تاريخ الحديث
• المدخل
• المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
• المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة
أوّلاً: عصر الحضور
ثانياً: عصر الغيبة
[1]
*****
المدخل
يُعتبر الحديث الحاكي عن السنّة ـ والتي هي قول أو فعل أو تقرير المعصوم(1) ـ من أهمّ مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ويضمّ مجموعة هائلة من النصوص التشريعية المختلفة، وفي جميع مجالات الحياة المختلفة التي يُبتلى بها الإنسان، حيث يُعدّ الحديث مصدرًا مهمّاً للأحكام وأساساً راسخاً لبنى الإنسان العقائدية والفكرية، ومنهلاً يُنهل منه الأخلاق الرفيعة السامية.
من هنا تبرز أهمّية الحديث ودوره في حياة البشر، ولذا فقد عنيت به الاُمّة الإسلامية أيما اعتناء، فقد روى لنا أصحاب السِير والمؤرّخون والرواة والمحدّثون، الكثير من أقوال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)وأهل بيته(عليهم السلام)، رغم الحظر الشديد إبان فترة منع تدوين الحديث، حتّى بلغت مصنّفات الشيعة الإمامية خلال القرون الثلاثة الاُولى للهجرة حدود (6600) كتاب، أربعمئة كتاب منها سُمّيت بالاُصول الأربعمئة(2)، إضافة للكتب الحديثية الاُخرى.
حيث دوّنوا في هذه المجموعات الحديثية ما ورد عن الرسول والأئمّة(عليهم السلام) من الأحاديث في شتّى المجالات، فما تركوا شيئاً من أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم في كافّة شؤون الحياة المتنوّعة إلاّ وذكروها، ولم ينتهِ المطاف إلى هذا الحدّ، بل قام العلماء والمحدّثون بتأسيس قواعد تُسمّى بعلوم الحديث، تعني بشؤون الحديث عامّة، ومن ضمنها تاريخ الحديث الذي يبحث فيما مرّ على الحديث من أدوار ومراحل، منذ عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مرورًا بزمن الأئمّة المعصومين من بعده(عليهم السلام)، وانتهاءً بزمن الغيبة.
وبناءً على ما مرّ من مباحث، سيكون مورد بحثنا في تاريخ حديث الشيعة ضمن مبحثين:
المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
من أجل التعرّف على تاريخ الحديث عند الشيعة، لابدّ لنا أن نتعرّض في هذا الدرس إلى عدّة اُمور، وهي: تعريف تاريخ حديث الشيعة، وأهمّية وفوائد التعرّف على هذا الميراث الحديثي، وكذلك أهمّ الخصائص والمميّزات التي يتميّز بها تاريخ الحديث عند الشيعة.
____________
(1)انظر: الحبل المتين للبهائي: ص4.
(2)انظر: أعيان الشيعة لمحسن أمين: ج1، ص103.
[2]
*****
1ـ تعريف تاريخ حديث الشيعة
لا يخفى أهمّية الحديث عند الشيعة، حيث يُعتبر هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره(1)، وأنّ المعصوم عندنا يمثّل النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّة من أهل بيته(عليهم السلام)، کما ثبت ذلك في علم الکلام بالأدلّة العقلية والنقلية.
وقد انعكست هذه الأهمّية على تاريخ الحديث الشيعي الذي يؤكّد على بيان مراحل نشوء الحديث وتطوّره من أخبار المعصومين(عليهم السلام).
فيكون تعريف تاريخ الحديث هو: التعرّف على مراحل نشوء وتطوّر الحديث والعصور التي مرّ بها.
2 ـ أهمّية التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
إنّ النظرة السطحية للحديث عبارة عن قراءة الحديث وإدراك بعض مفاهيمه، ممّا يحرمنا في كثير من الأحيان من الفهم العميق للحديث، إذ إنّه في هذه الحالة لا يلتفت إلى الأرضية والظروف التي ألقى فيها المعصوم حديثه.
ولكنّ مطالعة آثار المعصومين(عليهم السلام) ـ بنظرة تاريخية معمّقة ـ تُعطي كلامهم وأفعالهم وتقريراتهم معنىً خاصّاً، وتبيّن لمحبّي وعشّاق آثار الأئمّة(عليهم السلام) مراحل ظهور وانتشار هذه الآثار، وبذلك فإنّ كثيراً من الأسئلة التي تُطرح حول تعارض أو تناقض الأحاديث، تجد لها جواباً مقنعاً ومناسباً في النظرة التاريخية للحديث.
ومن كلّ هذا يتبيّن لنا مدى أهمّية تاريخ نقل كلام أو فعل أو تقرير المعصومين(عليهم السلام)، والتي تُدرس في تاريخ حديث الشيعة.
3 ـ فوائد التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
هناك عدّة فوائد يمكن تحصيلها من خلال التعرّف على تاريخ حديث الشيعة، وهي تمثّل دورًا هامّاً في المسيرة الثقافية والتربوية لحياة الإنسان، يمكن تلخيصها بما يلي:
أ) التعرّف على الثقافة السائدة في عصر الحديث
من أهمّ الفوائد هو التعرّف على أسباب صدور الحديث، والذي يمثّل دورًا أساسياً في فهم الحديث.
وبذلك يمكن فهم سبب تأكيد الإمام علي(عليه السلام) على الزهد والبعد عن الدنيا، وسبب تأكيد الإمام الصادق(عليه السلام) على المواعظ الاجتماعية في تعامله مع الصوفية.
وكذا يمكن فهم خلفية المناظرات العلمية للإمام الرضا، واحتجاجات الإمام المجتبى، والإمام الجواد،
____________
(1)نهاية الدراية لحسن الصدر: ص80
[3]
*****
والإمام الهادي(عليهم السلام)، وتتّضح لدينا المعاني الجميلة النورانية لهذه الأحاديث بشكلٍ أكبر.
ب) التعرّف على المدوّنات الحديثية في كلّ زمن
تُذكر المكتوبات والمدوّنات الحديثية في تاريخ الحديث بصورة مجملة، مع أنّها تُبحث في تاريخ تدوين الحديث بشكلٍ أكثر تفصيلاً.
ج) التعرّف على طرق التعليم
اهتمّ المعصومون(عليهم السلام) بنشر العلوم والثقافة الإسلامية، ولم تمنعهم الظروف الصعبة التي عاشوها، فكانت لهم أساليبهم المتمّيزة في التعليم.
د) التعرّف على مناهج المحدّثين
إهتمّ المحدّثون عبر القرون بنقل الأحاديث وتدوينها وتهذيبها وفق الاُصول المقرّرة في علم الحديث، كما اهتمّوا بشرحها ونقدها أحياناً، وانتهجوا في كلّ دورة منهاجاً خاصّاً في ذلك، بل قد يكون لبعضهم منهاج خاصّ للتعامل مع الأحاديث، فيمكن التعرّف على تلك المناهج في مجال البحث عن تاريخ الحديث.
ه) التعرّف على جهود المحدّثين في تنقيح علوم الحديث
أحسّ المحدّثون في بداية ظهور الحديث بالحاجة الماسّة إلى القواعد والاُصول التي تقيمّ الحديث وتميّز بين أنواعه، وكذا تقييم رجال السند ونقده وغير ذلك، فقرّروا قواعد لذلك وأسموها بعلوم الحديث، التي نشأت في جنب الحديث حيث اختصّت بها موسوعات ضخمة جدّاً. فما هو المبرّر لإبرازها وتوسيعها طيلة القرون والأعصار؟ هذا ما سيجيب عنه تاريخ الحديث.
4 ـ خصائص ومميّزات تاريخ حديث الشيعة
إنّ للحديث عند الشيعة هوية مستقلّة تمتدّ من عصر النبيّ إلى العصر الحالي، فمع أنّ فترة المنع عن تدوين الحديث التي استمرّت قرابة (90) عاماً، كانت فترة عصيبة وصعبة، ولكنّها لم تؤثّر في جانب الحديث الشيعي، إذ إنّ علماء ورواة الشيعة العظام بالتزام السرّية والخفاء استطاعوا أن يتناقلوا الميراث الحديثي بينهم، ممّا حفظ تواصله واستمراره على مدى العصور.
ويتميّز ميراث الحديث الشيعي بمميّزات وخصائص تجعل منه تراثاً راسخاً ومتيناً، ونذكر هنا بعضاً من هذه الممّيزات:
أ) التواصل مع المعصومين(عليهم السلام)
إنّ حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، هو الحجّة عند الشيعة دون غيره من الحديث، حتّى وإن كان الكلام محكياً عن أحد الصحابة العظام، فهو لا يعادل كلام المعصومين(عليهم السلام) بحالٍ من الأحوال.
[4]
*****
ويعتبر الشيعة حديث المعصومين(عليهم السلام) وديعة غالية، قد قرنها النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقرآن الكريم، حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(1).
لذا فحضور المعصومين(عليهم السلام) لمدّة (250) سنة إلى جانب حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ مدّة (23) عاماً ـ شكّل رصيداً قيّماً للشيعة.
ب) طرح الأحاديث بشكل مفصّّل
أدّى حضور المعصومين(عليهم السلام) إلى طرح كثير من المسائل بشكلٍ مفصّل وبكامل جزئياتها. وتصدّى الأئمّة(عليهم السلام) لتوضيح هذه المسائل بشكلٍ تامّ وكامل.
وقد كشف هذا الطرح المفصّل عن كثير من الجوانب الغامضة للعديد من الأحكام والمعارف الإلهيّة.
ج) طرح الأسئلة المستحدثة
إنّ عصر حضور المعصومين(عليهم السلام) ولفترة طويلة، ومعاصرته للتغيّرات الثقافية في المجتمع، التي منها دخول ثقافات جديدة: كالفارسية واليونانية والرومية إلى البلاد الإسلامية، أدّى إلى ظهور أسئلة وإشكالات جديدة تتطلّب أجوبة لا يمكن أن تتأتّى إلاّ من المعصومين(عليهم السلام)، فقاموا(عليهم السلام) بوضع جملة من الاُمور أهمّها:
• القواعد الأساسية التي حُلّت بواسطتها كثير من المعضلات والإشكالات المطروحة في ذلك العصر وما بعده، فكانت أجوبتهم تتناسب مع المستوى الثقافي للمجتمع.
• تربية جيل من الطلاّب لردّ الشبهات الجديدة وفق تلك القواعد والاُسس، مثل: هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق وغيرهم.
د) تطابق أحاديث المعصومين(عليهم السلام)
كان الأئمّة(عليهم السلام) المصداق الحقيقي لعبارة: «كلّهم نور واحد»، فكان كلامهم(عليهم السلام) يصبّ في مجرى واحد، ولا يوجد أيّ تناقض واختلاف فيه.
وما أجمل ما قاله الإمام الرضا(عليه السلام) في هذا الباب: «إنّا عن الله ورسوله نحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا»(2).
ه) اختلاف المستوى الثقافي بين عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعصر الأئمّة(عليهم السلام)
إنّ تغيّر المستوى الثقافي للمجتمع وظهور طبقة جديدة من الطلاّب والباحثين عن العلم، أدّى إلى
____________
(1)الاحتجاج للطبرسي: ج1، ص391؛ مسند أحمد لابن حنبل: ج4، ص371 نحوه.
(2)اختيار معرفة الرجال للطوسي: ج2، ص450، ح401.
[5
[5]
*****
وجود فارق كبير بين عصر ظهور الحديث وعصر الأئمّة.
ذلك أنّ معظم أصحاب النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان اهتمامهم بالجلوس عنده انجذاباً إلى شخصيته وتبرّكاً بوجوده الشريف، أكثر من اهتمامهم بأخذ العلم عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
و) الترويج لثقافة الكتابة
حثّ المعصومون(عليهم السلام) الناس منذ البداية على الكتابة، تطبيقاً لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): «قيّدوا العلم بالكتابة»(1)، فألّفوا كتباً، منها: كتاب الجفر، والصحيفة الجامعة للإمام علي(عليه السلام)، ورسالة الحقوق للإمام السّجاد(عليه السلام)، وكثير من المكتوبات والمخطوطات الاُخرى التي تُعدّ من تراث الشيعة المكتوب.
وقد دوّنت بعض عناوينه في فهارس مطوّلة، مثل:
• الفهرست للشيخ الطوسي.
فهرس أسماء مصنّفي الشيعة، المعروف برجال النجاشي.
المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة
مرّ الحديث الشيعي منذ ولادته في عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحتّى عصر الغيبة بعدّة مراحل، تمثّلت بالأزمنة التي كانت ظرفاً للحديث، وهي:
1 ـ عصر الحضور الذي تمثّل بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما رافقه من ولادة الحديث ونموّه وازدهاره في زمن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
2 ـ عصر الغيبة الصغرى والكبرى.
وبيان ذلك يكون في مبحثين، نتطرّق في المبحث الأوّل إلى زمن الحضور، وفي المبحث الثاني إلى زمن الغيبة الصغرى والكبرى.
أوّلاً: عصر الحضور
وهو العصر الذي بدأ بولادة الحديث من عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويمتّد إلى ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)، وهو عصر تثبيت قواعد الحديث وترسيخها، ويمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الاُولى: عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عصر الصادقَين (عليهما السلام)
تعتبر هذه المرحلة من المراحل المهمّة في تاريخ الحديث الشيعي، وهي عصر نشوء الحديث ونموه، والذي يبدأ بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
____________
(1)السرائر لابن إدريس الحلّي: ج1، ص44؛ تفسير القرطبي: ج11، ص206 .
[6]
*****
فتكون هي اللبنة الاُولى للحديث الشيعي، مع ما جرى فيها من مشاكل وصعوبات، فإنّها تبقى هي الأساس المتين للميراث الحديثي الشيعي.
عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
إنّ البيئة الصحراوية لأرض الحجاز جعلت أهلها منفصلىن وبعيدين عن الثقافات والمجتمعات الاُخرى، وكذا عن المعارف الإلهيّة الموجودة في ذلك العصر.
ولاشكّ في أنّ مجيء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدين الإسلامي في هكذا عصر وبهذه المواصفات، يعكس لنا تلك الشخصية الفذّة، حيث استطاع(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينتشل هذا المجتمع من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، بأخلاقه العظيمة وحنكته العالية، فاستحوذ على قلوب أكثرهم ليهديهم إلى الطريق القويم، كما صوّر ذلك القرآن بقوله تعالى: {وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(1).
الميراث الحديثي للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
إنّ نزول القرآن على النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مدعاة لاجتماع الناس حوله، فكلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُعتبر اللبنة الاُولى للحديث والتحديث.
وكان النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشجّع على نشر ثقافة الحديث والتحديث، إمّا عبر المجالس العامّة أو الخاصّة مع بعض الصحابة، أو عبر إلقائه تلك الخطب الخالدة التي وردت في عدّة مناسبات، أو عبر إملائه الحديث لبعض الصحابة.
ونظراً لضرورة تغيير الثقافة الجاهلية إلى الثقافة الإسلامية، برزت الأحاديث الأخلاقية في تلك الفترة بشكلٍ واضح.
ومن جهةٍ اُخرى تطلّب تأسيس الحكومة الإسلامية سنّ القوانين والقواعد الفقهية، وتواجد الأحاديث الفقهية بالشكل المطلوب.
لذا يمكن اعتبار الأحاديث الأخلاقية والفقهية والقواعد الحقوقية، الركن الأساسي لميراثه الحديثي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إنّ أكثر أحاديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجوامع الحديثية الشيعية قد نُقلت عن الإمام علي(عليه السلام) وسائر الأئمّة(عليهم السلام).
____________
(1)آل عمران: 159.
[7]
*****
عصر فاطمة الزهراء (عليها السلام)
إنّ شخصية السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) المتميّزة، ونشأتها في كنف أعظم المخلوقات وأكرمها وهو النبي محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ زواجها بالإمام علي(عليه السلام)، يبيّن لنا بوضوح مكانتها الخاصّة في العلوم والمعارف الإسلامية.
الميراث الحديثي للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
أدّى قصر عمرها (عليها السلام)، والحوادث والمصائب التي لاقتها بعد رحيل النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى قلّة ميراثها الحديثي. ويمكن تقسيم الموروث الحديثي لها (عليها السلام) إلى قسمين:
1 ـ ما روته عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
فقد ورد في كتب السنّة والشيعة بعض الروايات الواردة عنها (عليها السلام)، رغم قصر الفترة التي عاشتها مع النبي الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويشير لقب المحدّثة إلى الميزة التي اختصّت بها الزهراء (عليها السلام) في تعلّم المعارف الإلهيّة من منبع الوحي الأصيل.
2 ـ خطبها (عليها السلام)
ومن أشهر ما نُقل من خُطبها في المسجد النبويّ وفي بيتها (عليها السلام) هي الخطبة الفَدكية، لما لها من أهمّية خاصّة؛ حيث تميّزت بتبيين بعض المعارف السامية والقيّمة، وكونها اُُلقيت في ظرف مهمّ وحسّاس، وكونها في غاية الفصاحة والبلاغة.
عصر الإمام علي(عليه السلام)
يعتبر الإمام علي(عليه السلام) الإمام الأوّل والمعصوم الثاني عند الشيعة، وهو أيضاً صاحب المنزلة الخاصّة التي تميّز بها عن بقية الصحابة بالنسبة لحديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فقد تربّى الإمام علي(عليه السلام) في حجر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ ولادته، وأمضى طفولته تحت رعايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان أوّل القوم إسلاماً، وهو تلميذ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخاصّ، حيث كانت له ساعات مخصوصة يتعلّم فيها من النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
من مميّزاته الاُخرى، هي: تدوين الكثير من كلام النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، رغم الفتن والأحداث المريرة التي جرت في زمانه(عليه السلام) وفور استلامه الحكم، واتّخاذه تلك القرارت الصادحة بعزل ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة، وإعلانه المساواة العادلة بين جميع الشعوب الإسلامية، وهذا ما يتنافى مع مطامع أصحاب النفوذ والجاه من القبائل، حتّى أجمعوا أمرهم على العصيان، وحدث ما حدث من حروب ونزاعات الغاية منها الإطاحة بحكومته(عليه السلام).
الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام)
إنّ ملازمة الإمام علي(عليه السلام) للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ (10) سنوات قبل البعثة و(23) سنة بعدها ـ ومرافقته له(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
[8]
*****
بصورةٍ خاصّة، جعلت الإمام علي(عليه السلام) حاملاً لكنز عظيم من المعارف والعلوم إلى الأجيال القادمة(عليه السلام)، فقد تتلمّذ على يده الكثير من طلاّب العلوم والمعارف الدينية، وكان من أبرز طلاّبه وتلاميذه(عليه السلام) في مجال الحديث: أبو رافع، عبد الله بن عبّاس، سليم بن قيس، الحارث بن الأعور(رحمهم الله).
ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام) إلى عدّة أقسام:
1 ـ المجموعات الحديثية:
توجد هناك ثلاث مجموعات حديثية مأثورة عنه(عليه السلام)، وهي:
كتاب علي(عليه السلام)
هو مجموعة كبيرة من الأحاديث (صحيفة بطول سبعين ذراعاً)، من إملاء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وهو من ودائع الإمامة، وقد عرضه وقرأ منه الأئمّة(عليهم السلام) على بعض الخواصّ من أصحابهم(1).
كتاب الجفر
وهو كتاب كُتب على جلد الجفر، أي جلد ثور أو شاة، وهو من إملاء النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وعلى ذلك تضافرت الروايات عند الشيعة، وذكره السُنّة في بعض كتبهم(2).
مصحف الإمام علي(عليه السلام)
هو الذي يتضمّن التفسير وبعض المواضيع حول القرآن الكريم، وهو عند الأئمّة(عليهم السلام)(3).
2 ـ مروّيات الإمام علي(عليه السلام)
وردت عن الإمام علي(عليه السلام) أحاديث وروايات عديدة أكثرها في أواخر عهد عثمان وما بعده، وخصوصاً في عصر خلافته(عليه السلام)، وقد ورد بعضها في نهج البلاغة، وكانت متنوّعة وبعدّة أقسام، نذكر بعضاً منها:
أ) الخُطب
وهي أشهر قسم من أقسام كلامه(عليه السلام)، حيث لُقّب بإمام الخطباء، وتُعدّ خطبه التوحيدية الكثيرة والمواعظ الأخلاقية أحد أسباب اشتهار وانتشار كتاب نهج البلاغة.
____________
(1)انظر: بصائر الدرجات: ص167 ـ 170.
(2)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج3، ص240؛ مكاتيب الرسول: ج2، ص12.
(3)انظر: في رحاب الشيعة: ص63؛ الخدعة رحلتي من السُنّة إلى الشيعة للورداني: ص196.
[9]
*****
ب) الرسائل
هذه المجموعة من الروايات ـ خصوصاً الرسائل أو الكتب التي أرسلها(عليه السلام) إلى عمّاله ـ ترسم لنا أبعاد الحكومة العلويّة، وتبيّن الأركان والمباني الأساسية للسياسة والاقتصاد والثقافة عند الإمام علي(عليه السلام).
ويمكن اعتبار رسالته المشهورة إلى مالك الأشتر ميثاقاً للحكومة الإسلامية على مدى العصور.
ج) الحِكم والمواعظ
تعتبر وصاياه(عليه السلام) للناس من الأحاديث القيّمة جدّاً، وخاصّة وصيّته لأبنائه الحسن والحسين (عليهما السلام)(1)، ورسالته الطويلة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)(2).
د) قضاؤه(عليه السلام)
إنّ اُسلوب الإمام علي(عليه السلام) الراقي والمتميّز في القضاء شهد له الموافق والمخالف، وقد اعتنى به الفقهاء أيما اعتناء، فذكروا مواقف كثيرة لقضائه(عليه السلام) في كتبهم الفقهية.
ه) الأدعية والمناجاة
إنّ الأدعية والمناجاة المأثورة عن الإمام علي(عليه السلام) كثيرة جدّاً، منها دعاء ليلة الجمعة المعروف بدعاء كميل.
و) الأشعار
نُسب إليه(عليه السلام) حوالي خمسمئة قصيدة، ومع أنّه قد شُكّك في هذه النسبة من حيث العدد، إلاّ أنّ نسبة بعض الأشعار إليه(عليه السلام) ثابتة قطعاً، وقد ذُكرت في كتب ومؤلّفات شأنها الاهتمام بالأشعار والموسوعات الشعرية، مثل كتاب أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول الذي أعدّه قطب الدين محمّد البيهقي الكيدري(3).
عصر الإمامين الحسنين (عليهما السلام)
بعد استشهاد الإمام علي(عليه السلام)، وبسط معاوية نفوذه في جميع المناطق الإسلامية، قلّ تواصل الناس مع الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ورجوعهم إليهما في اُمور دينهم ودنياهم بعد أن استخدم معاوية في عصر الإمام الحسن(عليه السلام) ـ ومن جاء من بعده في عصر الإمام الحسين(عليه السلام) ـ أساليب قذرة في استمالة الناس وحرفهم عن خطّ أهل البيت(عليهم السلام).
____________
(1)انظر: نهج البلاغة: الكتاب 47.
(2)المصدر السابق: الكتاب 31.
(3)انظر: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنّة والتاريخ للريشهري: ج10، ص292.
[10]
*****
الميراث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)
بمراجعة رسائل معاوية إلى عمّاله نجده قد أمر بوضع أحاديث في فضائل الصحابة، أمثال عثمان بن عفّان وغيره، ومنعَ الحديث عن فضائل الإمام علي وسائر أهل البيت(عليهم السلام)، بل ومعاقبة مَن يُحدّث بفضائلهم(1).
من جهةٍ اُخرى، عمل معاوية على اغتيال الشخصيات الشيعيّة المهمّة، ومنع قبول شهادة الشيعي عند القاضي، وحرَمَ الشيعة أيضاً من أموال بيت مال المسلّمين.
ولاشكّ أنّ إعلام بني اُُميّة ودعاياتهم المغرضة، وتشديد حكومتهم وتأكيدها على عدم الارتباط بهذين الإمامين العظيمين، كان له الأثر الكبير في قطع الناس ارتباطهم بهما (عليهما السلام)، حتّى لو كان مجرّد نقل الحديث، ولهذا السبب لم يصلنا عنهما (عليهما السلام) إلاّ القليل من الروايات.
ولم تنقل كتب أهل السنّة المشهورة عنهما أحاديث ولو بعدد أصابع اليد، فصحيح البخاري وصحيح مسلّم لم يرويا ولو حديثاً واحداً عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسنداً عن طريقهما.
ووصل إلينا من كلامهما (عليهما السلام) مواعظ أخلاقية(2)، اُلقيت في مجالس خاصّة، وقد ورد عنهما (عليهما السلام) عدد يسير من الأحاديث الفقهية أيضاً.
وقد ذُكرت عن الإمام الحسن(عليه السلام) بعض المناظرات والاحتجاجات مع أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، كما وردت بعض الأدعية عن الإمام الحسين(عليه السلام)، منها: «دعاء عرفة» ذو المضامين الرفيعة العالية.
وتُعتبر فترة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) (6) اشهر، فترة ذات طابع خاصّ في تاريخ الحديث، فقد نُقل عن الإمام الحسين(عليه السلام) أحاديث في قمّة الحماس والعظمة والحبّ والإخلاص.
عصر الإمام السجّاد(عليه السلام)
يُعتبر عصر الإمام السجّاد(عليه السلام) من أصعب الأوقات التي مرّت على الأئمّة(عليهم السلام)، فعلاوة على واقعة عاشوراء الأليمة، وما تخلّلها من أسر ودائع النبوّة والإمامة(عليهم السلام) كانت هناك أحداث اُخرى لها وقعها الشديد على الإمام(عليه السلام)، وهي: فتنة عبد الله بن الزبير، وواقعة الحرّة، والقتل الجماعي للمسلّمين في المدينة، والهجوم على مكّة وتخريب الكعبة، وتولّي ابن زياد والحجّاج، اللذان يُعدّان من أكبر السفّاحين والسفّاكين للدماء في عهد بني اُميّة.
الموروث الحديثي للإمام السجّاد(عليه السلام)
بالنظر لعدّة عوامل، منها: الأوضاع الناتجة عن شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)، مدّة إمامة الإمام السجاد(عليه السلام)
____________
(1)انظر: الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص15؛ العمدة لابن البطريق: ص449.
(2)انظر: تحف العقول: ص225 ـ 249.
[11]
*****
الطويلة، معاصرته(عليه السلام) لعصر التابعين، وظهور أجيال متعلّمة في ذلك العصر، وتولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة في المدينة؛ استطاعَ الإمام السجّاد(عليه السلام) أن ينشر الثقافة الإسلامية الأصيلة، وأن يؤسّس المدرسة الثقافية العلمية الشيعية الكبيرة في عصره، والتي ازدهرت في عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، ووصلت إلى أوج ازدهارها في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
فظهرت علوم مثل: الفقه، والمعارف الإسلامية، والتفسير عند الشيعة من خلال هذه المدرسة، وقد أدّى هذا الأمر الى أن يكون الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام)، أكثر من الموروث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).
ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ الدعاء
استخدم الإمام السجّاد في دعائه اُسلوباً لطيفاً مثيراً للأحاسيس والعواطف، ومعظم النصوص الواردة عنه هي من هذا الباب.
2 ـ المواعظ الأخلاقية والاجتماعية
تشير بعض المرويات إلى أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام) ألقى بعض المواعظ في المسجد النبويّ الشريف بشكلٍ رسمي في الأوقات والفرص المناسبة، وتُعرف أهمية مواعظه(عليه السلام) في ذلك الوقت بالنظر الى أوضاع المدينة المنوّرة التي تحوّلت ـ بسبب السلطة ذات الفساد المزمن لحكومة معاوية وغيره من بني اُمية ـ إلى مركز من مراكز اللهو واللعب، واشتهرت بكونها مركزاً للغناء.
3 ـ الموروث الحديثي المكتوب
كان لهذا الموروث الحديثي الأثر الكبير على حياة البشر كافّة وعلى مرّ العصور والأجيال، فكان دستوراً ونبراساً لهم في حياتهم العلمية والعملية، ويمكن تقسيم هذا الموروث الحديثي المكتوب إلى ثلاثة أقسام:
أ) الصحيفة السجّادية
وهي مجموعة من الأدعية والمناجاة المشهورة التي أنشأها الإمام السجّاد(عليهم السلام)، وتضمّ (75) دعاءً، إلاّ أنّ الذي وصلَ إلينا منها (54) دعاءً فقط(1).
ب) رسالة الحقوق
وهي أشهر تراث حديثي مأثور عن الإمام السجّاد(عليه السلام)، وقد ذكر(عليه السلام) فيها خمسين حقّاً(2).
____________
(1)انظر: فتح الأبواب لابن طاووس: ص76.
(2)انظر: تحف العقول: ص255 ـ 272.
[12]
*****
ج) رسالة الزهد
انتشرت هذه الرسالة في زمن الإمام السجّاد(عليه السلام)، فقد رواها أبو حمزة الثمالي في سفره إلى اليمن، وعرضها على الإمام السجّاد(عليه السلام)، فصدّق ما فيها وأكّد نسبتها إليه.
المرحلة الثانية: عصر الصادقَين (عليهما السلام)
إنّ لعصر الصادقَين (عليهما السلام) مكانة خاصّة وميزة مرموقة في تاريخ الحديث عند الشيعة. وقد بدأ هذا العصر عام (94ه) وانتهى عام (148ه)، وهي مدّة إمامتهما (عليهما السلام)، حيث تولّى الإمام الباقر(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام زين العابدين(عليه السلام) عام (94ه) على ما هو المشهور، وتولّى الإمام الصادق(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة الإمام الباقر(عليه السلام) عام (114ه)، حتىّ شهادته على يد المنصور الدوانيقي عام (148ه)(1).
وتُعتبر الفترة من عام (100ه إلى عام 140ه) العصر الذهبي للحديث عند الشيعة(2)، إذ إنّ الأوضاع والظروف الاستثنائية لتلك الفترة مكّنت الصادقين (عليهما السلام) من القيام بإنجازات عظيمة، كنشر الحديث وتعليمه، وتربية جملة من الفقهاء، وغيرها من الإنجازات التي سوف نتعرّف عليها من خلال هذا الدرس.
ونظراً لأهمّية هذا العصر في تاريخ الحديث عند الشيعة فسوف نتحدّث عنه بشيءٍ من التفصيل. فنتناول العوامل التي ساعدت على انتشار الحديث عند الشيعة في عصرهما (عليهما السلام) مروراً بإنجازاتهما (عليهما السلام) في مجال الحديث، ثمّ دورهم في مواجهة ظاهرة وضع الحديث من قِبل الغلاة، وأخيراً نتعرّض لحجم وطبيعة التراث الحديثي الذي تركاه لنا (عليهما السلام).
1 ـ العوامل التي ساهمت في ازدهار الحديث في عصر الصادقين (عليهما السلام):
أ) الأوضاع السياسية الملائمة.
كان للأوضاع السياسية في عصر الصادقَين (عليهما السلام) تأثير كبير في انتشار الحديث عند الشيعة، ويمكن إجمال الأوضاع السياسية في عصرهما (عليهما السلام) بما يلي:
• هلاك الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ والي البصرة والكوفة ـ في عام (95ه)(3)، وكان مشهوراً بسفكه للدماء(4)، وكان من أشدّ أعداء شيعة الإمام علي(عليه السلام)، وصار الشيعة من بعد موته في
____________
(1)انظر: تهذيب الأحكام للطوسي: ج10، ص53.
(2)انظر: روضة الطالبين للنووي: ج1، ص12؛ الإمام الصادق علم وعقيدة لرمضان لاوند: ص167.
(3)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج2، ص53.
(4)انظر: الأعلام للزركلي: ج2، ص95 و168؛ المعارف لابن قتيبة: ص356.
[13]
*****
راحة(1).
• تولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة عام (99ه)(2)، وقد أثّر في فترة حكومته على المجتمع الإسلامي بشكلٍ كبير، فقد كان يعتقد بجواز تدوين الحديث بل وبضرورته(3)، ومنعَ سبّ الإمام علي(عليه السلام)(4).
• الثورات الزيدية المتلاحقة، التي كان لها دور في حفظ الإمامين الصادقَين (عليهما السلام) من التعدّي والتهجّم عليهما.
• إنّ السُنن الإلهيّة تقتضي أن تمرّ الأنظمة السياسية والاجتماعية بمراحل كالتي يمرّ بها الإنسان، مثل: مرورها بمرحلة الطفولة، ثُمّ الشباب، ثمّ تصير إلى الشيخوخة وتقترب من أجلها وتنهار، كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}(5).
وقد خضعت الدولة الأموية لهذه السُنن، فاقتربت في ذلك العصر من شيخوختها وأجلها، حيث استطاع العبّاسيّون بعد عدّة معارك القضاء على تلك الدولة في عام (132ه)، فانقرضت دولة بني أميّة واستولى العبّاسيّون على الحكم، وقد أمضى أبو العبّاس السفاح السنوات الأربع(6) من حكمه في ملاحقة وتتبّع مَن بقي من فلول الأمويين والتخلّص منهم.
ممّا ذكرنا يتّضح لنا أنّ الحكومة المركزية في عصرهما (عليهما السلام)، لم تعدّ تملك السلطة القويّة التي كانت تملكها سابقاً، لذا كان عصرهما (عليهما السلام) أفضل فترة لنشر الحديث والمعارف الإسلامية.
ب) الإقبال على أخذ الحديث من أهل البيت(عليهم السلام)
نتيجة لصدور أمر منع تدوين الحديث في عهد الخليفة الثاني رسمياً(7)، اختفت ظاهرة كتابة وتدوين الحديث في حياة المسلّمين عموماً، وكانت تتمّ بشكلٍ خفيّ، واستمرّ الأمر على ذلك الحال حتّى أصدر عمر بن عبد العزيز أمره بكتابة الحديث وجمعه وتدوينه(8)، وأكّد في رسائله إلى
____________
(1)انظر: الكشكول المبوّب لحسين الشاكري: ص73.
(2)انظر: وفيان الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج2، ص539.
(3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق؛ الجامع للشرائع للحلّي: ص6 مقدّمة المحقّق.
(4)انظر: إلزام النواصب لمفلح بن راشد: ص220؛ السلفية بين أهل السنّة والإمامية لمحمّد الكثيري: ص212.
(5)يونس: 49.
(6)انظر: مستدركات أعيان الشيعة: ج1، ص73؛ شجرة طوبى لمحمّد مهدي الحائري: ج1، ص140.
(7)نظر: جهاد الإمام السجّاد(عليه السلام) للجلالي: ص82.
(8)انظر: مطارحات في الفكر والعقيدة: ص161؛ عمدة القارئ للعيني: ص129
[14]
*****
علماء المدينة(1) على جمع الحديث وتدوين سنّة النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن صارت منسيّة؛ بسبب عدم تدوينها والاعتناء بجمعها، وبالطبع كان هذا الأمر ناقضاً لأمر الخليفة الثاني، وهو ما جعل علماء المدينة، مكرهين على قبوله وتنفيذه خصوصاً في بداية الأمر.
وعليه تهيّأت الأجواء للشيعة لكتابة الحديث وتدوينه بشكلٍ أكبر، بل استطاع الشيعة أن يقيموا المجالس العامّة لتعليم الحديث ـ كما في عهد الإمام الباقر(عليه السلام) ـ وصارت كتابة الحديث بمرور الزمان أمراً مشهوراً ورائجاً(2)، وأصبحت المكتوبات والمدوّنات الحديثية ذات شأن وأهمّية عند جميع المسلّمين، ومن خلالها عرف المسلّمون جميعاً مكانة أهل البيت(عليهم السلام) الخاصّة في مجال نقل الحديث عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والذي كان متروكاً ما يقارب (90) عاماً(3)، وبدأ الناس ـ خصوصاً العلماء منهم ـ بالرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام) لأخذ حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمعارف الدينية عنهم، ولينهلوا من منبع العلم والحكمة الصافي والعذب.
وكان يُعدّ سند حديثهما (عليهما السلام) إلى النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أحسن الأسانيد، وبلا شكّ فإنّ هذا الحال يختلف كثيراً عن الأوضاع في زمن الإمامين الحسنين والسجّاد(عليهم السلام)؛ لأنّ معظم الناس لم يكونوا مهتمّين بأخذ الحديث والعلم عنهم، بسبب إقصائهم عن الساحة الثقافية والعلمية في المجتمع الإسلامي من قبل الحكّام، الذين منعوا الناس من الرجوع إليهم(عليهم السلام).
ج) ظهور شبهات جديدة عجز عن حلّها علماء العامّة
تعرّف المسلّمون على ثقافات وحضارات البلاد التي فتحوها، مثل: حضارة الفرس، والروم، واليونان، وكان أهل هذه الحضارات قد برزوا في علومٍ عديدة، كالمنطق والفلسفة فظهرت لدى المسلّمين شبهات جديدة وأسئلة متعدّدة في مجالات مختلفة، ولم يستطع علماء العامّة الإجابة عنها، فرجع الكثير من الشخصيات العلمية في المجتمع الإسلامي ـ من أمثال زرارة بن أعين، وحمران بن أعين، وهشام بن الحكم(رحمهم الله) ـ إلى أهل البيت(عليهم السلام)؛ ليجدوا الجواب الشافي عندهم، فصاروا من علماء الشيعة فيما بعد، بل كان الملحدون أمثال ابن أبي العوجاء(4) يرجعون إلى الأئمّة(عليهم السلام) ليجدوا جواباً مقنعاً لشبهاتهم، فكان ذلك أحد العوامل التي أدّت إلى إيجاد الأرضية اللاّزمة لانتشار وازدهار الحديث عند الشيعة.
____________
(1)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
(2)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
(3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق.
(4)انظر: وسائل الشيعة للحرّ العاملي: ج26، ص93 و94.
[15]
*****
• المدخل
• المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
• المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة
أوّلاً: عصر الحضور
ثانياً: عصر الغيبة
[1]
*****
المدخل
يُعتبر الحديث الحاكي عن السنّة ـ والتي هي قول أو فعل أو تقرير المعصوم(1) ـ من أهمّ مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ويضمّ مجموعة هائلة من النصوص التشريعية المختلفة، وفي جميع مجالات الحياة المختلفة التي يُبتلى بها الإنسان، حيث يُعدّ الحديث مصدرًا مهمّاً للأحكام وأساساً راسخاً لبنى الإنسان العقائدية والفكرية، ومنهلاً يُنهل منه الأخلاق الرفيعة السامية.
من هنا تبرز أهمّية الحديث ودوره في حياة البشر، ولذا فقد عنيت به الاُمّة الإسلامية أيما اعتناء، فقد روى لنا أصحاب السِير والمؤرّخون والرواة والمحدّثون، الكثير من أقوال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)وأهل بيته(عليهم السلام)، رغم الحظر الشديد إبان فترة منع تدوين الحديث، حتّى بلغت مصنّفات الشيعة الإمامية خلال القرون الثلاثة الاُولى للهجرة حدود (6600) كتاب، أربعمئة كتاب منها سُمّيت بالاُصول الأربعمئة(2)، إضافة للكتب الحديثية الاُخرى.
حيث دوّنوا في هذه المجموعات الحديثية ما ورد عن الرسول والأئمّة(عليهم السلام) من الأحاديث في شتّى المجالات، فما تركوا شيئاً من أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم في كافّة شؤون الحياة المتنوّعة إلاّ وذكروها، ولم ينتهِ المطاف إلى هذا الحدّ، بل قام العلماء والمحدّثون بتأسيس قواعد تُسمّى بعلوم الحديث، تعني بشؤون الحديث عامّة، ومن ضمنها تاريخ الحديث الذي يبحث فيما مرّ على الحديث من أدوار ومراحل، منذ عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مرورًا بزمن الأئمّة المعصومين من بعده(عليهم السلام)، وانتهاءً بزمن الغيبة.
وبناءً على ما مرّ من مباحث، سيكون مورد بحثنا في تاريخ حديث الشيعة ضمن مبحثين:
المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
من أجل التعرّف على تاريخ الحديث عند الشيعة، لابدّ لنا أن نتعرّض في هذا الدرس إلى عدّة اُمور، وهي: تعريف تاريخ حديث الشيعة، وأهمّية وفوائد التعرّف على هذا الميراث الحديثي، وكذلك أهمّ الخصائص والمميّزات التي يتميّز بها تاريخ الحديث عند الشيعة.
____________
(1)انظر: الحبل المتين للبهائي: ص4.
(2)انظر: أعيان الشيعة لمحسن أمين: ج1، ص103.
[2]
*****
1ـ تعريف تاريخ حديث الشيعة
لا يخفى أهمّية الحديث عند الشيعة، حيث يُعتبر هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره(1)، وأنّ المعصوم عندنا يمثّل النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّة من أهل بيته(عليهم السلام)، کما ثبت ذلك في علم الکلام بالأدلّة العقلية والنقلية.
وقد انعكست هذه الأهمّية على تاريخ الحديث الشيعي الذي يؤكّد على بيان مراحل نشوء الحديث وتطوّره من أخبار المعصومين(عليهم السلام).
فيكون تعريف تاريخ الحديث هو: التعرّف على مراحل نشوء وتطوّر الحديث والعصور التي مرّ بها.
2 ـ أهمّية التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
إنّ النظرة السطحية للحديث عبارة عن قراءة الحديث وإدراك بعض مفاهيمه، ممّا يحرمنا في كثير من الأحيان من الفهم العميق للحديث، إذ إنّه في هذه الحالة لا يلتفت إلى الأرضية والظروف التي ألقى فيها المعصوم حديثه.
ولكنّ مطالعة آثار المعصومين(عليهم السلام) ـ بنظرة تاريخية معمّقة ـ تُعطي كلامهم وأفعالهم وتقريراتهم معنىً خاصّاً، وتبيّن لمحبّي وعشّاق آثار الأئمّة(عليهم السلام) مراحل ظهور وانتشار هذه الآثار، وبذلك فإنّ كثيراً من الأسئلة التي تُطرح حول تعارض أو تناقض الأحاديث، تجد لها جواباً مقنعاً ومناسباً في النظرة التاريخية للحديث.
ومن كلّ هذا يتبيّن لنا مدى أهمّية تاريخ نقل كلام أو فعل أو تقرير المعصومين(عليهم السلام)، والتي تُدرس في تاريخ حديث الشيعة.
3 ـ فوائد التعرّف على تاريخ حديث الشيعة
هناك عدّة فوائد يمكن تحصيلها من خلال التعرّف على تاريخ حديث الشيعة، وهي تمثّل دورًا هامّاً في المسيرة الثقافية والتربوية لحياة الإنسان، يمكن تلخيصها بما يلي:
أ) التعرّف على الثقافة السائدة في عصر الحديث
من أهمّ الفوائد هو التعرّف على أسباب صدور الحديث، والذي يمثّل دورًا أساسياً في فهم الحديث.
وبذلك يمكن فهم سبب تأكيد الإمام علي(عليه السلام) على الزهد والبعد عن الدنيا، وسبب تأكيد الإمام الصادق(عليه السلام) على المواعظ الاجتماعية في تعامله مع الصوفية.
وكذا يمكن فهم خلفية المناظرات العلمية للإمام الرضا، واحتجاجات الإمام المجتبى، والإمام الجواد،
____________
(1)نهاية الدراية لحسن الصدر: ص80
[3]
*****
والإمام الهادي(عليهم السلام)، وتتّضح لدينا المعاني الجميلة النورانية لهذه الأحاديث بشكلٍ أكبر.
ب) التعرّف على المدوّنات الحديثية في كلّ زمن
تُذكر المكتوبات والمدوّنات الحديثية في تاريخ الحديث بصورة مجملة، مع أنّها تُبحث في تاريخ تدوين الحديث بشكلٍ أكثر تفصيلاً.
ج) التعرّف على طرق التعليم
اهتمّ المعصومون(عليهم السلام) بنشر العلوم والثقافة الإسلامية، ولم تمنعهم الظروف الصعبة التي عاشوها، فكانت لهم أساليبهم المتمّيزة في التعليم.
د) التعرّف على مناهج المحدّثين
إهتمّ المحدّثون عبر القرون بنقل الأحاديث وتدوينها وتهذيبها وفق الاُصول المقرّرة في علم الحديث، كما اهتمّوا بشرحها ونقدها أحياناً، وانتهجوا في كلّ دورة منهاجاً خاصّاً في ذلك، بل قد يكون لبعضهم منهاج خاصّ للتعامل مع الأحاديث، فيمكن التعرّف على تلك المناهج في مجال البحث عن تاريخ الحديث.
ه) التعرّف على جهود المحدّثين في تنقيح علوم الحديث
أحسّ المحدّثون في بداية ظهور الحديث بالحاجة الماسّة إلى القواعد والاُصول التي تقيمّ الحديث وتميّز بين أنواعه، وكذا تقييم رجال السند ونقده وغير ذلك، فقرّروا قواعد لذلك وأسموها بعلوم الحديث، التي نشأت في جنب الحديث حيث اختصّت بها موسوعات ضخمة جدّاً. فما هو المبرّر لإبرازها وتوسيعها طيلة القرون والأعصار؟ هذا ما سيجيب عنه تاريخ الحديث.
4 ـ خصائص ومميّزات تاريخ حديث الشيعة
إنّ للحديث عند الشيعة هوية مستقلّة تمتدّ من عصر النبيّ إلى العصر الحالي، فمع أنّ فترة المنع عن تدوين الحديث التي استمرّت قرابة (90) عاماً، كانت فترة عصيبة وصعبة، ولكنّها لم تؤثّر في جانب الحديث الشيعي، إذ إنّ علماء ورواة الشيعة العظام بالتزام السرّية والخفاء استطاعوا أن يتناقلوا الميراث الحديثي بينهم، ممّا حفظ تواصله واستمراره على مدى العصور.
ويتميّز ميراث الحديث الشيعي بمميّزات وخصائص تجعل منه تراثاً راسخاً ومتيناً، ونذكر هنا بعضاً من هذه الممّيزات:
أ) التواصل مع المعصومين(عليهم السلام)
إنّ حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، هو الحجّة عند الشيعة دون غيره من الحديث، حتّى وإن كان الكلام محكياً عن أحد الصحابة العظام، فهو لا يعادل كلام المعصومين(عليهم السلام) بحالٍ من الأحوال.
[4]
*****
ويعتبر الشيعة حديث المعصومين(عليهم السلام) وديعة غالية، قد قرنها النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقرآن الكريم، حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(1).
لذا فحضور المعصومين(عليهم السلام) لمدّة (250) سنة إلى جانب حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ مدّة (23) عاماً ـ شكّل رصيداً قيّماً للشيعة.
ب) طرح الأحاديث بشكل مفصّّل
أدّى حضور المعصومين(عليهم السلام) إلى طرح كثير من المسائل بشكلٍ مفصّل وبكامل جزئياتها. وتصدّى الأئمّة(عليهم السلام) لتوضيح هذه المسائل بشكلٍ تامّ وكامل.
وقد كشف هذا الطرح المفصّل عن كثير من الجوانب الغامضة للعديد من الأحكام والمعارف الإلهيّة.
ج) طرح الأسئلة المستحدثة
إنّ عصر حضور المعصومين(عليهم السلام) ولفترة طويلة، ومعاصرته للتغيّرات الثقافية في المجتمع، التي منها دخول ثقافات جديدة: كالفارسية واليونانية والرومية إلى البلاد الإسلامية، أدّى إلى ظهور أسئلة وإشكالات جديدة تتطلّب أجوبة لا يمكن أن تتأتّى إلاّ من المعصومين(عليهم السلام)، فقاموا(عليهم السلام) بوضع جملة من الاُمور أهمّها:
• القواعد الأساسية التي حُلّت بواسطتها كثير من المعضلات والإشكالات المطروحة في ذلك العصر وما بعده، فكانت أجوبتهم تتناسب مع المستوى الثقافي للمجتمع.
• تربية جيل من الطلاّب لردّ الشبهات الجديدة وفق تلك القواعد والاُسس، مثل: هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق وغيرهم.
د) تطابق أحاديث المعصومين(عليهم السلام)
كان الأئمّة(عليهم السلام) المصداق الحقيقي لعبارة: «كلّهم نور واحد»، فكان كلامهم(عليهم السلام) يصبّ في مجرى واحد، ولا يوجد أيّ تناقض واختلاف فيه.
وما أجمل ما قاله الإمام الرضا(عليه السلام) في هذا الباب: «إنّا عن الله ورسوله نحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا»(2).
ه) اختلاف المستوى الثقافي بين عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعصر الأئمّة(عليهم السلام)
إنّ تغيّر المستوى الثقافي للمجتمع وظهور طبقة جديدة من الطلاّب والباحثين عن العلم، أدّى إلى
____________
(1)الاحتجاج للطبرسي: ج1، ص391؛ مسند أحمد لابن حنبل: ج4، ص371 نحوه.
(2)اختيار معرفة الرجال للطوسي: ج2، ص450، ح401.
[5
[5]
*****
وجود فارق كبير بين عصر ظهور الحديث وعصر الأئمّة.
ذلك أنّ معظم أصحاب النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان اهتمامهم بالجلوس عنده انجذاباً إلى شخصيته وتبرّكاً بوجوده الشريف، أكثر من اهتمامهم بأخذ العلم عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
و) الترويج لثقافة الكتابة
حثّ المعصومون(عليهم السلام) الناس منذ البداية على الكتابة، تطبيقاً لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): «قيّدوا العلم بالكتابة»(1)، فألّفوا كتباً، منها: كتاب الجفر، والصحيفة الجامعة للإمام علي(عليه السلام)، ورسالة الحقوق للإمام السّجاد(عليه السلام)، وكثير من المكتوبات والمخطوطات الاُخرى التي تُعدّ من تراث الشيعة المكتوب.
وقد دوّنت بعض عناوينه في فهارس مطوّلة، مثل:
• الفهرست للشيخ الطوسي.
فهرس أسماء مصنّفي الشيعة، المعروف برجال النجاشي.
المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة
مرّ الحديث الشيعي منذ ولادته في عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحتّى عصر الغيبة بعدّة مراحل، تمثّلت بالأزمنة التي كانت ظرفاً للحديث، وهي:
1 ـ عصر الحضور الذي تمثّل بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما رافقه من ولادة الحديث ونموّه وازدهاره في زمن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
2 ـ عصر الغيبة الصغرى والكبرى.
وبيان ذلك يكون في مبحثين، نتطرّق في المبحث الأوّل إلى زمن الحضور، وفي المبحث الثاني إلى زمن الغيبة الصغرى والكبرى.
أوّلاً: عصر الحضور
وهو العصر الذي بدأ بولادة الحديث من عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويمتّد إلى ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)، وهو عصر تثبيت قواعد الحديث وترسيخها، ويمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الاُولى: عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عصر الصادقَين (عليهما السلام)
تعتبر هذه المرحلة من المراحل المهمّة في تاريخ الحديث الشيعي، وهي عصر نشوء الحديث ونموه، والذي يبدأ بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
____________
(1)السرائر لابن إدريس الحلّي: ج1، ص44؛ تفسير القرطبي: ج11، ص206 .
[6]
*****
فتكون هي اللبنة الاُولى للحديث الشيعي، مع ما جرى فيها من مشاكل وصعوبات، فإنّها تبقى هي الأساس المتين للميراث الحديثي الشيعي.
عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
إنّ البيئة الصحراوية لأرض الحجاز جعلت أهلها منفصلىن وبعيدين عن الثقافات والمجتمعات الاُخرى، وكذا عن المعارف الإلهيّة الموجودة في ذلك العصر.
ولاشكّ في أنّ مجيء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدين الإسلامي في هكذا عصر وبهذه المواصفات، يعكس لنا تلك الشخصية الفذّة، حيث استطاع(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينتشل هذا المجتمع من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، بأخلاقه العظيمة وحنكته العالية، فاستحوذ على قلوب أكثرهم ليهديهم إلى الطريق القويم، كما صوّر ذلك القرآن بقوله تعالى: {وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(1).
الميراث الحديثي للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
إنّ نزول القرآن على النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مدعاة لاجتماع الناس حوله، فكلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُعتبر اللبنة الاُولى للحديث والتحديث.
وكان النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشجّع على نشر ثقافة الحديث والتحديث، إمّا عبر المجالس العامّة أو الخاصّة مع بعض الصحابة، أو عبر إلقائه تلك الخطب الخالدة التي وردت في عدّة مناسبات، أو عبر إملائه الحديث لبعض الصحابة.
ونظراً لضرورة تغيير الثقافة الجاهلية إلى الثقافة الإسلامية، برزت الأحاديث الأخلاقية في تلك الفترة بشكلٍ واضح.
ومن جهةٍ اُخرى تطلّب تأسيس الحكومة الإسلامية سنّ القوانين والقواعد الفقهية، وتواجد الأحاديث الفقهية بالشكل المطلوب.
لذا يمكن اعتبار الأحاديث الأخلاقية والفقهية والقواعد الحقوقية، الركن الأساسي لميراثه الحديثي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إنّ أكثر أحاديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجوامع الحديثية الشيعية قد نُقلت عن الإمام علي(عليه السلام) وسائر الأئمّة(عليهم السلام).
____________
(1)آل عمران: 159.
[7]
*****
عصر فاطمة الزهراء (عليها السلام)
إنّ شخصية السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) المتميّزة، ونشأتها في كنف أعظم المخلوقات وأكرمها وهو النبي محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ زواجها بالإمام علي(عليه السلام)، يبيّن لنا بوضوح مكانتها الخاصّة في العلوم والمعارف الإسلامية.
الميراث الحديثي للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
أدّى قصر عمرها (عليها السلام)، والحوادث والمصائب التي لاقتها بعد رحيل النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى قلّة ميراثها الحديثي. ويمكن تقسيم الموروث الحديثي لها (عليها السلام) إلى قسمين:
1 ـ ما روته عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
فقد ورد في كتب السنّة والشيعة بعض الروايات الواردة عنها (عليها السلام)، رغم قصر الفترة التي عاشتها مع النبي الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويشير لقب المحدّثة إلى الميزة التي اختصّت بها الزهراء (عليها السلام) في تعلّم المعارف الإلهيّة من منبع الوحي الأصيل.
2 ـ خطبها (عليها السلام)
ومن أشهر ما نُقل من خُطبها في المسجد النبويّ وفي بيتها (عليها السلام) هي الخطبة الفَدكية، لما لها من أهمّية خاصّة؛ حيث تميّزت بتبيين بعض المعارف السامية والقيّمة، وكونها اُُلقيت في ظرف مهمّ وحسّاس، وكونها في غاية الفصاحة والبلاغة.
عصر الإمام علي(عليه السلام)
يعتبر الإمام علي(عليه السلام) الإمام الأوّل والمعصوم الثاني عند الشيعة، وهو أيضاً صاحب المنزلة الخاصّة التي تميّز بها عن بقية الصحابة بالنسبة لحديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فقد تربّى الإمام علي(عليه السلام) في حجر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ ولادته، وأمضى طفولته تحت رعايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان أوّل القوم إسلاماً، وهو تلميذ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخاصّ، حيث كانت له ساعات مخصوصة يتعلّم فيها من النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
من مميّزاته الاُخرى، هي: تدوين الكثير من كلام النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، رغم الفتن والأحداث المريرة التي جرت في زمانه(عليه السلام) وفور استلامه الحكم، واتّخاذه تلك القرارت الصادحة بعزل ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة، وإعلانه المساواة العادلة بين جميع الشعوب الإسلامية، وهذا ما يتنافى مع مطامع أصحاب النفوذ والجاه من القبائل، حتّى أجمعوا أمرهم على العصيان، وحدث ما حدث من حروب ونزاعات الغاية منها الإطاحة بحكومته(عليه السلام).
الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام)
إنّ ملازمة الإمام علي(عليه السلام) للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ (10) سنوات قبل البعثة و(23) سنة بعدها ـ ومرافقته له(صلّى الله عليه وآله وسلّم)
[8]
*****
بصورةٍ خاصّة، جعلت الإمام علي(عليه السلام) حاملاً لكنز عظيم من المعارف والعلوم إلى الأجيال القادمة(عليه السلام)، فقد تتلمّذ على يده الكثير من طلاّب العلوم والمعارف الدينية، وكان من أبرز طلاّبه وتلاميذه(عليه السلام) في مجال الحديث: أبو رافع، عبد الله بن عبّاس، سليم بن قيس، الحارث بن الأعور(رحمهم الله).
ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام) إلى عدّة أقسام:
1 ـ المجموعات الحديثية:
توجد هناك ثلاث مجموعات حديثية مأثورة عنه(عليه السلام)، وهي:
كتاب علي(عليه السلام)
هو مجموعة كبيرة من الأحاديث (صحيفة بطول سبعين ذراعاً)، من إملاء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وهو من ودائع الإمامة، وقد عرضه وقرأ منه الأئمّة(عليهم السلام) على بعض الخواصّ من أصحابهم(1).
كتاب الجفر
وهو كتاب كُتب على جلد الجفر، أي جلد ثور أو شاة، وهو من إملاء النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وعلى ذلك تضافرت الروايات عند الشيعة، وذكره السُنّة في بعض كتبهم(2).
مصحف الإمام علي(عليه السلام)
هو الذي يتضمّن التفسير وبعض المواضيع حول القرآن الكريم، وهو عند الأئمّة(عليهم السلام)(3).
2 ـ مروّيات الإمام علي(عليه السلام)
وردت عن الإمام علي(عليه السلام) أحاديث وروايات عديدة أكثرها في أواخر عهد عثمان وما بعده، وخصوصاً في عصر خلافته(عليه السلام)، وقد ورد بعضها في نهج البلاغة، وكانت متنوّعة وبعدّة أقسام، نذكر بعضاً منها:
أ) الخُطب
وهي أشهر قسم من أقسام كلامه(عليه السلام)، حيث لُقّب بإمام الخطباء، وتُعدّ خطبه التوحيدية الكثيرة والمواعظ الأخلاقية أحد أسباب اشتهار وانتشار كتاب نهج البلاغة.
____________
(1)انظر: بصائر الدرجات: ص167 ـ 170.
(2)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج3، ص240؛ مكاتيب الرسول: ج2، ص12.
(3)انظر: في رحاب الشيعة: ص63؛ الخدعة رحلتي من السُنّة إلى الشيعة للورداني: ص196.
[9]
*****
ب) الرسائل
هذه المجموعة من الروايات ـ خصوصاً الرسائل أو الكتب التي أرسلها(عليه السلام) إلى عمّاله ـ ترسم لنا أبعاد الحكومة العلويّة، وتبيّن الأركان والمباني الأساسية للسياسة والاقتصاد والثقافة عند الإمام علي(عليه السلام).
ويمكن اعتبار رسالته المشهورة إلى مالك الأشتر ميثاقاً للحكومة الإسلامية على مدى العصور.
ج) الحِكم والمواعظ
تعتبر وصاياه(عليه السلام) للناس من الأحاديث القيّمة جدّاً، وخاصّة وصيّته لأبنائه الحسن والحسين (عليهما السلام)(1)، ورسالته الطويلة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)(2).
د) قضاؤه(عليه السلام)
إنّ اُسلوب الإمام علي(عليه السلام) الراقي والمتميّز في القضاء شهد له الموافق والمخالف، وقد اعتنى به الفقهاء أيما اعتناء، فذكروا مواقف كثيرة لقضائه(عليه السلام) في كتبهم الفقهية.
ه) الأدعية والمناجاة
إنّ الأدعية والمناجاة المأثورة عن الإمام علي(عليه السلام) كثيرة جدّاً، منها دعاء ليلة الجمعة المعروف بدعاء كميل.
و) الأشعار
نُسب إليه(عليه السلام) حوالي خمسمئة قصيدة، ومع أنّه قد شُكّك في هذه النسبة من حيث العدد، إلاّ أنّ نسبة بعض الأشعار إليه(عليه السلام) ثابتة قطعاً، وقد ذُكرت في كتب ومؤلّفات شأنها الاهتمام بالأشعار والموسوعات الشعرية، مثل كتاب أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول الذي أعدّه قطب الدين محمّد البيهقي الكيدري(3).
عصر الإمامين الحسنين (عليهما السلام)
بعد استشهاد الإمام علي(عليه السلام)، وبسط معاوية نفوذه في جميع المناطق الإسلامية، قلّ تواصل الناس مع الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ورجوعهم إليهما في اُمور دينهم ودنياهم بعد أن استخدم معاوية في عصر الإمام الحسن(عليه السلام) ـ ومن جاء من بعده في عصر الإمام الحسين(عليه السلام) ـ أساليب قذرة في استمالة الناس وحرفهم عن خطّ أهل البيت(عليهم السلام).
____________
(1)انظر: نهج البلاغة: الكتاب 47.
(2)المصدر السابق: الكتاب 31.
(3)انظر: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنّة والتاريخ للريشهري: ج10، ص292.
[10]
*****
الميراث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)
بمراجعة رسائل معاوية إلى عمّاله نجده قد أمر بوضع أحاديث في فضائل الصحابة، أمثال عثمان بن عفّان وغيره، ومنعَ الحديث عن فضائل الإمام علي وسائر أهل البيت(عليهم السلام)، بل ومعاقبة مَن يُحدّث بفضائلهم(1).
من جهةٍ اُخرى، عمل معاوية على اغتيال الشخصيات الشيعيّة المهمّة، ومنع قبول شهادة الشيعي عند القاضي، وحرَمَ الشيعة أيضاً من أموال بيت مال المسلّمين.
ولاشكّ أنّ إعلام بني اُُميّة ودعاياتهم المغرضة، وتشديد حكومتهم وتأكيدها على عدم الارتباط بهذين الإمامين العظيمين، كان له الأثر الكبير في قطع الناس ارتباطهم بهما (عليهما السلام)، حتّى لو كان مجرّد نقل الحديث، ولهذا السبب لم يصلنا عنهما (عليهما السلام) إلاّ القليل من الروايات.
ولم تنقل كتب أهل السنّة المشهورة عنهما أحاديث ولو بعدد أصابع اليد، فصحيح البخاري وصحيح مسلّم لم يرويا ولو حديثاً واحداً عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسنداً عن طريقهما.
ووصل إلينا من كلامهما (عليهما السلام) مواعظ أخلاقية(2)، اُلقيت في مجالس خاصّة، وقد ورد عنهما (عليهما السلام) عدد يسير من الأحاديث الفقهية أيضاً.
وقد ذُكرت عن الإمام الحسن(عليه السلام) بعض المناظرات والاحتجاجات مع أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، كما وردت بعض الأدعية عن الإمام الحسين(عليه السلام)، منها: «دعاء عرفة» ذو المضامين الرفيعة العالية.
وتُعتبر فترة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) (6) اشهر، فترة ذات طابع خاصّ في تاريخ الحديث، فقد نُقل عن الإمام الحسين(عليه السلام) أحاديث في قمّة الحماس والعظمة والحبّ والإخلاص.
عصر الإمام السجّاد(عليه السلام)
يُعتبر عصر الإمام السجّاد(عليه السلام) من أصعب الأوقات التي مرّت على الأئمّة(عليهم السلام)، فعلاوة على واقعة عاشوراء الأليمة، وما تخلّلها من أسر ودائع النبوّة والإمامة(عليهم السلام) كانت هناك أحداث اُخرى لها وقعها الشديد على الإمام(عليه السلام)، وهي: فتنة عبد الله بن الزبير، وواقعة الحرّة، والقتل الجماعي للمسلّمين في المدينة، والهجوم على مكّة وتخريب الكعبة، وتولّي ابن زياد والحجّاج، اللذان يُعدّان من أكبر السفّاحين والسفّاكين للدماء في عهد بني اُميّة.
الموروث الحديثي للإمام السجّاد(عليه السلام)
بالنظر لعدّة عوامل، منها: الأوضاع الناتجة عن شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)، مدّة إمامة الإمام السجاد(عليه السلام)
____________
(1)انظر: الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص15؛ العمدة لابن البطريق: ص449.
(2)انظر: تحف العقول: ص225 ـ 249.
[11]
*****
الطويلة، معاصرته(عليه السلام) لعصر التابعين، وظهور أجيال متعلّمة في ذلك العصر، وتولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة في المدينة؛ استطاعَ الإمام السجّاد(عليه السلام) أن ينشر الثقافة الإسلامية الأصيلة، وأن يؤسّس المدرسة الثقافية العلمية الشيعية الكبيرة في عصره، والتي ازدهرت في عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، ووصلت إلى أوج ازدهارها في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
فظهرت علوم مثل: الفقه، والمعارف الإسلامية، والتفسير عند الشيعة من خلال هذه المدرسة، وقد أدّى هذا الأمر الى أن يكون الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام)، أكثر من الموروث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).
ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ الدعاء
استخدم الإمام السجّاد في دعائه اُسلوباً لطيفاً مثيراً للأحاسيس والعواطف، ومعظم النصوص الواردة عنه هي من هذا الباب.
2 ـ المواعظ الأخلاقية والاجتماعية
تشير بعض المرويات إلى أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام) ألقى بعض المواعظ في المسجد النبويّ الشريف بشكلٍ رسمي في الأوقات والفرص المناسبة، وتُعرف أهمية مواعظه(عليه السلام) في ذلك الوقت بالنظر الى أوضاع المدينة المنوّرة التي تحوّلت ـ بسبب السلطة ذات الفساد المزمن لحكومة معاوية وغيره من بني اُمية ـ إلى مركز من مراكز اللهو واللعب، واشتهرت بكونها مركزاً للغناء.
3 ـ الموروث الحديثي المكتوب
كان لهذا الموروث الحديثي الأثر الكبير على حياة البشر كافّة وعلى مرّ العصور والأجيال، فكان دستوراً ونبراساً لهم في حياتهم العلمية والعملية، ويمكن تقسيم هذا الموروث الحديثي المكتوب إلى ثلاثة أقسام:
أ) الصحيفة السجّادية
وهي مجموعة من الأدعية والمناجاة المشهورة التي أنشأها الإمام السجّاد(عليهم السلام)، وتضمّ (75) دعاءً، إلاّ أنّ الذي وصلَ إلينا منها (54) دعاءً فقط(1).
ب) رسالة الحقوق
وهي أشهر تراث حديثي مأثور عن الإمام السجّاد(عليه السلام)، وقد ذكر(عليه السلام) فيها خمسين حقّاً(2).
____________
(1)انظر: فتح الأبواب لابن طاووس: ص76.
(2)انظر: تحف العقول: ص255 ـ 272.
[12]
*****
ج) رسالة الزهد
انتشرت هذه الرسالة في زمن الإمام السجّاد(عليه السلام)، فقد رواها أبو حمزة الثمالي في سفره إلى اليمن، وعرضها على الإمام السجّاد(عليه السلام)، فصدّق ما فيها وأكّد نسبتها إليه.
المرحلة الثانية: عصر الصادقَين (عليهما السلام)
إنّ لعصر الصادقَين (عليهما السلام) مكانة خاصّة وميزة مرموقة في تاريخ الحديث عند الشيعة. وقد بدأ هذا العصر عام (94ه) وانتهى عام (148ه)، وهي مدّة إمامتهما (عليهما السلام)، حيث تولّى الإمام الباقر(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام زين العابدين(عليه السلام) عام (94ه) على ما هو المشهور، وتولّى الإمام الصادق(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة الإمام الباقر(عليه السلام) عام (114ه)، حتىّ شهادته على يد المنصور الدوانيقي عام (148ه)(1).
وتُعتبر الفترة من عام (100ه إلى عام 140ه) العصر الذهبي للحديث عند الشيعة(2)، إذ إنّ الأوضاع والظروف الاستثنائية لتلك الفترة مكّنت الصادقين (عليهما السلام) من القيام بإنجازات عظيمة، كنشر الحديث وتعليمه، وتربية جملة من الفقهاء، وغيرها من الإنجازات التي سوف نتعرّف عليها من خلال هذا الدرس.
ونظراً لأهمّية هذا العصر في تاريخ الحديث عند الشيعة فسوف نتحدّث عنه بشيءٍ من التفصيل. فنتناول العوامل التي ساعدت على انتشار الحديث عند الشيعة في عصرهما (عليهما السلام) مروراً بإنجازاتهما (عليهما السلام) في مجال الحديث، ثمّ دورهم في مواجهة ظاهرة وضع الحديث من قِبل الغلاة، وأخيراً نتعرّض لحجم وطبيعة التراث الحديثي الذي تركاه لنا (عليهما السلام).
1 ـ العوامل التي ساهمت في ازدهار الحديث في عصر الصادقين (عليهما السلام):
أ) الأوضاع السياسية الملائمة.
كان للأوضاع السياسية في عصر الصادقَين (عليهما السلام) تأثير كبير في انتشار الحديث عند الشيعة، ويمكن إجمال الأوضاع السياسية في عصرهما (عليهما السلام) بما يلي:
• هلاك الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ والي البصرة والكوفة ـ في عام (95ه)(3)، وكان مشهوراً بسفكه للدماء(4)، وكان من أشدّ أعداء شيعة الإمام علي(عليه السلام)، وصار الشيعة من بعد موته في
____________
(1)انظر: تهذيب الأحكام للطوسي: ج10، ص53.
(2)انظر: روضة الطالبين للنووي: ج1، ص12؛ الإمام الصادق علم وعقيدة لرمضان لاوند: ص167.
(3)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج2، ص53.
(4)انظر: الأعلام للزركلي: ج2، ص95 و168؛ المعارف لابن قتيبة: ص356.
[13]
*****
راحة(1).
• تولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة عام (99ه)(2)، وقد أثّر في فترة حكومته على المجتمع الإسلامي بشكلٍ كبير، فقد كان يعتقد بجواز تدوين الحديث بل وبضرورته(3)، ومنعَ سبّ الإمام علي(عليه السلام)(4).
• الثورات الزيدية المتلاحقة، التي كان لها دور في حفظ الإمامين الصادقَين (عليهما السلام) من التعدّي والتهجّم عليهما.
• إنّ السُنن الإلهيّة تقتضي أن تمرّ الأنظمة السياسية والاجتماعية بمراحل كالتي يمرّ بها الإنسان، مثل: مرورها بمرحلة الطفولة، ثُمّ الشباب، ثمّ تصير إلى الشيخوخة وتقترب من أجلها وتنهار، كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}(5).
وقد خضعت الدولة الأموية لهذه السُنن، فاقتربت في ذلك العصر من شيخوختها وأجلها، حيث استطاع العبّاسيّون بعد عدّة معارك القضاء على تلك الدولة في عام (132ه)، فانقرضت دولة بني أميّة واستولى العبّاسيّون على الحكم، وقد أمضى أبو العبّاس السفاح السنوات الأربع(6) من حكمه في ملاحقة وتتبّع مَن بقي من فلول الأمويين والتخلّص منهم.
ممّا ذكرنا يتّضح لنا أنّ الحكومة المركزية في عصرهما (عليهما السلام)، لم تعدّ تملك السلطة القويّة التي كانت تملكها سابقاً، لذا كان عصرهما (عليهما السلام) أفضل فترة لنشر الحديث والمعارف الإسلامية.
ب) الإقبال على أخذ الحديث من أهل البيت(عليهم السلام)
نتيجة لصدور أمر منع تدوين الحديث في عهد الخليفة الثاني رسمياً(7)، اختفت ظاهرة كتابة وتدوين الحديث في حياة المسلّمين عموماً، وكانت تتمّ بشكلٍ خفيّ، واستمرّ الأمر على ذلك الحال حتّى أصدر عمر بن عبد العزيز أمره بكتابة الحديث وجمعه وتدوينه(8)، وأكّد في رسائله إلى
____________
(1)انظر: الكشكول المبوّب لحسين الشاكري: ص73.
(2)انظر: وفيان الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج2، ص539.
(3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق؛ الجامع للشرائع للحلّي: ص6 مقدّمة المحقّق.
(4)انظر: إلزام النواصب لمفلح بن راشد: ص220؛ السلفية بين أهل السنّة والإمامية لمحمّد الكثيري: ص212.
(5)يونس: 49.
(6)انظر: مستدركات أعيان الشيعة: ج1، ص73؛ شجرة طوبى لمحمّد مهدي الحائري: ج1، ص140.
(7)نظر: جهاد الإمام السجّاد(عليه السلام) للجلالي: ص82.
(8)انظر: مطارحات في الفكر والعقيدة: ص161؛ عمدة القارئ للعيني: ص129
[14]
*****
علماء المدينة(1) على جمع الحديث وتدوين سنّة النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن صارت منسيّة؛ بسبب عدم تدوينها والاعتناء بجمعها، وبالطبع كان هذا الأمر ناقضاً لأمر الخليفة الثاني، وهو ما جعل علماء المدينة، مكرهين على قبوله وتنفيذه خصوصاً في بداية الأمر.
وعليه تهيّأت الأجواء للشيعة لكتابة الحديث وتدوينه بشكلٍ أكبر، بل استطاع الشيعة أن يقيموا المجالس العامّة لتعليم الحديث ـ كما في عهد الإمام الباقر(عليه السلام) ـ وصارت كتابة الحديث بمرور الزمان أمراً مشهوراً ورائجاً(2)، وأصبحت المكتوبات والمدوّنات الحديثية ذات شأن وأهمّية عند جميع المسلّمين، ومن خلالها عرف المسلّمون جميعاً مكانة أهل البيت(عليهم السلام) الخاصّة في مجال نقل الحديث عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والذي كان متروكاً ما يقارب (90) عاماً(3)، وبدأ الناس ـ خصوصاً العلماء منهم ـ بالرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام) لأخذ حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمعارف الدينية عنهم، ولينهلوا من منبع العلم والحكمة الصافي والعذب.
وكان يُعدّ سند حديثهما (عليهما السلام) إلى النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أحسن الأسانيد، وبلا شكّ فإنّ هذا الحال يختلف كثيراً عن الأوضاع في زمن الإمامين الحسنين والسجّاد(عليهم السلام)؛ لأنّ معظم الناس لم يكونوا مهتمّين بأخذ الحديث والعلم عنهم، بسبب إقصائهم عن الساحة الثقافية والعلمية في المجتمع الإسلامي من قبل الحكّام، الذين منعوا الناس من الرجوع إليهم(عليهم السلام).
ج) ظهور شبهات جديدة عجز عن حلّها علماء العامّة
تعرّف المسلّمون على ثقافات وحضارات البلاد التي فتحوها، مثل: حضارة الفرس، والروم، واليونان، وكان أهل هذه الحضارات قد برزوا في علومٍ عديدة، كالمنطق والفلسفة فظهرت لدى المسلّمين شبهات جديدة وأسئلة متعدّدة في مجالات مختلفة، ولم يستطع علماء العامّة الإجابة عنها، فرجع الكثير من الشخصيات العلمية في المجتمع الإسلامي ـ من أمثال زرارة بن أعين، وحمران بن أعين، وهشام بن الحكم(رحمهم الله) ـ إلى أهل البيت(عليهم السلام)؛ ليجدوا الجواب الشافي عندهم، فصاروا من علماء الشيعة فيما بعد، بل كان الملحدون أمثال ابن أبي العوجاء(4) يرجعون إلى الأئمّة(عليهم السلام) ليجدوا جواباً مقنعاً لشبهاتهم، فكان ذلك أحد العوامل التي أدّت إلى إيجاد الأرضية اللاّزمة لانتشار وازدهار الحديث عند الشيعة.
____________
(1)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
(2)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
(3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق.
(4)انظر: وسائل الشيعة للحرّ العاملي: ج26، ص93 و94.
[15]
*****


تعليق