسألة تربية الانسان على مبدأ الايمان بالمعاد والانتباه الى الحساب والكتاب يوم القيامة . وقد وردت مسألة المعاد ( 1400 مرة ) في القرآن الكريم . واكثر من سدس القرآن تقريباً يدعو الانسان الى المعاد وذكر يوم القيامة والحساب والكتاب .
            إنّ الايمان بالمعاد يعني الايمان بالحياة الابدية التي تحتوي على كل الاشياء المرتبة وفق حساب ونظام خاص . الايمان بالمعاد يعني الايمان بان يأخذ الانسان حقه من العذاب والثواب نتيجة اعماله في الدنيا . ومعناه كذلك ان المحاسن والمساوىء لا تفنى ولا تضمحل ، بل للانسان ما يعمل . انّ مثل هذه العقيدة لها الدور الفعال في تربية ونمو روح الانسان . وهنا نذكر نماذج من الآيات الشريفة :
            1 ـ جاء في الآية 30 من سورة آل عمران :
            ( يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوءٍ ) .
            2 ـ ونقرأ في الآية 8 من سورة القمر :
            ( خشّعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر ) .

            الصفحة 220
            3 ـ وفي الآية 34 ـ 37 من سورة عبس نقرأ :
            ( يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ امرىً منهم يؤمئذٍ شأن يغنيه ) .
            إنّ هذه الآيات الشريفة هي نموذج من مئات الآيات التي جاءت في القرآن الكريم حول يوم القيامة . يوم الندامة للمذنبين يوم لا رجعة ولا فرار من حكومة الله سبحانه وتعالى . انه يوم تعرض فيه صحيفة اعمال الانسان فيرى الانسان اعماله كما هي .

            المهم ان لا ننسى يوم المعاد ونكون على ذكرٍ دائمٍ له . فذكره حتى ولو لم يكن لدينا ايمان ويقين به قطعاً بل نظن به ظناً ونحتمل وقوعه فهو كافٍ لاجل التربية كما ذكر في الآية الكريمة (5 ـ 7) من سورة المطففين :
            ( إلاّ يظنّ اولئك انّهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ * يوم يقوم النّاس لربّ العالمين ) .

            الصالحون والمعاد :
            الانبياء والائمة واولياء الله جميعاً كانوا دائمي الذكر للمعاد . ويبدأون دعوتهم بذكر المبدأ والمعاد ، ولا يغفلوا لحظة واحدة عن التفكير بيوم المعاد ، وكلما تناولوا طعاماً حاراً او رأوا شمساً محرقة تذكروا يوم القيامة . عندما طلب عقيل من أخيه الامام علي ( عليه السلام )

            الصفحة 221
            مساعدة اضافية من بيت المال قال له الامام علي ( عليه السلام ) « اتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرني الى نارٍ سجرها جبّارها لغضبه » (1) .
            وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في خطبة اخرى : « واتقوا ناراً حرها شديد وقعرها بعيد وحليتها حديد ، وشرابها صديد » (2) .

            صاحب سلمان :
            « مر سلمان يوماً على سوق الحدادين في الكوفة فرأى شاباً قد صعق ، والناس قد اجتمعوا حوله ، فقالوا له : يا أبا عبدالله هذا الشباب قد صرع ، فلو قرأت في اذنه ، قال : فدنا منه سلمان فلما رآه الشاب أفاق وقال : يا ابا عبدالله ليس بي ما يقول هؤلاء القوم ، ولكني مررت بهؤلاء الحدادين وهم يضربون المرزبات فذكرت قوله تعالى : ( ولهم مقامع من حديدٍ ) فذهب عقلي خوفاً من عقاب الله تعالى ، فاتخذه سلمان أخاً ، ودخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى فلم يزل معه حتى مرض الشاب فجاءه ، سلمان فجلس عند رأسه وهو يجود بنفسه فقال : ( يا ملك الموت ارفق بأخي ) ، قال : يا ابا عبدالله اني بكل مؤمن رفيق » (3) .
            ____________
            (1) نهج البلاغة خطبة 224 .
            (2) نهج البلاغة خطبة 120 .
            (3) بحار الانوار ج 22 ص 385 .

            الصفحة 222
            5 ـ عرض الاعمال :
            إنّ احدى المعتقدات الاسلامية التي لها الاثر البالغ في منع الذنب هي مسألة « عرض الأعمال على الصالحين ( عليهم السلام ) » ومعناه ان الله سبحانه وتعالى ـ من طرق خاصة ـ يعرض الاعمال في كل يوم او في كل اسبوع مرة على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والائمة الطاهرين ( عليهم السلام ) فاذا كانت حسنة تفرحهم واذا كانت سيئة يحزنون لشيعتهم . فعندما يعرف الانسان وقوع هذا الامر يحتاط ويراقب نفسه اكثر حتى يترك الذنب ليسعد الرسول والائمة ( عليهم السلام ) . مثلهم كمثل الذين يعملون في مؤسسة ما ، فلو علموا ان اعمالهم تعرض كل يومٍ او كل اسبوع مرة على المسؤولين الكبار فانهم يزيدون من سعيهم لارضاء المسؤولين باعمالهم الحسنة . ( وفي الآية 105 ) من سورة التوبة نقرأ قوله تعالى :
            ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشّهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) .
            وحول مسألة عرض الاعمال فقد وردت روايات كثيرة عن الائمة ( عليهم السلام ) في كتاب اصول الكافي وتذكر في باب ( عرض الاعمال على النبي والائمة ( عليهم السلام ) ) ويحتوي على ستة احاديث :
            وقد جاء في بعض الروايات : ان الاعمال الصالحة والسيئة للانسان تعرض على الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كل صباح وفي بعضها

            الصفحة 223
            تعرض كل عصر يوم خميس . وتذكر بعض الروايات ان الاعمال تعرض على الائمة الاطهار ( عليهم السلام ) وفي بعضها تعرض على امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) (1) .

            6 ـ ذكر الموت :
            ان ذكر الموت يكسر غرور الانسان وبالتالي يهيىء الارضية لترك الذنب ، وهو عامل مهم للامتناع عن ارتكاب الذنب والسيطرة عليه ، وحول هذا الموضوع قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
            « أكثروا ذكر الموت فأنّه يمحّص الذنوب » (2) .
            قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
            « الموت الزم لكم من ظلكم » (3) .

            7 ـ الخوف من الله ومن عاقبة الذنب :
            إنّ احد العوامل التي تمكّن الانسان من السيطرة على اقتراف الذنب هو الخوف من الله سبحانه ومن عاقبة الذنب .
            قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
            ____________
            (1) اصول الكافي المجلد الاول ص 219 ، وفي كتاب وسائل الشيعة المجلد 11 ص 101 و كذلك ذكر باب فيه 25 حديثاً ، وكتاب ميزان الحكمة ج 7 ص 32 ـ 35 .
            (2) نهج الفصاحة الحديث 444 ـ ميزان الحكمة ج 9 ص 246 .
            (3) فهرس الغرر ( الموت ) .

            الصفحة 224
            « من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى » (1) .
            وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً :
            « يا اسحق خف الله فانك تراه وان كنت لا تراه يراك » (2) .
            وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
            « يا أبا ذر إياك إياك أن تدركك الصرعة عند العثرة ، فلا تقال العثرة ولا تمكّن من الرجعة ، ولا يحمدك من خلّفت بما تركت ، ولا يعذرك من تقدم عليه بما اشتغلت به » (3) .
            وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
            « لا تخف الاّ ذنبك » (4) .
            وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
            « العجب ممن يخاف العقاب ولم يكف » (5) .
            ويعني انّ الابتعاد عن الذنب دليل الخوف من عذاب
            ____________
            (1) اصول الكافي ج 2 ص 70 .
            (2) اصول الكافي ج 2 ص 67 ـ 68 .
            (3) بحار الانوار ج 77 ص 75 يعني واظب على نفسك أن لا يدركك الموت حين غفلتك واشتغالك بالدنيا فلا تتمكن من الاقالة والرجعة ووارثك لا يحمدك بما تركت له . ولا يقبل الله العذر منك باشتغالك بامور الدنيا .
            (4) غرر الحكم ـ ميزان الحكمة ج 3 ص 182 .
            (5) بحار الانوار ج 77 ص 237 .

            يتبع

            تعليق


            • #7
              الصفحة 225
              الله سبحانه .

              8 ـ تأثير العبادة في الامتناع عن ارتكاب الذنب :
              انّ العبادات في الاسلام اذا اقيمت بشرائطها وصحتها فاضافة الى فوائدها المعنوية لها دور فعال في السيطرة على الذنب . والهدف الاصلي من العبادات بعد معرفة الله سبحانه وتعالى هو تطهير النفس والحصانة من الذنب مع الانتباه الى ان النية في قصد القربة الى الله سبحانه دليل على صحة العبادة . وللعبادة نور يبعث الاخلاص والصفاء في روح الانسان . والاستمرار بها يقوي ارتباط الانسان بالله سبحانه وتعالى .
              جاء في الآية 183 من سورة البقرة قوله تعالى :
              ( يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون ) .
              وجاء في ( الآية 45 من سورة العنكبوت ) قوله تعالى :
              ( أتل ما أوحي اليك من الكتاب وأقم الصلاة إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .
              وجاء في الروايات حول هذا الموضوع بشكل واضح وصريح ما يلي :
              1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              « مثل الصلاة كمثل النهر الجاري ، كلّما صلى صلاة كفرت ما

              الصفحة 226
              بينهما » (1) .
              2 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              « من أحبّ أنّ يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر : هل منعت صلاته عن الفحشاء والمنكر ؟ فبقدر ما منعته قبلت منه » (2) .
              3 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام )
              « والصلاة تنزيها عن الكبر ... والنهي عن المنكر ردعاً للسّفهاء » (3) .
              عند القيام بالعبادات مثل : الصلاة ، والصوم ، والحج و ... نرى ان هناك اموراً تبطل هذه العبادات فيجب مراعاتها والانتباه الى مبطلاتها لتكون مقبولة وعلى الوجه الصحيح . فهذه المراعات هي نوع من انواع الترويض لتقوية الارادة لتربية النفس للوقوف امام الذنوب ، لان ترك الذنب يحتاج الى مقدار من الارادة واستقامة الانسان ، والمسألة الاخرى هي موضوع علاج الذنب لتطهير الانسان منه . فيجب الانتباه اليه بعمق ودقة ، وقد ذكر علماء الاخلاق الطرق الواضحة في معالجة الذنوب حيث بينوا لنا ان لكل ذنب علاجاً خاصاً ودواء شافياً للصدور ، حيث جاءت في الروايات جملة من هذه الأدوية لعلاج الذنوب (4) . فعلى سبيل المثال نذكر نماذج منها :
              ____________
              (1) وسائل الشيعة ج 3 ص 7 .
              (2) مجمع البيان ذيل آية 45 عنكبوت .
              (3) نهج البلاغة حكمة 252 .
              (4) في كتاب معراج السعادة للمحقق النراقي طرق معالجة بعض الذنوب .

              الصفحة 227
              1 ـ قال عمار بن ياسر (1) سمعت امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) يقول :
              « ولا وجع أوجع للقلوب من الذنوب » (2) .
              2 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
              « لكل داءٍ دواء ، ودواء الذنوب الاستغفار » (3) .
              3 ـ وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
              « داووا بالتقوى الاسقام » (4) .

              طريقة العلاج :
              ولاجل توضيح الطرق لعلاج الذنوب نذكر نموذجاً واحداً :
              مثلاً : اذا ابتلي لسان الانسان بمرض الغيبة فعلاجه على نحوين :
              « على الجملة والآخر على التفصيل ، أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله بغيبته بالأخبار والروايات ، وأما على التفصيل فهو أن ينظر الى السبب الباعث على الغيبة فان علاج العلة بقطع سببها ومن اسبابها ( الغضب ، الخيانة ، تزكية النفس ، الحسد ، التكبر )
              ____________
              (1) مستدرك الوسائل 2 ص 356 .
              (2) اصول الكافي ج 2 ص 275 .
              (3) نفس المصدر السابق ج 1 ص 287 .
              (4) نهج البلاغة خطبة 191 .

              الصفحة 228
              وعلاجها بالمعرفة فقط والتحقق بهذه الامور التي تؤدي الى ابواب الايمان فمن قوي ايمانه بجميع ذلك انكفأ لسانه عن الغيبة لا محالة » (1) .
              ____________
              (1)نقلاً عن المحجة البيضاء ج 5 ص 264 .

              الصفحة 229

              موقف الاسلام من المذنب

              ان الاسلام يرى ان الواجب على كل الناس بالقلب واللسان والقدرة ان يقفوا أمام المذنب وان يهتموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
              قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              « ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الانبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الارض وينتصف من الاعداء ويستقيم الأمر » (1) .
              قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              ( ادع الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن ) . ( النحل الآية 125 )
              ____________
              (1) وسائل الشيعة ج 11 ص 395 .

              الصفحة 230
              وقال الله سبحانه وتعالى ايضاً :
              ( ادفع بالّتي هي أحسن السّيّئة ) . ( المؤمنون الآية 96) .

              التأديب الاجتماعي والاساليب الاخرى :
              يرى الاسلام ان التعامل مع المذنب طريقة من طرق التأديب الاجتماعي ، وحول هذا الموضوع نذكر بعض النماذج :
              1 ـ ( الآية 3 من سورة النور ) قوله تعالى :
              ( الزّاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركةً والزّانية لا ينكحها إلاّ زانٍ أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين ) .
              2 ـ ( الآية 4 من سورة النور ) :
              ( والذّين يرمون المحصنات ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون ) .
              3 ـ ( التوبة الآية 28 ) :
              ( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا .... ) .
              4 ـ ( الآية 118 من سورة التوبة ) :
              ( وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه ثمّ تاب عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرّحيم ) .

              الصفحة 231
              5 ـ ( الآية 140 من سورة النساء ) :
              ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفربها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنّكم إذاً مثلهم إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ) .

              الروايات ومواجهة المذنب :
              ذكرت في الروايات الاسلامية أساليب كثيرة في كيفية التعامل مع المذنب ، نذكر منها عدة نماذج :
              1 ـ قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
              « ادنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرةٍ » (1) .
              2 ـ قول الامام الصادق ( عليه السلام ) لاحد اصحابه الذي يدعى ( الحارث بن المغيرة ) الذي قال : « قال الامام الصادق ( عليه السلام ) ... أما لاحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم فدخلني من ذلك أمر عظيم ، قال ( عليه السلام ) : ما يمنعكم اذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الاذى أن تأتوه فتؤنبوه وتذلوه وتقولوا له قولاً بليغاً ، فقلت : جعلت فداك اذا لا يطيعوننا ولا يقبلون منا ، فقال : اهجروهم واجتنبوا مجالسهم » (2) .
              ____________
              (1) وسائل الشيعة ج 11 ص 413 .
              (2) روضة الكافي ص 162 .

              الصفحة 232
              3 ـ قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) في كلامه حول التعامل مع الطواغيت والظالمين :
              « يا زياد لئن اسقط من حالق فاتقطع قطعة قطعة أحبّ اليّ من أن أتولى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم ... » (1) .

              غضب الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              يعتبر دواد بن علي أحد ولاة بني العباس المجرمين الذي كان والياً على المدينة . ارسل على ( معلّى بن خنيس ) أحد الموالين والتلامذة المخلصين للامام الصادق ( عليه السلام ) فقتله وصادر امواله . فتأثر الامام الصادق ( عليه السلام ) تأثراً شديداً على قتله وذهب الى داود وقال ( عليه السلام ) له :
              « قتلت مولاي وأخذت مالي ، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب ، أما ولله لادعونّ الله عليك » (2) .
              فسخر داود عن كلام الامام ( عليه السلام ) وقال له : اتهددني بدعائك ؟ فرجع الامام ( عليه السلام ) الى بيته وقضى ليلته بالصلاة فلما جاء السحر ناجى الامام الصادق ربّه وقال ( عليه السلام ) : « يا ذا القوة القوية وياذا المحال الشديد ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل اكفني هذا الطاغية وانتقم لي منه » .
              ____________
              (1) وسائل الشيعة ج 12 ص 140 .
              (2) الارشاد للمفيد ج 2 ص 184 .

              الصفحة 233
              وما مرت الاّ ساعة حتى تعالت الاصوات في المدينة بموت داود .

              موقف الامام الكاظم ( عليه السلام ) :
              احياناً يكون التعامل الحسن مع المذنب موجباً لهدايته كما في القصة التالية :
              « كان أحد المنسوبين للخلفاء كلما يرى الامام الكاظم ( عليه السلام ) يذكره ويذكر امير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) بالكلام البذيء وذات يوم جاء جمع من محبي الامام الكاظم ( عليه السلام ) وطلبوا منه الاجازة في قتله ، فلما سمع الامام ( عليه السلام ) بكلامه قال لهم : لا تقدموا على هذا العمل ولكن قولوا لي اين مكان هذا الرجل ؟ فقالوا له : انه مشغول في بستانه .
              فركب اليه فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره ، فصاح به العمري : لاتطأ زرعنا فوطأه ابوالحسن ( عليه السلام ) بالحمار حتى وصل اليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه وقال له : كم غرمت في زرعك هذا ؟ فقال : مائة دينار ، قال : وكم ترجو ان تصيب ؟ قال : لست أعلم الغيب ، قال : انما قلت لك ترجو ان يجيئك فيه ، قال : ارجو ان يجيئني فيه مائتا دينار قال : فأخرج ابوالحسن ( عليه السلام ) صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال : هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو قال : فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطه فتبسم اليه ابو الحسن ( عليه السلام ) وانصرف وراح الى المسجد فوجد العمري جالساً فلما

              الصفحة 234
              نظر اليه قال : « الله اعلم حيث يجعل رسالته » ... فلما رجع ابو الحسن ( عليه السلام ) الى داره قال لجلسائه الذين سألوه عن قتل العمري :
              « ايما كان خيراً ما اردتم او ما اردت انني اصلحت امره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت به شره » (1) .

              موقف الاحكام الشرعية من المذنب :
              في الفقه الاسلامي قوانين واوامر في التعامل مع المذنب ومنعه من اقتراف الذنب . ونرى هناك اوامر دقيقة جداً للوقوف أمام اقتراف الذنب . فمثلاً : احكام الحدود والديات والتعزيرات اذا اجريت بالنحو المرسوم لها والكامل فانها عامل مهم في الوقوف امام الذنب ، او مثلاً الاوامر الاسلامية المؤكدة على ان شارب الخمر ، لا يزوجونه او ان المذنب لا يعطى الزكاة او ان سفر المعصية موجب لصلاة القصر . او المرأة المحصنة او المرأة غير المحصنة فالمحصنة ان زنت فحكمها القتل ( وفرق بين المحصنة وغير المحصنة ) او المرأة الناشزة التي لا تطيع زوجها فليس لها حق النفقة او قطع يد السارق او الجلوس مع الخمارين والأكل معهم على مائدة واحدة حرام ، كل هذه القوانين والاوامر في الاسلام تبين لنا تعامل الاسلام مع المذنب ، وكل واحدة من هذه الاوامر مانع ومسيطر على اقتراف الذنب في الفرد والمجتمع (2) .
              ____________
              (1) الارشاد للمفيد ص 297 .
              (2) في هذه المسالة يراجع تحرير الوسيلة ج 1 ص ( 476 ـ 480 ) مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
              الصفحة 235

              القسم الخامس
              الآثار السلبية التي يخلفها الذنب
              التوبة والتطهير وجبران الذنب


              الآثار السلبية التي يخلفها الذنب :
              من المسلّمات في الدين والعلم والتجربة ان اعمال الانسان الحسنة والسيئة لها نتائج دنيوية واخروية . كزارع البذور فلو زرع احد بذر الورد لجنى ثماوه ورداً ، وزارع الشوك لا يجني الاّ شوكاً .
              وبعبارة اخرى لكل عمل رد عمل رد فعل معاكس كالذي يضرب الكرة على الارض فترجع الكرة اليه ، ويجب الانتباه ايضاً الى ان جزاء العمل يراه في الدنيا والاخرة . ولكن نسبة الجزاء في الدنيا الى جزاء الاخرة قليل . وكذلك فان اعمال الانسان تاتي عليه بصور مختلفة ويجب ان لا نستبعد ان المصائب المختلفة التي تصيب الانسان في الدنيا أحياناً تكون جزاءً لعمل ما واحياناً امتحان الله سبحانه للانسان ولاجل ارتقائه سلم التكامل ، وله ثواب اضافي ومضاعف ، وفي ( الاية 155 )

              الصفحة 236
              من سورة البقرة اشارة الى هذا المطلب .
              ( ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع .... ) .
              وهناك روايات كثيرة تدل على ذلك ، فمن جملتها قول الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              « إنّ أشدّ الناس بلاءً الانبياء ثم الذين يلونهم ثمّ الامثل فالامثل » (1) .

              الآثار الدنيوية للذنب في نظر القرآن الكريم :
              وردت في القرآن الكريم عشرات الآيات في الآثار والنتائج التي يخلفها الذنب ونذكر هنا عدة نماذج :
              1 ـ في الآية 59 من سورة البقرة :
              ( فأنزلنا على الّذين ظلموا رجزاً من السّماء بما كانوا يفسقون ) .
              2 ـ في الآية 49 من سورة المائدة :
              ( يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) .
              3 ـ في الآية 6 من سورة الانعام :
              ( .... فأهلكناهم بذنوبهم ) .
              4 ـ في الآية 96 من سورة الأعراف :
              ( ..... فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) .
              ____________
              (1) اصول الكافي ج 2 ص 252 .

              الصفحة 237
              5 ـ في الآية 25 من سورة نوح :
              ( ممّا خطيئاتهم أغرقوا ) .
              6 ـ في الآية 14 من سورة الشمس :
              ( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها ) .
              7 ـ في الآية 11 من سورة الرعد :
              ( إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ) .
              8 ـ في الآية 14 من سورة المطففين :
              ( كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) .
              9 ـ في الآية 30 من سورة الشورى : ( وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ ) .
              قال امير المؤمنين ( عليه السلام ) قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :« خير آية في كتاب الله هذه الآية » .
              ثم قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « يا علي ! ما من خدش عودٍ ولا نكبة قدمٍ الاّ بذنب » (1) .

              بعض الآيات حول آثار الذنب في الآخرة :
              1 ـ ( ومن جاء بالسّيئة فكبّت وجوههم في النّار هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون ) . ( النمل / 90 )
              ____________
              (1) مجمع البيان ونفس المطلب ذكر عن الامام الصادق ( عليه السلام ) في الكافي ج 2 ص 269 .

              الصفحة 238
              2 ـ وفي الآية 23 من سورة الجن :
              ( ومن يعص الله ورسوله فانّ له نار جهنّم خالدين فيها أبداً ) .
              3 ـ في الآية ( 11 ـ 16 ) من سورة المعارج :
              ( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته الّتي تؤيه ومن في الأرض جميعاً ثمّ ينجيه كلاّ إنّها لظى نزّاعةً للشّوى ) .
              4 ـ الآية 104 من سورة المؤمنون :
              ( تلفح وجوههم النّار وهم فيها كالحون ) .

              احباط الاعمال الحسنة :
              أحد الآثار السيئة التي يخلفها الذنب هو احباط الاعمال الحسنة . ومعناه أن المذنبين اذا عملوا عملاً صالحاً فانه لا نتيجة ولا جزاء له . وقد وردت كلمة ( الاحباط ) ستة عشر مرة في القرآن الكريم . وبهذا نحصل على نتيجة بان الذنوب الكبيرة مثل الكفر ، الشرك ، تكذيب الآيات الالهية وانكار المعاد ، الارتداد ، مخالفة الانبياء ، كل هذه الامور تحبط الاعمال .
              فعلى سبيل المثال : اذا رفع شخص حجارة عن طريق المارة لئلا يصاب احد بضرر ( فان هذا العمل حسن ) ولكن لو ان نفس هذا الرجل القى الصخرة في مكان قريب وضيق على المارة ففي هذه

              الصفحة 239
              الحالة يكون قد ارتكب ذنباً كبيراً وهو ( خراب الطريق ) . اذن فان عمله الحسن رفع الصخرة عن الطريق لا اعتبار له ولا اثر له وقد احبطه بعمله السيء الآخر . وعلى هذا الاساس فان الذنوب الكبيرة تحبط الاعمال الحسنة . كما تكبر ابليس ولم يسجد لأمر الله سبحانه ( في مسألة السجود لآدم ) فقد احبط « ستة آلاف سنة من العبادة » (1) التي عبد بها ابليس الله سبحانه وتعالى . فيجب الانتباه الى ان الانسان المذنب لا يستطيع ان يغتر باعماله الحسنة ، اذ سرعان ما تحبط بسبب الذنوب التي يرتكبها .

              الآثار المعنوية الرديئة التي يخلفها الذنب :
              إنّ تكرار الذنب والاستمرار عليه يؤدي الى ظلمة القلب ومسخ الانسان عن انسانيته وتحوليه الى حيوانٍ يملك الصفات الحيوانية كلها ، ويكون مقترفاً للذنوب الكبيرة . فعلى سبيل المثال : ان المذنب اذا شرب الخمر لاول وهلة تراه يتردد ويتعذب وجدانه لانه مسلم ، ولكن في الوهلة الثانية يكون الشرب ابسط بكثير من الوهلة الاولى وهكذا الى ان يعتاد عليه . نعم الاستمرار على ارتكاب الذنب يجعل المذنب يقترف الذنوب الكبيرة بكل سهولة .
              في الآية 108 من سورة النحل نقرأ :
              ( أولئك الّذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم
              ____________
              (1) جاء في نهج البلاغة الخطبة 192 ( .... إذ حبط عمله الطويل .... ) .

              الصفحة 240
              وأولئك هم الغافلون ) .
              وفي الآية 5 من سورة الصف نقرأ :
              ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) .
              وفي الآية 10 من سورة الروم نقرأ :
              ( ثمّ كان عاقبة الّذين أساؤوا السؤأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ) .
              ونرى كثيراً في التاريخ ان الطواغيت الذين استمروا على اقتراف الذنوب قد تجاوزوا حد الكفر والانكار والتنكيل بالأنبياء والاستهزاء بهم ، وكل هذه الآثار السيئة قد خلفها الذنب ، وعلى العكس فالاستمرار على الاعمال الصالحة يعطي للقلب صفاءاً ويعطي نورانية للروح . وحول هذا الموضوع نأتي بالروايات التالية :
              1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) قال ابي ( عليه السلام ) :
              « ما من شيء أفسد للقلب من خطيئةٍ ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله » (1) .
              2 ـ وقال الامام الكاظم ( عليه السلام ) :
              « أذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فان تاب إنمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً » (2) .
              وقال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
              ____________
              (1) اصول الكافي ج 2 ص 268 .
              (2) بحار الانوار ج 73 ص 327 ـ ميزان الحكمة ج 3 ص 464 .

              الصفحة 241
              « ما جفّت الدموع إلاّ لقسوة القلوب ، وما قست القلوب الاّ لكثرة الذنوب » (1) .
              وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
              « وما من نكبةٍ تصيب العبد إلاّ بذنبٍ » (2) .

              الآثار المختلفة للذنب :
              نتج عن تحقيق الروايات السابقة ان الذنوب المختلفة لها آثار مختلفة ، نذكر منها .
              1 ـ قساوة القلب وجفاف الدموع .
              2 ـ سلب النعمة :
              قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : ان أبي ( عليه السلام ) كان يقول دائماً :
              « إن الله قضى قضاءً حتماً الا ينعم على العبد بنعمةٍ فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة » (3) .
              3 ـ منع استجابة الدعاء .
              « قال الامام الباقر ( عليه السلام ) : « ان العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها الى اجل قريب أو الى وقت بطيء ، فيذنب العبد ذنباً فيقول الله تبارك وتعالى للملك : لا تقض حاجته واحرمه إياها ، فانه
              ____________
              (1) اصول الكافي ج 2 ص 271 .
              (2) نفس المصدر السابق ص 269 .
              (3) اصول الكافي ج 2 ص 273 .

              الصفحة 242
              تعرض لسخطي واستوجب الحرمان منّي » (1) .
              4 ـ الالحاد والانكار :
              قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              « فان المعاصي تستولي الخذلان على صاحبها حتى توقعه في ردّ ولاية وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودفع نبوة نبي الله ، ولا تزال أيضاً بذلك حتى توقعه في دفع توحيد الله والالحاد في دين الله » (2) .
              5 ـ قطع الرزق :
              قال الامام الباقر ( عليه السلام ) : « إنّ الرجل يذنب الذّنب فيدرأ عنه الرزق » (3) .
              6 ـ الحرمان من صلاة اللّيل :
              قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « الرجل يذنب الذّنب فيحرم صلاة اللّيل » (4) .
              7 ـ عدم الأمن من البلاء :
              قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « ولا يأمن البيات من عمل السيئات » (5) .
              8 ـ انقطاع المطر . 9 ـ خراب البيت . 10 ـ الوقوف الطويل يوم
              ____________
              (1) نفس المصدر : ص 217 بحار ج 73 ، ص 329 .
              (2) بحار الانوار : ج 73 ، ص 360 .
              (3) اصول الكافي : ج 2 ، ص 271 .
              (4) اصول الكافي : ج 2 ، ص 272 .
              (5) اصول الكافي : ج 2 ، ص 269 .

              الصفحة 243
              القيامة . 11 ـ الغضب واللعنة الالهية . 12 ـ المصائب الثقيلة. 13 ـ الندم . 14 ـ الخزي والفضيحة. 15 ـ نقصان العمر . 16 ـ الزلزلة . 17 ـ الفقر العام . 18 ـ الحزن . 19 ـ المرض . 20 ـ تسلط الاشرار .... وغيرها من الآثار المختلفة للذنوب التي تلحق بالبشر (1) .
              وحول هذا الموضوع روايات كثيرة جداً ولاجل الاختصار نأتي بخمسٍ منها لنتم الموضوع .
              أ ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              « من تهاون بصلاته ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة ، يرفع الله البركة من عمره ومن رزقه ، ويمحو الله تعالى سيماء الصالحين من وجهه ، وكل عمل يعمله لا يؤجر عليه ، ولا يرفع دعائه الى السماء ، وليس له حظ في دعاء الصالحين ، ويموت ذليلاً وجائعاً وعطشاناً ، ويوكل الله به ملكاً يزعجه في قبره ويضيّق عليه قبره ، وتكون الظلمة في قبره ، ويوكل الله به ملكاً يسحبه على وجهه والخلائق ينظرون اليه ، ويحاسب حساباً شديداً ، ولا ينظر الله اليه ولا يزكيه وله عذاب اليم » (2) .
              ب ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للامام علي ( عليه السلام ) :
              « للزاني ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا فيذهب بنور الوجه ويورث الفقر ويعجل الفناء ، وأما التي
              ____________
              (1) اصول الكافي ج 2 ص 272 الى 275 و 445 و 446 .
              (2) سفينة البحار ج 2 ص 43 ـ 44 .

              الصفحة 244
              في الآخرة فسخط الرب وسوء الحساب والخلود في النار » (1) .
              ج ـ صور عشرة اصناف من المذنبين يوم القيامة :
              قال معاذ بن جبل : كنا في منزل ابي ايوب الانصاري في حضور رسول الله ( صلى الله عليه آله وسلم ) فسأل ابو ايوب الانصاري الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن معنى هذه الآية :
              ( يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ) ( النبأ ـ 20 ) .
              فقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر ثم أرسل عينيه ثم قال : يحشر عشرة أصناف من امتي أشتاتاً قد ميّزهم الله من المسلمين وبدّل صورهم بعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون ارجلهم من فوق وجوههم من تحت يسحبون عليها وبعضهم عمي يترددون وبعضهم صم بكم لا يعقلون وبعضهم يمضغون السنتهم فيسيل القيح من افواههم لعاباً يتقذرهم اهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وارجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار وبعضهم اشد نتناً من الجيف وبعضهم يلبسون جبايا سابغة من قطران لازقة بجلودهم .... » (2) .
              د ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              « من ولي عشرة فلم يعدل فيهم ، جاء يوم القيامة ويداه ورجلاه
              ____________
              (1) عقاب الاعمال للشيخ الصدوق ص 311 وسفينة البحار ج 2 ص 44 .
              (2) مجمع البيان 10 ص 423 .

              الصفحة 245
              ورأسه في ثقب فأسٍ » (1) .
              هـ ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              « من سوّد إسمه في ديوان ولد فلان حشره الله يوم القيامة خنزيراً » (2) .
              د ـ قال الامام الباقر ( عليه السلام ) : وجدنا في كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
              « اذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجاة واذا طفف الميزان والمكيال اخذهم الله بالسنين والنقص ، واذا منعوا الزكاة منعت الارض بركاتها من الزرع والثمار والمعادن كلها واذا جاروا في الاحكام تعاونوا على الظلم والعدوان ، واذا نقضوا العهد سلّط الله عليهم عدوهم ، واذا قطعوا الارحام جعلت الاموال في أيدي الاشرار واذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتّبعوا الاخيار من أهل بيتي سلّط الله عليهم شرارهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم » (3) .
              ____________
              (1) عقاب الأموال للصدوق ص 260 .
              (2) مجمع البيان ج 1 ص 594 .
              (3) وسائل الشيعة ج 11 ص 513 .

              الصفحة 246

              التوبة والتطهير

              اشارة :
              انّ احدى النعم التي منّها الله سبحانه وتعالى على البشر هي نعمة التوبة وقبولها وهذا دليل الرحمة الواسعة واللطف الواسع لله جل جلاله . التوبة : معناها العزم على ترك الذنب والعودة الى الله سبحانه وتعالى والاعتذار اليه .
              « يقول الراغب في مفرداته : الاعتذار على ثلاثه انواع ، اما ان يقول المعتذر لم أفعل أويقول فعلت لأجل كذا او فعلت واسأت وقد اقلعت » (1) .
              فعلى سبيل المثال : التوبة هي خلع الثوب القذر من البدن وارتداء ثوب طاهر ونظيف او غسل البدن في الحمام من التلوث والقذارة او تنظيف المكان وفرشه بفراش جديد . لذلك نرى ان الهداية
              ____________
              (1) مفردات الراغب ص 72 .

              الصفحة 247
              والدعوة الى الله سبحانه تأتى على اربعة اوجهٍ في سورة هود :
              1 ـ اصل التوحيد . 2 ـ الحرب ضد الشرك . 3 ـ تهذيب الروح من الذنب . 4 ـ العودة الى الله سبحانه وتزيين الروح بزينة الصفات الالهية ( اصلان لهما علاقة بالعقيدة واصلان لهما علاقة بالعمل ) . وفي الآية 3 من سورة هود تبين لنا الاصلين الاخرين .
              ( وأن استغفروا ربّكم ثمّ توبوا اليه ) .
              فجاء الاستغفار والتوبة في هذه الآية يحكي عن امرين مختلفين اولهما : التهذيب والثاني : كسب الكمالات . وتقدم الاستغفار على التوبة ، ان الآية السابقة تقول : يجب على الانسان اولاً تطهير الروح من الذنوب وبعدها الاتصاف بالصفات الالهية . كما في الاول خلع اللباس الوسخ وارتداء الملابس النظيفة والطاهرة . او الاعتقاد اولاً ان كل معبود سوى الله سبحانه وتعالى باطل ومطرود من القلب ولا مكان له إلاّ عبادة الحق ومكانه في مكان القلب .

              الاستغفار والتوبة في القرآن :
              وردت كلمة ( الغفور ) ( 91 مرة في القرآن الكريم ) وكلمة ( الغفّار ) ( 5 مرات ) وآيات كثيرة تحث وتدعو الناس للعودة الى الله سبحانه وتعالى وطلب المغفرة منه . وجاءت اكثر من ثمانين مرة كلمة التوبة والعودة الى الله سبحانه وقبول التوبة .
              ونذكر هنا عدة نماذج قرآنية منها :

              الصفحة 248
              1 ـ في الآية 135 من سورة آل عمران :
              ( والّذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ) .
              2 ـ الآية 110 من سورة النساء :
              ( ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيماً ) .
              3 ـ في الآية 9 من سورة المائدة :
              ( وعد الله الذّين آمنوا وعملوا الصّالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ) .
              4 ـ في الآية 53 من سورة الزمر :
              ( قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله انّ الله يغفر الذّنوب جميعاً إنّه هوّ الغفور الرّحيم ) .
              5 ـ في الآية 186 من سورة البقرة :
              ( وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلّهم يرشدون ) .
              6 ـ وفي الآية 31 من سورة النور :
              ( وتوبوا الى الله جميعاً أيّها المؤمنون ) .
              7 ـ وفي الآية 25 من سورة الشورى .
              ( وهو الّذي يقبل التوبة من عباده ) .
              8 ـ وفي الآية 222 من سورة البقرة .

              الصفحة 249
              ( إنّ الله يحّب التّوّابين ) .
              9 ـ وفي الآية 8 من سورة التحريم :
              ( يا ايّها الّذين آمنوا توبوا الى الله توبةً نصوحاً ) .
              10 ـ وفي الآية 25 من سورة الشورى :
              ( وهو الذّي يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السّيئات ) .
              11 ـ وفي الآية 74 من سورة المائدة :
              ( أفلا يتوبون الى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ) .
              في هذه الآية استفهام انكاري حيث تبين لنا ان الله سبحانه وتعالى يؤكد على الانسان ويدعوه الى التوبة والاستغفار ويحرك عواطف الانسان بذكر هاتين الصفتين وهما ( الغفور والرحيم ) لعله يرجع الى الله سبحانه ويغسل ذنوبه بماء الاستغفار ويستنير بنورها ليفضي عليه الكمال والفضائل .

              التوبة في نظر الروايات :
              عند استقراء الروايات التي لها علاقة بالتوبة والاستغفار نحصل على عدة مطالب متنوعة وجامعة أشير اليها في الآيات القرآنية السابقة وهنا نلخص قسماً مهماً من هذه المطالب .

              1 ـ التوبة الحقيقية والنصوحة :
              1 ـ ترك الذنب . 2 ـ الندم عن الذنب . 3 ـ العزم على ترك

              الصفحة 250
              الذنب . 4 ـ جبران الذنوب القابلة للجبران كـ ( اداء حق الله سبحانه وحقّ الناس و ... ) . 5 ـ الاستغفار باللسان .
              ما هي التوبة النصوح ؟ ذكرنا سابقاً ان التوبة النصوح كما بينته لنا الآية 8 من سورة التحريم ( توبوا الى الله توبة نصوحاً ) .
              قال الامام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير كلمة « النصوح » .
              « هو الذنب الذي لا يعود فيه أبداً » (1) .
              وقال الامام الهادي ( عليه السلام ) في معنى التوبة النصوح :
              « أن يكون الباطن كالظاهر وافضل من ذلك » (2) .
              وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في معنى التوبة النصوح :
              « أن يتوب التائب ثمّ يرجع في ذنبٍ كما لا يعود اللبن الى الضرع » (3) .
              وقال الامام علي ( عليه السلام ) :
              « ندم بالقلب واستغفار باللسان والقصد على أن لا يعود » (4) .

              2 ـ شرائط صحة وكمال التوبة وقبولها :
              قال احد المرائين امام الامام علي ( عليه السلام ) : ( استغفر الله ) فالتفت اليه الامام علي ( عليه السلام ) وقال له : ثكلتك امك اتدري ما الاستغفار ؟
              ____________
              (1) اصول الكافي ج 2 ص 432 .
              (2) بحار الانوار ج 6 ص 22 .
              (3) مجمع البيان ج 10 ص 318 .
              (4) تحف العقول ص 149 .

              الصفحة 251
              الاستغفار درجة العليين ، هو اسم واقع على ستة معان ، أولها الندم على ما مضى ، والثاني العزم على ترك العود اليه أبداً ، والثالث أن نؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله املس ليس عليك تبعة ، والرابع أن تعمد الى كل فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقها ، والخامس أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان ، حتى تلصق الجلد بالعظم ، وينشأ بينهما لحم جديد ، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول : « استغفر الله » (1) .
              وعلى هذا الاساس نحصل على ان شرائط قبول التوبة اضافة الى ترك الذنب والعزم على تركه ، جبران ما أضاعه الذنب .
              فمثلاً في مسألة قذف المرأة الطاهرة ، فقد جاء في القرآن الكريم ان يجلد القاذف ثمانين جلدة ، وبعده قال سبحانه :
              ( إلاّ الّذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا ) ( النور ـ 5 ) .
              فجملة « أصلحوا » تبين لنا ان الشرط المهم في قبول التوبة هو جبران ما أضاعة الذنب . وهناك شرط آخر هو الاقرار بالذنب .
              قال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
              « والله ما ينجو من الذنب الاّ من أقر به » (2) .
              وقال الامام علي ( عليه السلام ) :
              ____________
              (1) نهج البلاغة حكمة 417 .
              (2) وسائل الشيعة ج 11 ص 347 .

              الصفحة 252
              « المقرّ بالذّنب تائبّ » (1) .

              3 ـ انواع التوبة ومراحلها :
              قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
              « وكلّ فرقة من العباد لهم توبة .... وتوبة الخاص ، من الاشتغال بغير الله تعالى ، وتوبة العام من الذنوب » (2) .
              الأمر الآخر هو الندم والعزم على ترك الذنب ، وهذه اولى مراحل التوبة ، بعد هذه المرحلة يكون للمذنب حالة روحانية كان عليها قبل ارتكابه للذنب مثل المريض الذي ابتلي بالحمى فعند تعاطيه الدواء تذهب عنه الحمى ويتعاطى المنشطات ليستعيد صحته الاولى قبل المرض . ولربما كان قول الامام الباقر ( عليه السلام ) على هذا الاساس :
              « التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزى » (3) .

              4 ـ الرحمة الواسعة لقبول التوبة :
              ____________
              (1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 345 .
              (2) مصباح الشريعة ص 98 .
              (3) اصول الكافي ج 2 ص 435 ـ ( في القرآن الكريم ذكرت ثمان مرات ( تواب رحيم ) وهذا يبين لنا ان الانسان اذا تاب وعاد لا يقطع الامل في قبول التوبة لان الله سبحانه وتعالى ( تواب رحيم ) .

              الصفحة 253
              كما ذكرنا في الآية 53 من سورة الزمر :
              ( .... لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعاً ) .
              تبين لنا هذه الآية ان باب التوبة مفتوح امام الجميع ، حتى ينقل ان « وحشي » قاتل الحمزة ( عليه السلام ) عندما سمع هذه الآية جاء الى الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآل وسلم ) واظهر التوبة على يديه فقبل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التوبة منه بشرط ان يغيب عن وجهه لانه لا يستطع النظر اليه ، وسأل البعض : هل ان هذه الآية مختصة بـ ( وحشي ) ام شاملة للجميع فأجاب الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « بل تشمل الجميع لوسعة الرحمة » (1) .
              روي ان احداً في حضور الامام الرضا ( عليه السلام ) قال : « اللهم العن كل من حارب الامام علي ( عليه السلام ) فقال له الامام الرضا ( عليه السلام ) : « بل قل الاّ من تاب واصلح » .
              وهذا يبين اللطف الالهي للمذنبين لان الاسلام لا يسد الابواب امام العائدين الى الله سبحانه وتعالى . حتى نرى في ( الآية 10 ) من سورة البروج :
              ( إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم ) .
              ويستفاد من مفهوم ( ثم لم يتوبوا ) إنّ الله تعالى ايضاً يقبل توبة المذنبين المعذّبين للمؤمنين .
              ____________
              (1) سفينةالبحار ( وحشي ) فخر الرازي ج 27 ص 4 .

              يتبع

              تعليق


              • #8
                الصفحة 254
                5 ـ محبة الله سبحانه الخاصة للتوابين :
                جاء في الآية 222 من سورة البقرة :
                ( إنّ الله يحبّ التّوابين ) .
                قال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « ان الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليلةٍ ظلماء فوجدها فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها » (1) .
                وعنه ( عليه السلام ) : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزىء » (2) .
                وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) ايضاً :
                « الله أفرح بتوبةٍ عبده من العقيم الوالد ، ومن الضّال الواجد ، ومن الظمآن الوارد » .
                وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
                « مثل المؤمن عند الله عزّ وجلّ كمثل ملك مقرب وأن المؤمن عند الله أعظم من ذلك ، وليس شيء أحب الى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة » (3) .
                ____________
                (1) اصول الكافي ج 2 ص 435 .
                (2) نفس المصدر السابق .
                (3) سفينة البحار ج 1 ص 137 ـ عيون اخبار الرضا ج 2 ص 29 .

                الصفحة 255
                وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ايضاً : « التائب حبيب الله » (1) .

                6 ـ الملامة في تأخير التوبة :
                الانسان مأمور من الله سبحانه وتعالى في كل لحظة بالتوبة اليه ( توبوا ) فيجب التعجيل في التوبة وعليه فالتأخير عن طاعة الاوامر الالهية معناه عدم الطاعة والتسويف في تنفيذ الاوامر الالهية .
                قال الامام الجواد ( عليه السلام ) :
                « تأخير التوبة اغترار وطول التسويف حيرة » (2) .
                وقال الامام علي ( عليه السلام ) لرجلٍ طلب منه الموعظة :
                « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير العمل ويرجي التوبة بطول الامل » (3) .
                وقال الامام علي ( عليه السلام ) أيضاً :
                « لا دين لمسوفٍ بتوبته » (4) .
                وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « إياك والتسويف فانّه بحر يغرق فيه الهلكى » (5) .
                ويجب الانتباه الى ان التوبة لا تقبل عند حضور الموت ، كما انه
                ____________
                (1) جامع السعادات ج 3 ص 51 .
                (2) بحار الانوار ج 6 ص 30 .
                (3) نهج البلاغة حكمة 150 .
                (4) غرر الحكم ـ ميزان الحكمة ج 4 ص 589 .
                (5) بحار الانوار ج 78 ص 164 .

                الصفحة 256
                لم يقبل ايمان وتوبة فرعون عند الغرق كما تصرح الآية ( 18 من سورة النساء ) قال محمد الهمداني : سألت الامام الرضا ( عليه السلام ) لماذا لم تقبل توبة فرعون مع العلم انه آمن بالله سبحانه ؟
                فاجابه الامام الرضا ( عليه السلام ) : « لأنه أمن عند رؤية البأس والايمان عند رؤية البأس غير مقبول » (1) .
                وهناك روايات متعددة تذكر ان المؤمن اذا ارتكب ذنباً يعطى مدة سبع ساعات للتوبة من هذا الذنب والاّ يكتب في صحيفة اعماله . وفي بعضها ان له من الصباح الى المساء .
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « ان العبد اذا أذنب ذنباً أجّل من غدوة الى الليل فان استغفر الله لم يكتب عليه » (2) .

                7 ـ النتائج المشرقة للتوبة :
                تعتبر التوبة وقبولها احدى النعم الالهية التي لا نظير لها ولها آثار ونتائج مضيئة ، منها التوبة الحقيقية التي تغير الانسان الى كمن لا ذنب عليه كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « التائب من لا ذنب له » (3) .
                ومنها التوبة الحقيقية تؤدي الى محو آثار الذنوب وتستر العبد
                ____________
                (1) بحار الانوار ج 6 ص 23 .
                (2) اصول الكافي ج 2 ص 437 .
                (3) اصول الكافي ج 2 ص 435 .

                الصفحة 257
                كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) . ان الانسان اذا تاب توبة نصوحاً يكون محبوباً عندالله ويستر ذنوبه في الدنيا والآخرة . وكل ذنب اذنبه يومي الى ملكيه بالنسيان فلا يبقى اثر للذنب عليه حتى جوارحة . « فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب » (1) .
                نستنتج من الآية الثامنة من سورة التحريم ان للتوبة النصوح ثماراً خمساً وهي :
                1 ـ غفران الذنوب .
                2ـ الدخول في الجنة .
                3 ـ الستر في يوم القيامة .
                4 ـ نور الايمان والعمل يضيء له الطريق الى الجنة .
                5 ـ يشتد عند التائب التوجه الى الله والاستغفار الكامل لذنوبه (2) .
                قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) :
                « وأحبّ العباد الى الله تعالى المفتنون التوابون » (3) .
                وفي روايات اخرى عن الائمة المعصومين ( عليهم السلام ) ان الله يهب للتوابين ثلاث مواهب لو اعطى واحدة منها لاهل السماوات والارض لنجوا بها وهي قوله عزّ وجلّ :
                ( إنّ الله يحبّ التّوّابين ويحب المتطهرين ) .
                فمن أحبه الله لم يعذبه ، وقوله :
                ____________
                (1) اصول الكافي ج 2 ص 431 .
                (2) تفسير نمونة ج 24 ص 292 .
                (3) اصول الكافي ج 2 ص 432 .

                الصفحة 258
                ( الّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للّذين آمنوا ربنّا وسعت كلّ شيءٍ رحمةً وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدنٍ الّتي وعدتّهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم إنك انت العزيز الحكيم * وقهم السّيئات ومن تق السّيئات يومئذٍ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ) (1) .
                وقوله عزّ وجلّ :
                ( والّذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله الاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * الاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسناتٍ وكان الله غفوراً رحيماً ) (2) .
                وفي الختام نقرأ مع الامام السجاد ( عليه السلام ) في مناجاته حول هذه الموهبة والمنة الالهية العظيمة :
                « الهي أنت فتحت لعبادك باباً الى عفوك ، سميته التوبة فقلت : توبوا الى الله توبةً نصوحاً ، فما عذر من أغفل دخول الباب بعد فتحه » (3) .
                ____________
                (1) سورة غافر آية 7 ـ 9 .
                (2) سورة الفرقان آية 68 ـ 70 .
                (3) بحار الانوار ج 94 ص 142 .
                الصفحة 259

                جبر الذنب

                اشارة :
                ذكرنا سابقاً أن احد اركان التوبة جبران الذنب الذي يؤدي الى غسل آثار الذنب ويتخلص الانسان في النهاية من الرسوبات التي خلفها الذنب . ومن انواع ( الجبران ) في الاسلام « الكفّارات » و « التكفير » عن الذنب . « والتكفير » يقابله ( الاحباط ) فالانسان عندما يرتكب ذنباً من الذنوب الكبيرة فان الاعمال الحسنة تحبط وتبقى بدون اثر ولكن التكفير ومعناه ان الانسان يجبر ذنبه وينظف بهذا التكفير آثار الذنوب من نفسه وبعبارة اوضح انّ التوبة لها مرحلتان :

                الصفحة 260
                1 ـ قطع وترك الذنب .
                2 ـ تقوية الروح بالاعمال الحسنة كالمبتلي بالحمّى الذي يكون علاجه بمرحلتين ؛ المرحلة الاولى تعاطي الدواء حتى يقطع الحمى والمرحلة الثانية تعاطي المنشطات لازالة آثار المرض والقضاء على الضعف الذي خلفه المرض واستعادة قوى البدن الاولى .
                فجبران الذنوب يحول احياناً الذنوب السيئة الى حسنة ، لا يمحو الاثار التي خلفها الذنب فحسب بل يطبع على النفس الاثار النورانية للاعمال الحسنة فمثلاً : اذا كان أحد يؤذي ابويه وتاب فلا تكون التوبة بمجرد قطع الاذى عنهم بل يجب ان يذيقهم حلاوة المحبة ليزيل عنهم مرارة الاذية السابقة .

                الجبران في نظر القرآن :
                1 ـ في الآية 22 من سورة الرعد نقرأ :
                ( ويدرؤن بالحسنة السّيئة ) .
                2 ـ في الآية 70 من سورة الفرقان .

                الصفحة 261
                ( إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئآتهم حسناتٍ ) .
                3 ـ في الآية 114 من سورة هود :
                ( وأقم الصلاة طرفي النّهار وزلفاً من اللّيل إنّ الحسنات يذهبن السّيئات ) .
                4 ـ في الآية 31 من سورة النساء :
                ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم ) .
                5 ـ في الآية 7 من سورة العنكبوت :
                ( والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات لنكفّرن عنهم سيّئاتهم ) .
                6 ـ في الآية 195 من سورة آل عمران :
                ( فالّذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفّرنّ عنهم سيّئاتهم ) .

                الخلاصة :
                من جملة الآيات التي ذكرناها سابقاً نحصل على نتيجة بان التوبة التي تقبل وتمحو آثار الذنوب فهي تلك النابعة من الايمان والعمل الصالح والصلاة والهجرة

                الصفحة 262
                وتحمل المشاق في هذا الطريق والجهاد والشهادة فمن دون ذلك لا تجبر الآثار السيئة للذنوب .

                الجبران في نظر الروايات :
                في الروايات الاسلامية تأكيد صريح حول التوبة وتلافي الذنوب السابقة ولا يكفي الندم على ما فعل بل يجبر الآثار السيئة للذنوب بالاعمال الصالحة . واحياناً هذا الجبران يظهر بوجوه خاصة حتى يشكل عاملاً تربويا وتكاملياً للانسان وفي ظله تجبر جميع الآثار السيئة للذنب ولاجل ان نكمل البحث نأتي بالروايات التالية :
                1 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
                « اتق الله حيث كنت ، وخالق الناس بخلق حسن ، واذا عملت سيئة فاعمل حسنةً تمحوها » (1) .
                2 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                من عمل سيئة في السر فليعمل حسنةً في السر ، ومن عمل سيئة في العلانية فليعمل حسنةً في العلانية » (2) .
                ____________
                (1) بحار الانوار ج 71 ص 242 ـ الوسائل ج 11 ص 384 .
                (2) وسائل الشيعة ج 11 ص 383 .

                الصفحة 263
                3 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « التائب إذا لم يستبن اثر التوبة فليس بتائبٍ : يرضي الخصماء ويعيد الصلوات ويتواضع بين الخلق ، يتقي نفسه عن الشهوات .... (1) .
                4 ـ وقال امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
                « ثمرة التوّبة إستدرك فوارط النفس » (2) .
                وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « ما أحسن الحسنات بعد السيئات » (3) .
                5 ـ وقال الامام الكاظم ( عليه السلام ) :
                « من كفّارات الذنوب العظام إغائة الملهوف والتنفيس عن المكروب » (4) .
                6 ـ سأل شخص من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( ما كفارة الغيبة ) ؟
                فقال الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم ) : « ان تستغفر لمن
                ____________
                (1) بحار ج 6 ص 35 ـ ميزان الحكمة ج 1 ص 548 .
                (2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 348 .
                (3) وسائل الشيعة ج 11 ص 384 .
                (4) شرح النهج ( لابن أبي الحديد ) ج 18 ص 135 .

                الصفحة 264
                اغتبته » (1) .
                7 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « ثلاث كفّارات : إفشاء السلام واطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام » (2) .
                8 ـ وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « أربع من كن فيه وكان من قرنه الى قدمه ذنوباً بدلها الله حسناتٍ : الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر » (3) .
                9 ـ وقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّ من الذنوب ذنوباً لا تكفرها صلاة ولا صدقة ، قيل : يا رسول الله فما يكفّرها ؟ قال : الهموم في طلب المعيشة » (4) .
                10 ـ جاء شخص الى الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال : ذنوبي كثيرة وأعمالي الصالحة قليلة .
                فقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له :
                « اكثر السجود فانّه يحط الذنوب كما تحط الريح
                ____________
                (1) وسائل الشيعة ج 15 ص 583 .
                (2) بحار الانوار ج 77 ص 52 .
                (3) بحار الانوار ج 71 ص 332 .
                (4) بحار الانوار ج 73 ص 157 .

                الصفحة 265
                ورق الشجر » (1) .

                تناسب الجبران :
                جبر الذنب مع العمل الصالح يمكن ان يأتي بصورٍ مختلفة مثل : « المساعدات المالية ، والجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى ، الصوم ، احياء الليل بالعبادة ، ولكن من المناسب ان نذكر هنا ان جبر كل ذنب له علاقة بالذنب نفسه ، فمثلاً ذنب التبرج هو حفظ الحجاب الكامل والعفة ، وذنب الغيبة يجبر بحفظ اللسان وصيانته ، وذنب الظلم وعدم الرحمة يجبر بالاحسان الى المظلومين ، وذنب النظر الى المحارم يجبر بكف البصر وغضه ويمكن معالجته ايضاً بالنظر الى القرآن الكريم ووجه العالم الرباني والنظر الى وجه الاب والام .
                فالاثار السيئة للذنوب تتناسب مع نوع الاعمال الصالحة التي يجبر بها .
                حتى جاء في الروايات عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قوله :
                ____________
                (1) بحار الانوار ج 85 ص 162 ـ ميزان الحكمة ج 3 ص 477 .

                الصفحة 266
                « كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان » (1) .

                قصص حول جبران الذنب :

                1 ـ اقتراح أبي لبابة لجبران الذنب :
                « عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) : عندما نزلت الآية : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) ( الآية ) إنها نزلتفي أبي لبابة ولم يذكر غيره معه وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حيث قال : إن نزلتم على حكمه فهو الذبح فربط نفسه بسارية ثم قال ابو لبابة : يا رسول الله إن من توبتي أن اهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله ، قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يجزيك يا أبا لبابة الثلث » (2) .

                2 ـ الجبران يضيف عشرين سنة الى العمر :
                « عن شعيب العقرقوفي : دخل يعقوب المغربي على موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فقال له الامام ( عليه السلام ) : يا يعقوب
                ____________
                (1) وسائل الشيعة ج 15 ص 584 .
                (2) اقتبست هذه القصة من مجمع البيان ج 5 ص 67 ونقل عن الامام الباقر ( عليه السلام ) اسد الغاية ج 5 .

                الصفحة 267
                قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك شر في موضع كذا وكذا حتى شتم بعضكم بعضاً وليس هذا ديني ولا دين آبائي ولا نأمر بهذا أحداً من الناس فاتق الله وحده لا شريك له فانكما ستفترقان بموت إما أن أخاك سيموت في سفره قبل ان يصل الى أهله وستندم أنت على ما كان منك وذلك انكما تقاطعتما فتبر الله أعماركما ، فقال له الرجل : فأنا جعلت فداك متى أجلى ؟ فقال ( عليه السلام ) : اما أن اجلك قد حضر حتى وصلت عمتك بما وصلتها به في منزل كذا وكذا فزيد في اجلك عشرون ، قال شعيب : فاخبرني الرجل ولقيته حاجاً وان أخاه لم يصل الى أهله حتى دفنه في الطريق » (1) .

                3 ـ اداء الحق الى ذي حقّه :
                جاء احد اشراف قبيلة نخع الى الامام الباقر ( عليه السلام ) وقال له : « يا ابن رسول الله اني كنت والياً في زمان حكومة الحجاج فهل لي من توبةٍ ؟
                سكت الامام الباقر ( عليه السلام ) واعاد عليه الرجل السؤال
                ____________
                (1) سفينة البحار ج 1 ص 516 .

                الصفحة 268
                عدة مرات وعندما قال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
                « لا حتى تؤدي الى كل ذي حقٍ حقّه » (1) .

                4 ـ جبران ذنب كبير :
                قال أبو خديجة : قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « جاء رجل وسأل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن بر الوالدين فقال : أبرر أمّك أبرر أمّك أبرر أمّك أبرر أباك أبرر أباك أبرر أباك وبدأ بالام قبل الأب » . وجاء في حديث آخر قال ابو خديجة : وعنه ( عليه السلام ) : جاء رجل الى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : إني قد ولدت بنتاً وربيتها حتى بلغت فألبستها وحليتها ثم جئت بها الى قليب فدفعتها في جوفه و كان آخر ما سمعت منها وهي تقول : يا أبتاه فما كفارة ذلك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ألك امّ حيّة ؟ قال : لا ، قال : فلك خالة حيّة ؟ قال : نعم ، قال : فابررها فانها منزلة الام يكفّر عنك ما صنعت قال ابو خديجة : فقلت لأبي عبدالله ( عليه السلام ) : متى كان هذا ؟ فقال ( عليه السلام ) : كان في الجاهلية وكانوا يقتلون البنات مخافة
                ____________
                (1) اصول الكافي ج 2 ص 331 .

                الصفحة 269
                أن يسبين فيلدن في قوم آخرين . (1)

                5 ـ أمر من الامام ( عليه السلام ) الى الوزير لجبران ذنبه :
                انّ احدى القصص المعروفة لجبران الذنوب هي حكاية ( علي بن يقطين ) وزير هارون الرشيد .
                استاذن ابراهيم الجمّال ( رضي الله عنه ) على ابي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه ، فحج علي بن يقطين في تلك السنة فاسـاذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر فحجبه ، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين : يا سيدي ما ذنبي ؟ فقال : حجبتك لانك حجبت أخاك ابراهيم الجمّال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك ابراهيم الجّمال ، فقلت : سيدي ومولاي من لي بابراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة ؟ فقال : اذا كان الليل فامض الى البقيع وحدك من غير ان يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسّرجاً قال : فوافى البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب ابراهيم الجمّال بالكوفة فقرع الباب وقال : أنا علي بن
                ____________
                (1) اصول الكافي ج 2 ص 162 .

                الصفحة 270
                يقطين فقال ابراهيم الجمّال من داخل الدار : وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي ؟ فقال علي بن يقطين : يا هذا إن امري عظيم وآلى عليه أن يأذن له ، فلما دخل قال : يا ابراهيم ان المولى ( عليه السلام ) أبي أن يقبلني أو تغفر لي ، فقال : يغفر الله لك فآلى علي بن يقطين على ابراهيم الجمّال ان يطأ خده فامتنع ابراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل ، فلم يزل ابراهيم يطأ خدّه وعلي بن يقطين يقول : اللّهم اشهد ، ثم انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر ( عليه السلام ) بالمدينة فاذن له ودخل عليه فقبله » (1) .

                6 ـ أمر الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى ابي قيس لجبران ذنبه :
                روي انه قال للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إني وأدت اثنتي عشرة بنتاً او ثلاث عشرة فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اعتق عن كل واحدة منهن نسمة ، وروي انه لما أسلم أمره النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ان يغتسل بماء وسدر (2) .
                ____________
                (1) بحار الانوار 48 ص 85 .
                (2) اسد الغابة ج 4 ص 320 .

                الصفحة 271

                تنبيهات :

                وفي الختام نذكر وبصورة مختصرة نقاطاً لها علاقة بمعرفة الذنب ولها اهمية في زيادة التعرف على الذنب :

                1 ـ ثلاثة انواع من الظلم وعقابها :
                قال الامام علي ( عليه السلام ) :
                « ألا وان الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب ، أما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله . قال الله تعالى :
                ( انّ الله لايغفر أن يشرك به ) .
                واما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، واما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً ، القصاص هناك شديد ، ليس هو جرحاً بالمدى ولا ضرباً بالسياط ولكنّه ما يستصغر ذلك معه .... » (1) .
                ____________
                (1) نهج البلاغة خطبة 176 .

                الصفحة 272
                2 ـ اقذر الذنوب :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « أقذر الذنوب ثلاثة : قتل البهيمة ، وحبس مهر المرأة ، ومنع الاجير اجره » (1) .

                الكذب ذنب من الذنوب الكبيرة :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « ان الله جعل للشر اقفالاً وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب ، وشر من الشراب الكذب » (2) .
                ثم قال : « الكذب شر من الشراب » (3) .

                3 ـ اشر الناس لأسوأ الذنوب :
                قال جابر بن عبدالله الانصاري : التفت يوماً رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى اصحابه وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « الا أخبركم بشرار رجالكم » .
                ____________
                (1) بحار الانوار ج 103 ص 169 .
                (2) الوسائل ج 17 ص 263 .
                (3) اصول الكافي ج 2 ص 239 .

                الصفحة 273
                فقلنا : « اخبرنا يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) » .
                فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إن من شرار رجالكم البهات الجريء الفحاش ، الآكل وحده ، والمانع رفده ، والضارب عبده ، والملجىء عياله الى غيره » (1) .

                4 ـ جذور الكفر :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « أصول الكفر ثلاثة : الحرص والاستكبار والحسد » (2) .
                ثم قال : « فاما الحرص فآدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن يأكل منها ، واما الاستكبار فابليس حين أمر بالسجود فابى ، وأما الحسد فابنا آدم حين قتل أحدهما صاحبه حسداً » (3) .

                5 ـ اول الذنوب التي ادت الى معصية الله سبحانه وتعالى :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                ____________
                (1) بحار الانوار ج 72 ص 115 .
                (2) الخصال ص 90 .
                (3) نفس المصدر السابق .

                الصفحة 274
                « أن اول ما عصي الله بست ، حب الدنيا ، وحب الرياسة ، وحب الطعام ، وحب النساء ، وحب النوم ، وحب الراحة » (1)

                6 ـ علامات المنافق :
                قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
                « ثلاث من كن فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى ، وزعم انه مسلم : من إذا أئتمن خان ، واذا حدّث كذب ، واذا وعد أخلف » (2) .

                7 ـ أعظم الذنوب :
                قال امير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
                « أعظم الذنوب عند الله ذنب صغر عند صاحبه » (3) .
                ____________
                (1) ميزان الحكمة ج 3 ص 295 .
                (2) اصول الكافي ص 29 .
                (3) غرر الحكم .

                الصفحة 275
                8 ـ أكبر الكبائر :
                سأل شخص الامام علياً ( عليه السلام ) ما اكبر الكبائر ؟
                فقال ( عليه السلام ) : « الأمن من مكر الله ، والا ياس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله » (1) .

                9 ـ كفارة الذنب :
                سأل شخص الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما هي الاشياء التي تمحو الذنب بعد التوبة ؟ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « الدموع والخضوع والامراض » (2) .

                10 ـ أبعد الاشخاص من الله سبحانه :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « أبعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلاّ بطنه وفرجه » (3) .
                ____________
                (1) ميزان الحكمة ج 3 ص 462 .
                (2) نفس المصدر السابق ص 474 .
                (3) وسائل الشيعة 11 ص 318 .

                الصفحة 276
                11 ـ الاثار السيئة لسوء الخلق :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « إنّ سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل » (1) .

                12 ـ أضرار الذنب وآثار الاحسان :
                قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال ومن يعيش بالاحسان أكثر ممن يعيش بالاعمار » .
                وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
                « ان العمل السّيء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم » (2) .
                وفي الختام نبتهل الى الله سبحانه وتعالى ونقول :
                ( ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) ( آل عمران ـ 147 ) .
                والحمد لله اولاً وآخراً
                ____________
                (1) نفس المصدر السابق ص 323 .
                (2) سفينة البحار ج 1 ص 488 .

                تعليق

                يعمل...
                X