إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

شرح زيارة جامعة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • شرح زيارة جامعة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    شرح زيارة جامعة

    (السَّلامُ عَلَيكُمْ)


    إعلم إنّهم اختلفوا في معنى هذا اللفظ ، فبعض قالوا : إنّه يدل على الدّعاء ـ يعني سلمتم من المكاره والآفات ـ ولذا سمّيت الجنّة «دار السّلام» (1) وأيضاً بهذه المناسبة فإنّها سالمة من المكاره والآفات ومشحونة بأنواع الافراح والسّعادة.



    وقال بعضهم : معناه هو عليك إسم الله تعالى ، لأنّ السّلام من الأسماء الالهية ـ يعني أنت محروس بحفظ الله تعالى ويمكن أن يكون معنى السّلام الدّعاء بالسّلامة والعافية فعندما تلقي السّلام على أحدٍ تريد له السّلامة والنّجاة من آفات الدّنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما ، ثمّ وضعه الشّارع المقدّس موضع التّحية والبشارة في مقام التّعارف واللقاء. قد يستعمل النَّاس هذا الكلام عند لقاءهم في مقام التّحية.



    (يَا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ)


    يراد من أهل البيت هم الائمّة عليهم‌السلام (2) ، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منهم ، والرّسالة السّماوية نزلت في بيوتهم ، وأهل البيت أدرى وأعرف بما فيه. والأهل في اللغة بمعنى بما في حوزة الانسان من الاولاد ، ومن أنِسوا به وسكنوا في داره وهذا جارٍ على ألسنة العرب ، عند لقائهم يقولون : «أهلاً وسهلاً» يعني جئت أهلك الذين تأنس بهم ونزلت محل الرّاحة والاطمئنان لا نصب فيه ولا تعب.



    وبما أن الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام ممن ألفوا وأنسوا في بيت النّبوة والرّسالة قيل لهم أهل بيت النّبوة (3) ، وورد في كتاب معاني الاخبار عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله الصّادق عليه‌السلام : من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

    قال الإمام عليه‌السلام : ذرّيّته. فقلت : من أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

    قال الإمام عليه‌السلام : الأئمّة الاوصياء. فقلت : من عترته صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

    فقال الإمام عليه‌السلام : أصحاب العباء. فقلت : من أمّته؟

    قال الإمام عليه‌السلام : المؤمنون ... (4)



    قال المرحوم السيد شبر رحمه الله في الانوار اللامعة : قال بعض أرباب الكمال في تحقيق معرفة الآل ما ملخصه : أن آل النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كل من يؤول إليه وهم قسمان :


    الاوّل : من يؤول إليه مآلاً صورياً جسمانياً كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصَّوريين الذين يحرم عليهم الصّدقة في الشّريعة المحمّدية.

    الثّاني : من يؤول إليه مآلاً معنوياً روحانياً وهم أولاده الروحانيون من الأولياء الرّاسخين والعلماء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين للعلوم من مشكاة أنوار خاتم النّبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ريب أن النسبة الثانية آكد من الأولى وإذا أجتمعت النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمّة المشهورين من العترة الطاهرين وكما أن الصدقة حرام على أولاده الصوريين ، فكذلك تحرم الصّدقة المعنوية على الأولاد المعنويين أعنى تقليد الغير في العلوم الالهية والمعارف الربانية الاحكام الشّرعية (5) ، بل يجب على الاخرين أخذ المعارف الكلية منهم عليهم‌السلام.


    النّبوة ـ في الاصل يعني الرفعة ، ولذا يقال للمرسل من قبل الله «النّبي» لأنه له مقامه أرفع وأنبل عن مقام سائر النَّاس بسبب تحمَّله أعباء الرسّالة الالهية الشّريفة الرّفيعة.


    فعلى هذا ، النّبوة أو النّبي «واوي الاصل» من ني ـ ينبو ـ نباوة ـ ويقال الذي إرتفع من الارض وأخضر ، والمعنى الاصطلاحي للنّبي يطلق على من أخبر عن الله عزّ وجلّ بغير واسطة بشر ، ويكون أعم من أن يكون له شريعة مثل «نبيّ الاسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله» أو ليس له شريعة مثل «النّبي يحيى عليه‌السلام» فأشتراكهما في وجه التسمية لأن كلاهما يخبران عن الله عزّ وجلّ ، فعليه يكون أصل معنى النّبوة من الانباء المهموز اللام فهو بمعنى الخبر.


    وورد في الاخبار المنقولة عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، في الفرق بين النّبي والرّسول والامام ، أن لحسن بن العباس المعروفي كتب إلى الإمام الرضا عليه‌السلام : جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام؟ قال : فكتب ـ الإمام عليه‌السلام ـ أو قال :
    «الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام ، أنّ الرّسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه بالوحي ، وربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليه‌السلام ، والنّبي ربّما سمع الكلام وربّما رأى الشخص ولم يسمع ، والإمام الذي يسمع الكلام ولا يرى الشّخص» (6).



    (وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ)

    يقال موضع الرسالة لمن كان مخزن علوم ومعارف جميع أنبياء الله وموضع أسرار رسل الله عليهم‌السلام. أو معناه القوم الذين جعفل الله عزّ وجلّ الرّسالة منهم ولكن المعنى الأوّل أظهر. لأنّه ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال :

    «كنت إذا دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أختلى بي وأقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة ولا أحداً من بنييّ» (7). يعني لم يقم عنّي فاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام.



    (وَمُخْتَلَفَ المَلائِكَةِ)

    موضع تردد الملائكة ونزولهم وعروجهم ، أمّا لأكتساب العلوم الالهية والمعارف الرّبانية ، والاسرار الملكوتية من مقامهم السّامي وشأنهم العظيم ، لانّهم أعلم وأفضل من الملائكة ، كما يدل على هذا العقل والنقل. ورد في الحديث الشّريف عن طريق الشّيعة والسنّة عن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :«إنّ الله خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نور ، فعصر ذلك النّور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبَّحنا فسبَّحوا وقدَّسنا فقدَّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا فوحَّدنا فوحّدوا ثم خلق الله السماوات والارضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً ولا تمجيداً فسبّحنا وسبّحت شيعتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا ... وهكذا في البواقي ... فنحن الموحِّدون حيث لا موحِّد غيرنا ...» (8).



    أو أنّ نزول وعروج الملائكة كان لأجل أنّ يتبركوا بهم ويتشرفوا بخدمتهم ، ويلتزموا بصحبتهم.

    ووردت روايات كثيرة بهذا المعنى بنزول الملائكة في بيوتهم الشّريفة وبصورة دائمة ومستمرة ، وبسبب كثرة عروجهم ونزولهم لم يكن صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتكيء على الوسادة ، ويتساقط شيء من زغبهم فيجمع الأئمّة عليهم‌السلام ذلك ويمسحون به على أعين أطفالهم ويعالجونهم من المرض ، كما عن أبي حمزة الثّمالي قال : ـ دخلت على علي بن الحسين عليه‌السلام فأحتبست في الدّار ساعة ، ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء السّتر فناوله من كان في البيت ، فقلت : جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أيّ شيء هو؟

    فقال الإمام عليه‌السلام : «فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا دخلونا ، نجعله سيحاً لأولادنا» فقلت : فجعلت فداك وإنّهم ليأتونكم؟

    فقال الإمام عليه‌السلام : يا أبا حمزة إنّهم ليزاحمونا على تُكأتنا (9) (10).



    كان الملائكة ينقلون لهم أخبار السماء عن الله عزّ وجلّ ، ويحدثونهم ، ويطلعونهم بالعلوم الغيبية ، لان الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام كانوا محدّثين كما ورد ذلك في كثير من الرّوايات قالوا : نحن المحدثون (11) يعني نحن من الذين ينزل علينا الملائكة من الله عزّ وجلّ بالاحاديث والعلوم الجديدة.ويقال المحدَّث للذي يسمع صوت الملائكة ولا يراه.



    (وَمَهْبِطَ الوَحْي)

    محط نزول الوحي ، والمراد من الوحي إمَّا الالهام أو الإعلام أو الرّسالة ، فهم مهبط الوحي ، وإمّا باعتبار نزول الوحي على النّبي الاكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيوتهم ، فقد ورد في حديث صحيح عن يحيى بن عبد الله أبي الحسن صاحب الدّيلم (12) قال : سمعت جعفر بن محمّد عليه‌السلام يقول وعنده أناس من أهل الكوفة :«عجباً للنّاس إنّهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فعملوا به ، وأهتدوا ويرون أنّ أهل بيته لم يأخذوا علمه ، ونحن أهل بيته وذرّيته في منازلنا نزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إليهم ، أفيرون أنّهم علموا وأهتدوا وجهلنا نحن وضللنا ، إنّ هذا لمحال» (13).



    وقد يراد من كونهم مهبط الوحي بسبب نزول الوحي عليهم وحديث الملائكة معهم في غير الامور والاحكام الشّرعية ، مثل الاُمور الغيبية من قبيل الارزاق والآجال والسعادة والشقاوة المتعلقة بالنفوس (لان الشريعة مختصات النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حيث يتنزل الوحي على كل أمام في عصره بصورة الهام. أو أعم من الغيبيات والاحكام والامور الشرعية التي تتنزل في ليلة القدر ، وهذا المعنى لا يتنافى مع القول بأنّ الله تعالى أكمل الدّين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولّمه لوصية الكريم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وهو علّمه بدوره للأوصياء من بعده ـ لانّه على تقدير وقوع هذا الامر ، فانّ نزولهم بالشرائع والاحكام للتأكيد والتّبين.


    وتدلّ على ذلك جملة من الاخبار ، منها ما ورد في الكتاب الشّريف «اصول الكافي» عن محمّد بن مسلم قال : ذكر المحدّث عند أبي عبد الله الصّادق عليه‌السلام فقال : إنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص. فقلت له عليه‌السلام : جعلت فداك ، كيف يعلم أنّه كلام الملك؟

    قال الإمام عليه‌السلام : «إنّه يعطي السّكينة والوقار حتى يعلم أنّه كلام ملك» (14).


    والمأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال :«إنّ علمنا غابر ، ومزبور ، ونكت في القلوب ، ونقر في الأسماع» ثمّ قال عليه‌السلام : «أما الغابر ممّا تقدم من علمنا ، وأمّا المزبور فما يأتينا ، وأمّا النّكت في القلوب فإلهام ، وأمّا النّقر في الأسماع فأمر الملك» (15).



    ---------------------
    (1) قوله تعالى : (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ) أي دار الله وهي الجنّة نسبها سبحانه إليه لشرفها.

    (2) كما أن القرآن الكريم أوصى بمودّة ذوي القربى كذلك الرّسول الاعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله كان دائماً يوصي أصحابه بحفظه في أهل بيته منها ما ورد في ذخائر العقبى : للطبري ، ص 18 ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «استوصوا بأهل بيتي خيراً ، فإنّي أخاصمكم عنهم غداً ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النّار» وابن حجر في الصّواعق : ص 228 ، والشّبلنجي الشّافعي في نور الابصار : ص 105 ، الشّعراني في لطائف المنن : ص 129، بلفظ «الله الله في أهل بيتي». والقاضي عياض في كتابه الشّفاء : ج 2 ، ص 402، بلفظ : «أنشدكم الله أهل بيتي» ، والنبهاني في الشّرف المؤبد : ص 189. وغيرهم.

    (3) ورد في كتاب الاحتجاج للشّيخ الطّبرسي رحمه الله قال الرّاوي كنت عند أمير المؤمنين عليه‌السلام فجاءه ابن الكوا فقال : يا أمير المؤمنين قول الله عزّ وجلّ : (لَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـظ°كِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىظ° وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى من أبوابها ، نحن أبواب الله وبيوته التي يؤتى منها فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها إن الله عزّ وجلّ لو شاء عرف النّاس نفسه ويأتوه من بابه ، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وبابه وسبيله الذي منه يؤتى ثمّ قال : فمن عدل عن ولايتنا وفضّل غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها وأنّهم عن الصّراط لناكبون» ، ج 1، ص540.

    (4) معاني الاخبار : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، باب معنى الآل ، ص 94، ح3.
    (5) الانوار اللامعة : للعلّامة شبر رحمه الله ، ص 40.

    (6) أصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 176 ، الاختصاص : ص 328. وراجع بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26، ص 74 و75 .

    (7) أصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 64 ، ح1 باب : «اختلاف الحديث».
    (8) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 36 ، ص343 ، عن جامع الاخبار : ص9.

    (9) تكأة بالضم كهمزة ما يعتمد عليه حين الجلوس.

    (10) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1 ، ص 394 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 353 ، بصائر الدّرجات : ص26.

    (11) راجع بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 36 ، ص 66 الى 85 ، وكذلك أمالي ابن الشّيخ : ص 154، وبصائر الدّرجات : ص 93 ، الخصال : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، ج2 ، ص 380.

    (12) الظّاهر هو يحيى بن عبد الله بن الحسن كما في كتب الرّجال.

    (13) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1، ص 398، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 158، الامالي : للشّيخ المفيد رحمه الله : ص 71.

    (14) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 171 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 68.

    (15) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 264 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26، ص 60، عن بصائر الدرجات : ص 94.

    السيد محمد الوحيد


  • #2

    (وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ)



    ومعدِن ـ بكسر الدّال ـ على وزن مجلس ، بمعنى محل ومكان ، والأئمّة عليهم‌السلام معدن الرّحمة الالهية ، سواء كانت عامّة أو خاصّة تنزل على الموجودات والقوابل بسببهم وببركتهم ، حتى نزول الارزاق والامطار على الخلائق لأجلهم وتعظيماً لشأنهم كما ورد في الاخبار الشريفة ، ونحن سوف نشير إليها في فقرة «وبكم ينزل الغيث» ولعل كونهم معدن الرّحمة لأنّه لولاهم لساخت الارض بأهلها. كما ورد عن أبي حمزة قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أتبقى الأرض بغير أمام؟ قال الإمام عليه‌السلام : «لو بقيت الأرض بغير الإمام لساخت» (1).



    يمكن أن يراد بها أنّهم مظاهر رحمة الله ، إذ رحمتهم للخلق وشفقتهم على اُمّة جدّهم سيما محبيهم وشيعتهم قد بلغت الغاية ، وتجاوزت النهاية كما ورد في الحديث ما معناه : «إنّ أعمال الشّيعة تعرض عليهم : في كل يوم جمعة وعشيتها ، فما كان من حسنة أسرَّتهم وطلبوا من الله الزّيادة وما كان من سيئة أحزنتهم واستغفروا الله عزّ وجلّ لهم» (2).



    ويمكن أن يراد بها مقام شفاعتهم في يوم القيامة ويوم الفزع الاكبر حيث ، أنّ النّاس يستفيدون من شفاعتهم ومحبّتهم ، وفي الحديث عن الامام الصّادق عليه‌السلام قال : «والله ما أخاف عليكم إلّا البرزخ ، فأمّا إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم» (3).



    (وَخُزَّانَ العِلْمِ)

    فعندهم خزائن العلوم الالهية (4) وقد أحاطوا بأسرارها الرّبانية ومعارفها الحقّة ، وكلّ ما ورد في الكتب السماوية من رموز حقائقها موجود عندهم ومخزون لديهم ، فصدورهم صدوق علم الله. وهم الرّاسخون في العلم ، العالمون بتأويل كتاب الله عزّ وجلّ. وقد اُوتوا فصل الخطاب ، وقد روى أبو بصير عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال : «نحن الرّاسخون في العلم ، ونحن نعلم تأويله» (5).



    وعن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه لرضا عليه‌السلام :«أمّا بعد ـ فإنّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أمين الله في خلقه فلمّا قبض صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كنّا أهل البيت ورثته ، فنحن أمناء الله في أرضه (6) ، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ، ومولد الاسلام (7) ، وإنّا لنعرف الرّجل إذا رأيناه بحقيقة الايمان ، وحقيقة النّفاق ، وإنَّ شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق ، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا ، ليس على ملّة الاسلام غيرنا وغيرهم ، نحن النّجباء (8) ، النُّحاة (9) ، ونحن أفراط الانبياء (10) ونحن أبناء الأوصياء ، ونحن المخصوصون في كتاب الله عزّ وجلّ ونحن أولى الناس بكتاب الله ، ونحن أولى الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن الذين شرع الله لنا دينه فقال في كتابه (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىظ° بِهِ نُوحًا) وقد وصّانا بما وصى به نوحاً
    (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يا محمّد (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىظ° وَعِيسَىظ°) فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا وأستودعنا علمهم ، نحن ورثة أولي العزم من الرّسل (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) يا آل محمّد (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) وكونوا على جماعةٍ (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) من أشرك بولاية عليّ (مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) من ولاية عليّ (إِنَّ اللَّـهَ) يا محمّد (يَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (11) من يجيبك إلى ولاية عليّ عليه‌السلام» (12).


    وعن الإمام الصادق عليه‌السلام :«والله إنّي أعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره كأنّه في كفي خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما هو كائن قال الله عزّ وجلّ (تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) (13) (14).



    وعنه عليه‌السلام : قال الله تعالى : (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (15).ففرج أبو عبد الله عليه‌السلام بين أصابعه فوضعها في صدره ثم قال : «وعندنا والله علم الكتاب كلّه» (16).


    فائدة : عندما نتتبع الاخبار الشريفة ، ونتفحص الآثار الواردة عن أئمّة الهدى عليهم‌السلام يظهر لنا مراتب علومهم العجيبة ، حيث لم يبخلوا بعلومهم على الناس سواء كانت علوم تكوينية أو علوم تشريعية ، ولكن العلماء العاملين الذين استطاعوا أن يستفيدوا من فيوضات بحار علومهم قد أصلحوا سريرتهم وطهروا نفوسهم ، وراقبوا أنفسهم ، وراعوا آداب التعليم والتعلم ، أمّا من لم يتمكن من تطهير نفسه من الرّذائل ، وقد غرق في المعاصي والاثام وابتلى في أمور الدنيا بالتّكبر ، ولم يغسل قلبه من الادران الظّلمات السّوداء ، فأستولت على صفحاته الاُمور الاعتبارية ، فقد انحرف عن الاسرار الالهية المخزونة في صدور الأئمّة عليهم‌السلام ، ورأيت في كلمات بعض الافاضل قال : من أراد أن يتعلم الحقائق من منبع الفيوضات الكاملة للعلماء وتكون له أرضية مستعدة لقبول ترشحات العلوم الحقيقية. فيجب عليه أن يراعي أموراً ثلاثة :



    الاوّل : أن يُعلّم نفسه بالاجتناب عن الرّذائل ويظهّرها من الادران ، كما أن الفلّاح عندما يريد أن يزرع أيضاً ويلقي فيها بذراً يطهرها من الخبائث والآفات والنباتات الزّائدة ، لان الشيء الطّاهر ، والعلم النّافع لا يختار لنفسه مسكناً إلّا في أرض ومحل طاهرين ، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب يعني أنّه اذا لم يطهر قلبه من الافات والمعاصي والصفات الرّذيلة لا يكون محلاً وموطناً للانوار الالهية ، ولا تشرق عليها شمس العلوم الحقّة ، ولا يكون صالحاً لالقاء بذر التوحيد والمعارف الرّبانية ، وهكذا اذا لم يطهر الإنسان زوايا قلبه من الكلاب والاهواء والنفس ووسواس الشّيطان فلا يكون محلاً لنزول الملائكة والالهامات الرّبانية.


    الثّاني : يجب على المتعلم السعي الى ردع نفسه من الاشتغال بالامور الدّنيوية الفانية ، كي يتوفر له مجالاً أوسع في تحصيل العلوم الحقيقية ، قال الله تعالى : (مَّا جَعَلَ اللَّـهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (17) كي يستطيع أن يشتغل بالامور الدّنيوية وباحدهما ، ويسعى بالاخر الى تحصيل العلوم الاخروية!!.


    عندما تتشتت أفكار الانسان في تحصيل الزخارف الدّنيوية ، فينقسم همّه كالجدول الذي يتفرق ماؤه في الجداول الاُخرى ، فتجذب الارض شيئاً من مائه ، ويجفّ قسم منه بسبب حرارة الجو ولا يبقى منه سوى شيء ضئيل غير نافع ، أمّا لو أجتمعت تلك المياه في جدول واحد ولم تتفرق فانها تصل إلى المزراع وترويها فتخضر وتثمر.



    الثّالث : أن لا يتكبر المتعلم على معلمه ، بل يبقى دائماً خاضعاً له ولعلمه.



    (وَمُنْتَهَى الحِلْمِ)

    فإنهم عليهم‌السلام منتهى غاية الحلم ، بل كمال الصبر وكظم الغيظ ، أو أنّهم محل العقل الكامل ، والمعنى الاول أقرب ، لأن الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام حازوا بهذه الصّفة أعلى مراتبها وأقصى درجاتها (18) ، إذا أردانا ذكر الاحداث المنقولة عنهم عليهم‌السلام في الصبر والحلم بالنسبة الى جهال هذه الامّة أو بالنسبة الى من بيوتهم من الحشم والخدم ، ومعاملتهم مع أعدائهم والمعاندين لخرج هذا المختصر عن طوره ، ولكن نكتفي بذكر عدّة روايات في هذا الباب ، فقد روي إنّ شامياً رآى الامام الحسن المجتبى عليه‌السلام راكباً فجعل يلعنه والامام الحسن المجتبى عليه‌السلام لا يردّه ، فلمّا فرغ أقبل الامام فسلّم عليه‌السلام عليه وصبره وضحك بوجهه فقال :«أيّها الشّيخ أضنك غريباً ولعلك شبهت ، فلو إستعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو أسترشدتنا أرشدناك ، ولو أستحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا الى وقت إرتحالك كان أعود عليك ، لانّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً».



    عندما لمس الشامي حلم الإمام عليه‌السلام ورأفته وصبره وأخلاقه وكرمه ندم ممّا صدر منه ، وأدرك الحق وعلو شأن الإمام عليه‌السلام.

    وبكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، والله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ ، وحول رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن إرتحل ، وصار معتقداً لمحبتهم (19).



    وروي المرحوم الكليني في كتابه الشريف «الكافي» : أن الإمام الصادق عليه‌السلام بعث غلاماً له في حاجة فأبطأ فخرج أبو عبد الله عليه‌السلام على أثره لما أبطأ فوجده نائماً ، فجلس عند رأسه يروحه حتى إنتبه فلمّا إنتبه قال له الصادق عليه‌السلام : «يا فلان والله ما ذلك لك تنام الليل والنّهار ، لك الليل ولنا النّهار» (20).



    وعن معتب قال : كان الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام في حائط له يصرم (21) فنظرت إلى غلام له قد أخذ كارة من تمر فرمى بها وراء الحائط فأتيته فأخذته وذهبت به إليه فقلت : جعلت فداك أني وجدت هذا وهذه الكارة. فقال الإمام عليه‌السلام للغلام : فلان ، قال : لبيك ،

    قال عليه‌السلام : أتجوع ،قال : لا يا سيّدي.

    قال الإمام عليه‌السلام : فتعرى.قال العبد : لا يا سيّدي.

    قال الإمام عليه‌السلام : فلأي شيء أخذت هذا؟
    قال العبد : أشتهيت ذلك.قال الإمام عليه‌السلام : «أذهب فهي لك ، وقال خلوا عنه» (22).

    وغيرها من الرّوايات في هذا الباب.
    -------------------

    (1) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 178.

    (2) وردت أحاديث كثير عنهم عليهم‌السلام بهذا المضمون اُنظر الى اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 219 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 23، ص 333الى 353، وتفسير نور الثّقلين : لعلي بن جمعة العروسي الحويزي رحمه الله ، ج 5 ، ص 263الى 265.

    (3) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 6 ، ص 214، عن تفسير عليّ بن ابراهيم القمي : ص 447 و 449 ، وقريب من هذا المعنى في روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8 ، ص 66.

    (4) وكذلك خزان الاسرار النّبوية ، كما ورد عن محمّد بن منذر قال : كان علي إذا قال شيئاً لم يشكّ فيه ، وذلك إنّا سمعنا

    رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «خازن سرّي بعدي علي» أمالي ابن بابويه : ص 491 ط النّجف.

    (5) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 213.

    (6) أي على علومه وأحكامه ومعارفه.

    (7) لعل التّخصيص بهم لكونهم أشرف أو لكونهم في ذلك أهم وقد كان فيهم أولاد الحرام عادوا الأئمّة عليهم‌السلام ونصبوا لهم الحرب وقتلوهم أو مولد الاسلام أي يعلمون كلّ من يولد هل يموت على الاسلام أو على الكفر ، وقيل موضع تولده ومحل ظهوره.

    (8) النّجباء : جمع النّجيب وهو الفاضل الكريم السّخي.

    (9) النُّجاة : بضم النون جمع ناج كهداة وهادٍ.

    (10) ونحن أفراط الانبياء ، أي أولادهم أو مقدموهم في الورود على الحوض ودخول الجنّة أو هداتهم أو الهداة الذين أخبر الانبياء بهم. قال في النهاية : الفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة.

    وفي الحديث : «أنا فرطكم على الحوض» ومنه قيل للطفل : اللهم أجعله لنا فرطاً أي أجراً بتقدمنا حتى نرد عليه وفي القاموس : الفرط العلم المستقيم يهتدي به ، والجمع أفرط ، وأفراط.

    (11) الشّورى :13.

    (12) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1، ص 223 ـ224.

    (13) النّحل : 89.

    (14) تفسير نور الثقلين للحويزي ، ج 3 ، ص 76 ، عن اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1، ص 229.

    (15) النّمل :40.

    (16) تفسير نور الثقلين : ج 4، ص 89، عن اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 229.
    (17) الاحزاب :4.
    (18) أنّ الأئمّة الاطهار عليهم‌السلام منتهى طرفي الحلم في الاصول والفروع في الغيب والفروع في الشّهادة ، انظر الى الكتب التي تفسر معنى الحلم وتذكر تشعباتها المأة ، منها ، الرّشد وتشعباتها ، ومنها ، المداومة على الخير تشعباتها وو ...

    (19) بحار الانوار : للعلّامة المجسي رحمه الله ، ج 43، ص 344، كشف الغمّة ، ج 2، ص 135.

    (20) روضة الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 8 ، ص 87، وعنه في بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج47 ، ص 56، مناقب آل أبي طالب : لابن شهر آشهوب ، ج2 ، ص 395.

    (21) الصّرم : هو القطع البائن ، وصرم فلان النّخل والشّجر جزّه.
    (22) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 48 ، ص 115 ، عن اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 2، ص 108.

    تعليق

    يعمل...
    X