إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تاريخ الحديث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تاريخ الحديث

    تاريخ الحديث



    • المدخل

    • المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة

    • المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة

    أوّلاً: عصر الحضور
    ثانياً: عصر الغيبة


    [1]
    *****





    المدخل



    يُعتبر الحديث الحاكي عن السنّة ـ والتي هي قول أو فعل أو تقرير المعصوم(1) ـ من أهمّ مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ويضمّ مجموعة هائلة من النصوص التشريعية المختلفة، وفي جميع مجالات الحياة المختلفة التي يُبتلى بها الإنسان، حيث يُعدّ الحديث مصدرًا مهمّاً للأحكام وأساساً راسخاً لبنى الإنسان العقائدية والفكرية، ومنهلاً يُنهل منه الأخلاق الرفيعة السامية.

    من هنا تبرز أهمّية الحديث ودوره في حياة البشر، ولذا فقد عنيت به الاُمّة الإسلامية أيما اعتناء، فقد روى لنا أصحاب السِير والمؤرّخون والرواة والمحدّثون، الكثير من أقوال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)وأهل بيته(عليهم السلام)، رغم الحظر الشديد إبان فترة منع تدوين الحديث، حتّى بلغت مصنّفات الشيعة الإمامية خلال القرون الثلاثة الاُولى للهجرة حدود (6600) كتاب، أربعمئة كتاب منها سُمّيت بالاُصول الأربعمئة(2)، إضافة للكتب الحديثية الاُخرى.

    حيث دوّنوا في هذه المجموعات الحديثية ما ورد عن الرسول والأئمّة(عليهم السلام) من الأحاديث في شتّى المجالات، فما تركوا شيئاً من أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم في كافّة شؤون الحياة المتنوّعة إلاّ وذكروها، ولم ينتهِ المطاف إلى هذا الحدّ، بل قام العلماء والمحدّثون بتأسيس قواعد تُسمّى بعلوم الحديث، تعني بشؤون الحديث عامّة، ومن ضمنها تاريخ الحديث الذي يبحث فيما مرّ على الحديث من أدوار ومراحل، منذ عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مرورًا بزمن الأئمّة المعصومين من بعده(عليهم السلام)، وانتهاءً بزمن الغيبة.

    وبناءً على ما مرّ من مباحث، سيكون مورد بحثنا في تاريخ حديث الشيعة ضمن مبحثين:


    المبحث الأوّل: التعرّف على تاريخ حديث الشيعة



    من أجل التعرّف على تاريخ الحديث عند الشيعة، لابدّ لنا أن نتعرّض في هذا الدرس إلى عدّة اُمور، وهي: تعريف تاريخ حديث الشيعة، وأهمّية وفوائد التعرّف على هذا الميراث الحديثي، وكذلك أهمّ الخصائص والمميّزات التي يتميّز بها تاريخ الحديث عند الشيعة.



    ____________
    (1)انظر: الحبل المتين للبهائي: ص4.
    (2)انظر: أعيان الشيعة لمحسن أمين: ج1، ص103.


    [2]
    *****





    1ـ تعريف تاريخ حديث الشيعة

    لا يخفى أهمّية الحديث عند الشيعة، حيث يُعتبر هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره(1)، وأنّ المعصوم عندنا يمثّل النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّة من أهل بيته(عليهم السلام)، کما ثبت ذلك في علم الکلام بالأدلّة العقلية والنقلية.

    وقد انعكست هذه الأهمّية على تاريخ الحديث الشيعي الذي يؤكّد على بيان مراحل نشوء الحديث وتطوّره من أخبار المعصومين(عليهم السلام).

    فيكون تعريف تاريخ الحديث هو: التعرّف على مراحل نشوء وتطوّر الحديث والعصور التي مرّ بها.

    2 ـ أهمّية التعرّف على تاريخ حديث الشيعة

    إنّ النظرة السطحية للحديث عبارة عن قراءة الحديث وإدراك بعض مفاهيمه، ممّا يحرمنا في كثير من الأحيان من الفهم العميق للحديث، إذ إنّه في هذه الحالة لا يلتفت إلى الأرضية والظروف التي ألقى فيها المعصوم حديثه.

    ولكنّ مطالعة آثار المعصومين(عليهم السلام) ـ بنظرة تاريخية معمّقة ـ تُعطي كلامهم وأفعالهم وتقريراتهم معنىً خاصّاً، وتبيّن لمحبّي وعشّاق آثار الأئمّة(عليهم السلام) مراحل ظهور وانتشار هذه الآثار، وبذلك فإنّ كثيراً من الأسئلة التي تُطرح حول تعارض أو تناقض الأحاديث، تجد لها جواباً مقنعاً ومناسباً في النظرة التاريخية للحديث.

    ومن كلّ هذا يتبيّن لنا مدى أهمّية تاريخ نقل كلام أو فعل أو تقرير المعصومين(عليهم السلام)، والتي تُدرس في تاريخ حديث الشيعة.

    3 ـ فوائد التعرّف على تاريخ حديث الشيعة

    هناك عدّة فوائد يمكن تحصيلها من خلال التعرّف على تاريخ حديث الشيعة، وهي تمثّل دورًا هامّاً في المسيرة الثقافية والتربوية لحياة الإنسان، يمكن تلخيصها بما يلي:

    أ) التعرّف على الثقافة السائدة في عصر الحديث

    من أهمّ الفوائد هو التعرّف على أسباب صدور الحديث، والذي يمثّل دورًا أساسياً في فهم الحديث.

    وبذلك يمكن فهم سبب تأكيد الإمام علي(عليه السلام) على الزهد والبعد عن الدنيا، وسبب تأكيد الإمام الصادق(عليه السلام) على المواعظ الاجتماعية في تعامله مع الصوفية.

    وكذا يمكن فهم خلفية المناظرات العلمية للإمام الرضا، واحتجاجات الإمام المجتبى، والإمام الجواد،



    ____________
    (1)نهاية الدراية لحسن الصدر: ص80


    [3]
    *****





    والإمام الهادي(عليهم السلام)، وتتّضح لدينا المعاني الجميلة النورانية لهذه الأحاديث بشكلٍ أكبر.

    ب) التعرّف على المدوّنات الحديثية في كلّ زمن

    تُذكر المكتوبات والمدوّنات الحديثية في تاريخ الحديث بصورة مجملة، مع أنّها تُبحث في تاريخ تدوين الحديث بشكلٍ أكثر تفصيلاً.

    ج) التعرّف على طرق التعليم

    اهتمّ المعصومون(عليهم السلام) بنشر العلوم والثقافة الإسلامية، ولم تمنعهم الظروف الصعبة التي عاشوها، فكانت لهم أساليبهم المتمّيزة في التعليم.

    د) التعرّف على مناهج المحدّثين

    إهتمّ المحدّثون عبر القرون بنقل الأحاديث وتدوينها وتهذيبها وفق الاُصول المقرّرة في علم الحديث، كما اهتمّوا بشرحها ونقدها أحياناً، وانتهجوا في كلّ دورة منهاجاً خاصّاً في ذلك، بل قد يكون لبعضهم منهاج خاصّ للتعامل مع الأحاديث، فيمكن التعرّف على تلك المناهج في مجال البحث عن تاريخ الحديث.

    ه) التعرّف على جهود المحدّثين في تنقيح علوم الحديث

    أحسّ المحدّثون في بداية ظهور الحديث بالحاجة الماسّة إلى القواعد والاُصول التي تقيمّ الحديث وتميّز بين أنواعه، وكذا تقييم رجال السند ونقده وغير ذلك، فقرّروا قواعد لذلك وأسموها بعلوم الحديث، التي نشأت في جنب الحديث حيث اختصّت بها موسوعات ضخمة جدّاً. فما هو المبرّر لإبرازها وتوسيعها طيلة القرون والأعصار؟ هذا ما سيجيب عنه تاريخ الحديث.

    4 ـ خصائص ومميّزات تاريخ حديث الشيعة

    إنّ للحديث عند الشيعة هوية مستقلّة تمتدّ من عصر النبيّ إلى العصر الحالي، فمع أنّ فترة المنع عن تدوين الحديث التي استمرّت قرابة (90) عاماً، كانت فترة عصيبة وصعبة، ولكنّها لم تؤثّر في جانب الحديث الشيعي، إذ إنّ علماء ورواة الشيعة العظام بالتزام السرّية والخفاء استطاعوا أن يتناقلوا الميراث الحديثي بينهم، ممّا حفظ تواصله واستمراره على مدى العصور.

    ويتميّز ميراث الحديث الشيعي بمميّزات وخصائص تجعل منه تراثاً راسخاً ومتيناً، ونذكر هنا بعضاً من هذه الممّيزات:

    أ) التواصل مع المعصومين(عليهم السلام)

    إنّ حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، هو الحجّة عند الشيعة دون غيره من الحديث، حتّى وإن كان الكلام محكياً عن أحد الصحابة العظام، فهو لا يعادل كلام المعصومين(عليهم السلام) بحالٍ من الأحوال.


    [4]
    *****





    ويعتبر الشيعة حديث المعصومين(عليهم السلام) وديعة غالية، قد قرنها النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالقرآن الكريم، حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(1).

    لذا فحضور المعصومين(عليهم السلام) لمدّة (250) سنة إلى جانب حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ مدّة (23) عاماً ـ شكّل رصيداً قيّماً للشيعة.

    ب) طرح الأحاديث بشكل مفصّّل

    أدّى حضور المعصومين(عليهم السلام) إلى طرح كثير من المسائل بشكلٍ مفصّل وبكامل جزئياتها. وتصدّى الأئمّة(عليهم السلام) لتوضيح هذه المسائل بشكلٍ تامّ وكامل.

    وقد كشف هذا الطرح المفصّل عن كثير من الجوانب الغامضة للعديد من الأحكام والمعارف الإلهيّة.

    ج) طرح الأسئلة المستحدثة

    إنّ عصر حضور المعصومين(عليهم السلام) ولفترة طويلة، ومعاصرته للتغيّرات الثقافية في المجتمع، التي منها دخول ثقافات جديدة: كالفارسية واليونانية والرومية إلى البلاد الإسلامية، أدّى إلى ظهور أسئلة وإشكالات جديدة تتطلّب أجوبة لا يمكن أن تتأتّى إلاّ من المعصومين(عليهم السلام)، فقاموا(عليهم السلام) بوضع جملة من الاُمور أهمّها:

    • القواعد الأساسية التي حُلّت بواسطتها كثير من المعضلات والإشكالات المطروحة في ذلك العصر وما بعده، فكانت أجوبتهم تتناسب مع المستوى الثقافي للمجتمع.
    • تربية جيل من الطلاّب لردّ الشبهات الجديدة وفق تلك القواعد والاُسس، مثل: هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق وغيرهم.

    د) تطابق أحاديث المعصومين(عليهم السلام)

    كان الأئمّة(عليهم السلام) المصداق الحقيقي لعبارة: «كلّهم نور واحد»، فكان كلامهم(عليهم السلام) يصبّ في مجرى واحد، ولا يوجد أيّ تناقض واختلاف فيه.

    وما أجمل ما قاله الإمام الرضا(عليه السلام) في هذا الباب: «إنّا عن الله ورسوله نحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا»(2).

    ه) اختلاف المستوى الثقافي بين عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعصر الأئمّة(عليهم السلام)

    إنّ تغيّر المستوى الثقافي للمجتمع وظهور طبقة جديدة من الطلاّب والباحثين عن العلم، أدّى إلى



    ____________
    (1)الاحتجاج للطبرسي: ج1، ص391؛ مسند أحمد لابن حنبل: ج4، ص371 نحوه.
    (2)اختيار معرفة الرجال للطوسي: ج2، ص450، ح401.


    [5

    [5]
    *****





    وجود فارق كبير بين عصر ظهور الحديث وعصر الأئمّة.

    ذلك أنّ معظم أصحاب النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان اهتمامهم بالجلوس عنده انجذاباً إلى شخصيته وتبرّكاً بوجوده الشريف، أكثر من اهتمامهم بأخذ العلم عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

    و) الترويج لثقافة الكتابة

    حثّ المعصومون(عليهم السلام) الناس منذ البداية على الكتابة، تطبيقاً لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): «قيّدوا العلم بالكتابة»(1)، فألّفوا كتباً، منها: كتاب الجفر، والصحيفة الجامعة للإمام علي(عليه السلام)، ورسالة الحقوق للإمام السّجاد(عليه السلام)، وكثير من المكتوبات والمخطوطات الاُخرى التي تُعدّ من تراث الشيعة المكتوب.

    وقد دوّنت بعض عناوينه في فهارس مطوّلة، مثل:

    • الفهرست للشيخ الطوسي.

    فهرس أسماء مصنّفي الشيعة، المعروف برجال النجاشي.



    المبحث الثاني: مراحل تاريخ الحديث عند الشيعة



    مرّ الحديث الشيعي منذ ولادته في عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحتّى عصر الغيبة بعدّة مراحل، تمثّلت بالأزمنة التي كانت ظرفاً للحديث، وهي:

    1 ـ عصر الحضور الذي تمثّل بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما رافقه من ولادة الحديث ونموّه وازدهاره في زمن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    2 ـ عصر الغيبة الصغرى والكبرى.

    وبيان ذلك يكون في مبحثين، نتطرّق في المبحث الأوّل إلى زمن الحضور، وفي المبحث الثاني إلى زمن الغيبة الصغرى والكبرى.


    أوّلاً: عصر الحضور

    وهو العصر الذي بدأ بولادة الحديث من عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويمتّد إلى ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)، وهو عصر تثبيت قواعد الحديث وترسيخها، ويمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل:


    المرحلة الاُولى: عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عصر الصادقَين (عليهما السلام)

    تعتبر هذه المرحلة من المراحل المهمّة في تاريخ الحديث الشيعي، وهي عصر نشوء الحديث ونموه، والذي يبدأ بعصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).



    ____________
    (1)السرائر لابن إدريس الحلّي: ج1، ص44؛ تفسير القرطبي: ج11، ص206 .


    [6]
    *****





    فتكون هي اللبنة الاُولى للحديث الشيعي، مع ما جرى فيها من مشاكل وصعوبات، فإنّها تبقى هي الأساس المتين للميراث الحديثي الشيعي.

    عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

    إنّ البيئة الصحراوية لأرض الحجاز جعلت أهلها منفصلىن وبعيدين عن الثقافات والمجتمعات الاُخرى، وكذا عن المعارف الإلهيّة الموجودة في ذلك العصر.

    ولاشكّ في أنّ مجيء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدين الإسلامي في هكذا عصر وبهذه المواصفات، يعكس لنا تلك الشخصية الفذّة، حيث استطاع(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينتشل هذا المجتمع من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، بأخلاقه العظيمة وحنكته العالية، فاستحوذ على قلوب أكثرهم ليهديهم إلى الطريق القويم، كما صوّر ذلك القرآن بقوله تعالى: {وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}(1).

    الميراث الحديثي للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

    إنّ نزول القرآن على النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مدعاة لاجتماع الناس حوله، فكلامه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُعتبر اللبنة الاُولى للحديث والتحديث.

    وكان النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشجّع على نشر ثقافة الحديث والتحديث، إمّا عبر المجالس العامّة أو الخاصّة مع بعض الصحابة، أو عبر إلقائه تلك الخطب الخالدة التي وردت في عدّة مناسبات، أو عبر إملائه الحديث لبعض الصحابة.

    ونظراً لضرورة تغيير الثقافة الجاهلية إلى الثقافة الإسلامية، برزت الأحاديث الأخلاقية في تلك الفترة بشكلٍ واضح.

    ومن جهةٍ اُخرى تطلّب تأسيس الحكومة الإسلامية سنّ القوانين والقواعد الفقهية، وتواجد الأحاديث الفقهية بالشكل المطلوب.

    لذا يمكن اعتبار الأحاديث الأخلاقية والفقهية والقواعد الحقوقية، الركن الأساسي لميراثه الحديثي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

    إنّ أكثر أحاديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجوامع الحديثية الشيعية قد نُقلت عن الإمام علي(عليه السلام) وسائر الأئمّة(عليهم السلام).



    ____________
    (1)آل عمران: 159.


    [7]
    *****





    عصر فاطمة الزهراء (عليها السلام)

    إنّ شخصية السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) المتميّزة، ونشأتها في كنف أعظم المخلوقات وأكرمها وهو النبي محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ زواجها بالإمام علي(عليه السلام)، يبيّن لنا بوضوح مكانتها الخاصّة في العلوم والمعارف الإسلامية.

    الميراث الحديثي للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

    أدّى قصر عمرها (عليها السلام)، والحوادث والمصائب التي لاقتها بعد رحيل النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى قلّة ميراثها الحديثي. ويمكن تقسيم الموروث الحديثي لها (عليها السلام) إلى قسمين:

    1 ـ ما روته عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)

    فقد ورد في كتب السنّة والشيعة بعض الروايات الواردة عنها (عليها السلام)، رغم قصر الفترة التي عاشتها مع النبي الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويشير لقب المحدّثة إلى الميزة التي اختصّت بها الزهراء (عليها السلام) في تعلّم المعارف الإلهيّة من منبع الوحي الأصيل.

    2 ـ خطبها (عليها السلام)

    ومن أشهر ما نُقل من خُطبها في المسجد النبويّ وفي بيتها (عليها السلام) هي الخطبة الفَدكية، لما لها من أهمّية خاصّة؛ حيث تميّزت بتبيين بعض المعارف السامية والقيّمة، وكونها اُُلقيت في ظرف مهمّ وحسّاس، وكونها في غاية الفصاحة والبلاغة.

    عصر الإمام علي(عليه السلام)

    يعتبر الإمام علي(عليه السلام) الإمام الأوّل والمعصوم الثاني عند الشيعة، وهو أيضاً صاحب المنزلة الخاصّة التي تميّز بها عن بقية الصحابة بالنسبة لحديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

    فقد تربّى الإمام علي(عليه السلام) في حجر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ ولادته، وأمضى طفولته تحت رعايته(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان أوّل القوم إسلاماً، وهو تلميذ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخاصّ، حيث كانت له ساعات مخصوصة يتعلّم فيها من النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

    من مميّزاته الاُخرى، هي: تدوين الكثير من كلام النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، رغم الفتن والأحداث المريرة التي جرت في زمانه(عليه السلام) وفور استلامه الحكم، واتّخاذه تلك القرارت الصادحة بعزل ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة، وإعلانه المساواة العادلة بين جميع الشعوب الإسلامية، وهذا ما يتنافى مع مطامع أصحاب النفوذ والجاه من القبائل، حتّى أجمعوا أمرهم على العصيان، وحدث ما حدث من حروب ونزاعات الغاية منها الإطاحة بحكومته(عليه السلام).

    الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام)

    إنّ ملازمة الإمام علي(عليه السلام) للنبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ (10) سنوات قبل البعثة و(23) سنة بعدها ـ ومرافقته له(صلّى الله عليه وآله وسلّم)


    [8]
    *****





    بصورةٍ خاصّة، جعلت الإمام علي(عليه السلام) حاملاً لكنز عظيم من المعارف والعلوم إلى الأجيال القادمة(عليه السلام)، فقد تتلمّذ على يده الكثير من طلاّب العلوم والمعارف الدينية، وكان من أبرز طلاّبه وتلاميذه(عليه السلام) في مجال الحديث: أبو رافع، عبد الله بن عبّاس، سليم بن قيس، الحارث بن الأعور(رحمهم الله).

    ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام علي(عليه السلام) إلى عدّة أقسام:

    1 ـ المجموعات الحديثية:

    توجد هناك ثلاث مجموعات حديثية مأثورة عنه(عليه السلام)، وهي:

    كتاب علي(عليه السلام)

    هو مجموعة كبيرة من الأحاديث (صحيفة بطول سبعين ذراعاً)، من إملاء الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وهو من ودائع الإمامة، وقد عرضه وقرأ منه الأئمّة(عليهم السلام) على بعض الخواصّ من أصحابهم(1).

    كتاب الجفر

    وهو كتاب كُتب على جلد الجفر، أي جلد ثور أو شاة، وهو من إملاء النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخطّ الإمام علي(عليه السلام)، وعلى ذلك تضافرت الروايات عند الشيعة، وذكره السُنّة في بعض كتبهم(2).

    مصحف الإمام علي(عليه السلام)

    هو الذي يتضمّن التفسير وبعض المواضيع حول القرآن الكريم، وهو عند الأئمّة(عليهم السلام)(3).

    2 ـ مروّيات الإمام علي(عليه السلام)

    وردت عن الإمام علي(عليه السلام) أحاديث وروايات عديدة أكثرها في أواخر عهد عثمان وما بعده، وخصوصاً في عصر خلافته(عليه السلام)، وقد ورد بعضها في نهج البلاغة، وكانت متنوّعة وبعدّة أقسام، نذكر بعضاً منها:

    أ) الخُطب

    وهي أشهر قسم من أقسام كلامه(عليه السلام)، حيث لُقّب بإمام الخطباء، وتُعدّ خطبه التوحيدية الكثيرة والمواعظ الأخلاقية أحد أسباب اشتهار وانتشار كتاب نهج البلاغة.



    ____________
    (1)انظر: بصائر الدرجات: ص167 ـ 170.
    (2)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج3، ص240؛ مكاتيب الرسول: ج2، ص12.
    (3)انظر: في رحاب الشيعة: ص63؛ الخدعة رحلتي من السُنّة إلى الشيعة للورداني: ص196.


    [9]
    *****





    ب) الرسائل

    هذه المجموعة من الروايات ـ خصوصاً الرسائل أو الكتب التي أرسلها(عليه السلام) إلى عمّاله ـ ترسم لنا أبعاد الحكومة العلويّة، وتبيّن الأركان والمباني الأساسية للسياسة والاقتصاد والثقافة عند الإمام علي(عليه السلام).

    ويمكن اعتبار رسالته المشهورة إلى مالك الأشتر ميثاقاً للحكومة الإسلامية على مدى العصور.

    ج) الحِكم والمواعظ

    تعتبر وصاياه(عليه السلام) للناس من الأحاديث القيّمة جدّاً، وخاصّة وصيّته لأبنائه الحسن والحسين (عليهما السلام)(1)، ورسالته الطويلة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)(2).

    د) قضاؤه(عليه السلام)

    إنّ اُسلوب الإمام علي(عليه السلام) الراقي والمتميّز في القضاء شهد له الموافق والمخالف، وقد اعتنى به الفقهاء أيما اعتناء، فذكروا مواقف كثيرة لقضائه(عليه السلام) في كتبهم الفقهية.

    ه) الأدعية والمناجاة

    إنّ الأدعية والمناجاة المأثورة عن الإمام علي(عليه السلام) كثيرة جدّاً، منها دعاء ليلة الجمعة المعروف بدعاء كميل.

    و) الأشعار

    نُسب إليه(عليه السلام) حوالي خمسمئة قصيدة، ومع أنّه قد شُكّك في هذه النسبة من حيث العدد، إلاّ أنّ نسبة بعض الأشعار إليه(عليه السلام) ثابتة قطعاً، وقد ذُكرت في كتب ومؤلّفات شأنها الاهتمام بالأشعار والموسوعات الشعرية، مثل كتاب أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول الذي أعدّه قطب الدين محمّد البيهقي الكيدري(3).


    عصر الإمامين الحسنين (عليهما السلام)

    بعد استشهاد الإمام علي(عليه السلام)، وبسط معاوية نفوذه في جميع المناطق الإسلامية، قلّ تواصل الناس مع الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ورجوعهم إليهما في اُمور دينهم ودنياهم بعد أن استخدم معاوية في عصر الإمام الحسن(عليه السلام) ـ ومن جاء من بعده في عصر الإمام الحسين(عليه السلام) ـ أساليب قذرة في استمالة الناس وحرفهم عن خطّ أهل البيت(عليهم السلام).



    ____________
    (1)انظر: نهج البلاغة: الكتاب 47.
    (2)المصدر السابق: الكتاب 31.
    (3)انظر: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنّة والتاريخ للريشهري: ج10، ص292.


    [10]
    *****





    الميراث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)

    بمراجعة رسائل معاوية إلى عمّاله نجده قد أمر بوضع أحاديث في فضائل الصحابة، أمثال عثمان بن عفّان وغيره، ومنعَ الحديث عن فضائل الإمام علي وسائر أهل البيت(عليهم السلام)، بل ومعاقبة مَن يُحدّث بفضائلهم(1).

    من جهةٍ اُخرى، عمل معاوية على اغتيال الشخصيات الشيعيّة المهمّة، ومنع قبول شهادة الشيعي عند القاضي، وحرَمَ الشيعة أيضاً من أموال بيت مال المسلّمين.

    ولاشكّ أنّ إعلام بني اُُميّة ودعاياتهم المغرضة، وتشديد حكومتهم وتأكيدها على عدم الارتباط بهذين الإمامين العظيمين، كان له الأثر الكبير في قطع الناس ارتباطهم بهما (عليهما السلام)، حتّى لو كان مجرّد نقل الحديث، ولهذا السبب لم يصلنا عنهما (عليهما السلام) إلاّ القليل من الروايات.

    ولم تنقل كتب أهل السنّة المشهورة عنهما أحاديث ولو بعدد أصابع اليد، فصحيح البخاري وصحيح مسلّم لم يرويا ولو حديثاً واحداً عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسنداً عن طريقهما.

    ووصل إلينا من كلامهما (عليهما السلام) مواعظ أخلاقية(2)، اُلقيت في مجالس خاصّة، وقد ورد عنهما (عليهما السلام) عدد يسير من الأحاديث الفقهية أيضاً.

    وقد ذُكرت عن الإمام الحسن(عليه السلام) بعض المناظرات والاحتجاجات مع أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، كما وردت بعض الأدعية عن الإمام الحسين(عليه السلام)، منها: «دعاء عرفة» ذو المضامين الرفيعة العالية.

    وتُعتبر فترة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) (6) اشهر، فترة ذات طابع خاصّ في تاريخ الحديث، فقد نُقل عن الإمام الحسين(عليه السلام) أحاديث في قمّة الحماس والعظمة والحبّ والإخلاص.

    عصر الإمام السجّاد(عليه السلام)

    يُعتبر عصر الإمام السجّاد(عليه السلام) من أصعب الأوقات التي مرّت على الأئمّة(عليهم السلام)، فعلاوة على واقعة عاشوراء الأليمة، وما تخلّلها من أسر ودائع النبوّة والإمامة(عليهم السلام) كانت هناك أحداث اُخرى لها وقعها الشديد على الإمام(عليه السلام)، وهي: فتنة عبد الله بن الزبير، وواقعة الحرّة، والقتل الجماعي للمسلّمين في المدينة، والهجوم على مكّة وتخريب الكعبة، وتولّي ابن زياد والحجّاج، اللذان يُعدّان من أكبر السفّاحين والسفّاكين للدماء في عهد بني اُميّة.

    الموروث الحديثي للإمام السجّاد(عليه السلام)

    بالنظر لعدّة عوامل، منها: الأوضاع الناتجة عن شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)، مدّة إمامة الإمام السجاد(عليه السلام)



    ____________
    (1)انظر: الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص15؛ العمدة لابن البطريق: ص449.
    (2)انظر: تحف العقول: ص225 ـ 249.


    [11]
    *****





    الطويلة، معاصرته(عليه السلام) لعصر التابعين، وظهور أجيال متعلّمة في ذلك العصر، وتولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة في المدينة؛ استطاعَ الإمام السجّاد(عليه السلام) أن ينشر الثقافة الإسلامية الأصيلة، وأن يؤسّس المدرسة الثقافية العلمية الشيعية الكبيرة في عصره، والتي ازدهرت في عصر الإمام الباقر(عليه السلام)، ووصلت إلى أوج ازدهارها في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).

    فظهرت علوم مثل: الفقه، والمعارف الإسلامية، والتفسير عند الشيعة من خلال هذه المدرسة، وقد أدّى هذا الأمر الى أن يكون الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام)، أكثر من الموروث الحديثي للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام).

    ويمكن تقسيم الموروث الحديثي للإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى ثلاثة أقسام:

    1 ـ الدعاء

    استخدم الإمام السجّاد في دعائه اُسلوباً لطيفاً مثيراً للأحاسيس والعواطف، ومعظم النصوص الواردة عنه هي من هذا الباب.

    2 ـ المواعظ الأخلاقية والاجتماعية

    تشير بعض المرويات إلى أنّ الإمام السجّاد(عليه السلام) ألقى بعض المواعظ في المسجد النبويّ الشريف بشكلٍ رسمي في الأوقات والفرص المناسبة، وتُعرف أهمية مواعظه(عليه السلام) في ذلك الوقت بالنظر الى أوضاع المدينة المنوّرة التي تحوّلت ـ بسبب السلطة ذات الفساد المزمن لحكومة معاوية وغيره من بني اُمية ـ إلى مركز من مراكز اللهو واللعب، واشتهرت بكونها مركزاً للغناء.

    3 ـ الموروث الحديثي المكتوب

    كان لهذا الموروث الحديثي الأثر الكبير على حياة البشر كافّة وعلى مرّ العصور والأجيال، فكان دستوراً ونبراساً لهم في حياتهم العلمية والعملية، ويمكن تقسيم هذا الموروث الحديثي المكتوب إلى ثلاثة أقسام:

    أ) الصحيفة السجّادية

    وهي مجموعة من الأدعية والمناجاة المشهورة التي أنشأها الإمام السجّاد(عليهم السلام)، وتضمّ (75) دعاءً، إلاّ أنّ الذي وصلَ إلينا منها (54) دعاءً فقط(1).

    ب) رسالة الحقوق

    وهي أشهر تراث حديثي مأثور عن الإمام السجّاد(عليه السلام)، وقد ذكر(عليه السلام) فيها خمسين حقّاً(2).


    ____________
    (1)انظر: فتح الأبواب لابن طاووس: ص76.
    (2)انظر: تحف العقول: ص255 ـ 272.


    [12]
    *****





    ج) رسالة الزهد

    انتشرت هذه الرسالة في زمن الإمام السجّاد(عليه السلام)، فقد رواها أبو حمزة الثمالي في سفره إلى اليمن، وعرضها على الإمام السجّاد(عليه السلام)، فصدّق ما فيها وأكّد نسبتها إليه.

    المرحلة الثانية: عصر الصادقَين (عليهما السلام)

    إنّ لعصر الصادقَين (عليهما السلام) مكانة خاصّة وميزة مرموقة في تاريخ الحديث عند الشيعة. وقد بدأ هذا العصر عام (94ه) وانتهى عام (148ه)، وهي مدّة إمامتهما (عليهما السلام)، حيث تولّى الإمام الباقر(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام زين العابدين(عليه السلام) عام (94ه) على ما هو المشهور، وتولّى الإمام الصادق(عليه السلام) الإمامة بعد شهادة الإمام الباقر(عليه السلام) عام (114ه)، حتىّ شهادته على يد المنصور الدوانيقي عام (148ه)(1).

    وتُعتبر الفترة من عام (100ه إلى عام 140ه) العصر الذهبي للحديث عند الشيعة(2)، إذ إنّ الأوضاع والظروف الاستثنائية لتلك الفترة مكّنت الصادقين (عليهما السلام) من القيام بإنجازات عظيمة، كنشر الحديث وتعليمه، وتربية جملة من الفقهاء، وغيرها من الإنجازات التي سوف نتعرّف عليها من خلال هذا الدرس.

    ونظراً لأهمّية هذا العصر في تاريخ الحديث عند الشيعة فسوف نتحدّث عنه بشيءٍ من التفصيل. فنتناول العوامل التي ساعدت على انتشار الحديث عند الشيعة في عصرهما (عليهما السلام) مروراً بإنجازاتهما (عليهما السلام) في مجال الحديث، ثمّ دورهم في مواجهة ظاهرة وضع الحديث من قِبل الغلاة، وأخيراً نتعرّض لحجم وطبيعة التراث الحديثي الذي تركاه لنا (عليهما السلام).


    1 ـ العوامل التي ساهمت في ازدهار الحديث في عصر الصادقين (عليهما السلام):

    أ) الأوضاع السياسية الملائمة.

    كان للأوضاع السياسية في عصر الصادقَين (عليهما السلام) تأثير كبير في انتشار الحديث عند الشيعة، ويمكن إجمال الأوضاع السياسية في عصرهما (عليهما السلام) بما يلي:

    • هلاك الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ والي البصرة والكوفة ـ في عام (95ه)(3)، وكان مشهوراً بسفكه للدماء(4)، وكان من أشدّ أعداء شيعة الإمام علي(عليه السلام)، وصار الشيعة من بعد موته في



    ____________
    (1)انظر: تهذيب الأحكام للطوسي: ج10، ص53.
    (2)انظر: روضة الطالبين للنووي: ج1، ص12؛ الإمام الصادق علم وعقيدة لرمضان لاوند: ص167.
    (3)انظر: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: ج2، ص53.
    (4)انظر: الأعلام للزركلي: ج2، ص95 و168؛ المعارف لابن قتيبة: ص356.


    [13]
    *****





    راحة(1).

    • تولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة عام (99ه)(2)، وقد أثّر في فترة حكومته على المجتمع الإسلامي بشكلٍ كبير، فقد كان يعتقد بجواز تدوين الحديث بل وبضرورته(3)، ومنعَ سبّ الإمام علي(عليه السلام)(4).
    • الثورات الزيدية المتلاحقة، التي كان لها دور في حفظ الإمامين الصادقَين (عليهما السلام) من التعدّي والتهجّم عليهما.
    • إنّ السُنن الإلهيّة تقتضي أن تمرّ الأنظمة السياسية والاجتماعية بمراحل كالتي يمرّ بها الإنسان، مثل: مرورها بمرحلة الطفولة، ثُمّ الشباب، ثمّ تصير إلى الشيخوخة وتقترب من أجلها وتنهار، كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}(5).

    وقد خضعت الدولة الأموية لهذه السُنن، فاقتربت في ذلك العصر من شيخوختها وأجلها، حيث استطاع العبّاسيّون بعد عدّة معارك القضاء على تلك الدولة في عام (132ه)، فانقرضت دولة بني أميّة واستولى العبّاسيّون على الحكم، وقد أمضى أبو العبّاس السفاح السنوات الأربع(6) من حكمه في ملاحقة وتتبّع مَن بقي من فلول الأمويين والتخلّص منهم.

    ممّا ذكرنا يتّضح لنا أنّ الحكومة المركزية في عصرهما (عليهما السلام)، لم تعدّ تملك السلطة القويّة التي كانت تملكها سابقاً، لذا كان عصرهما (عليهما السلام) أفضل فترة لنشر الحديث والمعارف الإسلامية.

    ب) الإقبال على أخذ الحديث من أهل البيت(عليهم السلام)

    نتيجة لصدور أمر منع تدوين الحديث في عهد الخليفة الثاني رسمياً(7)، اختفت ظاهرة كتابة وتدوين الحديث في حياة المسلّمين عموماً، وكانت تتمّ بشكلٍ خفيّ، واستمرّ الأمر على ذلك الحال حتّى أصدر عمر بن عبد العزيز أمره بكتابة الحديث وجمعه وتدوينه(8)، وأكّد في رسائله إلى



    ____________
    (1)انظر: الكشكول المبوّب لحسين الشاكري: ص73.
    (2)انظر: وفيان الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج2، ص539.
    (3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق؛ الجامع للشرائع للحلّي: ص6 مقدّمة المحقّق.
    (4)انظر: إلزام النواصب لمفلح بن راشد: ص220؛ السلفية بين أهل السنّة والإمامية لمحمّد الكثيري: ص212.
    (5)يونس: 49.
    (6)انظر: مستدركات أعيان الشيعة: ج1، ص73؛ شجرة طوبى لمحمّد مهدي الحائري: ج1، ص140.
    (7)نظر: جهاد الإمام السجّاد(عليه السلام) للجلالي: ص82.
    (8)انظر: مطارحات في الفكر والعقيدة: ص161؛ عمدة القارئ للعيني: ص129


    [14]
    *****





    علماء المدينة(1) على جمع الحديث وتدوين سنّة النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن صارت منسيّة؛ بسبب عدم تدوينها والاعتناء بجمعها، وبالطبع كان هذا الأمر ناقضاً لأمر الخليفة الثاني، وهو ما جعل علماء المدينة، مكرهين على قبوله وتنفيذه خصوصاً في بداية الأمر.

    وعليه تهيّأت الأجواء للشيعة لكتابة الحديث وتدوينه بشكلٍ أكبر، بل استطاع الشيعة أن يقيموا المجالس العامّة لتعليم الحديث ـ كما في عهد الإمام الباقر(عليه السلام) ـ وصارت كتابة الحديث بمرور الزمان أمراً مشهوراً ورائجاً(2)، وأصبحت المكتوبات والمدوّنات الحديثية ذات شأن وأهمّية عند جميع المسلّمين، ومن خلالها عرف المسلّمون جميعاً مكانة أهل البيت(عليهم السلام) الخاصّة في مجال نقل الحديث عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والذي كان متروكاً ما يقارب (90) عاماً(3)، وبدأ الناس ـ خصوصاً العلماء منهم ـ بالرجوع إلى أهل البيت(عليهم السلام) لأخذ حديث رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمعارف الدينية عنهم، ولينهلوا من منبع العلم والحكمة الصافي والعذب.

    وكان يُعدّ سند حديثهما (عليهما السلام) إلى النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أحسن الأسانيد، وبلا شكّ فإنّ هذا الحال يختلف كثيراً عن الأوضاع في زمن الإمامين الحسنين والسجّاد(عليهم السلام)؛ لأنّ معظم الناس لم يكونوا مهتمّين بأخذ الحديث والعلم عنهم، بسبب إقصائهم عن الساحة الثقافية والعلمية في المجتمع الإسلامي من قبل الحكّام، الذين منعوا الناس من الرجوع إليهم(عليهم السلام).

    ج) ظهور شبهات جديدة عجز عن حلّها علماء العامّة

    تعرّف المسلّمون على ثقافات وحضارات البلاد التي فتحوها، مثل: حضارة الفرس، والروم، واليونان، وكان أهل هذه الحضارات قد برزوا في علومٍ عديدة، كالمنطق والفلسفة فظهرت لدى المسلّمين شبهات جديدة وأسئلة متعدّدة في مجالات مختلفة، ولم يستطع علماء العامّة الإجابة عنها، فرجع الكثير من الشخصيات العلمية في المجتمع الإسلامي ـ من أمثال زرارة بن أعين، وحمران بن أعين، وهشام بن الحكم(رحمهم الله) ـ إلى أهل البيت(عليهم السلام)؛ ليجدوا الجواب الشافي عندهم، فصاروا من علماء الشيعة فيما بعد، بل كان الملحدون أمثال ابن أبي العوجاء(4) يرجعون إلى الأئمّة(عليهم السلام) ليجدوا جواباً مقنعاً لشبهاتهم، فكان ذلك أحد العوامل التي أدّت إلى إيجاد الأرضية اللاّزمة لانتشار وازدهار الحديث عند الشيعة.



    ____________
    (1)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
    (2)انظر: الجامع للشرائع: ص6 مقدّمة المحقّق.
    (3)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق.
    (4)انظر: وسائل الشيعة للحرّ العاملي: ج26، ص93 و94.


    [15]
    *****







    اللهم صل على محمد واله الطاهرين

    sigpic

    شكرا لمرورك الكريم

  • #2
    د) بروز شخصيات علمية كبيرة

    من الملفت للنظر أنّ الرواة في ذلك العصر ـ الذين هم من الشخصيات العلمية والفقهية ـ لم يكن حضورهم عند الإمام(عليه السلام) لمجرّد التبرّك والتيمّن فقط، بل لتعلّم العلم بتعمّق أكبر وبشكلٍ أدقّ، أمثال هشام بن الحكم(1) وغيره، لذا فقد كانوا يسألون عمّا خفي عليهم من المسائل العلمية، فكثير من الأسئلة التي كان بعض أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) يوجّهونها إلى الأئمّة، يصعب على كثير من العلماء والفقهاء الآخرين الإجابة عنها.

    وقد كان أبو حنيفة، وأبو ليلى، يذهبان إلى محمّد بن مسلّم ويطرحون عليه أسئلتهم، وكان يجيبهم ممّا تعلّمه من حديث الأئمّة(عليهم السلام)، ومنهجهم في الفقه، وذلك العهد إنّما كان سابقاً لعهد تدوين الصحاح والجوامع الفقهية والحديثية.


    2 ـ إنجازات الصادقين (عليهما السلام) في مجال الحديث

    إنّ تعطش المجتمع الإسلامي ـ والشيعة خصوصاً ـ إلى تعلّم المعارف الإلهيّة في ذلك العصر، أدّى إلى تفعيل أنشطة الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) إلى درجة أنّ الجزء الأكبر من تراث الحديث الشيعي قد صدر عنهما (عليهما السلام).

    حيث إنّ الأحاديث التي نقلت عنهما (عليهما السلام) في كتب الحديث تعادل ثلثي ما نُقل من أحاديث المعصومين(عليهم السلام).

    وقد روى أهل السُنّة في مجاميعهم الحديثية الكثير أيضاً عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وهو ما لا نلاحظه بالنسبة للأئمّة السابقين.

    قال الشيخ المفيد(رحمه الله) في كلامه حول الإمام الباقر(عليه السلام): «وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين، ورؤساء فقهاء المسلّمين، وصار بالفضل علماً لأهله تُضرب به الأمثال، وتسير بوصفه الآثار والأشعار»(2).

    وقال في موضعٍ آخر حول الإمام الصادق(عليه السلام): «نقلَ الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحدٍ من أهل بيته من العلماء ما نُقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله(عليه السلام)، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء، فكانوا أربعة آلاف رجل»(3).



    ____________
    (1)انظر: منتهى المطلب للعلاّمة الحلّي: ج3، ص218.
    (2)الإرشاد للمفيد: ج2، ص157.
    (3)الإرشاد: ج1، ص179.


    [16]
    *****





    واستمرّت جهود ونشاطات الإمامين الصادقَين (عليهما السلام) حوالي خمسين عاماً (أي تقريباً من عام 94ه إلى عام 148ه) حيث تأطّرت فيها الثقافة الشيعية وتأثّرت بها ثقافة العامّة.

    وفيما يلي أهمّ الإنجازات التي قام بها الصادقان (عليهما السلام) في مجال الحديث:

    أ) تعليم ونشر الحديث

    حينما رُفع الحظر عن كتابة حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عصر عمر بن عبد العزيز بعد فترة دامت (90 عاماً) تقريباً(1)، قام الكثيرون بكتابته وتدوينه، وقد استغلّ الإمامان الصادقان (عليهما السلام) هذه الفرصة خير استغلال، فقاما (عليهما السلام) بنشر الحديث وتعليمه، وإقامة المجالس العلمية في بيوتهم(عليهم السلام)، وفي مسجد النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغيرها من الأماكن المشرّفة، وهذه الفرصة لم تكن قد سنحت للأئمّة السابقين(عليهم السلام).

    ب) تربية جملة من الفقهاء والعلماء

    كانت الأوضاع والظروف العامّة للمجتمع مناسبة ليتميّز الفقهاء والعلماء عن بقية الناس، إذ إنّنا قلّما نجد في عصر النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمّة السابقين(عليهم السلام) أشخاصاً متخصّصين في العلوم والمعارف الإسلامية، أو أشخاصاً منشغلين بطلب العلم والتعلّم، بل كان معظم الناس يرغبون في الاستماع إلى حديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم يمارسون حياتهم اليومية ويتابعون أعمالهم والاُمور الاُخرى لمعاشهم، بينما نجد في زمن الصادقَين (عليهما السلام) مجموعة من الناس قد كرّسوا أوقاتهم للعلم.

    قال محمّد بن مسلّم: «سألتُ الباقر(عليه السلام) عن ثلاثين ألف حديث»(2).

    قال زرارة: «كنت أذهب إلى الإمام الباقر(عليه السلام) بين صلاتي الظهر والعصر، لكي أطرح أسئلتي عليه فلا يشغله أحد عني».

    هذه النخبة من التلاميذ تسبّبت في ازدهار الحوزات الشيعية والمحافظة على التسلسل المرحلي للبحث العلمي.

    وقد عدّ البعض تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) والراوين عنه بأربعة آلاف رجل(3)، وأورد الشيخ الطوسي اسم أكثر من (3200) رجل من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)في كتابه الرجال.

    ج) تعليم الأصحاب كيفية التعامل مع الرواية واستنباط الحكم منه

    قام الصادقان (عليهما السلام) بتعليم أصحابهم الاُسلوب الصحيح لفهم الأحاديث والاستفادة منها، وقاما بتعليمهم



    ____________
    (1)انظر: الخلاف للطوسي: ج1، ص29 مقدّمة المحقّق.
    (2)انظر: الاختصاص للمفيد: ص201.
    (3)انظر: معالم المدرستين للعسكري: ج3، ص323


    [17]
    *****





    طُرق الاستنباط، وحذّروهم من قبول أيّ كلام أو قول على أنّه رواية، بل يجب عليهم الفحص والتدقيق، فوضعوا لذلك معايير مهمّة لقبول الحديث، منها:

    • إنّهم ذكروا صفات الراوي والشروط الضرورية التي يجب أن يكون حائزاً عليها.
    • ما عبّر عنه الإمام(عليه السلام) بقوله: «إن كان لا يُقبل ممّن دونكم حتّى يكون مثلكم، لم يقُبل منكم حتّى تكونوا مثلنا»(1).

    وهذا يعني أنّه يجب علينا عدم الإفراط والتشدّد في شروط الراوي کما لا ينبغي عكس ذلك.

    ووضّحَ الأئمّة(عليهم السلام) کثيراً من المسائل المطروحة في هذا الباب، من قبيل توضيح القواعد العامّة للحديث، وعرض الأحاديث على القرآن والسنّة، وغيرها من المباحث.

    د) تعميق المعارف الإسلامية

    إنّ وجود تلاميذ كبار ـ وعلى مستوىً عالٍ، ولهم استعداد كامل لتلقّي العلوم والتدقيق في شتّى المجالات من الأسئلة المطروحة على الأئمّة(عليهم السلام)؛ أسئلة دقيقة جدّاً تدلّ بأنّ للسائل اطّلاع على المسائل والمواضيع، كزرارة بن أعين(رحمه الله) وغيره ـ أدّى إلى عُمق واضح في المعارف الإسلامية، والمباني، والقواعد الفقهية والعقائدية، فقد كانوا يسألون مثلاً عن بواطن القرآن ونحوها من المسائل الدقيقة.

    وفي بعض الموارد كان الأئمّة(عليهم السلام) هم الذين يبادرون أصحابهم بالسؤال، ثمّ يعدّونهم لاستقبال العلم والمعرفة بشكلٍ دقيق وعميق، ثمّ بعد ذلك يبيّنون لهم المعارف الحقّة.

    فمثلاً سؤال الإمام الصادق(عليه السلام) لهشام بن سالم عن الذات الإلهيّة. يقول هشام بن سالم: «دخلتُ على أبي عبد الله(عليه السلام) فقال لي: أتنعت الله؟ فقلت: نعم، قال: هات، فقلتُ: هو السميع البصير، قال: هذه صفة يشترك فيها المخلوقون، قلت: فكيف تنعته؟ فقال: هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحقّ لا باطل فيه. فخرجتُ من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد»(2).

    ه) النظر في الروايات التي كانت تعرض عليهم

    بما أنّ الراوي في ذلك العصر كان محدِّثاً وفقيهاً عادةً؛ فإنّه كان يعرض كثيراً من الأحاديث الواردة عن النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمشهورة بين الناس على الأئمّة(عليهم السلام)؛ كي يقوموا بتأييدها، أو تصحيحها، أو ردّها، أو شرح معناها وتوضيحها، كبيان سبب صدورها ومکانها وزمانها، ممّا يساعد على فهم الرواية وفهم مقاصدها.

    فمثلاً، قال عبد المؤمن الأنصاري: «قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ قوماً رووا أنّ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: [إنّ



    ____________
    (1)اختيار معرفة الرجال للطوسي: ج2، ص662، ح683.
    (2)التوحيد للصدوق: ص146.


    [18]
    *****





    اختلاف اُمّتي رحمة] فقال: صَدقوا، قلت: إذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال: ليس حيث ذهبتَ وذهبوا؛ إنّما أراد قول الله(عزّوجل): {وَ مَا كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(1) فأمَرهم أن ينفروا إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويختلفوا إليه فيتعلّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلِّموهم؛ إنّما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله، إنّما الدين واحد»(2).

    و) التأثير على علماء العامّة

    أدّت قلّة النصوص الحديثية الناتجة عن منع تدوين الحديث إلى إيجاد مصاعب كثيرة لعلماء أهل السنّة، إذ لم يكن لديهم المعرفة الكاملة واليقينية لمعظم كلام النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاضطرّوا إلى استخدام القياس والاستحسان والطرق الظنّية غير المعتبرة، ولكنّ المنبع والمنهل الشيعي الذي يفيض بالعلوم والمعارف الإسلامية لم يتركهم دون نصيب من هذه المعارف والعلوم. وقد أخذ أبو حنيفة العلم عن الإمام الصادق(عليه السلام) ومحمّد بن مسلّم أحد خواصّ الإمام الباقر(عليه السلام) والذي كان يسكن في الكوفة.

    وكثير من الرواة غير الشيعة الذين رووا أحاديث النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق الإمام الصادق(عليه السلام)، مثل إسماعيل بن زياد المشهور بالسكوني، وهو ثقة عند الشيعة(3) ورواياته منقولة في كتبهم.


    3 ـ وضع الغلاة للحديث وموقف الصادقَين (عليهما السلام) منه

    يُعتبر ظهور الغلاة في فترة زمنية معيّنة ـ ومن ثمّ استغلال السلطات الحاكمة لوجود هذه الطائفة إعلامياً ـ من أهمّ المواضيع التي تحتاج إلى الدراسة والتحقيق في تاريخ الشيعة.

    وترجع اُصول الغلاة إلى عصر الإمام علي(عليه السلام)، ولكنّ تأثيرهم في الجانب الفكري والثقافي جاء في زمن الصادقَين (عليهما السلام)، وكان الغلاة قد نسبوا أنفسهم إلى الشيعة وتخفّوا في أوساطهم، وسمّوا ما وضعوه ـ كذباً على الأئمّة(عليهم السلام) ـ حديثاً، وحاولوا تسميم التراث الشيعي بأكاذيبهم.

    وقد تصدّى الأئمّة(عليهم السلام) لمواجهتهم فتبرّؤوا منهم بشكلٍ صريح ولعنوهم وطردوهم(4)، وهذا الموقف يبطل دعوى خصوم الشيعة في عدّ الغلاة منهم وكون عقائدهم هي عقائد الشيعة.

    وتتلخّص مواقف الأئمّة(عليهم السلام) في مواجهة هذه الطائفة بنقاطٍ ثلاث:



    ____________
    (1)التوبة: 122.
    (2)معاني الأخبار للصدوق: ص157.
    (3)انظر: عدّة الاُصول للطوسي: ج1، ص149.
    (4)انظر: الخصال للصدوق: ص529، ح3؛ بحار الأنوار للمجلسي: ج3، ص294، ج25، ص265.


    [19]
    *****





    أ) التبرّؤ من الغلاة

    فقد اتّخذ الأئمّة(عليهم السلام) موقفاً واضحاً من الغلاة، ونهوا شيعتهم عن التواصل مع الغلاة مهما كان نوع هذا التواصل، وقاموا بطرد رؤسائهم ولعنهم، مثل: المغيرة بن سعيد، وأبو الخطّاب وغيرهما(1).

    ب) تنقية الأحاديث

    كان كلام الغلاة يُعرض على الأئمّة(عليهم السلام)، ومن ثمّ يقومون بنقده وطرحه وبيان فساده، وهكذا حُذفت مجموعة كبيرة من موضوعات ومكذوبات الغلاة التي كانت تُنسب إلى التراث الحديثي للشيعة، وبهذا صار الحديث الشيعي نقيّاً وخالياً من شوائب الغلاة.

    ج) وضع مقاييس للحديث المقبول

    فبعد دخول كلام الغلاة إلى تراث الحديث الشيعي، قام الأئمّة(عليهم السلام) بوضع مقاييس ومعايير للتمييز بين المحتوى الصحيح وغير الصحيح للأحاديث.

    وتُستخدم هذه المعايير حالياً في علم نقد الحديث، مثل: معيار مخالفة أو موافقة الحديث للكتاب والسنّة، وغير ذلك من المعايير.


    4 ـ حجم وطبيعة التراث الحديثي الذي تركه لنا الصادقان (عليهما السلام)

    إنّ المتأمّل في الموروث الحديثي للإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، يجد كمّاً هائلاً من الروايات قد دوّن في هذه الفترة، ويجد أيضاً أنّ تلك الروايات قد تناولت موضوعات مختلفة لم تقتصر على بابٍ معيّنٍ من أبواب المعرفة، نذكر قسماً منها:

    أ) تفسير القرآن الكريم

    إضافة إلى تأكيد الصادقَين (عليهما السلام) على قراءة القرآن الكريم وتدبّره ونهيهما عن التفسير بالرأي(2)، قاما (عليهما السلام) بتفسير الآيات القرآنية وبيان مصاديقها وتأويلها.

    ب) الفقه

    ويمكن القول: بأنّ معظم الروايات الواردة من عصر الصادقَين (عليهما السلام)، هي الروايات الفقهية، وقد نشأ ذلك من أسباب متعدّدة، من قبيل: المكانة المتميّزة التي يحتلّها الفقه في حياة المسلّم، حيث تتوقّف عليه معرفة الأحكام الشرعية التي هي محلّ ابتلاء جميع المسلّمين.



    ____________
    (1)انظر: تهذيب الأحكام للطوسي: ج1، ص349، ح1026.
    (2)انظر: الكافي: ج8، ص53، ح16، ص311، ح485.


    [20]
    *****





    وبروز فقهاء من أهل العامّة كانوا يستخدمون مناهج غير صحيحة في استنباط الأحكام الشرعية، مضافاً إلى أنّ كثيراً من أصحابهم كانوا من أهل الفقه: كزرارة، ومحمّد بن مسلّم وغيرهم.

    وقد أدّى اختلاف كثير من الناس إلى الأئمّة(عليهم السلام) إلى تثبيت دعائم الفقه عند الشيعة، إلى درجة أنّ كبار علماء أهل السنّة، مثل: أبو حنيفة وشريك (قاضي الكوفة)، كانوا يرجعون إلى رواة الشيعة العلماء مثل محمّد بن مسلّم، في كثير من المسائل وفي مثل هذا الجوّ العلمي.

    قال الإمام الباقر(عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اجلس في المدينة وافتِ الناس، فإنّي اُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»(1).

    ج) العقائد وعلم الكلام

    إنّ اتّساع رقعة المناطق الواقعة تحت سيطرة المسلّمين وتعرّفهم على الثقافات غير الإسلامية من جانب، وترويج ثقافة الحكومة الأمويّة من جانبٍ آخر، أدّى إلى ظهور الكثير من الشبهات التي تصدّى لها هذان الإمامان (عليهما السلام) دفاعاً عن المعارف الإسلامية الحقّة(2).

    وتُعد مواضيع مثل: صفات الباري، القضاء والقدر، الإرادة الإلهيّة، الإمامة والتأكيد على كونها ثابتة بالنصّ، جزءاً من أحاديثهما العقائدية(3).

    د) اُصول الفقه

    إنّ لبيان القواعد العامّة للاستنباط وتعليم طريقة الاجتهاد مكانة خاصّة في أحاديث الصادقَين (عليهما السلام).

    فقد روي عن الصادق(عليه السلام): «إنّما علينا أن نُلقي إليكم الاُصول وعليكم أن تفرّعوا»(4).

    وقد تمّ استنباط الكثير من القواعد الاُصولية العامّة من خلال أحاديثهما (عليهما السلام).

    ه) التاريخ والسيرة

    حينما نطالع التاريخ والسيرة من منظار أهل البيت(عليهم السلام)، نجد لها طابعاً ولوناً شيعياً يبيّن عظمة وقدسية النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام).

    ولابدّ من الالتفات إلى أنّ طول مدّة الحكم الأموي ومن بعده الحكم العبّاسي الظالم، وعدم الدقّة في نقل الأحداث التاريخية قد أدخلَ كثيراً من الأحاديث الموضوعة إلى كتب التاريخ والسيرة.

    ونظراً للظروف المساعدة التي كانت موجودة في عصرهما، قام الصادقان (عليهما السلام) برواية التاريخ وسيرة



    ____________
    (1)وسائل الشيعة: ج30، ص291.
    (2)انظر: الكافي: ج1، ص100 ـ 107.
    (3)انظر: كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ص14.
    (4)وسائل الشيعة: ج27، ص61، ح33201


    [21]
    *****





    النبي الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبيّنا فيه الكثير من الحقائق التاريخية.

    مثلاً كان الإمام الباقر(عليه السلام) قد حضرَ واقعة عاشوراء في كربلاء، فوصل إلينا من طريقه(عليه السلام) بعض الروايات التي تحكي عن واقعة عاشوراء(1).

    و) الأخلاق والدعاء

    من الملاحظ وجود الوصايا والمواعظ الأخلاقية على مدى جميع العصور، إلاّ أنّ صبغة الثقافة الاجتماعية في هذه الوصايا بارزة بشكل أكبر في أحاديث الصادقَين (عليهما السلام).

    وقد جهّز الإمام الصادق(عليه السلام) أصحابه بسلاح الأخلاق والدعاء، وزيّنهم بها في فترة راج فيها التصوّف في أوساط أهل السنّة.

    والأدعية الواردة عن الإمام الصادق(عليه السلام) أكثر من الأدعية الواردة عن الإمام السجّاد(عليه السلام)، إضافة إلى كثير من أدعية الأئمّة السابقين(عليهم السلام)، ومنها: الصحيفة السجّادية التي وصلت إلينا بواسطته(عليه السلام).


    المرحلة الثالثة: عصر ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)

    يبدأ عصر ما بعد الصادقَين (عليهما السلام) من سنة (145ه)، وينتهي في بداية الغيبة الصغرى سنة (260ه)، وهو يختلف بشكلٍ واضح عن عصر ما سبقه، وقد عاش في ذلك العصر خمسة من الأئمّة الأطهار(عليهم السلام). وسوف نتناول في هذا الدرس عدّة مطالب ترتبط بهذا العصر:

    1 ـ طبيعة الأوضاع في عصر ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)

    من الاُمور التي تساعدنا على فهم مراحل تاريخ الحديث المتداخلة هو: دراستنا للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في ذلك العصر.

    أ) الأوضاع السياسية

    في عصر ما بعد الصادقين سيطر بنو العبّاس سيطرة كاملة على المجتمع الإسلامي، وقد واجه الأئمّة(عليهم السلام) ضغوطاتٍ شديدة في تلك الفترة التي بلغت (115 سنة)، ونالوا شتّى أصناف الأذى من حكّام الدولة العبّاسية، من السجن والحصار والمراقبة، حتّى استشهدوا جميعاً بالسمّ(عليهم السلام).

    ب) الأوضاع الاجتماعية

    من الاُمور المتميّزة في ذلك العصر هو إزدياد عدد الشيعة وتوسّع مناطق وجودهم وانتشارهم، ولم تعد محدودة بالكوفة، بل تعدّت إلى مناطق اُخرى، مثل: قم, طبرستان، خراسان، بغداد، مصر، اليمن، وغيرها،



    ____________
    (1)انظر: الإمامة وأهل البيت لمحمّد بيومي مهران: ج3، ص17.


    [22]
    *****





    وتحسّن وضع الشيعة الاقتصادي بتحسّن الوضع الاقتصادي العامّ، فقد كانت الكثير من الأموال من قبيل الخمس وغيره تُجبى إلى الأئمّة(عليهم السلام)، ممّا أدّى إلى إيجاد نظام الوكالة(1).

    ج) الأوضاع الثقافية

    ويمكن إجمالها ضمن النقاط التالية:

    • انتظام التراث الشيعي واتّضاح معالمه.
    • تحوّل تدوين الحديث من الاُصول الأربعمئة إلى الكتب ذات التقسيم الموضوعي، ومن ثمّ تحوّلت إلى الجوامع الحديثية(2).
    • ترسّخت ـ بأمرٍ من الأئمّة(عليهم السلام) أنفسهم ـ ثقافة الرجوع إلى علماء الشيعة، لكي تقوم مقام الرجوع إلى الأئمّة(عليهم السلام)، من أمثال: زكريا بن آدم، وأبي بصير الأسدي, وغيرهما(3).
    • كثرة المدوّنات الحديثية عن الأئمّة(عليهم السلام).
    • ظهور كتب المسائل والاحتجاجات والأبحاث الكلامية للأئمّة(عليهم السلام) وأصحابهم.
    • ظهور بعض العلوم الحديثية، مثل: علم الدراية، وعلم الرجال.
    • ازدياد مسألة عرض الأحاديث على الأئمّة(عليهم السلام).

    2 ـ طرق نشر الحديث في عصر ما بعد الصادقَين (عليهما السلام)

    نظراً للضغوط والمضايقات الحاصلة من قِبَل حكومة بني العبّاس من جهة، واتّساع مجال الحديث من جهةٍ اُخرى، تغيّرت طريقة نشر الأحاديث واُضيفت إليها طُرق اُخرى، وهي كما يلي:

    أ) الأسئلة

    كان اُسلوب السؤال عن الاُمور الفقهية وغيرها رائجاً بين المسلّمين منذ عهد النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن منذ عصر الصادقَين (عليهما السلام) تغيّرت نوعية الأسئلة لتكون أسئلة ذات متخصصة ودقيقة

    فقد كتب عدد من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) وعلماء الشيعة كتباً بعنوان المسائل، مثل: زكريا بن آدم، ومحمّد بن سليمان الرازي، وهارون بن مسلّم، ويعقوب بن يزيد، ويعقوب بن إسحاق وغيرهم.

    وأشهر هذه الكتب هو ما ألّفه علي بن جعفر(رحمه الله) الأخ الأصغر للإمام الكاظم(عليه السلام) بما يُعرف باسم مسائل علي بن جعفر، ويحتوي الكتاب على مجموعة من الأسئلة الموجّهة من قِبله إلى أخيه الإمام الكاظم(عليه السلام) في عدد من الأبواب الفقهية.



    ____________
    (1)انظر: الرسائل العشر للطوسي: ص16 مقدّمة المحقّق.
    (2)انظر: الاُصول الستّة عشر من الاُصول الأوّلية: ص17 مقدّمة المحقّق.
    (3)انظر: مستدرك سفينة البحار: ج4، ص80.


    [23]
    *****





    ب) المكاتبات

    ظهرت المكاتبات في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)، وانتشرت بشكلٍ أكبر في عهد الإمام الكاظم وبقية الأئمّة(عليهم السلام)، وقد ظهرت الرسائل المباشرة من قِبلهم(عليهم السلام) إلى أصحابهم، مثل: علي بن يقطين، وحسين بن مختار وغيرهما.

    ج) الوكالة

    استبدل الأئمّة(عليهم السلام) الرجوع إليهم بالرجوع إلى علماء الشيعة، كما هو الحاصل في عصر الغيبة، وذلك لصعوبة الاتّصال المباشر مع الأئمّة(عليهم السلام) لبعد المسافة، فقاموا(عليهم السلام) بتنصيب أشخاص معينين في كلّ منطقة، يقومون بالإجابة عن الأسئلة والفصل في القضايا الواردة والحُكم فيها(1)، وإيصال أسئلة الناس إلى الإمام(عليه السلام)، ومن ثمّ إرجاعها إلى الناس(2).

    د) الاحتجاجات والمناظرات

    الاحتجاجات والمناظرات اُسلوب آخر من الأساليب التي اتّخذها الأئمّة(عليهم السلام) لنشر الحديث، وقد استُخدم في عصر الإمام الرضا(عليه السلام)، في عهد المأمون العبّاسي.

    وكذلك استُخدم في عصر الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)؛ وذلك لكثرة الشبهات حول صغر سنّهما (عليهما السلام)، على أنّه قد استُخدم هذا الاُسلوب في حياة بقية الأئمّة(عليهم السلام) أيضاً، وقد قام الشيخ الطبرسي(رحمه الله) بجمع هذه المناظرات في كتابه الاحتجاج(3).

    3 ـ الحديث في عصر الإمام الكاظم(عليه السلام)

    أدّى وجود مدرسة الحديث التابعة للإمام الصادق(عليه السلام) ـ والتي كان عدد الحاضرين فيها ما لا يقلّ عن (900) شخص في مسجد الكوفة فقط(4) ـ إلى ازدهار مجال الحديث والمعارف الإسلامية في عصر الإمام الكاظم(عليه السلام)، ومع أنّه(عليه السلام) قد قضى أيّاماً صعبة في عهد الخليفتين العبّاسيين: المنصور، وهارون، إلاّ أنّه مع ذلك قد نُقل عنه(عليه السلام) أكثر من ألفي حديث.

    وبما أنّ الرواية عن الإمام بذكر اسمه بشكل صريح كانت لها عواقب وخيمة، فقد ذكر اسم الإمام(عليه السلام) بالكناية في هذه الروايات، مثل: أبو الحسن وهي الكنية المشهورة للإمام الكاظم(عليه السلام)، والعالم، وأبو إبراهيم، والعبد الصالح، وغيرها.



    ____________
    (1)انظر: مستدرك سفينة البحار: ج4، ص80.
    (2)إثبات الوصية للمسعودي: ص262؛ وانظر أيضاً: سازمان وكالت (فارسي) لمحمّد رضا جبّاري.
    (3)انظر: الاحتجاج: ج2، ص238 ـ 247.
    (4)انظر: رياض المسائل للسيّد علي الطباطبائي: ج1، ص18.


    [24]
    *****





    وتناولت الروايات الواردة عنه(عليه السلام) أبواباً ومواضيع متعدّدة، نذكر منها ما يلي:

    أ) الفقه

    ما ورد عن الإمام الكاظم(عليه السلام) في باب الفقه يعادل 60 من الروايات الواردة عنه(عليه السلام)، وهذا يبيّن لنا رواج المسائل الفقهية في ذلك العصر، ودقّة أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، وخصوصاً في باب الفقه.

    ب) العقل

    إنّ خطاب الإمام الكاظم(عليه السلام) المطوّل الذي خاطبَ به هشام بن الحكم حول العقل والاستدلال العقلي كان خطاباً رائعاً وشاملاً لجميع الجوانب في هذا الموضوع، ويحتوي هذا النصّ القيّم على بيان منزلة العقل في نظام المعرفة الإنسانية، وكيفية طريقة الاستدلال بالقرآن الكريم وروايات المعصومين(عليهم السلام) في هذا الموضوع.

    وقد استدلّ الإمام الكاظم(عليه السلام) في هذه الرواية بأربعين آية من آيات القرآن الكريم(1).

    ج) العقائد

    أدّى انتشار الأبحاث الكلامية حول الحقّ سبحانه وتعالى وصفاته، وحول النبوّة والإمامة، وغيرها من الأبحاث، إلى صدور أحاديث عن الإمام الكاظم(عليه السلام) حول هذه المسائل لتبيين الحقّ فيها.

    د) المواعظ

    وردت عن الإمام الكاظم(عليه السلام) مواعظ وأحاديث أخلاقية تشكّل بمجموعها 10 ممّا ورد عنه(عليه السلام).

    4 ـ الحديث في عصر الإمام الرضا(عليه السلام)

    يعتبر عصر الإمام الرضا(عليه السلام) من أكثر العصور التي شهدت أحداثاً مهمّة، فبدأت إمامته(عليه السلام) في سنة (183ه)، متزامنة مع وزارة البرامكة الذين كانوا من أعداء الشيعة، وبعد هلاكهم عام (188ه) توفّرت الفرصة المناسبة لتحرّكه(عليه السلام).

    وما يهمّنا هنا في تاريخ الحديث عند الشيعة هو البحث في النقاط التالية:

    أ) معرفة الآثار المهمّة لتواجد الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان في أواخر عام (200ه).

    وهي كما يلي:

    أوّلاً: نشر التراث الحديثي الشيعي

    كانت خراسان ـ والتي تشمل: سمرقند، وأفغانستان، وخراسان الحالية ـ أحد أهم مراكز نشر الحديث عند أهل السُنّة، ثمّ انتشر الحديث الشيعي بدخول الإمام الرضا(عليه السلام) إلى هذه المنطقة، والناس الذين كانوا يذهبون إلى المدينة والكوفة لسماع الحديث من أهله شرعوا بالسفر أيضاً إلى خراسان؛ لأجل أخذ



    ____________
    (1)الكافي: ج1، ص 13 ـ20، ح12؛ تحف العقول: ص383 ـ 403.


    [25]
    *****





    الحديث عن الإمام الرضا(عليه السلام).

    ويمكن القول بأنّ آثار تواجد الإمام الرضا(عليه السلام) في المجتمع السنّي واضحة جدّاً، إلى درجة أنّ عدد أحاديثه(عليه السلام) في موسوعات أهل السُنّة أكبر من عدد أحاديث الصادقين (عليهما السلام) فيها.

    ويعتبر بعض علماء أهل السنّة، ومنهم أحمد بن حنبل أنّ إسناد أحاديث الإمام الرضا(عليه السلام) من أحسن الأسانيد الموجودة في كتب الحديث(1).

    ثانياً: انتشار الأحاديث العقائدية بين عامّة الناس

    إنّ تواجد الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان وقيامه بالمناظرات التي كان يعدّها الخليفة العبّاسي الماكر المأمون، كان له الأثر في انتشار الأحاديث العقائدية بين عامّة الناس، وكذلك له الأثر في ترسيخ عقيدة النصّ على الإمامة، بحيث قُبلت إمامة الإمامين الجواد والهادي رغم صغر سنّهما (عليهما السلام)، ولم يحدث أيّ انقسام في أوساط الشيعة حول ذلك.

    ثالثاً: تحوّل إيران إلى مقرٍّ للشيعة

    إنّ تواجد الإمام الرضا(عليه السلام) واستشهاده في خراسان، أدّى إلى أن تكون إيران محطّ أنظار الشيعة، حيث قام أبناء الأئمّة(عليهم السلام) ـ الذين كان معظمهم من العلماء ورواة الحديث الشريف ـ بزيارات متعدّدة لقبره الشريف، فتحوّل ذلك المكان إلى مقرٍّ للشيعة، وتحوّلت بعض المُدن مثل «قم» إلى مُدن شيعية خالصة.

    ب) التراث الحديثي للإمام الرضا(عليه السلام)

    جمع الشيخ عزيز الله عطاردي في كتابه مسند الإمام الرضا(عليه السلام) حوالي ألفين حديث مروية عن طريقه(عليه السلام)، في أبواب متنوّعة نشير إلى بعضها:

    أوّلاً: الأحاديث العقائدية

    تعتبر الروايات الواردة في باب التوحيد وخصوصاً صفات الباري(عزّ وجلّ) وعدم رؤيته وأحاديث الإمامة، من هذا النوع.

    أمّا أحاديث الإمامة الواردة عن الإمام الرضا(عليه السلام) ـ والتي يصل عددها إلى (500) حديث ـ فهي أكثر من الروايات الواردة عن الإمام الصادق(عليه السلام)(2).

    ثانياً: الأحاديث الفقهية

    ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) ما يقارب (1100) حديث فقهي، واكتسبت هذه الأحاديث أهمّية كبيرة؛



    ____________
    (1)انظر: الخصال: ص53.
    (2)انظر: مسند الإمام الرضا: ج1، ص88 ـ 48.


    [26]
    *****





    نظراً لحضور عدد كبير من الرواة المتميزين في مجلسه الشريف، من أمثال: ابن أبي عمير، والبزنطي وغيرهم.

    ثالثاً: الأحاديث التفسيرية

    إنّ الأسئلة التي كان يوجّهها العامّة للإمام الرضا(عليه السلام)، ومن ثمّ إجابته المبرهنة بالآيات القرآنية، أدّت إلى ظهور الأحاديث التفسيرية وتبيين مصاديق الآيات القرآنية، وتشكّل هذه المجموعة مقدار 10 من أحاديث الإمام الرضا(عليه السلام)، وتوجد بعض النصوص القيّمة الواردة عنه(عليه السلام) تبيّن جامعية وشمول أحاديثه لكثير من أبواب العلوم والمعارف الإسلامية(1).

    ج) الكتب المنسوبة إلى الإمام الرضا(عليه السلام)

    نُسبت إلى الإمام الرضا(عليه السلام) ثلاثة كتب هي: صحيفة الإمام الرضا، وفقه الرضا، وطبّ الرضا.

    وصحيفة الإمام الرضا(عليه السلام) هي المشهورة والمعتبرة من بين تلك الكتب الثلاثة، وموجودة في كتب القدماء، وقد شرحها الشيخ فضل الله الرواندي(رحمه الله)، ولها نسخ قديمة معتبرة.

    5 ـ الحديث في عصر الأئمّة المتأخّرين (الجواد والهادي والعسكري) (عليهم السلام)

    أخذت الأحاديث والمعارف الإسلامية شكلها النهائي في عصر الأئمّة المتأخّرين(عليهم السلام)، فقد قام أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، وعلماء الشيعة في ذلك العصر بتدوين وترتيب الأحاديث، وازدادت مجالس الحديث وتأسّست المدارس لذلك، واتّضحت المسائل الاعتقادية وخصوصاً الإمامة، وتبيّنت بشكلٍ واضح في عهد الإمام الرضا(عليه السلام)، وسلّم جمهور الشيعة وعلماؤهم بإمامة الإمام الجواد(عليه السلام) وهو في سنّ السابعة، وإمامة الإمام الهادي(عليه السلام) وهو في سنّ الثامنة، لذلك لم تحصل أيّ اختلافات أو انقسامات في أوساط الشيعة.

    ولأنّ الإمام الجواد والإمام الهادي والإمام الحسن العسكري(عليهم السلام) كانوا تحت رقابة الحكومة، بل كانوا محاصرين من قبلها، أدّى ذلك إلى قلّة الأحاديث المنقولة عنهم(عليهم السلام) بشكلٍ ملحوظ.

    فعدد الأحاديث الواردة عن كلّ واحد منهم(عليهم السلام) ما يقارب (400) حديث، أي إنّ مجموع الأحاديث الواردة عنهم(عليهم السلام) ما يقارب (1200) حديث فقط، وفي المقابل ازدادت كمّية الروايات المكتوبة عنهم(عليهم السلام) في رواياتهم بنسبة تقارب30 إلى 40 وهي نسبة تفوق نسبة الروايات المكتوبة الواردة عن الأئمّة السابقين(عليهم السلام)، وقد جاءت هذه الروايات من خلال أسئلة بعض خواصّ الأصحاب أو العلماء.

    وتشكّل الروايات الفقهية حوالي 30 من الروايات الواردة عن الإمام الجواد(عليه السلام)، بينما تقلّ هذه النسبة في روايات الأئمّة(عليهم السلام) الذين تأخروا عنه.



    ____________
    (1)انظر: تحف العقول: ص415 ـ 451.


    [27]
    *****





    ومن النشاطات الملحوظة للأئمّة(عليهم السلام) في تلك الفترة: تبيين العقائد الحقة، والوقوف أمام أفكار الغلاة ومحاربتها، وهو ما نشاهده في بعض الأدعية والزيارات، وخصوصاً الزيارة الجامعة، كما تمّ في هذه الفترة تدوين بعض المجاميع الحديثية على يد بعض أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، مثل: يونس بن عبد الرحمن، وابن أبي عمير، ثمّ تكاملت هذه المجاميع على يد الحسين بن سعيد، فقام بترتيبها على أساس نظرته الخاصّة في تدوين الروايات، ثمّ أخذ بتدوين الأحاديث بشكلٍ جميل ومتناسق، فجعلها في ثلاثين باباً من أبواب الفقه، ويُسمّى مجموع كتابه بالثلاثين، وقد استُخدمت طريقته في التأليف والتبويب وانتشرت بين الفقهاء.

    ومن جملة الرواة المشهورين في ذلك العصر هم: السيّد عبد العظيم الحسني، وعلي بن مهزيار، وأبو هاشم الجعفري، وإبراهيم بن هاشم، وغيرهم.

    ثانياً: عصر الغيبة

    هو العصر الذي غاب فيه الإمام الثاني عشر المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عن الأنظار. وتميّز هذا العصر بوجود العلماء والفقهاء، ويشتمل على مرحلتين:

    المرحلة الاُولى: الغيبة الصغرى

    كان من آثار ونتائج انتشار الثقافة الشيعية الخاصّة بتلقّي وتعلّم العلوم والمعارف الإسلامية الشيعية هي: تواصل الناس مع الوكلاء (السفراء) بشكلٍ مستمرّ في عصر الغيبة الصغرى، ظهور اُسلوب المكاتبات والتوقيعات، الرجوع إلى علماء الدين بدلاً من الرجوع المباشر للإمام(عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

    وفي تلك الفترة فقدت مدرسة الكوفة الحديثية رونقها وازدهارها تدريجياً، كما ازدهرت في المقابل مدرسة قم الحديثية(1)، وهاجر كثير من العلماء من أمثال: إبراهيم بن هاشم، والبرقي من الكوفة إلى قم، وانتقلت معهم المعارف الحديثية إلى حيث انتقلوا، وخضعت هذه المعارف لقوانين مدرسة قم الحديثية. وازدهرت مدرسة قم الحديثية بشكلٍ كبير بين عامي (200ه) و(400ه)، وبلغت في عام (300ه) في أوج ازدهارها.

    واُلّفت في هذه الفترة كتب مهمّة، مثل: المحاسن، الكافي، كتاب من لا يحضره الفقيه. وقد بدأت مدرسة بغداد بالنموّ والازدهار في تلك الفترة أيضاً، ومن عوامل ذلك الازدهار: تجمّع الشيعة بالقرب من ضريحي الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)، وسكنوا أطراف تلك المنطقة، وكذلك وجود النوّاب الأربعة للإمام المهدي(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في بغداد، وهو ما أدّى إلى تثبيت المجتمع الشيعي في تلك المنطقة وتوسّع وجوده، وهذا الأمر كان له الأثر الكبير في تاريخ التشيّع في بغداد، وانتشار المذهب فيها.

    ولا يخفى أنّ للإمام الغائب المنتظر(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وكلاء كثيرين غير السفراء الأربعة، كانوا يقطنون في بغداد



    ____________
    (1)انظر: رياض المسائل: ج1، ص27؛ رسائل ومقالات لجعفر السبحاني: ص92.


    [28]
    *****





    والكوفة وقم، وغيرها من مناطق العراق وإيران، إلاّ أنّ السفراء منزلتهم أعلى، وهم النوّاب وأساتذة الفقه والدرس، عنهم تأخذ الشيعة، وهم الطريق إلى الإمام وبابه(1).

    والنوّاب الأربعة هم السفراء من قِبَل الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر(عجّل الله تعالى فرجه الشريف) في زمن غيبته الصغرى، الذين خرجت في حقّهم توقيعات من الناحية المقدّسة بسفارتهم، وهم على التوالي:

    1 ـ عثمان بن سعيد العمري السمّان(رحمه الله)، من وكلاء الإمام المهدي والهادي والعسكري(عليهم السلام)، وقد خرج التوقيع من الإمام الحجّة بسفارته.

    2 ـ محمّد بن سعيد العمري(رحمه الله)، المتوفّى سنة (305ه)، كان وكيلاً من قِبَل الإمام العسكري والحجّة (عليهما السلام).

    3 ـ الحسين بن روح النوبختي(رحمه الله)، المتوفّى سنة (326ه)، وقد خرج التوقيع بسفارته في زمن سفارة محمّد العمري.

    4 ـ على بن محمد السمري(رحمه الله)، المتوفّى سنة (329ه)، وقد خرج التوقيع بسفارته في زمن الحسين بن روح، وبوفاة السمري تنتهي السفارة وتبدأ الغيبة الكبرى.

    والجدير بالذكر أنّ مدرسة بغداد لم تتكامل إلاّ في عصر الشيخ المفيد(رحمه الله)، ذلك العالِم النابغة الشيعي العظيم والذي له فضل كبير على جميع الشيعة، وتطوّرت في عصره مدرسة بغداد الحديثية واتّضحت معالمها وبانت خصائصها وتأثيرها.

    المرحلة الثانية: الغيبة الكبرى

    أ) الأوضاع الاجتماعية والثقافية للعالم الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجري:

    اُصيبت الحكومة العّباسية بالضعف في القرن الرابع الهجري، وقامت الثورات الداخلية في مناطق متعدّدة من البلاد الإسلامية، إذ تمرّد كثير من الولاة المنصّبين من قِبَل الحكومة العّباسية، واستقلّوا بالمناطق الواقعة تحت نفوذهم، بحيث لم يعد للخليفة العبّاسي من الخلافة إلاّ الاسم، وتقلّص نفوذه، واقتصر على بغداد وما حولها، واستولى السامانيون على خراسان، والفاطميون على مصر وما حولها، واستولى الحمدانيون على الموصل، وأخذ آل بويه بزمام السلطة في إيران، وسيطروا على مناطق الوسط والجنوب منها، وقد توسّعت سلطتهم تدريجياً داخل العراق حتّى شملت عاصمة الخلافة بغداد.

    وكان الخليفة العبّاسي لعبة في أيدي آل بويه من عام (334ه) إلى عام (344ه)، وهو عام سقوط حكومتهم في بغداد، وكان آل بويه في هذه الفترة ينصّبون أيّ خليفة شاؤوا، فإذا سخطوا عليه قاموا بعزله، بل كانوا يقومون بتعذيبه أو رميه في السجن أحياناً اُخرى. وكانوا قد عيّنوا للخليفة العبّاسي راتباً قليلاً



    ____________
    (1)الكليني والكافي: لعبد الرسول الغفّار: ص75.


    [29]
    *****





    يُدفع له في فترة معيّنة.

    كما قام آل بويه بنشر الثقافة الشيعية وآداب الشيعة ورسومهم، ففي زمن معزّ الدولة عام (352ه) اُعلن يوم عاشوراء يوم عزاء بشكلٍ رسمي ويوم عطلة عامّة، واتّشحت المدينة بالسواد، وعمّت مظاهر العزاء كلّ مكان تحت حكومتهم، وفي نفس تلك السنة اُعلن الاحتفال بعيد الغدير، واُُقيمت الاحتفالات العامّة بتلك المناسبة.

    تلك الأجواء الثقافية الشيعية الجديدة، جعلت الشيعة يبذلون جهداً كبيراً في نشر العلوم والمعارف الشيعية وتنمية تلك الثقافة. وقد هيّأ الوزراء العلماء، مثل: شابور بن أردشير، والصاحب بن عُبّاد(رحمهما الله) الأرضية لنشر الثقافة وخصوصاً الثقافة الشيعية.

    وقد ثبت بالتجربة أنّه حينما تُتاح الفرصة لعلماء الشيعة، فإنّهم يثبتون جدارتهم في مجال نشر الثقافة الإسلامية، وفي تلك الفترة وصلت الثقافة الإسلامية إلى أوج ازدهارها، ومن العلماء الذين عاشوا في تلك الفترة: الشيخ المفيد، الشيخ الطوسي، السيّد المرتضى، السيّد الرضي، ابن سينا، الخوارزمي، الصاحب بن عبّاد، وغيرهم.

    كما أدّى تأسيس المكتبات العملاقة إلى انتشار الثقافة الإسلامية، فقد كانت مكتبة شابور بن أردشير تحتوي على (80) ألف كتاب، كثير منها كُتب بخطّ المؤلّف أو بخطّ النسّاخ المشهورين، ومكتبة السيّد المرتضى كانت تضم نفس العدد أيضاً(1) (من النادر أن يوجد هذا العدد من الكتب في إحدى المكتبات في عصرنا الحاضر).

    وكان من الألطاف والأنعام الإلهيّة ظهور شخصية علمائية عبقرية في عالَم التشيّع وهو الشيخ المفيد(رحمه الله) (ت 413ه) في بغداد.

    وقد استطاع الشيخ المفيد ـ بسبب قدرته العلمية ومباحثاته ومناظراته الكلامية مع جميع المذاهب والفِرق ـ أن يحوِّل المجتمع الشيعي من مجتمع منزوٍ ومعزول إلى مجتمع يملك الغلبة المذهبية، وقد اثبت الشيخ(رضي الله عنه) تفوّقه العلمي على جميع علماء دار الخلافة، وأدّّى احترام آل بويه للشيخ المفيد إلى احترام ما يقوله أيضاً.

    ولا توجد شخصية علمائية شيعية بذلت مجهوداً عظيماً في استخراج قواعد علمية دقيقة في الفكر الشيعي كالشيخ المفيد(رحمه الله)، لذا فقد تطوّرت الحوزة الشيعية في زمانه بشكلٍ كبير في شتّى المجالات العلمية، ولا زلنا نستفيد من ثمار تلك الجهود المبذولة في ذلك العصر إلى يومنا هذا.

    وحضر تشييع جنازة الشيخ المفيد(رحمه الله) ما يقارب (80) ألف شخص، ولم يسبق أن حضر مثل هذا



    ____________
    (1)انظر: روضات الجنّات: ص383.


    [30]
    *****





    العدد في تشييع جنازة قبل ذلك التاريخ(1)، وتعتبر تلك الفترة فترة ازدهار وعلوّ الثقافة الشيعية. وقد نُسب إلى الشيخ المفيد مؤلّفات تتجاوز أكثر من (250) مؤلّف(2).

    وكُتبت في تلك الفترة كتب مهمّة، منها: كتاب مَن لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار، نهج البلاغة، الإرشاد، وكتب أخرى كثيرة، وفي تلك الفترة قام الشيخ الطوسي(رحمه الله) بإعطاء الفقه الشيعي مظهراً جديداً متطوّراً يحوي بداخله التفريعات الكثيرة للمسائل الفقهية والتي تلبّي احتياجات ذلك العصر.

    كما استطاع الشيخ الطوسي حلّ كثير من مشاكل التعارض الظاهري بين الروايات، وذلك في كتابيه: التهذيب، والاستبصار.

    وقام كتاب رجال النجاشي، وكتاب فهرست الطوسي بالتعريف بعلماء الشيعة ورواتهم ومصنّفاتهم، وفي تلك الفترة أيضاً ألّف ابن النديم كتابه المشهور الفهرست، وأورد فيه أسماء المؤلّفات الشيعية والسنّية.

    وقام ابن سينا بتطوير علمي الطبّ والفلسفة، وإيصالهما إلى مستويات علمية رفيعة، ولكن للأسف الشديد لم تستمرّ هذه الفترة طويلاً، حيث أدّت الخلافات الحاصلة بين حكّام آل بويه المتأخّرين إلى تضعيف حكومتهم وخروج المناطق التي كانت تحت حكمهم عن سيطرتهم تدريجياً لتنتقل السلطة إلى الحكّام المحلّيين في تلك المناطق، وخصوصاً السلاجقة.

    وفي نهاية الأمر استطاع السلاجقة السيطرة على بغداد، كما حصلوا على تأييد الخليفة العبّاسي لهم، وبعد سقوط آل بويه ساءت الاُمور كثيراً بالنسبة إلى الشيعة، وفي حريق بغداد المشهور سنة (448ه)، احترقت جميع الأحياء الشيعية في الكرخ، واحترقت مكتبة الشيخ الطوسي، ومكتبة شابور بن أردشير الكبيرة أيضاً(3).

    ب) الحديث بين القرنين العاشر والثاني عشر

    للحديث ما بين القرنين العاشر والثاني عشر منزلة خاصّة في تاريخ إيران الإسلامي وتاريخ الشيعة، حيث توجد أربع فترات هامّة جدّاً في تاريخ حديث الشيعة:

    1 ـ عصر الصادقَين (عليهما السلام).
    2 ـ القرن الرابع والنصف الأوّل من القرن الخامس.
    3 ـ القرن الحادي عشر والثاني عشر.
    4 ـ عصر الثورة الإسلامية.



    ____________
    (1)انظر: أوائل المقالات: ص246 مقدّمة المحقق.
    (2)انظر: المسترشد للطبري: ص84.
    (3)انظر: معالم المدرستين: ج1، ص262؛ أعيان الشيعة: ج7، ص326.


    [31]
    *****





    وليس غرضنا هنا المطالعة والبحث في تاريخ الدولة الصفوية وسياستها، فالأسئلة من قبيل: مَن هم الصفويون؟ وماذا فعلوا؟ أسئلة ومواضيع تتمّ الإجابة عنها وتتناول بالنقد والتحليل في مكانٍ آخر، ولكن ما نريد قوله هنا: إنّ العصر الصفوي كان أرضية مساعدة لترويج ونشر الثقافة الشيعية، واستغلّ الكثير من العلماء تلك الفرصة وقاموا بأداء أعمال مهمّة أساسية في مجال الحديث.

    وقد أدّى تأسيس دولة شيعية قوية إلى ازدياد الحركة العلمية للعلماء وأنشطتهم الثقافية، كما تمّ تأسيس العديد من المدارس، وازدادت حركة التعليم وارتقت الثقافة العامّة للناس.

    وازدهر هذا العصر بوجود علماء مثل: المحقّق الكركي، والشيخ البهائي، والملاّ صدرا، والملاّ محسن فيض الكاشاني، والشيخ الحرّ العاملي، والميرداماد، والمجلسي الأوّل، والعلاّمة المجلسي، ومئات العلماء الآخرين، الذين صنّفوا في عدّة علوم، مثل: الفقه والحديث والفلسفة وغيرها، ولا زال العلماء إلى يومنا هذا يستفيدون من تلك الكتب.

    ولاقى الحديث وعلومه اهتماماً خاصّاً ذلك هذا العصر، واتُخذت خطوات مهمّة في تلك الفترة بالنسبة لمجال علوم الحديث، ويمكننا تقسيم الإنجازات التي تحقّقت في هذا المجال كما يلي:

    أوّلاً: نسخ الكتاب وزيادة نسخه

    من المعلوم أنّ الشيعة كانوا يعانون من اضطهاد أعدائهم، فلم تتح لهم الفرصة لنشر معارفهم وعلومهم وثقافتهم بحرّية. وأدّت هذه الظروف والأوضاع إلى الحدّ من انتشار الحديث والمعارف الشيعية بين عامّة الناس، وأدّى الاضطهاد ومن ثُمّ التقية إلى اختفاء وفقدان عدد من النسخ الخطّية لكُتب الحديث، وكم من كتابٍ قد اُحرق على أيدي الكثير من المتعصّبين من مخالفي الشيعة، فقام الكثير من أصحاب الكتب بإخفاء كتبهم في منازلهم خوفاً من هجوم الحكومة الظالمة عليهم، فلم تصل إلى مَن بعدهم.

    وحين وجد العلماء في عهد الصفويين الفرصة سانحة لنسخ الكتب، قاموا بنسخها واشتغلوا به، ممّا أدّى إلى إحياء كثير من الكتب المغفول عنها.

    فلو راجعنا فهارس النسخ الخطّية لكتب الحديث، نلاحظ وجود فارق كبير بين هذين القرنين والقرون السابقة لها، وفي تلك الفترة كان العلماء ينسخون ما يعثرون عليه من الكتب الشيعية، فكانت توضع في المكتبات لتُحفظ من الضياع.

    وقد كان للعلاّمة المجلسي ووالده(رحمهم الله) الدور الكبير في هذا المجال، حيث يقول المجلسي الأوّل(رحمه الله): «يوجد في هذه المدينة شخصان أو ثلاثة ممّن لديهم كتب حديث في مكتباتهم لم يطّلع عليها أحد، مع أنّنا الآن في عام (1066ه) وقد مضى ما يقارب أربعين سنة منذ أن بدأتُ في جمع الكتب، حتّى صارت كلّ مكـتبة تحتوي على أكثر من نسخة لكلّ كتاب... وأشكر الله سبحانه وتعالى إذ إنّ كثيراً من الطلاّب والفضلاء يقضون معظم أوقاتهم في تعلّم الحديث الشريف».


    [32]
    *****





    وقد خُصّصت بعض الأوقاف ووضِعت تحت تصرّف المرحوم المجلسي(رحمه الله)؛ ليستعين بها على عمله في نسخ كتب الحديث(1)، حيث ساعد هذا المجهود الكبير ـ والعمل الشاقّ والدؤوب بلاشكّ ـ في تهيئة كثير من مصادر الموسوعة الكبيرة بحار الأنوار.

    وقام المجلسي الأوّل(رحمه الله) بإحياء الصحيفة السجّادية، ووزّع عدداً من نسخها على جميع مناطق إيران، وتكمن أهمّية وقيمة عمل العلاّمة المجلسي والآخرين في ضبطه ونسخه للنسخ الخطّية الصحيحة والموثوق بها، إذ إنّ النسخ التي اعتمد عليها البحار تعتبر من أحسن النسخ المتوفّرة للكتاب المنسوخ.

    ثانياً: الموسوعات الحديثية

    اتّخذت خطوات مهمّة في تدوين الموسوعات في تلك الفترة، فالموسوعات الحديثية الشيعية، مثل: الوافي، ووسائل الشيعة، وبحار الأنوار كلّها كُتبت في تلك الفترة، وكان العلماء سابقاً يراجعون الكتب الأربعة لاستخراج الأحكام الفقهية، إذ لم يكن هناك كتاب حديثي فقهي جامع في العصور السابقة.

    وقام المرحوم الفيض الكاشاني(رحمه الله) بجمع الكتب الأربعة بشكلٍ جميل في كتابه الوافي، وكان كتابه ذا صبغة فقهية 90 من أحاديث الكتاب في مجال الفقه).

    أمّا الشيخ الحرّ العاملي(رحمه الله) فقد قام بجمع الأحاديث الفقهية من أكثر من (80) كتاباً حديثياً في كتابه الخالد وسائل الشيعة، والذي لا يزال لحدّ الآن من أهمّ المصادر الحديثية التي يراجعها الفقهاء لاستنباط الأحكام الشرعية.

    وقام العلاّمة المجلسي(رحمه الله) بعملٍ جبّار في كتابه بحار الأنوار، فهي أوّل مرّة تؤلّف فيها موسوعة حديثية غير فقهية تحتوي على مواضيع تاريخية.

    ثُمّ جاء المرحوم البحراني بعد العلاّمة المجلسي، وألّف موسوعة عوالم العلوم، وهي أوسع من البحار، وهناك مؤلّفات حديثية اُخرى كثيرة.

    ثالثاً: الشروح والتأليف في مجال فقه الحديث

    من أهمّ ما قام به العلماء في ذلك العصر كتابة الشروح على الأحاديث، ويجب التذكير هنا بأنّه وللأسف لم يكن قبل ذلك العصر شروح أو تحليل للأحاديث غير الفقهية، حتّى بعض الكتب المعتبرة والمهمّة مثل الكافي لم تكن لها شروح تُذكر.

    يقول المرحوم الميرداماد(رحمه الله) في مقدمة كتابه ضمن مدحه للكليني(رحمه الله) وكتابه الكافي: «لم يتهيّأ لأحدٍ من العلماء والفقهاء والعقلاء والحكماء من عصر تصنيفه إلى زمننا هذا ـ والمدّة سبعمئة سنة ـ أن يتعاطى



    ____________
    (1)اللوامع للصاحبقراني: ج8، ص3.


    [33]
    *****





    حلّ غوامضه وشرح مغامضه ويتفرّغ لتفسير مبهماته»(1).

    وللمجلسي الأوّل(رحمه الله) شرح على كتاب مَن لا يحضره الفقيه باللغتين العربية والفارسية، ويُسمّى شرحه باللغة العربية بـ«روضة المتّقين».

    وكذلك قام الفيض الكاشاني(رحمه الله) بشرح الأحاديث في كتابه الوافي، وكذلك الملاّ صدرا ـ الفيلسوف والمفكّر الكبير ـ له شرح على اُصول الكافي، وكذلك الملاّ صالح المازندراني(رحمه الله) له شرح مشهور على اُصول الكافي أيضاً.

    وفي القرن الحادي عشر اُلّف ما يقارب (30) شرحاً لعدّة أجزاء من كتاب الكافي.

    وقد قام العلاّمة المجلسي(رحمه الله) بتأليف كتاب مرآة العقول في شرح كتاب الكافي، وألّف كتاب ملاذ الأخيار في شرح كتاب تهذيب الأحكام، ويعتبر كتاب بحار الأنوار أوسع وأشمل كتاب لشرح الأحاديث بشكلٍ عام، وفي هذا العصر ظهرت عدّة شروح للصحيفة السجّادية، منها: شرح السيّد علي خان المدني الشيرازي(رحمه الله) (في سبعة مجلّدات)، وسمّاه «رياض السالكين».

    رابعاً: التفسير بالمأثور

    يعتبر القرن الحادي عشر الهجري، قرن الظهور البارز للتفسير بالمأثور (التفسير الروائي)، وأدّى انتشار فكرة تفسير القرآن بالروايات إلى ظهور مؤلّفات جديدة في هذا المجال، ويعتقد المجلسي الأوّل(رحمه الله) بأنّ كلّ ما اُشكِل فهمه من القرآن الكريم فهو يحتاج إلى تفسير، ولا يمكن تفسيره إلاّ من خلال الروايات.

    واشتهر في ذلك العصر أربعة تفاسير روائية مهمّة، وهي:

    أ) تفسير الصافي: تأليف الفيض الكاشاني(رحمه الله) (ت 1091ه)، وكذلك ملخّصه باسم الآصفى.

    ب) تفسير البرهان: تأليف السيّد هاشم البحراني(رحمه الله) (ت 1109ه) ويحتوي على معظم الروايات التفسيرية (مع كون الكثير من الروايات الواردة في هذا الكتاب ضعيفة).

    ج) تفسير نور الثقلين: تأليف عبد علي بن جمعة العروسي(رحمه الله) (ت 1112ه)، وهو من أحسن ما كُتب في التفسير الروائي، وقد مدح العلاّمة الطباطبائي هذا التفسير.

    د) تفسير كنز الدقائق: تأليف الميرزا محمّد المشهدي(رحمه الله) (ت 1125ه)، والثلثان الأخيران من هذا التفسير وتفسير نور الثقلين متساويان ولا يوجد بينهما أيّ فارق.

    خامساً: الترجمة

    تعتبر نهضة الترجمة من أهمّ أحداث القرن الحادي عشر، فقبل ذلك العصر كانت أحاديث الأئمّة(عليهم السلام) والمعارف الإسلامية منحصرة بالعلماء وطلاّب العلوم الدينية، وكانت النصوص العلمية تُكتب باللغة



    ____________
    (1)الرواشح السماوية: ص24 مقدّمة المؤلّف.


    [34]
    *****





    العربية، ولم يكن الناس يتلقّون المعارف الدينية إلاّ من خلال المحاضرات والخطب، والتي لم تكن لها ثمرة علمية تُذكره.

    ولكنّ التأليف والكتابة باللغة الفارسية ـ ونشر المعارف الإسلامية بلغة سهلة يفهمها الناس ـ أدّت إلى تعرّفهم على هذا المنهل العلمي، وتُعتبر مؤلّفات: الملاّ محسن فيض الكاشاني، والشيخ البهائي، والمجلسي الأوّل، والعلاّمة المجلسي(رحمهم الله) المكتوبة بالفارسية في مقدّمة هذه المؤلّفات والكتب.

    فكتاب جامع عبّاسي المشهور لمؤلّفه الشيخ البهائي(رحمه الله)، وقد كتبه باللغة الفارسية، ويشبه هذا الكتاب الرسالة العملية توضيح المسائل، وترجم المجلسي الأوّل(رحمه الله) كتاب اللوامع للصاحبقراني في ضمن شرحه لكتاب مَن لا يحضره الفقيه، كما أنّ أكثر من نصف مؤلّفات العلاّمة المجلسي مكتوبة باللغة الفارسية ومعظمها ترجمة للأحاديث، ومن ضمنها: ترجمة عهد الإمام علي(عليه السلام) إلى مالك الأشتر، وتوحيد المفضّل، والزيارة الجامعة، ودعاء كميل، ودعاء السمات، وشرح دعاء الجوشن الكبير، وغيرها.

    وقد انتشرت هذه المؤلّفات في حياة العلاّمة المجلسي(رحمه الله) بشكلٍ كبير، وقد تحدّث عنها أحد طلاّب العلاّمة المجلسي وهو المير محمّد صالح خاتون آبادي(رحمه الله) قائلاً: «من النادر أن تجد في المدن الشيعية بيتاً يخلو من أحد المؤلّفات المكتوبة بالفارسية للعلاّمة المجلسي(رحمه الله)».

    سادساً: علوم الحديث

    انتشرت العلوم الحديثية أيضاً من قبيل: علم الرجال، والدراية في ذلك العصر واُلّفت في هذا المجال عدّة كتب في مواضيع مختلفة، وكتب الميرداماد(رحمه الله) حاشيته على رجال الكشّي، وألّف الرواشح السماوية والتي يبحث الجزء الأوّل منها في علوم الحديث.

    وقام الشيخ البهائي(رحمه الله) بكتابة أصغر وأجمل رسالة في علم مصطلح الحديث، وسمّاها الوجيزة، وكذلك ألّف كتاب مشرق الشمسين.

    وقد اُلّفت عدّة كتب رجالية في هذا العصر، ويعتبر المرحوم الأسترآبادي(رحمه الله) في الطليعة لكتابته ثلاثة كتب رجالية، وألّف كثير من العلماء الآخرين في علم الرجال، مثل: العلاّمة المجلسي، ويعتبر جامع الرواة لمؤلّفه محمّد بن علي الأردبيلي(رحمه الله) من أحسن ما كُتب في معرفة طبقات الرواة في ذلك العصر.

    ويعتبر القرنان الحادي عشر والثاني عشر عصر ظهور المؤلّفات والمعارف الحديثية بشتّى أنواعها.


    [35]
    *****





    الأسئلة

    1 ـ ما المقصود من تاريخ الحديث؟
    2 ـ ما هي أهمّية التعرّف على تاريخ الحديث؟
    3 ـ ما هي أهمّ فوائد التعرّف على تاريخ حديث الشيعة؟
    4 ـ اذكر ثلاث مميزات امتاز بها تاريخ الحديث عند الشيعة؟
    5 ـ هل أثّرت فترة منع تدوين الحديث على رواية الحديث الشيعي؟
    6 ـ ما هو الحديث الحجّة عند الشيعة؟
    7 ـ عبر أيّ وسيلة كان النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُشجّع على الحديث والتحديث؟
    8 ـ يُطلق لقب المحدَّثة على فاطمة الزهراء، إلى ماذا يشير هذا اللقب؟
    9 ـ بماذا تميّز الإمام علي(عليه السلام) عن باقي الصحابة فيما يتعلق بحديث النبي(صلّى الله عليه وآله و1سلّم)، فضلاً عن مقام الإمامة والعصمة؟
    10 ـ أيّ من الكتب أو الرسائل الصادرة عن الإمام علي(عليه السلام) اعتُبرت ميثاقاً للحكومة الإسلامية على مدى العصور؟
    11 ـ لماذا لم يصلنا من الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) إلاّ القليل من الأحاديث؟
    12 ـ لماذا يُعتبر عصر الإمام السجّاد(عليه السلام) من أصعب العصور التي مرّت على أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)؟
    13 ـ ما هي العوامل التي ساهمت في ازدهار الحديث في عصر الصادقَين (عليهما السلام)؟
    14 ـ اذكر أهمّ الإنجازات التي قام بها الصادقان (عليهما السلام) في مجال الحديث؟
    15 ـ ما هي أهمّ الأوضاع السياسية في عصر الصادقَين (عليهما السلام)؟
    16 ـ اذكر حجم وطبيعة التراث الحديثي الذي تركه لنا الصادقان (عليهما السلام)؟
    17 ـ ما هي الاُمور التي تساعدنا على فهم طبقات تاريخ الحديث المتداخلة في عصر ما بعد الصادقَين(عليهم السلام)؟
    18 ـ ما هي أهمّ طرق نشر الحديث في عصر ما بعد الصادقين(عليهم السلام).
    19 ـ لماذا قلّت رواية الأحاديث عن الأئمّة الجواد والهادي والعسكري(عليهم السلام)؟
    20 ـ ما هي أهمّ الآثار المهمّة لتواجد الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان في أواخر عام (200ه).
    21 ـ كيف كان أثر تواجد الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان وقيامه بالمناظرات التي كان يعدّها المأمون؟
    22 ـ ما هي التغييرات التي جرت على الحوزات في الكوفة وبغداد وقمّ في الفترة من (200ه) إلى (400ه)؟
    23 ـ متى اكتملت مدرسة بغداد الحديثية، وبجهود أيّ العلماء؟
    24 ـ تكلّم باختصار عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجري؟
    25 ـ ما هو دور الشيخ المفيد في الفكر الإسلامي؟
    26 ـ ما هي المميزات التي امتاز بها العصر الصفوي؟
    27 ـ ما هي الإنجازات التي تحقّقت في مجال علوم الحديث بين القرنين العاشر والثاني عشر؟


    [36]


    اللهم صل على محمد واله الطاهرين

    sigpic

    شكرا لمرورك الكريم

    تعليق


    • #3
      sigpic

      تعليق

      يعمل...
      X