القســـم الأول
معنى الذنب وانواعه
الذنب يعني المخالفة ، فكل عمل من الأعمال التي تخالف الاوامر الالهية يعد في نظر الاسلام ذنباً ، فحتى لو كان الذنب هيناً فهو عظيم وكبير وذلك لمخالفة الاوامر الربانية وعدم إطاعة الله سبحانه وتعالى .
قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأبي ذر :
« لا تنظر الى صغر الخطيئة ولكن انظر الى من عصيته » (1) .
الاصطلاحات الدالة على الذنب في القرآن الكريم :
ذكرت في القرآن الكريم وعلى لسان الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله سلم ) واهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) اصطلاحات كثيرة ومختلفة حول الذنب ، حيث يكشف كل منها عن قسم من الآثار السيئة للذنب ويبّين الانواع المختلفة له ، والاصطلاحات التي وردت في القرآن الكريم عن الذنب
____________
(1) مجموعة ورام ج 2 ص 53 .
الصفحة 10
عبارة عن :
1 ـ الذنب 2 ـ المعصية 3 ـ الاثم 4 ـ السيئة 5 ـ الجرم 6 ـ الحرام 7 ـ الخطيئة
8 ـ الفسق 9 ـ الفساد 10 ـ الفجور 11 ـ المنكر 12 ـ الفاحشة 13 ـ الخبط
14 ـ الشر 15 ـ اللمم 16 ـ الوزر والثقل 17 ـ الحنث .
* * *
1 ـ الذنب : ومعناه التابع ، وحيث ان كل عمل مخالف للشريعة يتبعه نوع من الجزاء الدنيوي او الاخروي ، فقد وردت هذه الكلمة 35 مرة في القرآن الكريم .
2 ـ المعصية : ومعناها التمرد والخروج عن الاوامر الالهية ، وتعبّر عن تعدي الانسان لحدود العبودية ، وقد وردت هذه الكلمة 33 مرة في القرآن الكريم .
3 ـ الاثم : ومعناه الخمول ، والبط ، والعجز ، والحرمان من الأجر والثواب . وهو دلالة على أنّ الآثم شخص عاجز ومحروم ولا ينبغي له ان يتوهم بانه فطنّ ، وهذه الكلمة ذكرت في القرآن الكريم 48 مرة .
4 ـ السيئة : ومعناها العمل القبيح والسيء الموجب للهم والذلة ، وتقابلها ( الحسنة ) التي تعني السعادة والفلاح ، ووردت هذه الكلمة في القرآن الكريم 165 مرة . وكلمة السوء مأخوذة من نفس المصطلح وذكرت 44 مرة في القرآن الكريم .
الصفحة 11
5 ـ الجرم : ويعني في الاصل : انفصال الثمرة عن الشجرة وكذلك تعني الانحطاط ، والجريمة والجرائم اشتقت من نفس هذه المادة ، والتلوث بالجرم يبعد الانسان عن الحقيقة ، والسعادة ، والتكامل ، والهدف ، وقد وردت هذه الكلمة 61 مرة في القرآن الكريم .
6 ـ الحرام : وتعني هذه الكلمة المنع والحظر . كلباس الاحرام الذي يرتديه الانسان في الحج والعمرة فيحرم عليه ممارسة عدة من الاعمال ، والشهر الحرام هو الشهر الذي يحرّم فيه القتال ، والمسجد الحرام يعني المسجد الذي له قدسيّة وحرمة خاصة ويحرم على المشركين الدخول فيه ، وقد وردت هذه الكلمة 75 مرة في القرآن الكريم .
7 ـ الخطيئة : وتعني الذنب غير المتعمد غالباً . وقد تعني احياناً الذنب الكبير ، كما اشير اليها في آيتين في القرآن الكريم . ( بلى من كسب شيّئة وأحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (1) .
ووردت في سورة الحاقة الآية 37 .
( لا يأكله إلاّ الخاطئون ) .
ان ارتكاب الخطيئة يقطع على الانسان طريق النجاة ويمنع دخول الانوار الالهية الى قلبه .
____________
(1) البقرة : آية 81 .
الصفحة 12
هذا الاصطلاح في الاصل هو حالة تحصل للإنسان نتيجة اقترافه الذنب فتمنعه من بلوغ سبيل النجاة وتحجب نفوذ انوار الهداية الى قبله (1) . وردت هذه الكلمة 22 مرة في القرآن الكريم .
8 ـ الفسق : ويعني في الأصل خروج نوى التمر عن قشوره ، وهو كناية عن خروج المذنب عن طريق الطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى .
اي انه بذنبه قد انتهك حرمة الاوامر الالهية ، وفي النتيجة بقي هذا المذنب عارياً وبدون حصن يحصنه وحافظ يحفظه . وقد ورد هذا الاصطلاح 53 مرة في القرآن الكريم .
9 ـ الفساد : ويعني الخروج عن حد الاعتدال ، ونتيجته الضياع وتبذير القوى ، وقد ذكر هذا الاصطلاح 50 مرة في القرآن الكريم .
10 ـ الفجور (2) : ومعناه تمزق ستار الحياء والسمعة والدين ، وعاقبته الافتضاح ، وجاء هذا الاصطلاح ست مرات في القرآن الكريم .
11 ـ المنكر : وأصله من الانكار بمعنى الغير معروف ، وذلك لكون الذنب غير مأنوس لدى الفطرة والعقل السليم ، بل يعدانه قبيحاً اجنبياً ، وقد ورد هذا الاصطلاح 16مرة في القرآن الكريم ، وطرح اكثر الاحيان بعنوان النهي عن المنكر .
____________
(1) الميزان ج 1 ص 218 .
(2) الفجور شق ستر الديانة ( مفردات الراغب 373 ) .
الصفحة 13
12 ـ الفاحشة : هي الكلام والعمل القبيح الذي لا شك في قبحه . وفي بعض الاحيان تستعمل بمعنى العمل الشديد القبح والعار والتضجر . وقد ورد هذا الاصطلاح 24 مرة في القرآن الكريم .
13 ـ الخبط : ومعناه عدم التعادل والتوازن في القيام والقعود . وكأن المذنب يتحرك حركات غير موزونة ولا معقولة يتبعها خمول وانحطاط .
14 ـ الشر : ومعناه كل شيء قبيح يرفضه الناس .وعلى العكس منه اصطلاح الخير ، بمعنى العمل المحبوب لدى الناس وكأن الذنب هو على خلاف الفطرة والاحساس الداخلي للبشر . وهذا الاصطلاح يستعمل غالباً في مورد البلاء والنوائب ويستعمل احياناً في مورد الذنب حيث ورد قوله تعالى في سورة الزلزال بمعنى الذنب :
( ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره ) (1) .
15 ـ اللمم : ( وهو على وزن قلم ) بمعنى التقرب الى الذنب ، وبمعنى الاشياء القليلة . ويستعمل في الذنوب الصغيرة ، وورد هذا الاصطلاح مرة واحدة في سورة ( النجم آية 32 ) .
16 ـ الوزر : ومعناه الثقل .يأتي اكثر الاحيان بمعنى تحمل ذنوب الاخرين . فالوزير يطلق على من يتحمل عبء الحكومة الثقيل ، والمذنب غافل عن انه سيحمل على عاتقه حملاً ثقيلاً ، وهذا الاصطلاح ذكر 26 مرة في القرآن الكريم .
____________
(1) سورة الزلزال آية 8 .
الصفحة 14
وفي بعض الاحيان ورد اصطلاح « الثقل » في القرآن الكريم في مورد الذنب ، كما دلت عليه الآية 13 من سورة العنكبوت .
17 ـ الحنث : ( على وزن جنس ) (1) وأصله التمايل والانحراف نحو الباطل ، واكثر ما تستعمل هذه الكلمة للذنوب الناتجة من عدم الوفاء بالوعد ، ونقض العهد بعد الالتزام به ، التي تعد من الذنوب الكبيرة . وقد ورد هذا الاصطلاح مرتين في القرآن الكريم .
إن هذه الاصطلاحات السبعة عشر يبيّن كلّ واحدٍ منها جزءاً من الآثار الوخيمة للذنب ويجسد الوانه ، وكل واحد منها له أسلوب خاص في تحذير الناس من ارتكاب الذنوب .
الاصطلاحات الاخرى في الروايات :
جاءت في الروايات الاسلامية اصطلاحات أخرى للذنوب مثل : الجريرة ، الجناية ، الزلة ، العثرة ، والعيب و . . .
وكل واحد من هذه الاصطلاحات يبين لنا معناً خاصاً للذنب من الممكن للانسان أن يقع فيه .
اقسام الذنب :
قسم علماء الاسلام قديماً الذنب الى قسمين .
1 ـ الذنوب الكبيرة .
____________
(1) مفردات الراغب والمنجد ( حنث ) .
الصفحة 15
2 ـ الذنوب الصغيرة .
وقد نشأ هذا التقسيم من القرآن الكريم والروايات ، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم :
الآية 31 من سورة النساء :
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ) .
وفي الآية 49 من سورة الكهف :
( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرةً إلاّ أحصاها ) .
وفي الآية 32 من سورة النجم :
( الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الاّ اللّمم إنّ ربك واسع المغفرة ... ) (1) .
1 ـ اللمم ( على وزن قلم ) واصلها القرب من الذنب وتحتسب من الذنوب الصغيرة .
وفي الآية 37 من سورة الشورى :
( والّذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ) .
وفي الآية 48 من سورة النساء :
____________
(1) اللمم ( على وزن قلم ) تعني في الاصل الاقتراب نحو الذنب ، كما يعبر عن الذنوب الصغيرة بـ « اللمم » ايضاً .
الصفحة 16
( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثّما عظيماً ) .
لقد أصبح واضحاً من خلال هذه الايات الشريفة ان الذنوب في الاسلام على نوعين : صغيرة وكبيرة .
ويستفاد أيضاً من ان بعض الذنوب ( بدون توبة نصوحة ) لا عفو فيها وانّ بعضها تشمله المغفرة والعفو الالهي .
تقسيم الذنوب كما جاء في الروايات :
جاءت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) روايات متعددة تبين لنا تقسيم الذنوب الى الكبيرة والصغيرة .
وقد أختصّ بهذا الموضوع ما رود في كتاب اصول الكافي تحت عنوان « باب الكبائر » والذي يحتوي على 24 حديثاً ، حيث ورد في الرواية الاولى والثانية من هذا الباب ان الذنوب الكبيرة تطلق على الذنوب التي جعل الله لها النار والجحيم واجباً وحتمياً (1) .
وجاء في بعض هذه الروايات ان الذنوب الكبيرة سبعة انواع ( كما جاء في الرواية الثالثة والثامنة ) ، وفي بعضها انها تسعة عشر ذنباً ( رواية 24 ) (2) .
____________
(1) الكبائر التي اوجب الله سبحانه عليها النار . ( اصول الكافي ج 2 ص 276 ) .
(2) اصول الكافي ط آخوندي ج 2 ص 285 ـ وسائل الشيعة ج 11 ص 252 فما بعدها .
الصفحة 17
ومن مجموع هذه الروايات يظهر ان الذنوب تكون من حيث الشدة والضعف على قسمين كبيرة وصغيرة . وبالرغم من ان كل ذنب مخالف للاوامر الالهية يعتبر كبيراً وثقيلاً ، ولكن هذا الموضوع لا ينافي كون بعض الذنوب من حيث اثارها الوخيمة اكبر من البعض الاخر وبالتالي تقسيمها الى كبيرة وصغيرة .
ما جاء على لسان الامام الصادق ( عليه السلام ) حول الذنوب الكبيرة في كتاب الله سبحانه .
قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) .
جاء أحد علماء الاسلام وهو ( عمرو بن عبيد ) الى الامام الصادق ( عليه السلام ) بعد ان سلّم عليه وقرأ هذه الآية :
( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ... ) ( النجم 32 ) .
بعدها سكت ولم يكمل الآية .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « لماذا سكتّ ؟ ! » .
اجاب عمرو بن عبيد : أحبّ ان أعرف الذنوب الكبيرة في كتاب الله تعالى :
اجابه الامام ( عليه السلام ) : نعم يا عمرو ! ، اسمع .
1 ـ اكبر الذنوب الكبيرة الشرك بالله سبحانه كما قال سبحانه وتعالى :
( ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنّة ) ( النساء 72 ) .
الصفحة 18
2 ـ وبعده اليأس من رحمته . قال الله تعالى :
( أنّه لا يياس من روح الله إلاّ القوم الكافرون ) ( يوسف 87 ) .
3 ـ وبعدهما الامان من مكر الله تعالى . قال الله تعالى :
( فلا يأمن من مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) ( الاعراف 99 ) .
4 ـ ومن جملة الذنوب الكبيرة عقوق الوالدين . حيث اطلق الله على عاق الوالدين بـ ( جبّاراً شقياً ) (1) .
5 ـ قتل النفس المحترمة الا في موارد الحق حيث قال الله سبحانه :
( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) ( النساء 93 ) .
6 ـ قذف المرأة الطاهرة بالزنا كما يقول الله سبحانه وتعالى :
( إن الّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) ( النور 23 ) .
7 ـ اكل مال اليتيم : قال الله تعالى في مورد عاقبة الذين يأكلون مال اليتيم :
( إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) ( النساء الآية 10 ) .
الفرار من جبهة الجهاد : كقوله تعالى :
____________
(1) وقد ورد على لسان عيسى ( عليه السلام ) ( وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ) مريم 32 .
الصفحة 19
( ومن يولّهم يؤمئذ دبره الاّ متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً الى فئةٍ فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ) ( الانفال 16 ) .
9 ـ اكل الربا : قال الله تعالى :
( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الّذي يتخبطه الشّيطان من المسّ ) ( البقرة 277 ) .
10 ـ السحر والشعبذة : حيث قال الله تعالى :
( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاقٍ ) ( البقرة 103 ) .
11 ـ الزنا ، قال الله تعالى :
( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) ( الفرقان 68 ، 69 ) .
12 ـ القسم الكاذب للذنب ، قال الله تعالى :
( الّذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخرة ) ( آل عمران 77 ) .
13 ـ الخيانة عند غنائم الحرب ، كقوله تعالى :
( ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ) ( آل عمران 161 ) .
14 ـ منع الزكاة ، حيث قال الله تعالى في مورد عاقبة مانع الزكاة :
( يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم
الصفحة 20
وجنوبهم وظهورهم ) ( التوبة 35 ) .
15 ـ الشهادة كذباً وكتمان شهادة الحق ، كقوله تعالى :
( ومن يكتمها فانه آثم قلبه ) ( البقرة 283 ) .
16 ـ شرب الخمر : لان الله سبحانه نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان والاصنام . كما ورد في ( الآية 90 ) من سورة المائدة .
17 ـ ترك الصلاة او أحد الواجبات الالهية الاخرى عمداً .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
« من ترك الصلاة متعمداً فقد بريء من ذمة الله وذمة رسول الله » .
18 و 19 ـ عدم الوفاء بالعهد ، وقطع صلة الرحم : كقوله تعالى :
( اولئك لهم الّلعنة ولهم سوء الدّار ) ( الفرقان 25 ) .
قال الرواي : ولما ان وصل الامام الصادق ( عليه السلام ) الى هذه النقطة اجهش عمرو بن عبيد بالبكاء والعويل من شدة الحزن وخرج من مجلسه وهو يقول : هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم (1) .
الموازين والمعايير لمعرفة الذنوب الكبيرة والصغيرة :
ما هو المعيار لمعرفة الذنوب الكبيرة من الصغيرة ؟ حيث ان هناك اختلافاً كثيراً في اقوال العلماء ، فمنهم من يقول : ان المعيار
____________
(1) اصول الكافي : ج 2 ، ص 258 ، ـ 287 ، أصول الكافي المترجم ج 3 ص 390 ـ 392 .
الصفحة 21
لتشخيص تلك الذنوب ، الامور التالية :
1 ـ كل ذنب وعد الله سبحانه وتعالى له في القرآن الكريم عذاباً .
2 ـ كل ذنب عين له الشارع المقدس حداً معيناً ( كشارب الخمر والزاني ، والسارق ، وامثالها ، فحدودها الجلد والقتل والرجم ) وقد حذر عنه القرآن الكريم .
3 ـ كل ذنب يدل على الاستهانة بالدين والامبالاة به .
4 ـ كل ذنب ثبتت حرمته وانه ذنب كبير بالأدلة القاطعة .
5 ـ كل ذنب هدّد له القرآن والسنة بالعذاب الشديد لمرتكبه (1) .
أما حول عدد الذنوب الكبيرة فبعضهم قال : سبعة والبعض الآخر قالوا : عشرة ، واخرون : عشرون ، والبعض : اربع وثلاثون وبعض : أربعون أو أكثر .
والجدير بالانتباه هو أنّ هذه الاختلافات في العدد قد جمعت واقتبست من الايات والروايات المختلفة ، ولاجل ذلك لا تكون الذنوب الكبيرة في مستوى واحد .
____________
(1) نقلاً من العلامة المجلسي في شرح اصول الكافي ، والتي نقلها بدوره عن الشيخ البهائي ، ترجمة ( اصول الكافي ج3 ص 392 ) .
الصفحة 22
الذنوب الكبيرة في نظر الامام الخميني ( قدس سره ) .
جاء في كتاب تحرير الوسيلة للامام الخميني ( قدس سره ) حول الذنوب الكبيرة ما يلي :
1 ـ هي كل معصية توعد الله مرتكبها بنار جهنّم كما ورد في القرآن والروايات الاسلامية .
2 ـ أو نهي عنها في الشريعة نهياً غليظاً .
3 ـ او دل دليل على كونها اكبر من بعض الذنوب الكبيرة الاخرى او امثالها .
4 ـ او حكم العقل بانها كبيرة .
5 ـ ان يعد ذلك الذنب في ارتكاز المتشرعة من الذنوب الكبيرة .
6 ـ او ورود النص من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) او الائمة ( عليهم السلام ) بكونها من الذنوب الكبيرة .
ثم قال : الذنوب الكبيرة كثيرة بعضها عبارة عن :
1 ـ اليأس من رحمة الله .
2 ـ الأمن من مكره .
3 ـ الكذب على الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأوصيائه .
4 ـ قتل النفس التي حرمها الله الا بالحق .
5 ـ عقوق الوالدين .
6 ـ اكل مال اليتيم ظلماً .
الصفحة 23
7 ـ قذف المحصنة .
8 ـ الفرار من الزحف .
9 ـ قطيعة الرحم .
10 ـ السحر والشعبذة .
11 ـ الزنا .
12 ـ اللواط .
13 ـ السرقة .
14 ـ اليمين الغموس .
15 ـ كتمان الشهادة في مورد تكون الشهادة عليه واجبة .
16 ـ شهادة الزور .
17ـ نقض العهد .
18 ـ الحيف في الوصية .
19 ـ شرب الخمر .
20 ـ الربا .
21 ـ أكل السحت .
22 ـ القمار .
23 ـ اكل الميتة والدم .
24 ـ اكل لحم الخنزير .
25 ـ ما أهلّ لغير الله من غير ضرورة .
26 ـ البخس في المكيال والميزان .
الصفحة 24
27 ـ التعرب بعد الهجرة (1) .
28 ـ معونة الظالمين .
29 ـ الركون اليهم ( يعني الظالمين ) .
30 ـ حبس الحقوق من غير عذر .
31 ـ الكذب .
32 ـ التكبر .
33 ـ الاسراف والتبذير .
34 ـ الخيانة .
35 ـ الغيبة .
36 ـ النميمة .
37 ـ الاشتغال بالملاهي .
38 ـ الاستخفاف بالحج .
39 ـ ترك الصلاة .
40 ـ منع الزكاة .
41 ـ الاصرار على الصغائر من الذنوب .
وأما الشرك بالله تعالى وانكار ما انزله ومحاربة اوليائه فهي من اكبر الكبائر (2) .
____________
(1) يعني أنّ الانسان كان في مكان محفوظ فيه دينه ويهاجر الى مكان يكون دينه في خطر فيسمى ذلك ( التعرب ) .
(2) تحرير الوسيلة ج 1 ص 274 ، 275 .
الصفحة 25
وطبقاً لما ورد في رسالة الامام الخميني ( قدس سره ) فانّ الذنوب الكبيرة كثيرة وما ذكر هو قسم منها . فمثلاً الاستهانة بالكعبة والقرآن والرسول والائمة الطاهرين ( عليه السلام ) او سبهم او البدعة و ...... يعد من الذنوب الكبيرة .
تقسيم آخر للذنوب :
قال الامام علي ( عليه السلام ) (1) .
« إن الذنوب ثلاثة .... فذنب مغفور وذنب غير مغفور . وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه » .
قيل : يا امير المؤمنين ( عليه السلام ) فبينها لنا ، قال ( عليه السلام ) نعم : أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا فالله أحكم وأكرم ان يعاقب عبده مرتيّن ، وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض ، إن الله تبارك وتعالى اذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّ بكّف ، ولو مسحة بكف ونطحةٍ ما بين الشاة القرناء الى الشاة الجماء ، فيقتض الله للعباد بعضهم من بعض ، حتى لا يبقى لأحدٍ عند أحد مظلمة ، ثم يبعثهم الله الى الحساب ، وأم الذنب الثالث فذنب سترة الله على عبده ورزقه التوبة فأصبح خاشعاً من ذنبه ، راجياً لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب .
____________
(1) بحار الانوار ج 6 ص 29 ـ 30 .
الصفحة 26
الموارد التي تبدل الذنب الصغير
الى ذنبٍ كبير
يستفاد من بعض الروايات والآيات القرآنية بان هناك ذنوباً صغيرة تتبدل الى ذنوبه كبيرة وتتلبس باحكامها .
1 ـ الاصرار على الذنب الصغير :
إنّ ممارسة الذنب الصغير لعدة مرات يعد ذنباً كبيراً واذا لم يبادر المرتكب للذنب الى التوبة والاستغفار يحسب اصراراً على المعصية .
فمثلاً لو نسج الخيط مع الشعر لصار حبلاً قوياً فعندها لا يكون خيطاً ولا شعراً بل هو حبل قوي . ففي سورة آل عمران ( الآية 135 ) نقرأ :
( .... ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ) .
الصفحة 27
قال الامام الباقر ( عليه السلام ) في شرح هذه الآية :
« الاصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله فلا يحدث نفسه بتوبة ، فذلك الاصرار » (1) .
قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« إياك والاصرار فأنه من أكبر الكبائر واعظم الجرائم » (2) .
لا تغفلوا عن الذنوب الصغيرة :
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نزل بأرضٍ قرعاء فقال لاصحابه : ائتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض ، فقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات من الذنوب ، فان لكلّ شيء طالباً ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمامٍ مبين » (3) .
اشارة الى قوله تعالى في سورة يس الآية 12 :
( ونكتب ما قدموا ... ) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 288 .
(2) غرر الحكم ج 1 ص 151 .
(3) اصول الكافي ج 2 ص 288 .
الصفحة 28
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« لا صغيرة مع الاصرار » .
2 ـ الاستهانة بالذنب :
الاستهانة بالذنب تعدّ من الذنوب الكبيرة ، ولا يضاح الموضوع نضرب مثالاً :
اذا ضرب أحد غيره بحجرٍ كبير على رأسه ثم ندم على عمله واعتذر ، فمن الممكن ان يصفح عنه . ولكن اذا ضرب احد الآخر بحجرٍ صغير جداً ولم يعتذر منه زاعماً أنها هفوة طفيفة ولم تكن شيئاً مهماً ، فطبيعي أن لا يصفح عنه المضروب ، لانها نابعة من روحه المتبكرة واستهانته بذنبه .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) .
« من الذنوب التي لا تغفر : ليتيني لم أواخذ الاّ بهذا » (1) .
لان الذنب المشار اليه في الرواية قد استهين به .
قال الامام علي ( عليه السلام ) .
« أشد الذنوب ما استهان به صاحبه » (2) .
نقل زيد الشحام عن الامام الصادق ( عليه السلام ) انه قال :
« اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر » .
____________
(1) بحار الانوار : ج 73 ، ص 355 .
(2) نهج البلاغة الحكمة 348 غرر الحكم ج 1 ص 193 .
الصفحة 29
قلت : وما المحقرات ؟ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« الرجل يذنب الذنب فيقول : طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك » (1) .
4 ـ وجاء في الصحيفة السجادية عن الامام السجاد ( عليه السلام ) في ضمن الدعاء انه يقول :
« اللهم اعوذ بك من ... الاصرار على المآثم واستصغار المعصية واستكبار الطاعة ومباهاة المكثرين والازراء بالمقلين وسوء الولاية لمن تحت ايدينا وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا ... » (2) .
3 ـ الابتهاج عند ممارسة الذنب :
الاحساس باللذة والفرح عند اقتراف الذنب هو احد الاسباب التي تحول الذنب الى كبير ويوجب العذاب الاليم لصاحب الذنب . وفي هذا المورد توجد عدة روايات .
قال الامام علي ( عليه السلام ) :
« شر الاشرار من تبهج بالشر » (3) .
وقال ايضاً :
« من تلذذ بمعاصي الله ذلّ » (4) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 287 .
(2) الدعاء الثامن من الصحيفة السجادية .
(3) الغرر ص 130 .
(4) غرر الحكم ج 1 ص 446 .
الصفحة 30
قال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
« اياك وابتهاج الذنب فانه اعظم من ركوبه » (1) .
وقال الامام السجاد ( عليه السلام ) في حديث آخر :
« حلاوة المعصية يفسدها اليم العقوبة » (2) .
وله في حديث آخر :
« لا خير في لذة من بعدها النار » (3) .
وقال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« من أذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار وهو باك » (4) .
4 ـ اقتراف الذنب عند الطغيان :
والسبب الاخر الذي يبدل الذنب الصغير الى كبير هو صدوره عن الطغيان والعصيان كما ورد في الآيات التالية من سورة النازعات الآية 37 الى 39 .
( وأمّا من طغى ـ وآثر الحياة الدّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى ) .
____________
(1) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(2) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(3) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(4) مشكاة الانوار ص 394 ـ وسائل الشيعه ج 11 ص 268 .
الصفحة 31
5 ـ الغرور عند ارخاء الستر الالهي للانسان المذنب وامهاله :
من الموارد التي تحول الذنب الصغير كبيراً هو ان المذنب يخالج تفكيره أن عدم مجازاة الله سبحانه وتعالى السريعة له تدل على رضى الله عنه وحبه له كما جاء في الآية 8 من سورة المجادلة :
( ويقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا الله بما نقول حسبهم جهنّم يصلونها فبئس المصير ) .
فالوعيد بعذاب جهنم لهؤلاء الاشخاص دليل على ان ذنب هؤلاء المغرورين بعدم مجازاة الله السريعة لهم هي من الذنوب الكبيرة .
6 ـ التجاهر بالذنب :
إنّ اعلان الذنب والتجاهر به أمام الناس يبدل الذنب الصغير الى ذنبٍ كبير . وهذا التجاهر تعبير عن ان صفة التجرّو على الاوامر الالهية وعدم الالتزام بها هي صفة المذنبين ، ويعبّر ايضا عن تلوث المجتمع لكون الذنب فيه متفشياً وطبيعياً .
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
« إياك والمجاهرة بالفجور فانه من اشد المآثم » (1) .
وقال الامام الرضا ( عليه السلام ) :
« المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة ، والمذيع بالسيئة
____________
(1) غرر الحكم ج 1 ص 151 .
الصفحة 32
مخذولّ » (1) .
7 ـ ذنب الاشخاص ذوي المركز الاجتماعي المرموق :
هناك أشخاص لهم مكانة اجتماعية مرموقة بين الناس ، فما يقترفونه من الذنوب له حكمّ خاص يختلف تماماً عن عامة الناس لذا يحكم على ذنوبهم الصغيرة بكونها كبيرة لوجود بعدين .
1 ـ بعد فردي .
2 ـ بعد اجتماعي .
إنّ ذنب الاشخاص المتميزين المرموقين في البعد الاجتماعي يعد ذنباً كبيراً وان كان صغيراً لانه يوفر الارضية لانحراف واغواء جمعٍ كثيرٍ من الناس مما يؤدي الى الاستهانة بالدين .
كما يقولون : « الملح يرجى لإصلاح ما فسد فكيف الحال اذا الملح فسد ؟!! » ، ولنضرب المثال الآتي :
لو وضع شخص أمي ماءً قذراً في اناء واعطاه لآخر فشربه فاصابه المرض ، في هذه الحالة لا يعاقب الأمي لأن الثاني كان عالماً فلماذا شرب الماء ؟
ومثله اذا كان شخص يصنع « المرطبات » بالفستق وماء الورد والحليب ويقدمه الى المشتري بشكلٍ جميل وجذاب فاذا أكل أحدً من تلك « المرطبات » فتسمم عوقب ذلك البائع لجذبه المشترين
____________
(1) مشكاة الانوار : ص 394 ـ اصول الكافي ج 2 ص 428 .
الصفحة 33
واغرائهم بلون المرطبات المعروضة وجهلهم بتسمّمها .
وعلى هذا المعيار تأتي المحاسبة الالهية للشخصيات المرموقة في المجتمع مختلفةً عن محاسبة الآخرين .
ذنب العلماء من وجهة نظر القرآن الكريم :
1 ـ في الآية 44 ألى 48 من سورة الحاقة نقرأ :
( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ـ لأخذنا منه باليمين ـ ثمّ لقطعنا منه الوتين ـ فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين ) .
لقد ظهر اشخاص كثيرون في التاريخ أظهروا البدع وتحريف الدين ، ولم يخاطبهم الله بذلك الخطاب الشديد الوارد في الآية اعلاه . لكن لو فعل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك لعاقبه تعالى لاجل مقام العصمة والعلم والمعرفة التي يتصف بها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذا تأكيد على أن رفيع المنزلة اذا أذنب فذنبه ذنب كبير ، وعلى هذا الاساس فانّ كل من يمتلك شخصية علمية او دينية وينتسب الى الشريعة والدين تكون مسؤوليته اكبر .
العالم غير الملتزم في القرآن الكريم :
شبه القرآن الكريم العالم الذي لا يعمل بما يعلم « بالكلب والحمار » فنرى في سورة الأعراف الآية 176 ما ورد في ذم العالم المذنب « بلعم بن باعوراء » قوله تعالى :
الصفحة 34
( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ) .
وفي الآية 5 من سورة الجمعة شبّه تعالى حال اللاهثين وراء حبّ الدنيا حيث قال :
( مثل الذّين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفاراً ) .
وفي الآية 30 من سورة الاحزاب نقرأ :
( يا نساء النّبي من يأت منكنّ بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين ) .
فنساء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لاجل منزلتهن العظيمة في المجتمع يضاعف لهن العذاب ، وذكر الفاحشة المبينة في الآية الكريمة اشارة الى الاثر الاجتماعي الذي يتركه ذلك الذنب في المجتمع الذي لاجله تتضاعف العقوبة .
وعلى هذا الاساس جاء رجل الى الامام السجاد ( عليه السلام ) وقال له : انكم أهل بيتٍ مغفور له .
فاجابه الامام ( عليه السلام ) :
« ليس كما تقول فللمحسن منا أجران وللمسيء يضاعف له العذاب » (1) ثم تلا الآية ( 30 و 31 ) من سورة الاحزاب .
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 354 .
الصفحة 35
ذنب الرؤساء من وجهة نظر الروايات :
1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« يغفر للجاهل سبعون ذّنباً قبل ان يغفر للعالم ذنبّ واحد » (1) .
2 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« إذا فسد العالم فسدت الأمة » (2) .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً :
« خواص امتي أربعة : الملوك و العلماء والعباد و التجار » (3) .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« لا تصلح عوام امتي ما لم تصلح خواصها ، فسأل سائل : من هو خواص امتك يا رسول الله ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خواص امتي اربعة الملوك والعلماء والعباد والتجار ، فسأل سائل آخر : كيف يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الملوك رعاة الامة فعندما يكونوا ذئاباً فكيف يرعى الرعيل من الشياه ؟ والعلماء اطباء الناس فعندما يكون الطبيب مريضاً من يعالج المرضى ؟ والعباد هداة الناس فعندما يكونون ضالين فمن يهدي الناس ؟ والتجار امناء الناس فعندما يكون الامين خائناً
____________
(1) اصول الكافي ج 1 ص 47 .
(2) بحار ط بيروت ج 74 ص 154 .
(3) المواعظ العددية ص 125 .
الصفحة 36
فمن يطمئن اليه ؟ » .
3 ـ وكذلك قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« ثلاث لا يكلمهم الله سبحانه يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولهم عذاب اليم :
شيخ زانٍ وملك جبار ومقل مختال » (1) .
4 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) لاحد اصحابه يدعى الشقراني :
« يا شقراني إنّ الحسن من كل احدٍ حسن وانه منك أحسن لمكانك منّا ، وإنّ القبيح من كل احدٍ قبيح وإنه منك اقبح » (2) .
5 ـ قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« زلة العالم تفسد العوالم » (3) .
وقال ايضاً سلام الله عليه :
« زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها » (4) .
ولذلك يعتبر ذنب المسؤولين والشخصيات والعلماء والمؤلفين والزعماء والسادات أكبر من غيرهم .
مفاتيح العيوب والذنوب :
كما أن للشيخوخة والكبر دور في تهيئة الارضية لهجوم
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 311 .
(2) سفينة البحار ج 1 ص 708 .
(3) غرر الحكم ج 1 ص 426 .
(4) غرر الحكم ج 1 ص 426 .
الصفحة 37
الامراض المختلفة على صاحبها ، كذلك تكون العيوب مفتاحاً للذنوب .
1 ـ الحسد : يجبر الانسان على ارتكاب انواع الذنوب ، مثل التخلف عن الاعمال والتهمة والكذب وسوء القصد و ... و ...
كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« إنّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب » (1) .
وعليه يسعى الانسان الحسود باي طريقة الى تحطيم رقيبه بأية وسيلة .
2 ـ البخل والحرص : يعتبر البخل احد العيوب المؤدية الى ارتكاب الذنب ، اذ هو مانع عن اعطاء الحقوق الشرعية ، مثل الزكاة ، والخمس ، وعدم الانفاق في سبيل الله سبحانه ، وغيرها من الذنوب ، إضافة الى ذلك اشمئزاز الناس من البخيل مما يؤدي الى سوء الظن به وسبه .
قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« البخل جامع لمساوىء العيوب وهو زمام يقاد به الى كل سوءٍ » (2) .
وكذلك الحرص فهو باعث للذنوب ، كنقص المكيال والاحتكار ، والاجحاف في الاسعار ، والرشوة والتملق مما يؤدي الى
____________
(1) بحار ج 73 ص 255 .
(2) بحار ج 73 ص 307 ـ نهج البلاغة الحكمة 370 .
الصفحة 38
قلة التقوى و ضعفها عند الحريص .
3 ـ الكذب : يبرر الانسان الكاذب ذنوبه بانواع التبررات والحجج وتحت غطاء الكذب يقوم باقتراف مئات الذنوب .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
« جعلت الخبائث كلها في بيتٍ وجعل مفتاحها الكذب » (1) .
4 ـ الغضب والاخلاق السيئة : الغضب عيب آخر للذنب يؤدي بصاحبه الى الفحشاء والغيبة والمعاداة وانواع السيئات .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
« الغضب مفتاح كل شرٍّ » (2) .
وهناك عيوب كثيرة تمهد الارضية الى اقتراف الذنوب الاخرى ، كسوء الظن ، وشرب الخمر ، والعداء ، والتكبر ، و ... ونكتفي بهذا المقدار لاجل الاختصار .
طريق آخر لمعرفة الذنوب :
ورد في القرآن الكريم ان هناك ثمانية عشر مجموعة اقترفوا ذنوباً مختلفة فاصبحوا عرضة للعن .
اللعن : ومعناه الطرد والابتعاد من رحمة الله سبحانه . وهو
____________
(1) البحار ج 72 ص 262 .
(2) تحف العقول ص 581 ـ اصول الكافي ج 2 ص 303 عن الامام الصادق ( عليه السلام ) .
الصفحة 39
مقرون بالغضب وبالرغم من ان رحمة الله الواسعة شملت كل شيء إلاّ أنّ اولئك الملعونين لا تشملهم الرحمة وجاء في الآية 152 من سورة الاعراف :
( ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ ) .
والانسان بمحض إرادته قد تبوّأ مكاناً استحق به اللعن ، فمثله كمثل الكرة المغلقة في وسط المحيط لا تصل اليها قطرة من بحر الرحمة الواسعة .
الملعونون في القرآن عبارة عن الكفار والمشركين ، واليهود المعاندين والمصرّين على انكارالحق ومساندتهم لاصحاب الاوثان ، المرتدون ، والمحتالون المعارضون للقوانين الالهية ناقضوا المواثيق الكاتمون للحق ، وزعماء الكفر لافسادهم في الارض ، والمنافقون المتملقون الذين آذوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والظالمون ، والقاتلون بغير حق ، وابليس ، والقاذفون للمحصنات الطاهرات ، والمخالفون للقادة الصالحين ، والذين يفسدون في الارض واصحاب القلوب الخبيثة والكاذبون .
وجاء في الروايات الاسلامية ان اللعن جعل للذين اتصفوا بالصفات التالية :
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال :
« خمسة لعنتهم وكلّ نبي مجاب : الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي ، والكذب بقدر الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله ،
يتبع
معنى الذنب وانواعه
الذنب يعني المخالفة ، فكل عمل من الأعمال التي تخالف الاوامر الالهية يعد في نظر الاسلام ذنباً ، فحتى لو كان الذنب هيناً فهو عظيم وكبير وذلك لمخالفة الاوامر الربانية وعدم إطاعة الله سبحانه وتعالى .
قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأبي ذر :
« لا تنظر الى صغر الخطيئة ولكن انظر الى من عصيته » (1) .
الاصطلاحات الدالة على الذنب في القرآن الكريم :
ذكرت في القرآن الكريم وعلى لسان الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله سلم ) واهل بيته الطاهرين ( عليهم السلام ) اصطلاحات كثيرة ومختلفة حول الذنب ، حيث يكشف كل منها عن قسم من الآثار السيئة للذنب ويبّين الانواع المختلفة له ، والاصطلاحات التي وردت في القرآن الكريم عن الذنب
____________
(1) مجموعة ورام ج 2 ص 53 .
عبارة عن :
1 ـ الذنب 2 ـ المعصية 3 ـ الاثم 4 ـ السيئة 5 ـ الجرم 6 ـ الحرام 7 ـ الخطيئة
8 ـ الفسق 9 ـ الفساد 10 ـ الفجور 11 ـ المنكر 12 ـ الفاحشة 13 ـ الخبط
14 ـ الشر 15 ـ اللمم 16 ـ الوزر والثقل 17 ـ الحنث .
* * *
1 ـ الذنب : ومعناه التابع ، وحيث ان كل عمل مخالف للشريعة يتبعه نوع من الجزاء الدنيوي او الاخروي ، فقد وردت هذه الكلمة 35 مرة في القرآن الكريم .
2 ـ المعصية : ومعناها التمرد والخروج عن الاوامر الالهية ، وتعبّر عن تعدي الانسان لحدود العبودية ، وقد وردت هذه الكلمة 33 مرة في القرآن الكريم .
3 ـ الاثم : ومعناه الخمول ، والبط ، والعجز ، والحرمان من الأجر والثواب . وهو دلالة على أنّ الآثم شخص عاجز ومحروم ولا ينبغي له ان يتوهم بانه فطنّ ، وهذه الكلمة ذكرت في القرآن الكريم 48 مرة .
4 ـ السيئة : ومعناها العمل القبيح والسيء الموجب للهم والذلة ، وتقابلها ( الحسنة ) التي تعني السعادة والفلاح ، ووردت هذه الكلمة في القرآن الكريم 165 مرة . وكلمة السوء مأخوذة من نفس المصطلح وذكرت 44 مرة في القرآن الكريم .
5 ـ الجرم : ويعني في الاصل : انفصال الثمرة عن الشجرة وكذلك تعني الانحطاط ، والجريمة والجرائم اشتقت من نفس هذه المادة ، والتلوث بالجرم يبعد الانسان عن الحقيقة ، والسعادة ، والتكامل ، والهدف ، وقد وردت هذه الكلمة 61 مرة في القرآن الكريم .
6 ـ الحرام : وتعني هذه الكلمة المنع والحظر . كلباس الاحرام الذي يرتديه الانسان في الحج والعمرة فيحرم عليه ممارسة عدة من الاعمال ، والشهر الحرام هو الشهر الذي يحرّم فيه القتال ، والمسجد الحرام يعني المسجد الذي له قدسيّة وحرمة خاصة ويحرم على المشركين الدخول فيه ، وقد وردت هذه الكلمة 75 مرة في القرآن الكريم .
7 ـ الخطيئة : وتعني الذنب غير المتعمد غالباً . وقد تعني احياناً الذنب الكبير ، كما اشير اليها في آيتين في القرآن الكريم . ( بلى من كسب شيّئة وأحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (1) .
ووردت في سورة الحاقة الآية 37 .
( لا يأكله إلاّ الخاطئون ) .
ان ارتكاب الخطيئة يقطع على الانسان طريق النجاة ويمنع دخول الانوار الالهية الى قلبه .
____________
(1) البقرة : آية 81 .
هذا الاصطلاح في الاصل هو حالة تحصل للإنسان نتيجة اقترافه الذنب فتمنعه من بلوغ سبيل النجاة وتحجب نفوذ انوار الهداية الى قبله (1) . وردت هذه الكلمة 22 مرة في القرآن الكريم .
8 ـ الفسق : ويعني في الأصل خروج نوى التمر عن قشوره ، وهو كناية عن خروج المذنب عن طريق الطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى .
اي انه بذنبه قد انتهك حرمة الاوامر الالهية ، وفي النتيجة بقي هذا المذنب عارياً وبدون حصن يحصنه وحافظ يحفظه . وقد ورد هذا الاصطلاح 53 مرة في القرآن الكريم .
9 ـ الفساد : ويعني الخروج عن حد الاعتدال ، ونتيجته الضياع وتبذير القوى ، وقد ذكر هذا الاصطلاح 50 مرة في القرآن الكريم .
10 ـ الفجور (2) : ومعناه تمزق ستار الحياء والسمعة والدين ، وعاقبته الافتضاح ، وجاء هذا الاصطلاح ست مرات في القرآن الكريم .
11 ـ المنكر : وأصله من الانكار بمعنى الغير معروف ، وذلك لكون الذنب غير مأنوس لدى الفطرة والعقل السليم ، بل يعدانه قبيحاً اجنبياً ، وقد ورد هذا الاصطلاح 16مرة في القرآن الكريم ، وطرح اكثر الاحيان بعنوان النهي عن المنكر .
____________
(1) الميزان ج 1 ص 218 .
(2) الفجور شق ستر الديانة ( مفردات الراغب 373 ) .
12 ـ الفاحشة : هي الكلام والعمل القبيح الذي لا شك في قبحه . وفي بعض الاحيان تستعمل بمعنى العمل الشديد القبح والعار والتضجر . وقد ورد هذا الاصطلاح 24 مرة في القرآن الكريم .
13 ـ الخبط : ومعناه عدم التعادل والتوازن في القيام والقعود . وكأن المذنب يتحرك حركات غير موزونة ولا معقولة يتبعها خمول وانحطاط .
14 ـ الشر : ومعناه كل شيء قبيح يرفضه الناس .وعلى العكس منه اصطلاح الخير ، بمعنى العمل المحبوب لدى الناس وكأن الذنب هو على خلاف الفطرة والاحساس الداخلي للبشر . وهذا الاصطلاح يستعمل غالباً في مورد البلاء والنوائب ويستعمل احياناً في مورد الذنب حيث ورد قوله تعالى في سورة الزلزال بمعنى الذنب :
( ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره ) (1) .
15 ـ اللمم : ( وهو على وزن قلم ) بمعنى التقرب الى الذنب ، وبمعنى الاشياء القليلة . ويستعمل في الذنوب الصغيرة ، وورد هذا الاصطلاح مرة واحدة في سورة ( النجم آية 32 ) .
16 ـ الوزر : ومعناه الثقل .يأتي اكثر الاحيان بمعنى تحمل ذنوب الاخرين . فالوزير يطلق على من يتحمل عبء الحكومة الثقيل ، والمذنب غافل عن انه سيحمل على عاتقه حملاً ثقيلاً ، وهذا الاصطلاح ذكر 26 مرة في القرآن الكريم .
____________
(1) سورة الزلزال آية 8 .
وفي بعض الاحيان ورد اصطلاح « الثقل » في القرآن الكريم في مورد الذنب ، كما دلت عليه الآية 13 من سورة العنكبوت .
17 ـ الحنث : ( على وزن جنس ) (1) وأصله التمايل والانحراف نحو الباطل ، واكثر ما تستعمل هذه الكلمة للذنوب الناتجة من عدم الوفاء بالوعد ، ونقض العهد بعد الالتزام به ، التي تعد من الذنوب الكبيرة . وقد ورد هذا الاصطلاح مرتين في القرآن الكريم .
إن هذه الاصطلاحات السبعة عشر يبيّن كلّ واحدٍ منها جزءاً من الآثار الوخيمة للذنب ويجسد الوانه ، وكل واحد منها له أسلوب خاص في تحذير الناس من ارتكاب الذنوب .
الاصطلاحات الاخرى في الروايات :
جاءت في الروايات الاسلامية اصطلاحات أخرى للذنوب مثل : الجريرة ، الجناية ، الزلة ، العثرة ، والعيب و . . .
وكل واحد من هذه الاصطلاحات يبين لنا معناً خاصاً للذنب من الممكن للانسان أن يقع فيه .
اقسام الذنب :
قسم علماء الاسلام قديماً الذنب الى قسمين .
1 ـ الذنوب الكبيرة .
____________
(1) مفردات الراغب والمنجد ( حنث ) .
2 ـ الذنوب الصغيرة .
وقد نشأ هذا التقسيم من القرآن الكريم والروايات ، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم :
الآية 31 من سورة النساء :
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ) .
وفي الآية 49 من سورة الكهف :
( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرةً إلاّ أحصاها ) .
وفي الآية 32 من سورة النجم :
( الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش الاّ اللّمم إنّ ربك واسع المغفرة ... ) (1) .
1 ـ اللمم ( على وزن قلم ) واصلها القرب من الذنب وتحتسب من الذنوب الصغيرة .
وفي الآية 37 من سورة الشورى :
( والّذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ) .
وفي الآية 48 من سورة النساء :
____________
(1) اللمم ( على وزن قلم ) تعني في الاصل الاقتراب نحو الذنب ، كما يعبر عن الذنوب الصغيرة بـ « اللمم » ايضاً .
( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثّما عظيماً ) .
لقد أصبح واضحاً من خلال هذه الايات الشريفة ان الذنوب في الاسلام على نوعين : صغيرة وكبيرة .
ويستفاد أيضاً من ان بعض الذنوب ( بدون توبة نصوحة ) لا عفو فيها وانّ بعضها تشمله المغفرة والعفو الالهي .
تقسيم الذنوب كما جاء في الروايات :
جاءت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) روايات متعددة تبين لنا تقسيم الذنوب الى الكبيرة والصغيرة .
وقد أختصّ بهذا الموضوع ما رود في كتاب اصول الكافي تحت عنوان « باب الكبائر » والذي يحتوي على 24 حديثاً ، حيث ورد في الرواية الاولى والثانية من هذا الباب ان الذنوب الكبيرة تطلق على الذنوب التي جعل الله لها النار والجحيم واجباً وحتمياً (1) .
وجاء في بعض هذه الروايات ان الذنوب الكبيرة سبعة انواع ( كما جاء في الرواية الثالثة والثامنة ) ، وفي بعضها انها تسعة عشر ذنباً ( رواية 24 ) (2) .
____________
(1) الكبائر التي اوجب الله سبحانه عليها النار . ( اصول الكافي ج 2 ص 276 ) .
(2) اصول الكافي ط آخوندي ج 2 ص 285 ـ وسائل الشيعة ج 11 ص 252 فما بعدها .
ومن مجموع هذه الروايات يظهر ان الذنوب تكون من حيث الشدة والضعف على قسمين كبيرة وصغيرة . وبالرغم من ان كل ذنب مخالف للاوامر الالهية يعتبر كبيراً وثقيلاً ، ولكن هذا الموضوع لا ينافي كون بعض الذنوب من حيث اثارها الوخيمة اكبر من البعض الاخر وبالتالي تقسيمها الى كبيرة وصغيرة .
ما جاء على لسان الامام الصادق ( عليه السلام ) حول الذنوب الكبيرة في كتاب الله سبحانه .
قال الامام الكاظم ( عليه السلام ) .
جاء أحد علماء الاسلام وهو ( عمرو بن عبيد ) الى الامام الصادق ( عليه السلام ) بعد ان سلّم عليه وقرأ هذه الآية :
( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ... ) ( النجم 32 ) .
بعدها سكت ولم يكمل الآية .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « لماذا سكتّ ؟ ! » .
اجاب عمرو بن عبيد : أحبّ ان أعرف الذنوب الكبيرة في كتاب الله تعالى :
اجابه الامام ( عليه السلام ) : نعم يا عمرو ! ، اسمع .
1 ـ اكبر الذنوب الكبيرة الشرك بالله سبحانه كما قال سبحانه وتعالى :
( ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنّة ) ( النساء 72 ) .
2 ـ وبعده اليأس من رحمته . قال الله تعالى :
( أنّه لا يياس من روح الله إلاّ القوم الكافرون ) ( يوسف 87 ) .
3 ـ وبعدهما الامان من مكر الله تعالى . قال الله تعالى :
( فلا يأمن من مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) ( الاعراف 99 ) .
4 ـ ومن جملة الذنوب الكبيرة عقوق الوالدين . حيث اطلق الله على عاق الوالدين بـ ( جبّاراً شقياً ) (1) .
5 ـ قتل النفس المحترمة الا في موارد الحق حيث قال الله سبحانه :
( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) ( النساء 93 ) .
6 ـ قذف المرأة الطاهرة بالزنا كما يقول الله سبحانه وتعالى :
( إن الّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) ( النور 23 ) .
7 ـ اكل مال اليتيم : قال الله تعالى في مورد عاقبة الذين يأكلون مال اليتيم :
( إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ) ( النساء الآية 10 ) .
الفرار من جبهة الجهاد : كقوله تعالى :
____________
(1) وقد ورد على لسان عيسى ( عليه السلام ) ( وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ) مريم 32 .
( ومن يولّهم يؤمئذ دبره الاّ متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً الى فئةٍ فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ) ( الانفال 16 ) .
9 ـ اكل الربا : قال الله تعالى :
( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الّذي يتخبطه الشّيطان من المسّ ) ( البقرة 277 ) .
10 ـ السحر والشعبذة : حيث قال الله تعالى :
( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاقٍ ) ( البقرة 103 ) .
11 ـ الزنا ، قال الله تعالى :
( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) ( الفرقان 68 ، 69 ) .
12 ـ القسم الكاذب للذنب ، قال الله تعالى :
( الّذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الاخرة ) ( آل عمران 77 ) .
13 ـ الخيانة عند غنائم الحرب ، كقوله تعالى :
( ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة ) ( آل عمران 161 ) .
14 ـ منع الزكاة ، حيث قال الله تعالى في مورد عاقبة مانع الزكاة :
( يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم
وجنوبهم وظهورهم ) ( التوبة 35 ) .
15 ـ الشهادة كذباً وكتمان شهادة الحق ، كقوله تعالى :
( ومن يكتمها فانه آثم قلبه ) ( البقرة 283 ) .
16 ـ شرب الخمر : لان الله سبحانه نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان والاصنام . كما ورد في ( الآية 90 ) من سورة المائدة .
17 ـ ترك الصلاة او أحد الواجبات الالهية الاخرى عمداً .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
« من ترك الصلاة متعمداً فقد بريء من ذمة الله وذمة رسول الله » .
18 و 19 ـ عدم الوفاء بالعهد ، وقطع صلة الرحم : كقوله تعالى :
( اولئك لهم الّلعنة ولهم سوء الدّار ) ( الفرقان 25 ) .
قال الرواي : ولما ان وصل الامام الصادق ( عليه السلام ) الى هذه النقطة اجهش عمرو بن عبيد بالبكاء والعويل من شدة الحزن وخرج من مجلسه وهو يقول : هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم (1) .
الموازين والمعايير لمعرفة الذنوب الكبيرة والصغيرة :
ما هو المعيار لمعرفة الذنوب الكبيرة من الصغيرة ؟ حيث ان هناك اختلافاً كثيراً في اقوال العلماء ، فمنهم من يقول : ان المعيار
____________
(1) اصول الكافي : ج 2 ، ص 258 ، ـ 287 ، أصول الكافي المترجم ج 3 ص 390 ـ 392 .
لتشخيص تلك الذنوب ، الامور التالية :
1 ـ كل ذنب وعد الله سبحانه وتعالى له في القرآن الكريم عذاباً .
2 ـ كل ذنب عين له الشارع المقدس حداً معيناً ( كشارب الخمر والزاني ، والسارق ، وامثالها ، فحدودها الجلد والقتل والرجم ) وقد حذر عنه القرآن الكريم .
3 ـ كل ذنب يدل على الاستهانة بالدين والامبالاة به .
4 ـ كل ذنب ثبتت حرمته وانه ذنب كبير بالأدلة القاطعة .
5 ـ كل ذنب هدّد له القرآن والسنة بالعذاب الشديد لمرتكبه (1) .
أما حول عدد الذنوب الكبيرة فبعضهم قال : سبعة والبعض الآخر قالوا : عشرة ، واخرون : عشرون ، والبعض : اربع وثلاثون وبعض : أربعون أو أكثر .
والجدير بالانتباه هو أنّ هذه الاختلافات في العدد قد جمعت واقتبست من الايات والروايات المختلفة ، ولاجل ذلك لا تكون الذنوب الكبيرة في مستوى واحد .
____________
(1) نقلاً من العلامة المجلسي في شرح اصول الكافي ، والتي نقلها بدوره عن الشيخ البهائي ، ترجمة ( اصول الكافي ج3 ص 392 ) .
الذنوب الكبيرة في نظر الامام الخميني ( قدس سره ) .
جاء في كتاب تحرير الوسيلة للامام الخميني ( قدس سره ) حول الذنوب الكبيرة ما يلي :
1 ـ هي كل معصية توعد الله مرتكبها بنار جهنّم كما ورد في القرآن والروايات الاسلامية .
2 ـ أو نهي عنها في الشريعة نهياً غليظاً .
3 ـ او دل دليل على كونها اكبر من بعض الذنوب الكبيرة الاخرى او امثالها .
4 ـ او حكم العقل بانها كبيرة .
5 ـ ان يعد ذلك الذنب في ارتكاز المتشرعة من الذنوب الكبيرة .
6 ـ او ورود النص من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) او الائمة ( عليهم السلام ) بكونها من الذنوب الكبيرة .
ثم قال : الذنوب الكبيرة كثيرة بعضها عبارة عن :
1 ـ اليأس من رحمة الله .
2 ـ الأمن من مكره .
3 ـ الكذب على الله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأوصيائه .
4 ـ قتل النفس التي حرمها الله الا بالحق .
5 ـ عقوق الوالدين .
6 ـ اكل مال اليتيم ظلماً .
7 ـ قذف المحصنة .
8 ـ الفرار من الزحف .
9 ـ قطيعة الرحم .
10 ـ السحر والشعبذة .
11 ـ الزنا .
12 ـ اللواط .
13 ـ السرقة .
14 ـ اليمين الغموس .
15 ـ كتمان الشهادة في مورد تكون الشهادة عليه واجبة .
16 ـ شهادة الزور .
17ـ نقض العهد .
18 ـ الحيف في الوصية .
19 ـ شرب الخمر .
20 ـ الربا .
21 ـ أكل السحت .
22 ـ القمار .
23 ـ اكل الميتة والدم .
24 ـ اكل لحم الخنزير .
25 ـ ما أهلّ لغير الله من غير ضرورة .
26 ـ البخس في المكيال والميزان .
27 ـ التعرب بعد الهجرة (1) .
28 ـ معونة الظالمين .
29 ـ الركون اليهم ( يعني الظالمين ) .
30 ـ حبس الحقوق من غير عذر .
31 ـ الكذب .
32 ـ التكبر .
33 ـ الاسراف والتبذير .
34 ـ الخيانة .
35 ـ الغيبة .
36 ـ النميمة .
37 ـ الاشتغال بالملاهي .
38 ـ الاستخفاف بالحج .
39 ـ ترك الصلاة .
40 ـ منع الزكاة .
41 ـ الاصرار على الصغائر من الذنوب .
وأما الشرك بالله تعالى وانكار ما انزله ومحاربة اوليائه فهي من اكبر الكبائر (2) .
____________
(1) يعني أنّ الانسان كان في مكان محفوظ فيه دينه ويهاجر الى مكان يكون دينه في خطر فيسمى ذلك ( التعرب ) .
(2) تحرير الوسيلة ج 1 ص 274 ، 275 .
وطبقاً لما ورد في رسالة الامام الخميني ( قدس سره ) فانّ الذنوب الكبيرة كثيرة وما ذكر هو قسم منها . فمثلاً الاستهانة بالكعبة والقرآن والرسول والائمة الطاهرين ( عليه السلام ) او سبهم او البدعة و ...... يعد من الذنوب الكبيرة .
تقسيم آخر للذنوب :
قال الامام علي ( عليه السلام ) (1) .
« إن الذنوب ثلاثة .... فذنب مغفور وذنب غير مغفور . وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه » .
قيل : يا امير المؤمنين ( عليه السلام ) فبينها لنا ، قال ( عليه السلام ) نعم : أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا فالله أحكم وأكرم ان يعاقب عبده مرتيّن ، وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض ، إن الله تبارك وتعالى اذا برز لخلقه أقسم قسماً على نفسه فقال : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّ بكّف ، ولو مسحة بكف ونطحةٍ ما بين الشاة القرناء الى الشاة الجماء ، فيقتض الله للعباد بعضهم من بعض ، حتى لا يبقى لأحدٍ عند أحد مظلمة ، ثم يبعثهم الله الى الحساب ، وأم الذنب الثالث فذنب سترة الله على عبده ورزقه التوبة فأصبح خاشعاً من ذنبه ، راجياً لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب .
____________
(1) بحار الانوار ج 6 ص 29 ـ 30 .
الصفحة 26
الموارد التي تبدل الذنب الصغير
الى ذنبٍ كبير
يستفاد من بعض الروايات والآيات القرآنية بان هناك ذنوباً صغيرة تتبدل الى ذنوبه كبيرة وتتلبس باحكامها .
1 ـ الاصرار على الذنب الصغير :
إنّ ممارسة الذنب الصغير لعدة مرات يعد ذنباً كبيراً واذا لم يبادر المرتكب للذنب الى التوبة والاستغفار يحسب اصراراً على المعصية .
فمثلاً لو نسج الخيط مع الشعر لصار حبلاً قوياً فعندها لا يكون خيطاً ولا شعراً بل هو حبل قوي . ففي سورة آل عمران ( الآية 135 ) نقرأ :
( .... ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ) .
قال الامام الباقر ( عليه السلام ) في شرح هذه الآية :
« الاصرار هو أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله فلا يحدث نفسه بتوبة ، فذلك الاصرار » (1) .
قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« إياك والاصرار فأنه من أكبر الكبائر واعظم الجرائم » (2) .
لا تغفلوا عن الذنوب الصغيرة :
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نزل بأرضٍ قرعاء فقال لاصحابه : ائتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض ، فقال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات من الذنوب ، فان لكلّ شيء طالباً ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمامٍ مبين » (3) .
اشارة الى قوله تعالى في سورة يس الآية 12 :
( ونكتب ما قدموا ... ) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 288 .
(2) غرر الحكم ج 1 ص 151 .
(3) اصول الكافي ج 2 ص 288 .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« لا صغيرة مع الاصرار » .
2 ـ الاستهانة بالذنب :
الاستهانة بالذنب تعدّ من الذنوب الكبيرة ، ولا يضاح الموضوع نضرب مثالاً :
اذا ضرب أحد غيره بحجرٍ كبير على رأسه ثم ندم على عمله واعتذر ، فمن الممكن ان يصفح عنه . ولكن اذا ضرب احد الآخر بحجرٍ صغير جداً ولم يعتذر منه زاعماً أنها هفوة طفيفة ولم تكن شيئاً مهماً ، فطبيعي أن لا يصفح عنه المضروب ، لانها نابعة من روحه المتبكرة واستهانته بذنبه .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) .
« من الذنوب التي لا تغفر : ليتيني لم أواخذ الاّ بهذا » (1) .
لان الذنب المشار اليه في الرواية قد استهين به .
قال الامام علي ( عليه السلام ) .
« أشد الذنوب ما استهان به صاحبه » (2) .
نقل زيد الشحام عن الامام الصادق ( عليه السلام ) انه قال :
« اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر » .
____________
(1) بحار الانوار : ج 73 ، ص 355 .
(2) نهج البلاغة الحكمة 348 غرر الحكم ج 1 ص 193 .
قلت : وما المحقرات ؟ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« الرجل يذنب الذنب فيقول : طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك » (1) .
4 ـ وجاء في الصحيفة السجادية عن الامام السجاد ( عليه السلام ) في ضمن الدعاء انه يقول :
« اللهم اعوذ بك من ... الاصرار على المآثم واستصغار المعصية واستكبار الطاعة ومباهاة المكثرين والازراء بالمقلين وسوء الولاية لمن تحت ايدينا وترك الشكر لمن اصطنع العارفة عندنا ... » (2) .
3 ـ الابتهاج عند ممارسة الذنب :
الاحساس باللذة والفرح عند اقتراف الذنب هو احد الاسباب التي تحول الذنب الى كبير ويوجب العذاب الاليم لصاحب الذنب . وفي هذا المورد توجد عدة روايات .
قال الامام علي ( عليه السلام ) :
« شر الاشرار من تبهج بالشر » (3) .
وقال ايضاً :
« من تلذذ بمعاصي الله ذلّ » (4) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 287 .
(2) الدعاء الثامن من الصحيفة السجادية .
(3) الغرر ص 130 .
(4) غرر الحكم ج 1 ص 446 .
قال الامام السجاد ( عليه السلام ) :
« اياك وابتهاج الذنب فانه اعظم من ركوبه » (1) .
وقال الامام السجاد ( عليه السلام ) في حديث آخر :
« حلاوة المعصية يفسدها اليم العقوبة » (2) .
وله في حديث آخر :
« لا خير في لذة من بعدها النار » (3) .
وقال الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« من أذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار وهو باك » (4) .
4 ـ اقتراف الذنب عند الطغيان :
والسبب الاخر الذي يبدل الذنب الصغير الى كبير هو صدوره عن الطغيان والعصيان كما ورد في الآيات التالية من سورة النازعات الآية 37 الى 39 .
( وأمّا من طغى ـ وآثر الحياة الدّنيا فإنّ الجحيم هي المأوى ) .
____________
(1) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(2) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(3) بحار الانوار ج 78 ص 159 .
(4) مشكاة الانوار ص 394 ـ وسائل الشيعه ج 11 ص 268 .
5 ـ الغرور عند ارخاء الستر الالهي للانسان المذنب وامهاله :
من الموارد التي تحول الذنب الصغير كبيراً هو ان المذنب يخالج تفكيره أن عدم مجازاة الله سبحانه وتعالى السريعة له تدل على رضى الله عنه وحبه له كما جاء في الآية 8 من سورة المجادلة :
( ويقولون في أنفسهم لولا يعذّبنا الله بما نقول حسبهم جهنّم يصلونها فبئس المصير ) .
فالوعيد بعذاب جهنم لهؤلاء الاشخاص دليل على ان ذنب هؤلاء المغرورين بعدم مجازاة الله السريعة لهم هي من الذنوب الكبيرة .
6 ـ التجاهر بالذنب :
إنّ اعلان الذنب والتجاهر به أمام الناس يبدل الذنب الصغير الى ذنبٍ كبير . وهذا التجاهر تعبير عن ان صفة التجرّو على الاوامر الالهية وعدم الالتزام بها هي صفة المذنبين ، ويعبّر ايضا عن تلوث المجتمع لكون الذنب فيه متفشياً وطبيعياً .
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
« إياك والمجاهرة بالفجور فانه من اشد المآثم » (1) .
وقال الامام الرضا ( عليه السلام ) :
« المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة ، والمذيع بالسيئة
____________
(1) غرر الحكم ج 1 ص 151 .
مخذولّ » (1) .
7 ـ ذنب الاشخاص ذوي المركز الاجتماعي المرموق :
هناك أشخاص لهم مكانة اجتماعية مرموقة بين الناس ، فما يقترفونه من الذنوب له حكمّ خاص يختلف تماماً عن عامة الناس لذا يحكم على ذنوبهم الصغيرة بكونها كبيرة لوجود بعدين .
1 ـ بعد فردي .
2 ـ بعد اجتماعي .
إنّ ذنب الاشخاص المتميزين المرموقين في البعد الاجتماعي يعد ذنباً كبيراً وان كان صغيراً لانه يوفر الارضية لانحراف واغواء جمعٍ كثيرٍ من الناس مما يؤدي الى الاستهانة بالدين .
كما يقولون : « الملح يرجى لإصلاح ما فسد فكيف الحال اذا الملح فسد ؟!! » ، ولنضرب المثال الآتي :
لو وضع شخص أمي ماءً قذراً في اناء واعطاه لآخر فشربه فاصابه المرض ، في هذه الحالة لا يعاقب الأمي لأن الثاني كان عالماً فلماذا شرب الماء ؟
ومثله اذا كان شخص يصنع « المرطبات » بالفستق وماء الورد والحليب ويقدمه الى المشتري بشكلٍ جميل وجذاب فاذا أكل أحدً من تلك « المرطبات » فتسمم عوقب ذلك البائع لجذبه المشترين
____________
(1) مشكاة الانوار : ص 394 ـ اصول الكافي ج 2 ص 428 .
واغرائهم بلون المرطبات المعروضة وجهلهم بتسمّمها .
وعلى هذا المعيار تأتي المحاسبة الالهية للشخصيات المرموقة في المجتمع مختلفةً عن محاسبة الآخرين .
ذنب العلماء من وجهة نظر القرآن الكريم :
1 ـ في الآية 44 ألى 48 من سورة الحاقة نقرأ :
( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ـ لأخذنا منه باليمين ـ ثمّ لقطعنا منه الوتين ـ فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين ) .
لقد ظهر اشخاص كثيرون في التاريخ أظهروا البدع وتحريف الدين ، ولم يخاطبهم الله بذلك الخطاب الشديد الوارد في الآية اعلاه . لكن لو فعل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك لعاقبه تعالى لاجل مقام العصمة والعلم والمعرفة التي يتصف بها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذا تأكيد على أن رفيع المنزلة اذا أذنب فذنبه ذنب كبير ، وعلى هذا الاساس فانّ كل من يمتلك شخصية علمية او دينية وينتسب الى الشريعة والدين تكون مسؤوليته اكبر .
العالم غير الملتزم في القرآن الكريم :
شبه القرآن الكريم العالم الذي لا يعمل بما يعلم « بالكلب والحمار » فنرى في سورة الأعراف الآية 176 ما ورد في ذم العالم المذنب « بلعم بن باعوراء » قوله تعالى :
( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ) .
وفي الآية 5 من سورة الجمعة شبّه تعالى حال اللاهثين وراء حبّ الدنيا حيث قال :
( مثل الذّين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفاراً ) .
وفي الآية 30 من سورة الاحزاب نقرأ :
( يا نساء النّبي من يأت منكنّ بفاحشةٍ مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين ) .
فنساء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لاجل منزلتهن العظيمة في المجتمع يضاعف لهن العذاب ، وذكر الفاحشة المبينة في الآية الكريمة اشارة الى الاثر الاجتماعي الذي يتركه ذلك الذنب في المجتمع الذي لاجله تتضاعف العقوبة .
وعلى هذا الاساس جاء رجل الى الامام السجاد ( عليه السلام ) وقال له : انكم أهل بيتٍ مغفور له .
فاجابه الامام ( عليه السلام ) :
« ليس كما تقول فللمحسن منا أجران وللمسيء يضاعف له العذاب » (1) ثم تلا الآية ( 30 و 31 ) من سورة الاحزاب .
____________
(1) مجمع البيان ج 8 ص 354 .
ذنب الرؤساء من وجهة نظر الروايات :
1 ـ قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« يغفر للجاهل سبعون ذّنباً قبل ان يغفر للعالم ذنبّ واحد » (1) .
2 ـ قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« إذا فسد العالم فسدت الأمة » (2) .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً :
« خواص امتي أربعة : الملوك و العلماء والعباد و التجار » (3) .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« لا تصلح عوام امتي ما لم تصلح خواصها ، فسأل سائل : من هو خواص امتك يا رسول الله ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خواص امتي اربعة الملوك والعلماء والعباد والتجار ، فسأل سائل آخر : كيف يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الملوك رعاة الامة فعندما يكونوا ذئاباً فكيف يرعى الرعيل من الشياه ؟ والعلماء اطباء الناس فعندما يكون الطبيب مريضاً من يعالج المرضى ؟ والعباد هداة الناس فعندما يكونون ضالين فمن يهدي الناس ؟ والتجار امناء الناس فعندما يكون الامين خائناً
____________
(1) اصول الكافي ج 1 ص 47 .
(2) بحار ط بيروت ج 74 ص 154 .
(3) المواعظ العددية ص 125 .
فمن يطمئن اليه ؟ » .
3 ـ وكذلك قال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« ثلاث لا يكلمهم الله سبحانه يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولهم عذاب اليم :
شيخ زانٍ وملك جبار ومقل مختال » (1) .
4 ـ وقال الامام الصادق ( عليه السلام ) لاحد اصحابه يدعى الشقراني :
« يا شقراني إنّ الحسن من كل احدٍ حسن وانه منك أحسن لمكانك منّا ، وإنّ القبيح من كل احدٍ قبيح وإنه منك اقبح » (2) .
5 ـ قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« زلة العالم تفسد العوالم » (3) .
وقال ايضاً سلام الله عليه :
« زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها » (4) .
ولذلك يعتبر ذنب المسؤولين والشخصيات والعلماء والمؤلفين والزعماء والسادات أكبر من غيرهم .
مفاتيح العيوب والذنوب :
كما أن للشيخوخة والكبر دور في تهيئة الارضية لهجوم
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 311 .
(2) سفينة البحار ج 1 ص 708 .
(3) غرر الحكم ج 1 ص 426 .
(4) غرر الحكم ج 1 ص 426 .
الامراض المختلفة على صاحبها ، كذلك تكون العيوب مفتاحاً للذنوب .
1 ـ الحسد : يجبر الانسان على ارتكاب انواع الذنوب ، مثل التخلف عن الاعمال والتهمة والكذب وسوء القصد و ... و ...
كما قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« إنّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب » (1) .
وعليه يسعى الانسان الحسود باي طريقة الى تحطيم رقيبه بأية وسيلة .
2 ـ البخل والحرص : يعتبر البخل احد العيوب المؤدية الى ارتكاب الذنب ، اذ هو مانع عن اعطاء الحقوق الشرعية ، مثل الزكاة ، والخمس ، وعدم الانفاق في سبيل الله سبحانه ، وغيرها من الذنوب ، إضافة الى ذلك اشمئزاز الناس من البخيل مما يؤدي الى سوء الظن به وسبه .
قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
« البخل جامع لمساوىء العيوب وهو زمام يقاد به الى كل سوءٍ » (2) .
وكذلك الحرص فهو باعث للذنوب ، كنقص المكيال والاحتكار ، والاجحاف في الاسعار ، والرشوة والتملق مما يؤدي الى
____________
(1) بحار ج 73 ص 255 .
(2) بحار ج 73 ص 307 ـ نهج البلاغة الحكمة 370 .
قلة التقوى و ضعفها عند الحريص .
3 ـ الكذب : يبرر الانسان الكاذب ذنوبه بانواع التبررات والحجج وتحت غطاء الكذب يقوم باقتراف مئات الذنوب .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
« جعلت الخبائث كلها في بيتٍ وجعل مفتاحها الكذب » (1) .
4 ـ الغضب والاخلاق السيئة : الغضب عيب آخر للذنب يؤدي بصاحبه الى الفحشاء والغيبة والمعاداة وانواع السيئات .
قال الامام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :
« الغضب مفتاح كل شرٍّ » (2) .
وهناك عيوب كثيرة تمهد الارضية الى اقتراف الذنوب الاخرى ، كسوء الظن ، وشرب الخمر ، والعداء ، والتكبر ، و ... ونكتفي بهذا المقدار لاجل الاختصار .
طريق آخر لمعرفة الذنوب :
ورد في القرآن الكريم ان هناك ثمانية عشر مجموعة اقترفوا ذنوباً مختلفة فاصبحوا عرضة للعن .
اللعن : ومعناه الطرد والابتعاد من رحمة الله سبحانه . وهو
____________
(1) البحار ج 72 ص 262 .
(2) تحف العقول ص 581 ـ اصول الكافي ج 2 ص 303 عن الامام الصادق ( عليه السلام ) .
مقرون بالغضب وبالرغم من ان رحمة الله الواسعة شملت كل شيء إلاّ أنّ اولئك الملعونين لا تشملهم الرحمة وجاء في الآية 152 من سورة الاعراف :
( ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ ) .
والانسان بمحض إرادته قد تبوّأ مكاناً استحق به اللعن ، فمثله كمثل الكرة المغلقة في وسط المحيط لا تصل اليها قطرة من بحر الرحمة الواسعة .
الملعونون في القرآن عبارة عن الكفار والمشركين ، واليهود المعاندين والمصرّين على انكارالحق ومساندتهم لاصحاب الاوثان ، المرتدون ، والمحتالون المعارضون للقوانين الالهية ناقضوا المواثيق الكاتمون للحق ، وزعماء الكفر لافسادهم في الارض ، والمنافقون المتملقون الذين آذوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والظالمون ، والقاتلون بغير حق ، وابليس ، والقاذفون للمحصنات الطاهرات ، والمخالفون للقادة الصالحين ، والذين يفسدون في الارض واصحاب القلوب الخبيثة والكاذبون .
وجاء في الروايات الاسلامية ان اللعن جعل للذين اتصفوا بالصفات التالية :
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال :
« خمسة لعنتهم وكلّ نبي مجاب : الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي ، والكذب بقدر الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله ،
يتبع

تعليق