بسم الله الرحمن الرحيم
شرح زيارة جامعة
(السَّلامُ عَلَيكُمْ)
إعلم إنّهم اختلفوا في معنى هذا اللفظ ، فبعض قالوا : إنّه يدل على الدّعاء ـ يعني سلمتم من المكاره والآفات ـ ولذا سمّيت الجنّة «دار السّلام» (1) وأيضاً بهذه المناسبة فإنّها سالمة من المكاره والآفات ومشحونة بأنواع الافراح والسّعادة.
وقال بعضهم : معناه هو عليك إسم الله تعالى ، لأنّ السّلام من الأسماء الالهية ـ يعني أنت محروس بحفظ الله تعالى ويمكن أن يكون معنى السّلام الدّعاء بالسّلامة والعافية فعندما تلقي السّلام على أحدٍ تريد له السّلامة والنّجاة من آفات الدّنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما ، ثمّ وضعه الشّارع المقدّس موضع التّحية والبشارة في مقام التّعارف واللقاء. قد يستعمل النَّاس هذا الكلام عند لقاءهم في مقام التّحية.
(يَا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ)
يراد من أهل البيت هم الائمّة عليهمالسلام (2) ، لأن رسول الله صلىاللهعليهوآله منهم ، والرّسالة السّماوية نزلت في بيوتهم ، وأهل البيت أدرى وأعرف بما فيه. والأهل في اللغة بمعنى بما في حوزة الانسان من الاولاد ، ومن أنِسوا به وسكنوا في داره وهذا جارٍ على ألسنة العرب ، عند لقائهم يقولون : «أهلاً وسهلاً» يعني جئت أهلك الذين تأنس بهم ونزلت محل الرّاحة والاطمئنان لا نصب فيه ولا تعب.
وبما أن الأئمّة الاطهار عليهمالسلام ممن ألفوا وأنسوا في بيت النّبوة والرّسالة قيل لهم أهل بيت النّبوة (3) ، وورد في كتاب معاني الاخبار عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله الصّادق عليهالسلام : من آل محمّد صلىاللهعليهوآله؟
قال الإمام عليهالسلام : ذرّيّته. فقلت : من أهل بيته صلىاللهعليهوآله؟
قال الإمام عليهالسلام : الأئمّة الاوصياء. فقلت : من عترته صلىاللهعليهوآله؟
فقال الإمام عليهالسلام : أصحاب العباء. فقلت : من أمّته؟
قال الإمام عليهالسلام : المؤمنون ... (4)
قال المرحوم السيد شبر رحمه الله في الانوار اللامعة : قال بعض أرباب الكمال في تحقيق معرفة الآل ما ملخصه : أن آل النّبي صلىاللهعليهوآله كل من يؤول إليه وهم قسمان :
الاوّل : من يؤول إليه مآلاً صورياً جسمانياً كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصَّوريين الذين يحرم عليهم الصّدقة في الشّريعة المحمّدية.
الثّاني : من يؤول إليه مآلاً معنوياً روحانياً وهم أولاده الروحانيون من الأولياء الرّاسخين والعلماء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين للعلوم من مشكاة أنوار خاتم النّبيين صلىاللهعليهوآله ولا ريب أن النسبة الثانية آكد من الأولى وإذا أجتمعت النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمّة المشهورين من العترة الطاهرين وكما أن الصدقة حرام على أولاده الصوريين ، فكذلك تحرم الصّدقة المعنوية على الأولاد المعنويين أعنى تقليد الغير في العلوم الالهية والمعارف الربانية الاحكام الشّرعية (5) ، بل يجب على الاخرين أخذ المعارف الكلية منهم عليهمالسلام.
النّبوة ـ في الاصل يعني الرفعة ، ولذا يقال للمرسل من قبل الله «النّبي» لأنه له مقامه أرفع وأنبل عن مقام سائر النَّاس بسبب تحمَّله أعباء الرسّالة الالهية الشّريفة الرّفيعة.
فعلى هذا ، النّبوة أو النّبي «واوي الاصل» من ني ـ ينبو ـ نباوة ـ ويقال الذي إرتفع من الارض وأخضر ، والمعنى الاصطلاحي للنّبي يطلق على من أخبر عن الله عزّ وجلّ بغير واسطة بشر ، ويكون أعم من أن يكون له شريعة مثل «نبيّ الاسلام صلىاللهعليهوآله» أو ليس له شريعة مثل «النّبي يحيى عليهالسلام» فأشتراكهما في وجه التسمية لأن كلاهما يخبران عن الله عزّ وجلّ ، فعليه يكون أصل معنى النّبوة من الانباء المهموز اللام فهو بمعنى الخبر.
وورد في الاخبار المنقولة عن الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، في الفرق بين النّبي والرّسول والامام ، أن لحسن بن العباس المعروفي كتب إلى الإمام الرضا عليهالسلام : جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام؟ قال : فكتب ـ الإمام عليهالسلام ـ أو قال :
«الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام ، أنّ الرّسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه بالوحي ، وربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليهالسلام ، والنّبي ربّما سمع الكلام وربّما رأى الشخص ولم يسمع ، والإمام الذي يسمع الكلام ولا يرى الشّخص» (6).
(وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ)
يقال موضع الرسالة لمن كان مخزن علوم ومعارف جميع أنبياء الله وموضع أسرار رسل الله عليهمالسلام. أو معناه القوم الذين جعفل الله عزّ وجلّ الرّسالة منهم ولكن المعنى الأوّل أظهر. لأنّه ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال :
«كنت إذا دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله أختلى بي وأقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة ولا أحداً من بنييّ» (7). يعني لم يقم عنّي فاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام.
(وَمُخْتَلَفَ المَلائِكَةِ)
موضع تردد الملائكة ونزولهم وعروجهم ، أمّا لأكتساب العلوم الالهية والمعارف الرّبانية ، والاسرار الملكوتية من مقامهم السّامي وشأنهم العظيم ، لانّهم أعلم وأفضل من الملائكة ، كما يدل على هذا العقل والنقل. ورد في الحديث الشّريف عن طريق الشّيعة والسنّة عن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :«إنّ الله خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نور ، فعصر ذلك النّور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبَّحنا فسبَّحوا وقدَّسنا فقدَّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا فوحَّدنا فوحّدوا ثم خلق الله السماوات والارضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً ولا تمجيداً فسبّحنا وسبّحت شيعتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا ... وهكذا في البواقي ... فنحن الموحِّدون حيث لا موحِّد غيرنا ...» (8).
أو أنّ نزول وعروج الملائكة كان لأجل أنّ يتبركوا بهم ويتشرفوا بخدمتهم ، ويلتزموا بصحبتهم.
ووردت روايات كثيرة بهذا المعنى بنزول الملائكة في بيوتهم الشّريفة وبصورة دائمة ومستمرة ، وبسبب كثرة عروجهم ونزولهم لم يكن صلىاللهعليهوآلهوسلم يتكيء على الوسادة ، ويتساقط شيء من زغبهم فيجمع الأئمّة عليهمالسلام ذلك ويمسحون به على أعين أطفالهم ويعالجونهم من المرض ، كما عن أبي حمزة الثّمالي قال : ـ دخلت على علي بن الحسين عليهالسلام فأحتبست في الدّار ساعة ، ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء السّتر فناوله من كان في البيت ، فقلت : جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أيّ شيء هو؟
فقال الإمام عليهالسلام : «فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا دخلونا ، نجعله سيحاً لأولادنا» فقلت : فجعلت فداك وإنّهم ليأتونكم؟
فقال الإمام عليهالسلام : يا أبا حمزة إنّهم ليزاحمونا على تُكأتنا (9) (10).
كان الملائكة ينقلون لهم أخبار السماء عن الله عزّ وجلّ ، ويحدثونهم ، ويطلعونهم بالعلوم الغيبية ، لان الأئمّة الاطهار عليهمالسلام كانوا محدّثين كما ورد ذلك في كثير من الرّوايات قالوا : نحن المحدثون (11) يعني نحن من الذين ينزل علينا الملائكة من الله عزّ وجلّ بالاحاديث والعلوم الجديدة.ويقال المحدَّث للذي يسمع صوت الملائكة ولا يراه.
(وَمَهْبِطَ الوَحْي)
محط نزول الوحي ، والمراد من الوحي إمَّا الالهام أو الإعلام أو الرّسالة ، فهم مهبط الوحي ، وإمّا باعتبار نزول الوحي على النّبي الاكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيوتهم ، فقد ورد في حديث صحيح عن يحيى بن عبد الله أبي الحسن صاحب الدّيلم (12) قال : سمعت جعفر بن محمّد عليهالسلام يقول وعنده أناس من أهل الكوفة :«عجباً للنّاس إنّهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلىاللهعليهوآله فعملوا به ، وأهتدوا ويرون أنّ أهل بيته لم يأخذوا علمه ، ونحن أهل بيته وذرّيته في منازلنا نزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إليهم ، أفيرون أنّهم علموا وأهتدوا وجهلنا نحن وضللنا ، إنّ هذا لمحال» (13).
وقد يراد من كونهم مهبط الوحي بسبب نزول الوحي عليهم وحديث الملائكة معهم في غير الامور والاحكام الشّرعية ، مثل الاُمور الغيبية من قبيل الارزاق والآجال والسعادة والشقاوة المتعلقة بالنفوس (لان الشريعة مختصات النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم) حيث يتنزل الوحي على كل أمام في عصره بصورة الهام. أو أعم من الغيبيات والاحكام والامور الشرعية التي تتنزل في ليلة القدر ، وهذا المعنى لا يتنافى مع القول بأنّ الله تعالى أكمل الدّين لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولّمه لوصية الكريم عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو علّمه بدوره للأوصياء من بعده ـ لانّه على تقدير وقوع هذا الامر ، فانّ نزولهم بالشرائع والاحكام للتأكيد والتّبين.
وتدلّ على ذلك جملة من الاخبار ، منها ما ورد في الكتاب الشّريف «اصول الكافي» عن محمّد بن مسلم قال : ذكر المحدّث عند أبي عبد الله الصّادق عليهالسلام فقال : إنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص. فقلت له عليهالسلام : جعلت فداك ، كيف يعلم أنّه كلام الملك؟
قال الإمام عليهالسلام : «إنّه يعطي السّكينة والوقار حتى يعلم أنّه كلام ملك» (14).
والمأثور عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال :«إنّ علمنا غابر ، ومزبور ، ونكت في القلوب ، ونقر في الأسماع» ثمّ قال عليهالسلام : «أما الغابر ممّا تقدم من علمنا ، وأمّا المزبور فما يأتينا ، وأمّا النّكت في القلوب فإلهام ، وأمّا النّقر في الأسماع فأمر الملك» (15).
---------------------شرح زيارة جامعة
(السَّلامُ عَلَيكُمْ)
إعلم إنّهم اختلفوا في معنى هذا اللفظ ، فبعض قالوا : إنّه يدل على الدّعاء ـ يعني سلمتم من المكاره والآفات ـ ولذا سمّيت الجنّة «دار السّلام» (1) وأيضاً بهذه المناسبة فإنّها سالمة من المكاره والآفات ومشحونة بأنواع الافراح والسّعادة.
وقال بعضهم : معناه هو عليك إسم الله تعالى ، لأنّ السّلام من الأسماء الالهية ـ يعني أنت محروس بحفظ الله تعالى ويمكن أن يكون معنى السّلام الدّعاء بالسّلامة والعافية فعندما تلقي السّلام على أحدٍ تريد له السّلامة والنّجاة من آفات الدّنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما ، ثمّ وضعه الشّارع المقدّس موضع التّحية والبشارة في مقام التّعارف واللقاء. قد يستعمل النَّاس هذا الكلام عند لقاءهم في مقام التّحية.
(يَا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ)
يراد من أهل البيت هم الائمّة عليهمالسلام (2) ، لأن رسول الله صلىاللهعليهوآله منهم ، والرّسالة السّماوية نزلت في بيوتهم ، وأهل البيت أدرى وأعرف بما فيه. والأهل في اللغة بمعنى بما في حوزة الانسان من الاولاد ، ومن أنِسوا به وسكنوا في داره وهذا جارٍ على ألسنة العرب ، عند لقائهم يقولون : «أهلاً وسهلاً» يعني جئت أهلك الذين تأنس بهم ونزلت محل الرّاحة والاطمئنان لا نصب فيه ولا تعب.
وبما أن الأئمّة الاطهار عليهمالسلام ممن ألفوا وأنسوا في بيت النّبوة والرّسالة قيل لهم أهل بيت النّبوة (3) ، وورد في كتاب معاني الاخبار عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله الصّادق عليهالسلام : من آل محمّد صلىاللهعليهوآله؟
قال الإمام عليهالسلام : ذرّيّته. فقلت : من أهل بيته صلىاللهعليهوآله؟
قال الإمام عليهالسلام : الأئمّة الاوصياء. فقلت : من عترته صلىاللهعليهوآله؟
فقال الإمام عليهالسلام : أصحاب العباء. فقلت : من أمّته؟
قال الإمام عليهالسلام : المؤمنون ... (4)
قال المرحوم السيد شبر رحمه الله في الانوار اللامعة : قال بعض أرباب الكمال في تحقيق معرفة الآل ما ملخصه : أن آل النّبي صلىاللهعليهوآله كل من يؤول إليه وهم قسمان :
الاوّل : من يؤول إليه مآلاً صورياً جسمانياً كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصَّوريين الذين يحرم عليهم الصّدقة في الشّريعة المحمّدية.
الثّاني : من يؤول إليه مآلاً معنوياً روحانياً وهم أولاده الروحانيون من الأولياء الرّاسخين والعلماء الكاملين والحكماء المتألهين المقتبسين للعلوم من مشكاة أنوار خاتم النّبيين صلىاللهعليهوآله ولا ريب أن النسبة الثانية آكد من الأولى وإذا أجتمعت النسبتان كان نوراً على نور كما في الأئمّة المشهورين من العترة الطاهرين وكما أن الصدقة حرام على أولاده الصوريين ، فكذلك تحرم الصّدقة المعنوية على الأولاد المعنويين أعنى تقليد الغير في العلوم الالهية والمعارف الربانية الاحكام الشّرعية (5) ، بل يجب على الاخرين أخذ المعارف الكلية منهم عليهمالسلام.
النّبوة ـ في الاصل يعني الرفعة ، ولذا يقال للمرسل من قبل الله «النّبي» لأنه له مقامه أرفع وأنبل عن مقام سائر النَّاس بسبب تحمَّله أعباء الرسّالة الالهية الشّريفة الرّفيعة.
فعلى هذا ، النّبوة أو النّبي «واوي الاصل» من ني ـ ينبو ـ نباوة ـ ويقال الذي إرتفع من الارض وأخضر ، والمعنى الاصطلاحي للنّبي يطلق على من أخبر عن الله عزّ وجلّ بغير واسطة بشر ، ويكون أعم من أن يكون له شريعة مثل «نبيّ الاسلام صلىاللهعليهوآله» أو ليس له شريعة مثل «النّبي يحيى عليهالسلام» فأشتراكهما في وجه التسمية لأن كلاهما يخبران عن الله عزّ وجلّ ، فعليه يكون أصل معنى النّبوة من الانباء المهموز اللام فهو بمعنى الخبر.
وورد في الاخبار المنقولة عن الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، في الفرق بين النّبي والرّسول والامام ، أن لحسن بن العباس المعروفي كتب إلى الإمام الرضا عليهالسلام : جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام؟ قال : فكتب ـ الإمام عليهالسلام ـ أو قال :
«الفرق بين الرّسول والنّبي والإمام ، أنّ الرّسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه بالوحي ، وربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم عليهالسلام ، والنّبي ربّما سمع الكلام وربّما رأى الشخص ولم يسمع ، والإمام الذي يسمع الكلام ولا يرى الشّخص» (6).
(وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ)
يقال موضع الرسالة لمن كان مخزن علوم ومعارف جميع أنبياء الله وموضع أسرار رسل الله عليهمالسلام. أو معناه القوم الذين جعفل الله عزّ وجلّ الرّسالة منهم ولكن المعنى الأوّل أظهر. لأنّه ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام قال :
«كنت إذا دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله أختلى بي وأقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة ولا أحداً من بنييّ» (7). يعني لم يقم عنّي فاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام.
(وَمُخْتَلَفَ المَلائِكَةِ)
موضع تردد الملائكة ونزولهم وعروجهم ، أمّا لأكتساب العلوم الالهية والمعارف الرّبانية ، والاسرار الملكوتية من مقامهم السّامي وشأنهم العظيم ، لانّهم أعلم وأفضل من الملائكة ، كما يدل على هذا العقل والنقل. ورد في الحديث الشّريف عن طريق الشّيعة والسنّة عن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول :«إنّ الله خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نور ، فعصر ذلك النّور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبَّحنا فسبَّحوا وقدَّسنا فقدَّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا فوحَّدنا فوحّدوا ثم خلق الله السماوات والارضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً ولا تمجيداً فسبّحنا وسبّحت شيعتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا ... وهكذا في البواقي ... فنحن الموحِّدون حيث لا موحِّد غيرنا ...» (8).
أو أنّ نزول وعروج الملائكة كان لأجل أنّ يتبركوا بهم ويتشرفوا بخدمتهم ، ويلتزموا بصحبتهم.
ووردت روايات كثيرة بهذا المعنى بنزول الملائكة في بيوتهم الشّريفة وبصورة دائمة ومستمرة ، وبسبب كثرة عروجهم ونزولهم لم يكن صلىاللهعليهوآلهوسلم يتكيء على الوسادة ، ويتساقط شيء من زغبهم فيجمع الأئمّة عليهمالسلام ذلك ويمسحون به على أعين أطفالهم ويعالجونهم من المرض ، كما عن أبي حمزة الثّمالي قال : ـ دخلت على علي بن الحسين عليهالسلام فأحتبست في الدّار ساعة ، ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وأدخل يده من وراء السّتر فناوله من كان في البيت ، فقلت : جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أيّ شيء هو؟
فقال الإمام عليهالسلام : «فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا دخلونا ، نجعله سيحاً لأولادنا» فقلت : فجعلت فداك وإنّهم ليأتونكم؟
فقال الإمام عليهالسلام : يا أبا حمزة إنّهم ليزاحمونا على تُكأتنا (9) (10).
كان الملائكة ينقلون لهم أخبار السماء عن الله عزّ وجلّ ، ويحدثونهم ، ويطلعونهم بالعلوم الغيبية ، لان الأئمّة الاطهار عليهمالسلام كانوا محدّثين كما ورد ذلك في كثير من الرّوايات قالوا : نحن المحدثون (11) يعني نحن من الذين ينزل علينا الملائكة من الله عزّ وجلّ بالاحاديث والعلوم الجديدة.ويقال المحدَّث للذي يسمع صوت الملائكة ولا يراه.
(وَمَهْبِطَ الوَحْي)
محط نزول الوحي ، والمراد من الوحي إمَّا الالهام أو الإعلام أو الرّسالة ، فهم مهبط الوحي ، وإمّا باعتبار نزول الوحي على النّبي الاكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في بيوتهم ، فقد ورد في حديث صحيح عن يحيى بن عبد الله أبي الحسن صاحب الدّيلم (12) قال : سمعت جعفر بن محمّد عليهالسلام يقول وعنده أناس من أهل الكوفة :«عجباً للنّاس إنّهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله صلىاللهعليهوآله فعملوا به ، وأهتدوا ويرون أنّ أهل بيته لم يأخذوا علمه ، ونحن أهل بيته وذرّيته في منازلنا نزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إليهم ، أفيرون أنّهم علموا وأهتدوا وجهلنا نحن وضللنا ، إنّ هذا لمحال» (13).
وقد يراد من كونهم مهبط الوحي بسبب نزول الوحي عليهم وحديث الملائكة معهم في غير الامور والاحكام الشّرعية ، مثل الاُمور الغيبية من قبيل الارزاق والآجال والسعادة والشقاوة المتعلقة بالنفوس (لان الشريعة مختصات النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم) حيث يتنزل الوحي على كل أمام في عصره بصورة الهام. أو أعم من الغيبيات والاحكام والامور الشرعية التي تتنزل في ليلة القدر ، وهذا المعنى لا يتنافى مع القول بأنّ الله تعالى أكمل الدّين لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولّمه لوصية الكريم عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وهو علّمه بدوره للأوصياء من بعده ـ لانّه على تقدير وقوع هذا الامر ، فانّ نزولهم بالشرائع والاحكام للتأكيد والتّبين.
وتدلّ على ذلك جملة من الاخبار ، منها ما ورد في الكتاب الشّريف «اصول الكافي» عن محمّد بن مسلم قال : ذكر المحدّث عند أبي عبد الله الصّادق عليهالسلام فقال : إنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص. فقلت له عليهالسلام : جعلت فداك ، كيف يعلم أنّه كلام الملك؟
قال الإمام عليهالسلام : «إنّه يعطي السّكينة والوقار حتى يعلم أنّه كلام ملك» (14).
والمأثور عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال :«إنّ علمنا غابر ، ومزبور ، ونكت في القلوب ، ونقر في الأسماع» ثمّ قال عليهالسلام : «أما الغابر ممّا تقدم من علمنا ، وأمّا المزبور فما يأتينا ، وأمّا النّكت في القلوب فإلهام ، وأمّا النّقر في الأسماع فأمر الملك» (15).
(1) قوله تعالى : (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ) أي دار الله وهي الجنّة نسبها سبحانه إليه لشرفها.
(2) كما أن القرآن الكريم أوصى بمودّة ذوي القربى كذلك الرّسول الاعظم صلىاللهعليهوآله كان دائماً يوصي أصحابه بحفظه في أهل بيته منها ما ورد في ذخائر العقبى : للطبري ، ص 18 ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «استوصوا بأهل بيتي خيراً ، فإنّي أخاصمكم عنهم غداً ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النّار» وابن حجر في الصّواعق : ص 228 ، والشّبلنجي الشّافعي في نور الابصار : ص 105 ، الشّعراني في لطائف المنن : ص 129، بلفظ «الله الله في أهل بيتي». والقاضي عياض في كتابه الشّفاء : ج 2 ، ص 402، بلفظ : «أنشدكم الله أهل بيتي» ، والنبهاني في الشّرف المؤبد : ص 189. وغيرهم.
(3) ورد في كتاب الاحتجاج للشّيخ الطّبرسي رحمه الله قال الرّاوي كنت عند أمير المؤمنين عليهالسلام فجاءه ابن الكوا فقال : يا أمير المؤمنين قول الله عزّ وجلّ : (لَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـظ°كِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىظ° وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). فقال أمير المؤمنين عليهالسلام : «نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى من أبوابها ، نحن أبواب الله وبيوته التي يؤتى منها فمن تابعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها إن الله عزّ وجلّ لو شاء عرف النّاس نفسه ويأتوه من بابه ، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وبابه وسبيله الذي منه يؤتى ثمّ قال : فمن عدل عن ولايتنا وفضّل غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها وأنّهم عن الصّراط لناكبون» ، ج 1، ص540.
(4) معاني الاخبار : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، باب معنى الآل ، ص 94، ح3.
(5) الانوار اللامعة : للعلّامة شبر رحمه الله ، ص 40.
(6) أصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 176 ، الاختصاص : ص 328. وراجع بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26، ص 74 و75 .
(7) أصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 64 ، ح1 باب : «اختلاف الحديث».
(8) بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 36 ، ص343 ، عن جامع الاخبار : ص9.
(9) تكأة بالضم كهمزة ما يعتمد عليه حين الجلوس.
(10) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1 ، ص 394 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 353 ، بصائر الدّرجات : ص26.
(11) راجع بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 36 ، ص 66 الى 85 ، وكذلك أمالي ابن الشّيخ : ص 154، وبصائر الدّرجات : ص 93 ، الخصال : للشّيخ الصّدوق رحمه الله ، ج2 ، ص 380.
(12) الظّاهر هو يحيى بن عبد الله بن الحسن كما في كتب الرّجال.
(13) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج1، ص 398، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 158، الامالي : للشّيخ المفيد رحمه الله : ص 71.
(14) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 171 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26 ، ص 68.
(15) اصول الكافي : للشّيخ الكليني رحمه الله ، ج 1 ، ص 264 ، بحار الانوار : للعلّامة المجلسي رحمه الله ، ج 26، ص 60، عن بصائر الدرجات : ص 94.
السيد محمد الوحيد

تعليق